اللاجئون يغيّرون وجه القارة العجوز ديموغرافياً - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, قضايا

اللاجئون يغيّرون وجه القارة العجوز ديموغرافياً

المسؤول القانوني بوزارة الداخلية النمساوية والمشارك في وضع التقرير لـ«المجلة»: الدراسة تعتمد على الأدلة وتؤدي دوراً مهماً في دعم صناعة السياسات في أوروبا

حكومة النمسا تنشر إحصائية للتعامل مع أزمة اللاجئين في أوروبا

• أكثر من نصف طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي عام 2016، وعددهم 1.260.350، من سوريا والعراق وأفغانستان.
• 40ألف سؤال كل ثانية على «غوغل»… وكلمات «لجوء»، و«هجرة»، و«تهريب»، و«أوروبا»، هي الشائعة بين يناير 2014 وفبراير 2017.
• الخارجية النمساوية: أكثر من ثلثي السوريين والعراقيين يستخدمون «فيسبوك»، بينما يستخدم من 0.2 إلى 1.6 % «لينكدإن»، و«إنستغرام»، و«تويتر».
• 1150حساباً على «فيسبوك» يتم استخدامها في جلب المهاجرين لجني آلاف الجنيهات، بـ«عروض جذابة غير واقعية»، منها زيجات صورية وتصاريح عمل مزيفة,
• وفقًا للبيانات المنشورة في التقرير يشكل المهاجرون من سوريا والعراق وأفغانستان 52 % من طالبي اللجوء.
• تعاني اتفاقية المشاركة في تحمل الأعباء التي وافقت عليها دول الاتحاد الأوروبي عام 2015 من البطء وتراجع التنفيذ… فمن بين 160 ألف لاجئ من المقرر قبولهم بموجب هذه الخطة تم نقل وتسكين 21 ألفا فقط.
• مُنحت أنقرة ستة مليارات يورو لتُعينها على استيعاب ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ على أراضيها… وبدءًا من فبراير العام الحالي قبلت دول الاتحاد الأوروبي 3565 شخصًا فقط من تركيا.
• تبنت إيطاليا العام الحالي نهجاً صارماً لإيقاف الهجرة عبر البحر المتوسط بالتعاون مع حرس السواحل الليبي وبعض القبائل لينخفض عدد المهاجرين إلى إيطاليا بنسبة 87 % مقارنة بالعام الماضي.
• وصل 138.360 مهاجرا إلى القارة العجوز عبر إيطاليا واليونان وأسبانيا وبلغاريا في الفترة من يناير إلى سبتمبر العام الحالي… مما تسبب في خسائر بشرية فادحة إذ أرتفع عدد اللاجئين الذين لقوا حتفهم منذ مطلع العام إلى 2700 شخص.
• الداخلية النمساوية لـ«المجلة»: الدول التي استقبلت أغلب طالبي اللجوء منذ عام 2015 تتعرض لتغير في التوزيع الديموغرافي… وبسبب هذا التخوف استطاعت الأحزاب اليمينية جذب ناخبين من جميع الأطياف السياسية.
• 85 % من طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي عام 2016 أقل من 35 عامًا، بينما يعد ثُلث المتقدمين (32 %) من القُصَّر الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا.
• تشير إحصائيات نشرتها يوروستات التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن القُصَّر غير المُصَاحَبين من أفغانستان تقدموا بأكبر عدد من طلبات اللجوء في أوروبا خلال العامين الماضيين بنسبة تفوق أي جنسية أخرى.
• الإحصائيات النمساوية: 62 % من المتقدمين السوريين والعراقيين من الذكور الشباب غير المتزوجين وغير المُصَاحَبين… وهو ما يمكن أن يؤثر على التوازن بين الجنسين… كما أن هناك علاقة بين المجتمعات الذكورية وارتفاع معدلات العنف والتمرد والعنف الجنسي ضد المرأة.

