ثلاثي قزوين... الاقتصاد يسبق السياسة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تقارير, قصة الغلاف

ثلاثي قزوين… الاقتصاد يسبق السياسة

قمة إيرانية روسية أذرية... قراءة في التفاهمات المشتركة والتباينات المتعددة

باكو (أذربيجان): أحمد طاهر*

* تمثل الملفات الاقتصادية والتجارية بين الأطراف الثلاثة محور هذه اللقاءات، وإن تركزت حول عدد محدد من القضايا موضع الاهتمام المشترك.
* رغم التقارب الروسي الأذري، والإيراني الأذري، فإن المواقف الحقيقية لروسيا وإيران لا تزال مؤيدة للاحتلال الأرميني للأراضي الأذرية.
* نجاح التعاون الاقتصادي كما هو مأمول من القمة مرهون بتحقيق تقارب سياسي يُوجِد مساحات من التفاهم المشترك بينهم.

استضافت العاصمة الإيرانية طهران في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 القمة الثلاثية الثانية التي تجمع رؤساء كل من روسيا وإيران وأذربيجان، إذ عقدت القمة الثلاثية الأولى في العاصمة الأذرية باكو في أغسطس (آب) 2016، على أن تعقد القمة الثلاثية الثالثة في العاصمة الروسية موسكو عام 2018، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول أهداف هذه القمم ونتائجها، فهل تمثل دورية انعقاد القمة خطوة تمهيدية نحو بناء تنظيم يجمع الأطراف الثلاثة ليتسع مستقبلا ليضم أطرافاً إقليمية أخرى؟ أم إنه مجرد لقاءات تستهدف التنسيق وتبادل الآراء والمناقشات حول بعض القضايا الدولية والإقليمية سواء الخلافية أو التعاونية بين الأطراف الثلاثة؟ وما هي مخرجات هذه القمة؟ هل تقتصر هذه المخرجات على مجرد بيان ختامي يحمل توقيع الرؤساء الثلاثة أم ثمة ترجمة عملية لما يتم الاتفاق عليه؟ وما هي المؤشرات الدالة على هذه الترجمة، إذا ما تم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟

فى خضم هذه التساؤلات، يستعرض هذا التقرير فعاليات هذه القمة وبيانها الختامي، من خلال المحاور التالية:

أولا: القمة الثلاثية الثانية… تعددية الملفات على جدول الأعمال

تكشف القراءة المتأنية لمّا نُشر في وسائل الإعلام بشأن هذه القمة من لقاءات وحوارات وما صدر عن رؤساء هذه الدول من تصريحات، إضافة إلى ما تضمنه البيان الختامي الصادر في نهاية اللقاء، عن كثرة الملفات على جدول أعمال المحادثات التي جمعت الزعماء الثلاثة، وهو ما يمكن أن نجمله في محورين رئيسيين: الأول اقتصادي، حيث تمثل الملفات الاقتصادية والتجارية بين الأطراف الثلاثة محور هذه اللقاءات، وإن تركزت حول عدد محدد من القضايا موضع الاهتمام المشترك، وبصفة خاصة مشروع شبكة السكك الحديدية المعروفة باسم ممر «شمال – جنوب» والتي من المفترض أن تربط أوروبا مع الهند ومنطقة الخليج العربي، وهو الخط الذي بدأ تشغيله بشكل تجريبي منذ ما يزيد على عام. إضافة إلى ذلك حظي ملف التعاون في مجال الطاقة (النفط والغاز) بدءا من التنقيب، مرورا بتطوير الحقول الموجودة، وصولا إلى مجال النقل، مع العمل على تعزيز التعاون في ساحات الطاقة العالمية.

