ليبيا بين ناري العصابات المسلحة والأجندات الخارجية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

ليبيا بين ناري العصابات المسلحة والأجندات الخارجية

حروب بالوكالة تعصف بمستقبل البلاد

صورة ارشيفية لمقاتل ليبي يحمل أسلحة في مجمع باب العزيزية في طرابلس
صورة ارشيفية لمقاتل ليبي يحمل أسلحة في مجمع باب العزيزية في طرابلس
صورة ارشيفية لمقاتل ليبي يحمل أسلحة في مجمع باب العزيزية في طرابلس

تونس: كمال بن يونس

* أوضاع ليبيا تزداد عنفاً، بسبب تشابك مصالح مجموعات مسلحة تستمد قوتها من مليارات التهريب والاتجار في الممنوعات.
* تأزمت الأوضاع الليبية تدريجياً، عندما انهارت حكومات طرابلس وأصبح البلد مقسماً بين أمراء حرب محليين.
* أنصار اتفاق الصخيرات وخصومهم يختلفون في تقييم الميليشيات المتصارعة وتحليل هويتها وأهدافها وتحالفاتها الخارجية.

توقعت أغلب البعثات الدولية والأممية في تونس وطرابلس ونيويورك أن يؤدي تعيين اللبناني غسان سلامة رئيسا جديدا لبعثة الأمم المتحدة المكلفة بملف ليبيا إلى وقف ما تشهده البلاد من اقتتال وصراعات مصالح بين الميليشيات المسلحة و«أمراء الحرب» الذين يستمدون قوتهم من نهب ثروات دولتهم المنهارة منذ 2011 وتهريبها بالتحالف مع شبكات تهريب إقليمية تشابكت مصالحها مع مافيات إجرامية دولية.
وتوقعت تلك البعثات أن ينجح سلامة حيث فشل أسلافه، اللبناني طارق متري، والاسباني برنارددينو ليون، والألماني مارتن كوبلر.
لكن تطورات الواقع على الأرض تكشف أن أوضاع ليبيا تزداد عفنا، بسبب تشابك مصالح مجموعات مسلحة تستمد قوتها من مليارات التهريب والاتجار في الممنوعات وليس لها أي علاقة بالشعارات الإسلامية التي ترفعها مثل الجهاد وتطبيق الشريعة.
فما هي أبرز الميليشيات المسلحة الليبية التي تطور زعماؤها إلى «أمراء حرب» يشبهون كبار مهربي المخدرات والأسلحة في أفغانستان وعواصم الكوكايين والهيروين في أميركا اللاتينية؟
وما هي أبرز الجهات الخارجية التي تتسبب في إغراق 6 ملايين ليبي في مستنقع العنف والإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والفقر والحرمان رغم ثروات بلدهم التي تصنفه ضمن أغنى دول العالم؟
وما هو مستقبل ليبيا والدول المجاورة لها بناء على هذه المستجدات؟
عندما تطرح مثل هذه التساؤلات على مثقفين وإعلاميين ليبيين فروا من بلدهم بعد انهيار نظام معمر القذافي الذي حكم بلده 42 عاما، مثل خبير الشؤون الدولية مصطفى الفيتوري، تسمع تحسرا على الماضي وتفسيرا لبروز الميليشيات والجريمة المنظمة بتدمير الحلف الأطلسي وحلفائه للدولة المركزية في طرابلس في 2011.
ويلتقي حول هذا التقييم معارضون سابقون لحكم القذافي ممن ساهموا في الثورة المسلحة ضده مثل مصطفى الساقزلي الذي يرأس مؤسسة تدعمها عواصم عربية وتركيا وجهات غربية هدفها إقناع المسلحين بتسليم أسلحتهم والمشاركة في دورات تدريب مهني أو دخول الجامعات العالمية.

تسليم الأسلحة

يقول مصطفى الساقزلي: نجحنا عامي 2012 و2013 في إنقاذ آلاف المشاركين السابقين في العمليات المسلحة ضد حكم معمر القذافي عبر مسار متكامل لتسليم أسلحتهم وإدماجهم في الحياة المدنية. لكن غالبيتهم انخرطوا في ميليشيات مسلحة وفرت مزيدا من الأسلحة والأموال بما فيها تلك التي يوفرها قادة العصابات التي تسرق يوميا مئات آلاف براميل النفط وتقوم ببيعها خلسة إلى مهربين كبار ليبيين وعرب وأتراك وأوروبيين وأميركان بما يذكر بالمهربين وقادة الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية التي تستمد قوتها من تهريب المحروقات والآثار والمعادن الثمينة والمهاجرين غير القانونيين في سوريا والعراق وأفغانستان ونيجيريا وتشاد ومالي والنيجر والصومال.

