«حزب الله» يضع الاقتصاد اللبناني على مسار الانزلاق - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد, قصة الغلاف

«حزب الله» يضع الاقتصاد اللبناني على مسار الانزلاق

مخاوف من تعرض البلاد لمقاطعة عربية

- موظفة بالبنك المركزي اللبناني وأحد العملاء (أ.ف.ب)
– موظفة بالبنك المركزي اللبناني وأحد العملاء (أ.ف.ب)

500 ألف لبناني في الخليج… و43 % من تحويلات اللبنانيين في الخارج من دول خليجية في مقدمتها السعودية.

القاهرة: حسين البطراوي

* المقاولات والإنشاءات والديكور والمؤسسات التجارية والتسويقية،أهم نشاطات اللبنانيين في المملكة.
* نحو نصف رجال الأعمال اللبنانيين المغتربين موجودون في السعودية… والتطورات السياسية تضغط على الليرة وارتفاع تكلفة التأمين على الديون.

أصبحت توجد مخاوف من تعرض لبنان لمقاطعة عربية مثل قطر، بسبب إصرار «حزب الله» على فتح أبواب هذا البلد العربي للنفوذ الإيراني، رغم أن نحو 500 ألف لبناني يعملون ويعيشون في الدول الخليجية.
وأثر سلاح «حزب الله»، ليس فقط على استقرار منطقة الخليج من الناحية السياسية، بل أصبح أيضا يهدد استقرار الأوضاع داخل لبنان سياسيا واقتصاديا، وفجرت استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، الأوضاع الداخلية، ويحاول «حزب الله»، الشريك في الحكومة اللبنانية، فرض السيطرة على لبنان، الذي عانى كثيرا من انتهاكات هذا «الحزب الله»، بل تعدى الأمر الحدود اللبنانية، إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى، واستغل الحزب الحرب اليمنية، لفرض النفوذ الشيعي في المنطقة، ومساعدة الحوثيين في الاعتداء على الحدود السعودية، وكان آخرها إطلاق صاروخ على الرياض، بمساندة إيرانية واضحة.
وصنفت دول مجلس التعاون الخليجي «حزب الله» كمنظمة إرهابية، كما وصف اجتماع وزراء الخارجية بجامعة الدول العربية، الأخير بالقاهرة، الحزب بأنه منظمة إرهابية، غير أنه ما زال في السلطة اللبنانية، وأحد مكونات الحياة السياسية اللبنانية، فهو حزب مسلح، وتوترت العلاقات بين لبنان والدول الخليجية، خاصة السعودية، مما دعا سعد الحريري إلى الاستقالة، وسط مخاوف باتخاذ إجراءات لمقاطعة لبنان، على غرار المقاطعة العربية لقطر، الداعمة للإرهاب.
وسادت حالة من القلق وسط اللبنانيين العاملين في منطقة الخليج، من احتمالات ترحيل العمالة اللبنانية، خاصة من السعودية، التي تشهد أكبر تجمع لبناني في الخليج، سواء على مستوى الأفراد أو الاستثمارات المشتركة، واستثمارات رجال الأعمال اللبنانيين. وبدأت دول الخليج، في تتبع العمالة اللبنانية المنتمية لـ«حزب الله»، سواء بالترحيل، أو عدم تجديد الإقامة لهم.
الاقتصاد اللبناني كان في طريقه إلى التحسن، بعدما تم تشكيل الحكومة اللبنانية العام الماضي، غير أن الأزمة السياسية الأخيرة أطاحت بالأمل في تحسن الأوضاع الاقتصادية، بل وضعت الاقتصاد اللبناني في مسار الانزلاق.

توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو الاقتصادي في لبنان 1.5 في المائة خلال عام 2017، متوقعاً أن يسجل لبنان وتيرة نمو ضعيفة خلال العام الحالي، نتيجة استمرار الأزمة السورية، التي لا تزال ترخي بظلالها وبشكل كبير على الاقتصاد والمجتمع المحليين.
كان للأزمة السورية آثار سلبية على المحركات التقليدية للحركة الاقتصادية في لبنان، وبالتحديد على قطاعات السياحة والعقارات والبناء. ولفت «الصندوق» إلى أزمة الدين العام، متوقعاً أن ترتفع نسبة النمو الاقتصادي الحقيقي في لبنان إلى 1.5 في المائة في العام 2017 و2 في المائة في العام 2018 مقابل 1 في المائة في العام 2019.
وفي سياق متصل، كشفت إحصاءات جمعية المصارف في لبنان عن ارتفاع في الدين العام اللبناني بنسبة 0.49 في المائة خلال شهر أغسطس (آب) الحالي إلى 77.27 مليار دولار.
ويتوقع البنك الدولي ارتفاع تحويلات اللبنانيين المغتربين مع نهاية العام 2017 إلى 7.9 مليار دولار. وتأتي «43 في المائة من تحويلات اللبنانيين في الخارج من الخليج». أما حجم التحويلات الكلية، فيصل إلى 7.5 مليار دولار.
وتأتي الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الثانية بعد السعودية المصدرة لتحويلات العمالة اللبنانية بقيمة تقدر بنحو 1.2 مليار دولار بنسبة 16 في المائة من التحويلات الخارجية، أما في المركز الثالث فجاءت أستراليا بنحو 12 في المائة بقيمة 890 مليون دولا، ثم ألمانيا 11 في المائة بقيمة 818 مليون دولار، وكندا بنحو 11 في المائة بقيمة 804 ملايين دولار، ثم فرنسا بقيمة 428 مليون دولار والإمارات 244 مليون دولار، والسويد 233 مليون دولار، وبريطانيا 161 مليون دولار.

الليرة اللبنانية

منذ بداية الأزمة السياسية التي أعقبت استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، والأنظار تتّجه إلى وضع الليرة اللبنانية ومصير الاستقرار النقدي. ما دفع مصرف لبنان (البنك المركزي)، إلى التأكيد على سلامة العملة وقدرتها على التصدي لأي أزمة مرتقبة.
ولدى المصرف نحو 44 مليار دولار احتياطيات نقدية بالعملات الأجنبية، تغطي 80 في المائة من الودائع بالليرة، وهو مستوى يعتبر مرتفعاً مقارنة بمتوسط التغطية في الأسواق الناشئة التي تصل إلى 30 في المائة فقط.

مظاهرة خارج مصرف لبنان (غيتي)
مظاهرة خارج مصرف لبنان (غيتي)

ولكن ما ينطبق على السوق النقدية لا يسري على سوق السندات، إذ ترتبط الأخيرة ارتباطاً وثيقاً بالوضعين الأمني والسياسي للبلد، ومن شأن تراجع سوق السندات أن يضع لبنان في موقف حرج في حال عجزه عن الالتزام باستحقاقات متوجبة عليه. فالأزمة المستجدة من المرجح أن تثني وزارة المال عن إصدار سندات دولية كان مقرراً إصدارها بالتعاون مع مصرف لبنان، بهدف إدارة الديون ودعم احتياطيات النقد الأجنبي.
وسجلت تكلفة التأمين على الديون اللبنانية أعلى مستوى لها منذ أواخر العام 2008 مع صعود عقود مبادلة مخاطر الائتمان اللبنانية لخمس سنوات 30 نقطة أساس لتصل إلى 615 نقطة أساس، بحسب بيانات «آي إتش إس ماركت».
وسجلت السندات الدولارية اللبنانية استحقاق 2027 و2028 أكبر الخسائر مع هبوطهما نحو سنتين إلى أدنى مستوياتهما في سنوات عدة، بحسب بيانات «رويترز».
ويسعى المصرف المركزي للحفاظ على احتياطيات أجنبية كافية للإبقاء على ربط العملة اللبنانية في محيط 1507.5 ليرة مقابل الدولار الأميركي، ومع انخفاض الإيرادات والنمو، يعتمد لبنان على تلك الاحتياطيات الأجنبية وودائع ملايين اللبنانيين المغتربين في مصارفه المحلية.
لكن مع زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى باريس، أشار تقرير لبنك عودة إلى انحسار الضغوط على الليرة، وتراجع أحجام التحويلات لصالح الدولار، بينما انخفضت الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان بمقدار 800 مليون دولار خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، لتبلغ 42.7 مليار دولار، على أثر تدخل المركزي في سوق تداول العملات لتلبية الطلب على الدولار.
يذكر أن مصرف لبنان اتخذ عدداً من الإجراءات منذ بداية الأزمة كمنع سحب السندات، ومنع السحوبات من الودائع المجمدة قبل استحقاقها. وقد انعكست هذه الإجراءات على تهدئة الأسواق، لكنها في الوقت نفسه زادت من أزمة ضعف السيولة بالليرة في السوق، ما أدى إلى ارتفاع في سعر الاستدانة بين المصارف.
تظهر بوادر المقاطعة التي تفرضها المملكة العربية السعودية على لبنان، انطلاقا من تصعيد الموقف السعودي تجاه لبنان، على خلفية تعاظم نفوذ «حزب الله» الذي يعكس النفوذ الإيراني في المنطقة.