أما المحور الثاني فيتمثل في الملف السياسي الأمني، إذ إنه رغم أهمية البعد الاقتصادي في هذه القمم، فإنها لم تكن اقتصادية بالمطلق، بل شملت كثيراً من القضايا السياسية ذات الاهتمام المشترك وتحديدا القضية السورية والملف النووي الإيراني إضافة إلى قضية مكافحة الإرهاب وهو ما أشار إليه بوضوح الرئيس الروسي بوتين في كلمته التي ألقاها في المؤتمر الصحافي المشترك في ختام القمة بقوله: «تطرقنا إلى الوضع الأمني في المنطقة بالتفصيل وكذلك المسائل المتعلقة بالاتفاق الخاص بالملف النووي الإيراني، وبالطبع الوضع في سوريا… وبفضل جهودنا المشتركة، وكذلك جهود تركيا… يتطور الوضع على الأرض في مجال مكافحة الإرهاب بصورة إيجابية جدا»، وهو ما أكده البيان الختامي الصادر عن القمة، إذ جاء فيه التأكيد على موقف الأطراف الثلاثة على تسوية النزاعات الإقليمية بأسرع ما يمكن على أساس القانون الدولي، والعمل على مواجهة الإرهاب والتطرف والجريمة الدولية المنظمة وتهريب الأسلحة والمخدرات وتجارة البشر ومكافحة الجرائم في مجال المعلومات، مع الامتناع عن تبني مواقف مسيسة وانتقائية في مجال حقوق الإنسان.

ثانياً: القمة الثلاثية… تحديات ماثلة أمام الجميع

من غير مبالغة القول إنه رغم ما قد يبدو أن القمة في دورتها الثانية قد بعثت برسائل مهمة حول توافق أطرافها الثلاثة على كثير من القضايا والملفات الدولية والإقليمية، بما قد يعني أن ثمة خطوات إيجابية تُتخذ نحو بناء تحالف ثلاثي الأبعاد يمكن أن يمثل بدوره لبنة لتشكيل تنظيم إقليمي أو دولي مستقبلي على غرار بعض التنظيمات التي تشكلت أخيرا كمجموعة «البريكس» على سبيل المثال، إلا أنه من المستبعد ذلك سواء على المدى القصير أو الطويل، نظرا لتباين مواقف الدول الثلاث حول كثير من الملفات بما فيها التي كانت محل اهتمام سواء القمة الأولى أو الثانية، ومن أبرز هذه الملفات التي تمثل تحديات ماثلة أمام الدول الثلاث ما يلي:

1- الموقف الروسي الإيراني من الاحتلال الأرميني للأراضي الأذرية (إقليم كاراباخ والأقاليم الستة الأخرى)، إذ من المعلوم أنه رغم التقارب الروسي الأذري، والإيراني الأذري، إلا أن المواقف الحقيقية لكل من روسيا وإيران لا تزال مؤيدة للاحتلال الأرميني للأراضي الأذرية، وهو ما يتطلب من البلدين انتهاج سياسة مغايرة تؤيد الحق الأذري في استعادة أراضيه المحتلة من أرمينيا، إذ إنه من الصعوبة بمكان أن تشهد علاقات أذربيجان تقاربا حقيقيا مع البلدين في حين تظل المناوشات مستمرة على حدودها مع أرمينيا، خصوصا وأن الواقع يؤكد على أن الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحصل عليه أرمينيا من البلدين يمثل العمود الفقري في تشدد الموقف الأرميني من حل أزمة كاراباخ، ويؤكد على ذلك أيضاً أن روسيا أحد الأطراف الثلاثة في مجموعة مينسك المكونة من الولايات المتحدة وفرنسا والمسؤولة عن حل الصراع بين البلدين.