لندن – ياسمين الجريسي:

منذ عام 2015، تمر أوروبا بواحدة من أكبر موجات تدفق المهاجرين واللاجئين من خارج القارة في تاريخها. هربًا من حرب أهلية واضطهاد وفقر وإرهاب، وسعيًا إلى حياة أفضل في مناطق أكثر أمنًا ورخاءً، تفر أعداد هائلة من البشر من الشرق الأوسط وأفريقيا مخاطرين بحياتهم على طول الطريق.
قبل عامين، أقلق آلان كردي، الطفل السوري ذو الثلاثة أعوام الذي ظهرت صورته وهو ملقى على وجهه على سواحل تركيا، ضمير القارة. وعلى الرغم من حدوث تغيير كبير منذ وصول الأزمة إلى ذروتها في عام 2015 وتصدر ذلك عناوين الأخبار في الغالب، تقع الهجرة في صميم الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها أوروبا، ولا يوشك هذه الواقع أن يتغير.
في تعامله مع هذا التدفق غير المسبوق للمهاجرين، يتحرك الاتحاد الأوروبي على جبهات مختلفة، وقد اتفق على مجموعة من الإجراءات. ولكن بدأت الجهود التي بُذلت سريعًا منذ عامين في ذروة الحرب الأهلية السورية في الترنح. وتعاني اتفاقية المشاركة في تحمل الأعباء التي وافقت عليها دول الاتحاد الأوروبي الـ28 جميعًا في 2015 لتخفيف الضغط على دول «الخطوط الأمامية» من بطء التقدم وتراجع التنفيذ. ومن بين 160 ألف لاجئ من المقرر قبولهم بموجب هذه الخطة، تم نقل وتسكين ما لا يقل عن 21 ألفا فقط.

كذلك ظهرت إشكالية في اتفاقية منفصلة مثيرة للجدل بين الاتحاد الأوروبي وتركيا أُبرمت في العام الماضي لإيقاف تدفق المهاجرين واللاجئين الفارين إلى القارة من الشرق الأوسط. في مقابل تقديم تركيا للمساعدة على إيقاف تدفق السوريين عبر اليونان والبلقان، مُنحت أنقرة ستة مليارات يورو لتُعينها على استيعاب ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ على أراضيها. كذلك تعهد الاتحاد الأوروبي باستقبال أعداد أخرى من السوريين مع مرور الوقت. ولكن بدءًا من فبراير (شباط) في العام الحالي، قبلت دول الاتحاد الأوروبي 3565 شخصًا فقط من تركيا. كما وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع أفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 يُلزم الحكومة الأفغانية بقبول عودة عدد غير محدود من طالبي اللجوء الذين تتم إعادتهم من دول أعضاء في الاتحاد.
وفي العام الحالي، تبنت إيطاليا نهجًا صارمًا لإيقاف الهجرة عبر البحر المتوسط من شمال أفريقيا، إذ عملت مع حرس السواحل الليبيين بالإضافة إلى قبائل جنوب ليبيا، واتخذت إجراءات حازمة ضد منظمات المجتمع المدني التي تعمل قبالة ساحل الدولة. وبدورها، عززت الدول المجاورة لإيطاليا – فرنسا وسويسرا والنمسا – تأمين حدودها، لتقوم الشرطة بإعادة المهاجرين إلى إيطاليا. وفي أغسطس (آب)، انخفض عدد المهاجرين إلى إيطاليا بنسبة 87 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

وعلى الرغم من انخفاض العدد الإجمالي للاجئين الذين يصلون إلى أوروبا، يستمر عشرات الآلاف منهم في التدفق إلى القارة. وصل 138.360 مهاجرا عبر إيطاليا واليونان وأسبانيا وبلغاريا في الفترة من يناير (كانون الثاني)- سبتمبر (أيلول) عام 2017 (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 9 أكتوبر 2017). وتستمر هذه الحركة إلى أوروبا في إحداث خسائر بشرية فادحة إذ يرتفع عدد اللاجئين الذين يلقون حتفهم أثناء محاولاتهم. ومنذ مطلع عام 2017 من المعتقد أن ما يزيد على 2700 شخص قد لقوا مصرعهم أو فُقِدوا أثناء عبروهم البحر المتوسط. لا تنتهي هذه المخاطر بمجرد الوصول إلى أوروبا. وردت بلاغات غير نظامية ممن مضوا قدمًا في طريقهم تفيد بأنهم تعرضوا لأنواع من الإساءات، منها إعادتهم إلى خارج الحدود. وينتقل الأشخاص الذين يبحثون عن طرق بديلة باتجاه الغرب، كما يتضح ذلك في الارتفاع الأخير لعدد المهاجرين الذين يصلون إلى أسبانيا قادمين من شمال المغرب، بينما يغير آخرون وجهتهم يائسين إلى وجهات جديدة مثل اليمن.