شركاء من المافيات والرسميين

ويعتبر فؤاد عوام الكاتب العام لمؤسسة رجال الأعمال الليبيين والتونسيين، وهو من بين المقربين السابقين للقذافي، أن من بين ما يعقد أزمة ليبيا الحالية أن بعض الميليشيات المسلحة المعارضة للقذافي اعتمدت منذ 2011 في تمويلها على الجريمة المنظمة والسرقات والتهريب والاتجار غير المشروع في الأسلحة والمخدرات والآثار والمواد المدعومة من الحكومة. وقد تواصلت نفس الظاهرة بعد انهيار مؤسسات الأمن والدفاع الوطني.
ويمضي فؤاد عوام قائلا: «والأخطر أن عواصم عربية ودولية غضت الطرف أول الأمر عن تهريب آلاف المجرمين الخطرين من السجون وسمحت بانخراطهم في ميليشيات مسلحة وصفت نفسها بالثورية قبل اغتيال معمر القذافي. ثم سمح لها بتشكيل ما سمي (غرف ثوار ليبيا) التي سماها مراقبون ليبيون (غرف صعاليك ليبيا). وقد استفاد مسلحو تلك (الغرف الثورية) من الأسلحة التي سلمت لهم قبل إسقاط النظام وتلك التي سيطروا عليها بعد أكتوبر (تشرين الأول) 2011 والتي قدر عددها بحوالي 20 مليون قطعة سلاح بينها أنواع كثيرة من الأسلحة الثقيلة».

أصحاب سوابق… وخريجو سجون

كما استفحل الأمر في ليبيا في نظر الجامعي مصطفى الفيتوري عندما دمرت قوات حلف الأطلسي البنية الأساسية العسكرية والأمنية للنظام الليبي السابق، وانسحبت من البلد دون أن تسحب الأسلحة من المقاتلين بل تركته تحت رحمة مجرمين كبار فارين من ذوي السوابق الخطيرة ممن رفعوا شعارات دينية وسياسية ونصبوا أنفسهم أمراء وزعماء بالاشتراك مع آلاف المقاتلين العائدين من أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن ومالي. وكانت النتيجة أن تداخلت أجندات المافيات الإيطالية والأوروبية والأفريقية التي سال لعابها على ثروات ليبيا الضخمة مع أجندات أمراء الحرب العائدين من بؤر التوتر وأولئك الذين وظفتهم مافيات سياسية ومالية ليبية وخليجية وتركية وأوربية وأميركية في لعبة المحاور وحروب الاستنزاف الداخلية.
وفي وقت قصير أصبحت الطرقات الرابطة بين مدن ليبيا وشوارع تلك المدن وبينها العاصمة السياسية طرابلس والعاصمة الصناعية مصراتة وعاصمة الشرق بنغازي مسرحاً للسرقات والنهب والتهريب بزعامة مجموعة من ذوي السوابق العدلية المتحالفين مع سياسيين وعسكريين موالين لمحاور عربية عدة، من جهة، ولعواصم أوروبية تتصارع على النفوذ في ليبيا ومنها روما وباريس وبرلين ولندن.

ميليشيات أم جيوش نظامية؟

ويشير الخبير الليبي أحمد الأطرش إلى تزايد نفوذ العصابات المسلحة وحلفائها من قادة المافيات الإجرامية في إيطاليا ودول المنطقة مما تسبب في الخلط الذي وقع منذ 2011 بين الجيش النظامي والمقاتلين السابقين ضد حكم القذافي.
فقد قررت الحكومات المتعاقبة إدماج من وصفوا بالثوار في الجيش الليبي. ووقع تقديرهم بحوالي 15 ألفا. لكن الإحصائيات أثبتت لاحقا أن أكثر من مائة ألف شاب من أعضاء الكتائب المسلحة السابقة انضموا إلى الجيش النظامي بسبب ما جرى في الكواليس بين ممثلي قبائل وعشائر وبعض اللوبيات الحزبية والسياسية والآيديولوجية.
وتدهورت الأوضاع أكثر عندما تورط بعض المحسوبين على المؤسسة العسكرية في اغتيال نخبة من قيادات الأمن والجيش والحكم والمجتمع المدني. ثم شارك بعضهم في الصراعات العنيفة والمسلحة بين قوات العاصمة طرابلس والمنطقة الوسطى بقيادة جنرالات مدينة مصراتة وحلفائهم من بين المسلحين العائدين من مخيمات ميليشيات «القاعدة» و«داعش» و«أنصار الشريعة» و«عقبة بن نافع» في أفغانستان وسوريا والعراق ومالي وجنوبي الجزائر وتونس ومصر.
وقد تمركز أغلب هؤلاء المقاتلين القدامى في المنطقتين الوسطى والشرقية وخاصة درنة والبيضاء وبنغازي وسرت. وحافظ أغلبهم على علاقاته بأمراء الحرب خارج ليبيا وبالمؤسسات النفطية الأوروبية التي تحلم بمزيد من بسط نفوذها على محروقات البلاد من «ايني» الإيطالية إلى «توتال» الفرنسية و«بريتش غاز» البريطانية و«شل» المتعددة الجنسات.

