عشرة طاولة… مسارات السرد وجدل الجمالي والسياسي - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

عروض

عشرة طاولة… مسارات السرد وجدل الجمالي والسياسي

للروائي المصري محمد الشاذلي

غلاف رواية «عشرة طاولة»
غلاف رواية «عشرة طاولة»
غلاف رواية «عشرة طاولة»

حلوان (جنوب القاهرة) – د. يسري عبد الله*

* يمثل الحوار السردي جزءاً مركزياً من الرؤية السردية للنص، فعبره يتمم الكاتب رؤيته، ويستدرك سارده الرئيسي ما فاته.
* في النص شغف بلعبة الطاولة، حيث تتعامل الرواية معها بإنسانية شديدة، وتتتبع تاريخها أحياناً.

قد يصبح نص «عشرة طاولة» للروائي المصري محمد الشاذلي من النصوص التي يمكن لمتلقيها أن يدلف إلى جوهرها عبر الغلاف الدال الذي يحوي إحالة إلى لعبة النرد/ الطاولة، وبما يحيلك إلى العنوان ذاته الذي يعد مؤشرا على عالم من اللعب ومجابهة قسوة العالم، أو وفق دلالة نصية يحيل إليها كلام السارد/ البطل حين يسأله عبد الله سعيد عن سر شغفه بالطاولة بأنها «حوض سباحة مناسب للاسترخاء مما نحن فيه من أحوال»، فتبدو لعبة الطاولة/ النرد هنا بمثابة عالم من المتعة الخاصة العقلية والروحية، وتصبح بمثابة الإطار لعوالم متقاطعة ومتداخلة يحويها فضاء الرواية ويحيل إليها.
وعبر سارد رئيسي يقبض على زمام الحكاية في النص منذ المفتتح وحتى الختام، في رواية تتشكل من ثمانية عشر فصلا سرديا، يحكي لنا السارد/ البطل «رجائي متولي» الذي يحضر اسمه على نحو مباشر مرة واحدة، ما يدور في فضائه الاجتماعي الذي لم ينفصل في جوهره عن الفضاء السياسي/ الثقافي للواقع المصري في السنة الكابوسية لحكم الإخوان، وعبر حيز مكاني يضيق ويتسع، غير أنه يظل متسما بالتنوع، فمن الدقي، والمهندسين، والوراق، والعجوزة، وإمبابة، والسيدة زينب، والسيدة عائشة، ومنيل شيحة، إلى الرحاب، ثم بلبيس والشرقية، فضاءات مكانية متعددة يتحرك فيها شخوص الرواية المتنوعون: «خالد الشيخ/ كمال راشد/ آلاء/ عبد الله سعيد/ صلاح أبو الخير/ الدكتور نجم/ إسماعيل/ سحر/ الدكتورة فاتن الصيدلانية/ منال/ عاطف»، وغيرهم.

ويظل رجائي بمثابة الجامع ما بين كل شخوص الرواية وحكاياتها المتقاطعة، ومن ثم يبدو السرد موزعا على أكثر من مسار داخل الرواية، أما المسار الأول فأعني به مسار الرحلة إلى بلبيس واللعب مع حريف الطاولة الأكبر صلاح أبو الخير، هذه الرحلة التي يتقاسمها الأصدقاء الثلاثة: رجائي موظف الضرائب، وخالد الشيخ المحامي، وكمال راشد الموظف بوزارة الثقافة.