النمسا: دراسة شاملة لاتجاهات الهجرة الشائعة

وفي حين يستمر الاتحاد الأوروبي في سعيه إلى حل طويل الأجل لأزمة اللاجئين، نشرت وزارة الخارجية النمساوية والمكتب الفيدرالي للهجرة واللجوء دراسة شاملة لاتجاهات الهجرة الشائعة ووسائل التواصل الاجتماعي الطبوغرافيا في سوريا والعراق وأفغانستان، من أجل تحسين المعرفة بتعقيدات الديناميكيات الراهنة في أزمة اللاجئين.
أوضح بيتر ويبينغر، نائب المدير العام للشؤون القانونية في وزارة الداخلية النمساوية، والمشارك في وضع التقرير، لـ«المجلة» أن الحكومة النمساوية تجاهد من أجل «وضع سياسات تعتمد على الأدلة وبالتالي يؤدي البحث دورًا مهمًا».
قال ويبينغر: «نؤمن بصفة عامة أن الأبحاث في مجال الهجرة مهمة لدعم صناعة السياسات. وبالتالي بدأنا في نشر أبحاث متعلقة بالهجرة، وهي متاحة عبر موقعنا الإلكتروني www.bmi.gn.at. وفي الوقت الحالي، تركز الأبحاث بدرجة كبيرة على الدول الأصلية للاجئين».

اتجاهات المهاجرين

وفقًا للبيانات المنشورة في التقرير، يشكل المهاجرون من سوريا (399.265) والعراق (130.015) وأفغانستان (186.595) أكثر من نصف (52 في المائة) طالبي اللجوء البالغ عددهم 1.260.350 الذين تقدموا بطلب الحصول على حماية دولية في دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي عام 2016. لوحظت زيادة كبيرة في أعداد المتقدمين من الدول الثلاث فيما بين عامي 2013 و2016. وتم تسجيل أكبر زيادة حتى الآن فيما بين عامي 2014 و2015، عندما وصل عدد المهاجرين غير النظاميين الوافدين إلى الاتحاد الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير الزيادة القياسية في عام 2015 إلى أكبر تدفق سنوي لطالبي اللجوء في أوروبا منذ عام 1985، لتصبح هذه الموجة لطلب اللجوء هي أكبر ما شهدته القارة منذ الحرب العالمية الثانية.

ويظل الصراع الدائر في سوريا الذي اندلع عقب احتجاجات الربيع العربي عام 2011 هو أكبر دافع للهجرة. وتعرَّض حوالي مليوني سوري للنزوح داخل البلاد مع نهاية عام 2012، ومع تصاعد قوة الجماعات المعارضة لنظام الرئيس بشار الأسد واستمرار «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم داعش في التوسع في أنحاء سوريا، ارتفع عدد النازحين داخليًا إلى 6.6 مليون شخص بنهاية عام 2015 (بيو غلوبال). على مستوى العالم، حلت سوريا محل أفغانستان كمصدر رئيسي للاجئين حول العالم، وهي المرتبة التي كانت أفغانستان تحتلها لسوء حظها على مدار أكثر من ثلاثة عقود. (المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 2015). وتظل أفغانستان واحدة من أكثر البلدان عنفًا واضطرابًا في العالم، حيث وقعت أسيرة حرب خاسرة بين داعش وطالبان. ووصل النزوح في الوقت الحالي إلى أعلى معدلاته، حيث نزح مليون شخص داخل البلاد، بينما يسعى ثلاثة ملايين شخص إلى طلب السلامة في دول أخرى.

• عدد المهاجرين غير النظاميين الوافدين إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2015 هو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
• المفوضية السامية لشؤون اللاجئين: بنهاية عام 2015 أصبحت سوريا هي المصدر الرئيسي للاجئين وهي المرتبة التي كانت أفغانستان تحتلها أكثر من ثلاثة عقود.
• 2.6 مليون نازح عراقي داخل البلاد بنهاية عام 2008. بسبب العنف الطائفي… ثم انحسر العدد بانحسار الحرب الأهلية.