2- الموقف الروسي الإيراني حيال الأزمة السورية، رغم ما قد يبدو أن ثمة تنسيقاً روسياً إيرانياً بشأن الكثير من الملفات والقضايا، حيث يذكر أن الرئيسين بوتين وروحاني اجتمعا منذ وصول الرئيس الإيراني روحانى إلى الحكم وحتى اليوم (9) مرات في روسيا وإيران وعلى هامش الاجتماعات الدولية، وهو ما تأكد كذلك خلال هذه القمة وما سبقها من لقاء جمع الرئيس الروسي بوتين مع المرشد الأعلى علي خامنئي، وعلى الرغم مما يبدو في العلن من توافق إيراني روسي بشأن الأزمة السورية خاصة في ما يتعلق بدعمهما المطلق للنظام السوري سياسيا وعسكريا، فإن ثمة تبايناً غير معلن في مواقفهما بشأن كيفية إدارة الأزمة سواء تعلق الأمر بالمنافسة على الوجود داخل الأراضي السورية، أو بشأن مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد، في ما يتعلق بترتيبات المرحلة الانتقالية وما بعدها، يدلل على ذلك ما جاء في كلمة الرئيس الروسي بوتين، حينما أراد التأكيد على التنسيق في الموقفين الروسي والإيراني بشأن سوريا، وذلك بقوله: «أود الإشارة إلى أننا نعمل مع إيران بشكل مثمر للغاية. ونتمكن من تنسيق المواقف حول القضية السورية»، إذ تكشف القراءة الدقيقة لهذا التصريح على أن ثمة رغبة روسية في التأكيد على أن هناك تنسيقا بين البلدين بشأن مواقفهما حول القضية السورية بما يعني أنه ليس هناك موقف واحد وإنما هناك أكثر من موقف ويتم التنسيق بينها.

3- الموقف الروسي الأذري الإيراني حيال ترسيم حدود بحر قزوين وتوزيع ثرواته وموارده، وهي قضية لا تزال تراوح مكانها منذ تفكك الاتحاد السوفياتي في أوائل تسعينات القرن المنصرم. صحيح أن القمة تطرقت إلى مناقشتها، كما أشار إلى ذلك الرئيس الروسي بوتين في كلمته: «نأمل التوصل قريبا إلى اتفاق بين كل الدول المطلة على بحر قزوين حول قواعد استخدام البحر وترسيم الحدود فيه»، إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذا هو الخطاب السائد منذ بدء الخلاف بينهم، في حين تسعى كل الدول المطلة على البحر إلى استغلال ثرواته دون تنسيق مشترك، بل قامت بعض أطرافه بالتنسيق مع أطراف دولية وتحديدا أميركية وأوروبية في استخراج هذه الثروات لبناء اقتصاداتها، ومن هذه الأطراف أذربيجان التي أبرمت عام 1994 ما عرف آنذاك بصفقة القرن وهي من أكبر الصفقات التي أُبرمت بشأن استغلال موارد البحر النفطية بالتعاون مع الشركات الأميركية الأوروبية، وتمثل هذه السياسة نقطة خلافية بين البلدان المطلة على البحر وتحديدا تباين الموقف الأذري مع كل من الموقفين الروسي والإيراني.

4- الاقتصادات المتشابهة: من المعلوم أن الدول الثلاث تعتمد اعتمادا شبة كلي على مواردها من النفط والغاز، وهو ما يُضعف حجم التعاون الاقتصادي بينهم نظرا لتشابه هياكلهم الاقتصادية. بمعنى أكثر وضوحا أن ما يقال حول توسيع مجالات التبادل التجاري بين البلدان الثلاثة أمر دعائي أكثر من كونه واقعا حقيقيا، وهو ما أشار إليه صراحة الرئيس الروسي بوتين بقوله: «من المعروف تماما أن روسيا وإيران وأذربيجان هم أكبر منتجين للهيدروكربونات، وذلك لا يعني أننا يجب علينا أن نتنافس، بل يعني أن علينا أن ننسق جهودنا… رغم وجود إنتاج كبير للهيدروكربونات في كل بلد من بلداننا، فهناك اهتمام بتوريد هذه المواد الخام إلى بعضنا البعض». والحقيقة أن هذا الهدف تحديدا هو ما تسعى إليه روسيا في محاولة لتخفيف تداعيات الحصار الاقتصادي المفروض عليها من الغرب منذ سيطرتها على «شبة جزيرة القرم» وضمها للدولة الروسية، ويؤكد ذلك ما ذكره بوتين في هذا الخصوص بقوله: «نحن نؤكد جاهزيتنا لتوريد الغاز إلى شمال إيران عبر أنظمة الأنابيب الأذربيجانية، الأمر الذي قد يمثل جدوى اقتصادية لشركائنا».