وهذا المسار يحوي جدلا رهيفا بين السياسي والجمالي، فهنا تبرز الحكايات عن حركة تمرد ومجابهة الإخوان، فالشاب البلبيسي «إيهاب» يوزع استمارات تمرد بحماسة شديدة، والحوارات السردية ما بين زبائن المقهى تتواتر عن القادم المجهول آنذاك، وصلاح أبو الخير يدخل في مشادة يومية مع إسماعيل صاحب المقهى عن الإخوان الذين باعوا الوطن، ويبدو صلاح مؤثرا السلامة، ويرى نفسه وفديا، ويراه إسماعيل متعاطفا مع الجماعة، حتى يضع صلاح أبو الخير يده في كوب يغتسل به من آثار لعب الطاولة، فإذا هو يصرخ لأن المياه الموضوعة في الكوب ليست سوى مادة حارقة، وحين يذهب صلاح للقسم لتحرير محضر تغلبه نخوته ويرفض اتهام «سلامة» عامل المقهى ويصدق أنه لم يفعل ذلك، يبدو صلاح أبو الخير شاغلا هذا المسار بامتياز، موظف في البريد يرث قطعة أرض كبيرة، تتناقص بفعل ظروف وملابسات كثيرة، فيقرر التمسك بما بقي منها، ويفتتح مشروعا يعاونه فيه الدكتور «نجم» الطبيب البيطري الذي يبدو متعاطفا مع الإخوان، ومدافعا عنهم، ويصبح سببا في توجه صلاح الظاهري إليهم، وربما هذا من الفراغات التي يكملها المتلقي، ويتركها الكاتب له، ثم يلوح صلاح أبو الخير من جديد مع ابنته المتزوجة التي يذهب إليها في الإسماعيلية ليزورها دوما، وابنته المعاقة التي تختزل الوجود جميعه في شخصه، فهي لا تعرف من العالم غيره بحكم مرضها العضال، ويبدو صلاح حانيا راضيا، لم يزل يملك القدرة على لعب الطاولة والتدخين والضحك والسخرية من العالم، هذه الوجهة الإنسانية هي التي خففت من غلواء السياسي ونسجت الجدل الرهيف بين الآيديولوجي والفني داخل هذا المسار السردي.
ثمة مسار سردي آخر يتبدى في علاقة آلاء برجائي، «آلاء» التي تمتلك نصف الحقيقة وتسعى لامتلاك نصفها الآخر عبر رجل يصبح في الغالب رجائي ذاته، المولع بالغموض، والمؤمن بأن كل شيء سيفصح عن نفسه في لحظة ما، وفي هذا المستوى ثمة حس صوفي يتجلى في علاقة آلاء بالموجودات من حولها، وهذا الحضور الصوفي يبرز عبر الأداء اللغوي متمثلا في بعض الاصطلاحات مثل الخلوة، والدرج، وغيرهما، ويبرز أيضًا عبر الممارسة الطقوسية المتمثلة في زيارة الأولياء، ومسجد أحمد ابن عطاء الله السكندري، ومسجد السيدة نفيسة.

ثمة مسار سردي ثالث يتمثل في علاقة السارد الرئيسي بالمرأة، هذا العالم المسكون بالزخم والشبق والحلم والتوتر المستمر أيضا، هنا مثلا تلوح الدكتورة فاتن التي نجا زوجها من القتل بأعجوبة يوما ما لأن الفارق بين عودة زوجها إلى البيت وخروجه منه لم تزد على طابق واحد بالمصعد.
تبرز هنا أيضًا «سحر» التي تملك قابلية مذهلة للحب، وتتطور العلاقة بينها وبين رجائي من مشهد تمثيلي في مسابقة للتمثيل في أحد الإعلانات إلى حقيقة فعلية تنتهي بخوفه منها، لأنها متزوجة فيفر من شقة أمها مدعيا أن صديقه دخل المستشفى وفي حالة حرجة.

وهناك أيضًا منال التي لم تمنعه صداقته بزوجها عاطف من اختلاس النظر إليها وإلى جمالها، لكنه يقرر أيضًا ألا يتصل بها، يبدو رجائي ذا سيكولوجية قلقة، يقول الكاتب على لسان بطله الرئيسي (رجائي): «لم يكن أحد موجودا في القرية، على ما يبدو، أو أنني لم ألحظ أحدا، وكنت أرمق بين الحين والآخر جانب الشاليه، باحثا عن شيء يخيفني دون جدوى».
ثمة مسار توثيقي يتمثل في الجانب التسجيلي عن مقدمات الثورة في 30 يونيو (حزيران) 2013، حيث تتواتر الإشارات الدالة إلى اعتصام المثقفين: «اقتربنا من منصة يقف فوقها موسيقيون معظمهم من الشباب، وخلفها صورة (بورتريه) وحيدة، سألت كمال عنها فقال إنها لإبراهيم أصلان مؤلف فيلم (الكيت كات)، الفيلم مأخوذ عن روايته (مالك الحزين)، لكن غاب اسم الرواية الأصلي مع رواج الفيلم الجميل، وتحت الصورة علقت لافتة: (ارحلوا)، وثلاث صور كلها عليها علامة (x)، وهي من اليمين إلى اليسار للشاطر وبديع ومرسي».