في العراق، أدى العنف الطائفي إلى نزوح 2.6 مليون شخص داخل البلاد مع نهاية عام 2008. ثم انحسر عدد العراقيين النازحين داخل بلادهم مع انحسار شدة الحرب الأهلية. بيد أن الحملات المسلحة التي شنها تنظيم داعش سريعًا ما أجبرت المزيد من السكان على الخروج من ديارهم. وارتفع عدد العراقيين النازحين داخليًا من عدد يقل قليلًا عن مليون شخص في 2013 إلى أكثر من 4.4 مليون شخص بحلول عام 2015 (بيو غلوبال).
لم يتم توزيع طالبي اللجوء من البلدان الثلاثة على نحوٍ متساوٍ حول أوروبا، إذ استقبلت بعض الدول عدد طالبي لجوء أكبر من المتوسط الأوروبي. وبعد أن وصل عدد المتقدمين بطلبات لجوء من سوريا وأفغانستان والعراق إلى 493.690 في ألمانيا عام 2016، حققت رقمًا قياسيًا بنسبة 74 في المائة من المتقدمين بالطلبات في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، تليها اليونان (35.880).
يتكون النسيج الاجتماعي للمجتمع السوري والعراقي والأفغاني من جماعات دينية وإثنية متعددة. على سبيل المثال، يضم السكان العراقيون العرب والأكراد والتركمان والكلديين والآشوريين والأرمن. كذلك التكوين الديني متعدد ويضم مسلمين من الشيعة والسنة (من العرب والأكراد) والعلويين والمسيحيين (من الكلديين والآشوريين) والأيزيديين.
ومع أن تدفق اللاجئين لن يغير كثيرًا من ديموغرافية أوروبا في أي فترة قريبة، صرح بيتر ويبنيغر لـ«المجلة» بأن الدول التي استقبلت أغلب طالبي اللجوء منذ عام 2015، «تتعرض بالتأكيد لتغير في التوزيع الديموغرافي».
من خلال استغلال مشاعر الخوف والقلق مما تعنيه المستويات غير المسبوقة من الهجرة والتغيير الديموغرافي لنسيج المجتمع، استطاعت الأحزاب اليمينية الشعوبية جذب ناخبين من جميع الأطياف السياسية. وزاد صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في السياسة الأوروبية السائدة، والخطاب المستخدم لاستغلال أزمة الهجرة، من حدة المخاوف حول احتمالية إضعاف هوية وطنية مشتركة وتماسك اجتماعي؛ كما أثار خلافات واسعة حول فشل الاندماج والتعددية الثقافية.

أوروبا وتحديات الاندماج

حتى الآن تركز السياسة الأساسية التي تتبعها الحكومات الأوروبية على إنقاذ حياة الناس في البحر؛ وتقديم دعم طارئ للاجئين وطالبي اللجوء؛ وتشديد الرقابة على الحدود؛ وتحسين آليات التنسيق الدولي والمشاركة في تحمل العبء. تلك الإجراءات أساسية، ويجب مواصلة تنفيذها وفي بعض الحالات تعزيزها. ولكن من الضروري أن تكملها إجراءات تهدف إلى دعم اندماج هؤلاء اللاجئين الذين من المرجح أن يستمروا في الدولة المضيفة.
إن المزيج المتنوع من الجنسيات والعرقيات والأديان، بالإضافة إلى تنوع دوافع الهجرة والملفات الفردية لطالبي اللجوء وتركيز التدفق في بضع دول فقط، يعني أن تحديات الاندماج كبيرة لا سيما في ظل وتيرة التغيير القائمة. ويتطلب الاندماج الناجح إجراءات وأدوات سياسية شاملة ومدروسة جيدًا. وهي لن تحقق منافع اقتصادية ومالية فقط، بل تعد أيضا عنصرًا مهمًا لدعم التماسك الاجتماعي.
كانت أعمار أربعة من كل خمسة (82 في المائة) من طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي في عام 2016 أقل من 35 عامًا، ويبلغ من تتراوح أعمارهم ما بين 18-34 عامًا أكثر قليلًا من نصف العدد الإجمالي (51 في المائة)، بينما يعد ثُلث المتقدمين (32 في المائة) من القُصَّر الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا.