الدواعش غرباء عن ليبيا

وفي موطن الرئيس الليبي السابق، سرت، تحالف مسلحون محليون مع الدواعش وحلفائهم في معارك استهدفت أنصار حكومة طرابلس، في نفس الوقت الذي استهدفت فيه معارضيها في المشرق الليبي وجنوبه بزعامة الجنرال خليفة حفتر وحلفائه.
ويتساءل الخبير علي محمود صالح: ما معنى وجود تنظيم داعش في ليبيا إذا علمنا أن الأمر يتعلق بتنظيم مسلح وإرهابي يصف نفسه بكونه دولة إسلامية في الشام والعراق؟ ما هي علاقة ليبيا بالشام والعراق؟
في نفس السياق يتساءل السياسي الليبي محمد الصادق الورفلي عن الكيفية التي انتقل بها آلاف المقاتلين الفارين من أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا إلى ليبيا ودول الساحل والصحراء الأفريقية. ويشير إلى أن دول حلف الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية تسهل هذا الأمر حتى تبعد الخطر عن قواتها التي دخلت في حرب شاملة مع تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين؟
وهل لم تكن النتيجة عكسية، لأن مخاطر الإرهاب والتهريب استفحلت في المشرق وتعقدت في ليبيا والدول المجاورة لها بما فيها بلدان جنوب الاتحاد الأوربي؟

تغلغل داعش

وتأزمت الأوضاع تدريجيا، عندما انهارت حكومات طرابلس وأصبح البلد مقسما بين أمراء حرب محليين. وكان الدواعش وزعماء العصابات المسلحة من أول المستفيدين من المعارك الشرسة التي تشهدها ليبيا منذ صيف 2014 للسيطرة على المطارات والموانئ في طرابلس وبنغازي وزوارة ومصراتة.. وعلى عدة منافذ برية مع دول جوار، وعلى سواحل غرب طرابلس التي تستخدم في التهريب إلى إيطاليا ومالطة، مثلما يورد الخبير الليبي السنوسي البسيكري.
لكن أنصار الاتفاق الأممي حول التسوية السياسية المبرم في الصخيرات المغربية في أواخر 2015 وخصومهم يختلفون في تقييم الميليشيات المسلحة المتصارعة وتحليل هويتها وأهدافها وتحالفاتها الخارجية وعلاقاتها بعدد من المافيات والأنظمة العربية والأفريقية والأوربية التي لديها أطماع في ليبيا.
وتسمع في ليبيا قراءات متعددة من جهات مختلفة للمشهد الأمني والاقتصادي الليبي بعد أن شحت موارد البنك المركزي وأصبحت بقايا مؤسسات الدولة في طرابلس وبنغازي وطبرق تحتاج إلى دعم مالي خارجي.
وعلى هذا الصعيد يتسابق الساسة وصناع القرار في اتهام بعض القوات بالولاء لجهات خارجية ومافيات دولية تستهدف وحدة ليبيا وأمنها.

حلفاء وأوراق

في هذا السياق يتهم أنصار النظام السابق والمنتقدون لاتفاق الصخيرات ميليشيات في طرابلس ومصراتة والمنشقين عنها بالضلوع في القتل والتخريب والإرهاب والتهريب بالتعاون مع حلفاء من الخارج ومع قيادات سابقة من المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين ومنشقين عن الزنتان.
ويقول هؤلاء إن ليبيا أصبحت منذ أعوام من بين الدول التي تشهد حربا عالمية بالوكالة تتقاطع فيها أجندات بعض الشركات العملاقة في الدول العظمى بمصالح عصابات التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة المحلية والإقليمية.
وفي كل الحالات تتغير التسميات وتتنوع أهداف الخارجين عن القانون وتتقاطع مصالحهم في بلدان جنوب أوروبا مع أنصار الفوضى والتهريب والاقتصاد الموازي والتطرف في بلدان جنوب المتوسط… والنتيجة واحدة: المزيد من الحروب بالوكالة في البلدان العربية.

Previous ArticleNext Article
كمال بن يونس

كاتب وإعلامي تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.