يشير محمد الشاذلي إلى أسماء حقيقية، مثل الإحالة إلى الكاتب الكبير إبراهيم أصلان، وأمكنة واقعية، حيث الإشارة إلى مقاهي حي الدقي ومطاعمه.
يمثل الحوار السردي جزءا مركزيا من الرؤية السردية للنص، فعبره يتمم الكاتب رؤيته، ويستدرك سارده الرئيسي ما فاته، ومن الأمثلة الدالة على ذلك الحوار ما بين الفتاة الثائرة ضد حكم الإخوان التي ترفع لافتة شهيرة تحيل إلى عالم متعين أيضًا «اللي بيكره الإخوان يضرب كلاكس»، وآلاء الفتاة النزقة الباحثة عن نصف الحقيقة، في انتظار أن تكملها مع رجائي متولي السارد/ البطل للرواية.
يلوح في الحوار إشارات دالة إلى العام 1972، أو ما سماه السادات عام الضباب، وما اعتبرته الأدبيات السياسية والفكرية ذروة الوهج للحركة الطلابية لجيل السبعينات في مصر، فيبدو والد الفتاة الثائرة محذرا إياها ورفاقها، من غدر التيارات الإسلامية، وضرورة الحذر منها، وهي التي صعدت على جسد الثورة والثوار للحكم في سنة حكم الإخوان.
يبدو السارد/ البطل غير متورط في السياسي، فانحيازاته الآيديولوجية واضحة في مجابهة الفاشية الدينية، لكنه يتعاطى مع الثورة من وراء حجاب، ولا يبدو منشغلا بها انشغالا كليا، «قلت ربنا يوفقكم لأنهي الحديث».
لا تعرف رواية عشرة طاولة للروائي محمد الشاذلي الزمن الخطي المتتابع، وإنما تتكئ على التداخل بين الأمكنة، ويبدو الزمن فيها تعبيرا جماليا عن قدرة السارد الرئيسي على استنفاد طاقات الحكي عن الأشياء، والمواقف السردية المختلفة، وفي إطار لعبة الدوائر التي تفضي بعضها إلى بعض وتسلم قارئها إلى إكمال الثغرات الزمنية والسردية في الحكاية، فحين يحكي عن رغبته في شراء طاولة والذهاب بها مع آلاء للشاليه الخاص بها في العين السخنة، يحيل إلى نزوله مع صديقيه كمال وخالد لشراء الطاولة من وسط المدينة.

وبعد… في النص شغف بلعبة الطاولة، حيث تتعامل الرواية معها بإنسانية شديدة، وتتتبع تاريخها أحيانا، وتأتي «الطاولة» هنا بوصفها جزءا من تاريخ الجماعة الشعبية على تنويعاتها، وصدى للحكايات الممتدة عن أماكن بيعها وأماكن لعبها الشهيرة أيضا، ويبدو محمد الشاذلي مقدما عالما خصبا ومتنوعا، يجدل فيه بين السياسي والفني، ويمزجه بحكايات إنسانية أنجع ما فيها صدقها الفني وعذوبتها، ويقدم روايته الأولى «عشرة طاولة»، بعد مجموعتين قصصيتين، هما: «لمس الأكتاف»، و«انعكاسات شكلية». ساعيا صوب التدشين لمنطقة تخصه في الكتابة السردية.

* أستاذ الأدب والنقد بجامعة حلون.

Previous ArticleNext Article
المحرّر الثقافي

يتابع الشأن الثقافي ويرصد الحركة الثقافية في الوطن العربي والعالم. الثقافة عند المحرّر الثقافي ليست معارض وكتبا فقط بل تتعداها الى كل مناحي الحياة.. كل شيء لا يحمل ثقافة لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالقراءة أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.