TEHRAN, IRAN – NOVEMBER 1, 2017: Russia’s President Vladimir Putin (C) and his aide Yuri Ushakov (R) during trilateral talks with Iran’s President Hassan Rouhani and Azerbaijan’s President Ilham Aliyev. Alexei Druzhinin/Russian Presidential Press and Information Office/TASS (Photo by Alexei DruzhininTASS via Getty Images)

فى ضوء هذه التحديات، يمكن القول إن القمة الثلاثية في دورتها الثانية لم تشهد تغيرا كبيرا في القضايا أو جديدا في المواقف حيالها، وإنما اتخذت مواقف مؤيدة وداعمة لما سبق أن تناولته الدورة الأولى للقمة التي عقدت في العاصمة الأذرية باكو، وهو ما قد يُعطي مؤشرا بأن هذه القمم مجرد لقاءات تشاورية وليست آلية عملية يمكن أن تشهد تطورا في المستقبل القريب والمنظور لاتخاذ قرارات ومواقف خاصة في الملفات السياسية، ويرجع ذلك إلى طبيعة تدشينها حيث كانت بمثابة مبادرة طرحها الرئيس الأذري إلهام علييف في اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي بوتين في فبراير (شباط) 2016، دون أن يتم وضع رؤى أو تصورات محددة للهدف من القمة أو جدول أعمالها، يتضح ذلك من تعددية الموضوعات محل النقاش دون أن تسبقها تحضيرات على مستوى الوزراء والممثلين المعنيين كما هو معتاد في كثير من اللقاءات التي تتم. أضف إلى ذلك عمومية التصريحات الواردة في كلمات الرؤساء في المؤتمر الصحافي في ختام القمة وفي النصوص الواردة في البيان الختامي الصادر في ختام القمة. فضلا عن ذلك أن كثيرا من الاتفاقات الموقعة على هامش هذه القمة لم تكن أذربيجان طرفا فيه خاصة في مجالي النفط والغاز، وإنما اقتصر دورها على كونها دولة ممر وهو ما اتضح في كلمة الرئيس الأذري بقوله: «التعاون بين دولنا يساعد في تعزيز الأمن الدولي والنقل العابر للحدود».

ولكن، رغم ما سبق، يمكن أن تشهد آلية القمة تطورا مستقبليا، خاصة في ظل دورية انعقادها بين الرؤساء الثلاثة، إذ إنه بلا شك من شأن اللقاءات المستمرة بين الرؤساء الثلاثة الإسهام في كثير من الحالات في تخفيف حدة التباين وخلق مساحات من التفاهم والتقارب بشأن بعض الملفات والقضايا الخلافية أو على الأقل في حدها الأدنى تجميد هذا الاختلاف ومنعه من التصعيد إلى درجة الخلاف وما قد يترتب عليه من توترات وتداعيات سلبية. كما يمكن أن تمثل القمة أساسا لنجاح التكامل الاقتصادي الأوراسي الذي تدعمه موسكو والتي تسعى من خلاله لبناء تكامل اقتصادي إقليمي في مواجهة التكتلات الاقتصادية المنافسة، يعزز من ذلك ما خلصت إليه القمة بشأن ربط ميناء بندر بن عباس في إيران بمدينة هلسنكي عبر أذربيجان وروسيا وأوروبا الشرقية والشمالية، فضلا عن العمل على ربط شبكة الكهرباء في الدول الثلاث، إضافة إلى اقتراح الرئيس الإيراني روحاني بشأن استخدام العملة المحلية للتعامل الاقتصادي بينهم وإن ظل هذا الاقتراح في طي الطموحات أكثر من قدرة أطرافه على تحويله إلى ممارسة عملية في ضوء ما يواجهه من صعوبات عدة.

نهاية القول إن نجاح هذه القمة وضمان استمراريتها يظل مرهونا بقدرة أطرافها الثلاثة على مواجهة التحديات سابق الإشارة إليها، خصوصا وأن نجاح التعاون الاقتصادي كما هو مأمول من القمة مرهون بتحقيق تقارب سياسي يُوجِد مساحات من التفاهم المشترك بينهم.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.