انعكاسات اقتصادية سلبية على لبنان

دائماً ما تجر المقاطعة التي تفرضها السعودية على لبنان، مقاطعة خليجية. وهذا ما حدث منذ عام 2012، بداية مع المقاطعة الخليجية غير المعلنة، وصولاً إلى تحذير دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، مواطنيها من تجنب زيارة لبنان بسبب الأوضاع الأمنية الحرجة، التي تمثلت بالتفجيرات المتنقلة في أكثر من منطقة، خصوصاً بين عامي 2013 و2015.
أما أكثر مواقف المقاطعة وضوحاً، فهو إعلان السعودية وقف مساعداتها للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إذ كان الجيش على موعد مع مساعدة بقيمة 3 مليارات دولار، فيما تبلغ قيمة مساعدة الأمن الداخلي مليار دولار.
في حال إعلان المقاطعة، ستتأثر عائدات لبنان من صادراته الصناعية إلى الخليج، «والبالغة 60 في المائة من حجم إنتاجه. وكذلك عائدات صادراته الزراعية البالغة 85 في المائة من حجم الإنتاج الزراعي. فضلا عن تأثر أصحاب الشركات والمصانع اللبنانية في الخليج، وتحديداً في السعودية، إذ إن 80 في المائة من الصادرات السعودية إلى لبنان تأتي من مصانع أصحابها من اللبنانيين، أو هم شركاء فيها»، بحسب رئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير.
وسيحرم التأثير السلبي للمقاطعة لبنان، على الأقل، عائدات 10.4 في المائة من صادرات المنتجات الصناعية التي تستوردها السعودية بقيمة 22.5 مليون دولار. و5.7 مليون دولار عائدات صادرات منتجات صناعة الأغذية والتبغ، التي تتصدر السعودية لائحة البلدان المستوردة لها، بحسب تقرير وزارة الصناعة اللبنانية.
ولم يبتعد القطاع السياحي عن التأثيرات السلبية للمقاطعة، خاصة بعد تحذيرات دول الخليج بتجنب السفر إلى لبنان، وحادث اختطاف مواطن سعودي في لبنان أخيرا.
وينظر القطاع المصرفي إلى احتمال المقاطعة، لكنه لا يدخل في السجالات والتحليلات بشأن تأثير المقاطعة عليه، «وسيتعامل القطاع المصرفي مع الحدث عند وقوعه»، وفق رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس نسيب غبريل، فالمصارف اللبنانية في الخليج موجودة عبر مكاتب تمثيلية وشركات مالية، وليس عبر فروع مباشرة. ففي السعودية مثلاً، «لا يمكن للمصارف اللبنانية الحصول على ترخيص لفتح فروع لها». و«لبنوك البحر المتوسط، عودة ولبنان والمهجر، مكاتب في السعودية، في حين أن لبنوك لبنان والمهجر، البحر المتوسط، عودة، اللبناني الفرنسي وبيبلوس، مكاتب في الإمارات».
وإلى جانب عدم دخول القطاع المصرفي في سجال تأثيرات المقاطعة عليه، تتوقع مصادر اقتصادية أن يلجأ اللبنانيون في دول الخليج إلى «البدء بتحويل جزء كبير من أموالهم إلى لبنان خوفاً من أي تداعيات سلبية».