يتنشر هذا التوزيع العمري لطالبي اللجوء في الدول الثلاث محل الدراسة، إذ تنتمي أكبر نسبة من المتقدمين إلى الفئة العمرية 18-34. بيد أن أفغانستان أوردت نسبة أكبر لطالبي اللجوء الذين تقل أعمارهم عن 14 عامًا (17.9 في المائة). تشير إحصائيات نشرتها يوروستات التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن القُصَّر غير المُصَاحَبين (ويندرج تحت هذا الاسم من تقل أعمارهم عن 18 عامًا) من أفغانستان تقدموا بأكبر عدد من طلبات لجوء في أوروبا خلال العامين الماضيين بنسبة تفوق أي جنسية أخرى.
ويوضح توزيع المتقدمين بطلبات اللجوء لأول مرة حسب النوع أن عدد الرجال المتقدمين بالطلبات أكبر من عدد النساء. ففي سوريا والعراق كان 62 في المائة من المتقدمين من الذكور. وكان هناك تفاوت أكبر قليلًا بين المتقدمين من أفغانستان حيث بلغت نسبة الذكور المتقدمين 72 في المائة.

التوازن بين الجنسين

تُلقي تلك الإحصائيات الضوء على جانب خطير في هذه الأزمة لم يحظ باهتمام كبير. يتعرض الشباب من الرجال في أفغانستان والعراق وسوريا لخطورة أكبر بإجبارهم على الانضمام إلى التنظيمات المتناحرة أو بتعرضهم للقتل، وبالتالي عدم تناسب أعداد المهاجرين يرجع إلى الذكور الشباب غير المتزوجين وغير المُصَاحَبين. إذا استمرت هذه الاتجاهات الشائعة، قد تؤثر على التوازن بين الجنسين في دوائر عمرية معينة في بلدان أوروبية ذات تعداد سكاني أقل. وقد تجد دولٌ مثل النمسا والسويد والمجر والنرويج أن أغلب سكانها من الشباب ذكورًا. ويمكن أن يؤدي ذلك التغيير غير المسبوق في أعداد الجنسين من الشباب داخل مجتمعاتهم إلى تبعات طويلة الأجل، حيث توصلت الأبحاث إلى وجود صلة بين المجتمعات الذكورية وارتفاع معدلات العنف والتمرد والعنف الجنسي ضد المرأة.
وفي حين يجب بقاء الاحتياجات الإنسانية لطالبي اللجوء في مقدمة اهتمامنا، يجب أن يدرس صناع السياسات في دول أوروبية أصغر مثل السويد والنمسا الأمر، وأن يخططوا للتبعات طويلة الأجل الناتجة عن اختلال التوازن بين الجنسين.

بصمة رقمية

في كل ثانية، يكتب 40 ألف شخص كلمة بحث وسؤال على موقع «غوغل». وفي حين من الواضح أن عمليات البحث عبر الإنترنت تشير إلى الاهتمامات والقناعات التي يحملها قطاع واحد فقط من سكان العالم، فإنها يمكن مع ذلك أن تعطينا لمحة سريعة فريدة عما يدور في أذهان الناس في مختلف أرجاء العالم.
صرح بيتر ويبينغر لـ«المجلة» بأنه فيما يتعلق بالهجرة، تسببت وسائل التواصل الاجتماعي في «تغيير قواعد اللعبة».
وأوضح: «يتواصل الناس الآن في الوقت الفعلي، ويتشاركون المعلومات وينظمون أنفسهم».
وتعد الهواتف الذكية ذات أهمية بالغة للمهاجرين واللاجئين فيما قبل وأثناء الهجرة غير النظامية. وعلى الرغم من أن بيانات ونشاط البحث عبر الإنترنت يمكن استخدامها فقط كمؤشر على الاهتمامات، يمكن ربط أنماط البحث عبر الإنترنت، عند جمعها مع بيانات الهجرة، بالحركة الفعلية. وبالتالي يمكن أن يقدم البحث في العلاقة بين النشاط على الإنترنت وتدفق الهجرة القسري صورًا قوية عن أبعاد الأزمة.

اتجاهات البحث الشائعة على «غوغل»

تناول التقرير الذي أجرته وزارة الداخلية النمساوية اتجاهات البحث الشائعة على «غوغل» عن كلمات «لجوء»، و«هجرة»، و«تهريب»، و«أوروبا»، باللغات العربية والدَّرية والبشتونية في كل من سوريا وأفغانستان والعراق فيما بين يناير (كانون الثاني) عام 2014 وفبراير (شباط) عام 2017. ارتفعت معدلات البحث عن الكلمات باللغتين العربية والدَّرية في عام 2015 في الدول الثلاث، مما يعكس ارتفاعًا في عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا في الفترة ذاتها. وبالتالي من المفترض أن تلك الكلمات لا تعبر عن بحث طموح بقدر ما تعبر عن بحث عملي يقوم به هؤلاء الذين يبحثون عن المساعدة والمشورة من أجل السفر.
تتماشى تلك الاتجاهات الشائعة أيضًا مع تقارير عن نشاط البحث على «غوغل» داخل سوريا في عام 2017، عندما أُدرجت عبارات «الهجرة إلى ألمانيا»، و«اللجوء إلى ألمانيا» إلى قائمة ضمت بعضًا من أكثر العبارات بحثًا منذ بداية أزمة الهجرة في أوروبا. وكشفت دراسة صدرت عن مركز بيو للأبحاث في يونيو (حزيران) من العام الحالي أيضا أن العبارات البحثية التي استخدمها الشرق أوسطيون في طريقهم إلى أوروبا أعطت مؤشرًا تقريبيًا لتحركاتهم. وأعطت مرات البحث باللغة العربية عن كلمة «اليونان» في تركيا فرصًا عديدة لتوقع ارتفاع وانخفاض عدد طلبات اللجوء في الدول الأوروبية.

• وصل عدد المتقدمين بطلبات لجوء من سوريا وأفغانستان والعراق عام 2016 في ألمانيا إلى 493.690 تليها اليونان .35.880
• يتكون النسيج الاجتماعي العراقي من جماعات دينية وإثنية متعددة، من العرب والأكراد والتركمان والكلديين والآشوريين والأرمن… كما يضم مسلمين من الشيعة والسنة (من العرب والأكراد) والعلويين والمسيحيين (من الكلديين والآشوريين) والأيزيديين.

وتشير هذه الاكتشافات، إذا وضعت معًا، إلى أنه قد يكون من المفيد للحكومات أن تبدأ في النظر في البصمات الرقمية بالإضافة إلى الطرق الأخرى التي تستخدمها لرسم خريطة لحركة اللاجئين ومراقبتها.
أشار بيتر ويبينغر أيضًا إلى بعض مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا لـ«المجلة» أن «المشكلة هي وجود الكثير من المعلومات المغلوطة أيضًا هناك، خاصة بشأن الوضع في أوروبا».
يجب أن لا يكون من المفاجئ، في ظل عالمنا المتعولم، أن يستغل المهربون وسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مغلوطة وأن يستخدموها بصفتها أداة تسويق. قدمت الحروب الدائرة في العراق وسوريا وأفغانستان فرصًا مربحة للمهربين، الذين يتماشى أسلوب عملهم الجديد مع عادات استخدام الإنترنت بين الشباب، وهم يشكلون غالبية اللاجئين الذين يُقدِمون على خوض رحلة خطرة عبر البحر.
وفقًا للبيانات المنشورة في تقرير وزارة الخارجية النمساوية، أكثر من ثلثي السوريين والعراقيين يستخدمون موقع «فيسبوك»، مما يجعله أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شيوعًا في البلدين (بينما يستخدم من 0.2 إلى 1.6 في المائة لينكدإن وإنستغرام وتويتر). ويرتبط الفصل بين ديموغرافيات السن والنوع بديموغرافيات طالبي اللجوء. على سبيل المثال، يشكل الذكور حوالي 74 في المائة من مستخدمي «فيسبوك» و62 في المائة من طالبي اللجوء، وتعد أكبر فئة عمرية في مستخدمي «فيسبوك» وطالبي اللجوء في سوريا وأفغانستان تلك التي تتراوح ما بين 18 إلى 24 عامًا.

مركز مكافحة تهريب اللاجئين

حدد مركز مكافحة تهريب اللاجئين التابع ليوروبول، الذي أنشئ في فبراير (شباط) من العام الماضي لتناول الأزمة التي ألمت بالاتحاد الأوروبي، الحجم الصادم لعمليات تهريب البشر. في غضون عام واحد فقط، أعلن المركز أنه جمع معلومات عن 17.400 مهرب جديد للمهاجرين على رأس عدد لا يحصى يعمل بالفعل داخل أوروبا.
كشفت يوروبول (وكالة مكافحة الجريمة في الاتحاد الأوروبي) أن المهربين استهدفوا مهاجرين سريعي التأثر بـ«عروض جذابة غير واقعية» على «فيسبوك»، منها عبور البحر وجوازات سفر مزورة وزيجات صورية وتصاريح عمل مزيفة، لاستدراج المهاجرين لدفع آلاف الجنيهات من أجل الوصول إلى أوروبا. وعثر المحققون على 1150 حسابا على وسائل التواصل الاجتماعي يتم استخدامها في جلب المهاجرين – في ارتفاع هائل عن 148 حسابا تم التعرف عليها في عام 2015.
في سبتمبر من العام الحالي، صرح ليونارد دويل المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة لمجموعة من الصحافيين على هامش الجمعية العامة في نيويورك بأن شبكة معقدة وواسعة لتهريب البشر نشأت عن أزمة المهاجرين، و«تُحَرِّكها» الأريحية التي يتم بها عقد صفقات إجرامية عبر «فيسبوك». وأعلنت الأمم المتحدة أنها لا تملك إمكانية لشن حملة واسعة لاختراق وفحص شبكة الصفحات. بعد غلق صفحة واحدة، يستطيع المهربون العودة لإنشاء صفحة أخرى بسهولة، وبالتالي يستمر إنشاء صفحات جديدة لا يتم الإبلاغ عنها.
ومن جهتها، تتعرض شركة «فيسبوك» لضغوط متزايدة كي تتحمل مسؤولية أكبر عن المحتوى الذي ينشر على الموقع، وتوجه لها اتهامات «بتسهيل الضرر والبؤس». وأعلنت شركة التواصل الاجتماعي العملاقة أنها تعتمد على الأفراد الذين يبلغون عن الصفحات المؤذية لمديريها، وأنهم لا يملكون نظامًا آخر قيد التطبيق في اللحظة الراهنة. وتتفق الشركة على أن النظام غير كاف لمعالجة المشكلة، إلا أنها ذكرت أنه لا توجد تكنولوجيا لوضع علامة تلقائيًا على المحتوى الخاص بتهريب البشر. وبدءًا من الآن، يملك «فيسبوك» أدوات تمنع عرض فيديوهات الذبح والعري على الإنترنت، ولكن تتسم محتويات مثل فيديوهات الفدية بأنها أكثر دقة وأصعب في كشفها تلقائيًا.

دور البيانات

أوضح بيتر ويبينغر أنه في حين تراقب وزارة الداخلية النمساوية الهجرة عن كثب، «من الضروري أيضًا وضع تصور عن المعلومات ذات الصلة».
وقال إن الحكومة النمساوية تعرض البيانات المهمة على جمهور كبير عبر سلسلة من الإصدارات. وأضاف: «بصفة عامة، نعتقد أن التحليلات الإحصائية الشاملة تقدم فهمًا أفضل للاتجاهات الحالية».
دائمًا ما كانت الإحصائيات بالغة الأهمية لتخطيط الاستراتيجيات السياسية وتطويرها، والخطوة الأولى في معالجة موقف ما دائمًا ما تتمثل في فهم أفضل للموقف المقصود بناء على البيانات. وفي هذا الإطار، يمكن أن تقدم بيانات عن خلفيات اللجوء والاتجاهات الشائعة، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي والنشاط على الإنترنت، المساعدة إلى الحكومات كي تتوقع حجم ومسارات اللاجئين بدقة أكبر وإعطاء المسؤولين حسًا أفضل بما ينتظرونه، وكيفية الاستجابة له.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.