ويوجد أكثر من 500 ألف لبناني في الخليج يغطون حاجات سوق العمل ويتبوأون مناصب إدارية في الشركات الخليجية، بينهم نحو 350 ألف مقيم في السعودية وحدها، وحوالي 150 ألف لبناني في الإمارات، و40 إلى 50 ألفا في الكويت، والعدد نفسه في قطر.
يصل عدد اللبنانيين القاطنين في السعودية إلى نحو 350 ألفاً. وتعد الجالية اللبنانية أكبر جالية عربية مستثمرة داخل السعودية. تضم آلاف المستثمرين ورجال الأعمال، وأكثر من 600 مؤسسة لبنانية. وتقدّر استثمارات اللبنانيين في المملكة بعشرات المليارات من الدولارات.
وتعد حجم التحويلات المالية التي يتم تحويلها من السعودية إلى لبنان، بحسب رئيس مجلس الأعمال اللبناني السعودي رؤوف أبو زكي، مؤشراً واضحاً على حجم أعمال اللبنانيين في المملكة.
وتتركز استثمارات اللبنانيين في السعودية في أعمال المقاولات، والإنشاءات، والديكور، وبعض الصناعات، فضلا عن المؤسسات التجارية والتسويقية. وسط تقديرات بأن نحو نصف رجال الأعمال اللبنانيين المغتربين موجودون في السعودية. ما يعني أن نصف أعمال اللبنانيين واستثماراتهم خارج حدود البلد تقطن في السعودية، وتتجاوز قيمة المؤسسات التي يملكها اللبنانيون في السعودية نحو 125 مليار دولار أميركي.
وبعض الشركات والمؤسسات اللبنانية في السعودية منذ سبعينات القرن الماضي، ومنها شركة خطيب وعلمي التي تضم اليوم في السعودية أكثر من 4000 مهندس، وبنك لبنان والمهجر في المملكة منذ ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية. وتسهم بعض الشركات اللبنانية الكبرى في مشاريع ضخمة في السعودية، مثل مترو الرياض، ومطار جدة الدولي الجديد وجسور وبنى تحتية ومبان حكومية وغيرها من المشاريع. وتشغل فئة واسعة من المغتربين اللبنانيين في السعودية وظائف من الفئتين الأولى والثانية.
فضلا عن الأعداد الكبيرة من المؤسسات العاملة في السعودية التي يدخل فيها المستثمر اللبناني شريكاً مع مواطني الدول الخليجية، وتسجّل الشركة سعودية أو إماراتية أو قطرية أو غيرها.
ومع كثرت التكهنات خلال الأيام القليلة الماضية حول سيناريو توقعه البعض لترحيل ما يقارب 500 ألف لبناني مقيم في دول مجلس التعاون الخليجي، في إطار الخطوات التصعيدية الخليجية ضد حكومة لبنان، و«حزب الله» الشريك الأساسي في الحكومة، سادت حالة من القلق بين اللبنانيين المقيمين في دول الخليج.
لكن رئيس مجلس رجال الأعمال اللبناني – السعودي، رؤوف أبو زكي، بعث برسالة طمأنة إلى اللبنانيين، قائلا في حوار مع «العربية» إن «هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة، وقرار ترحيل اللبنانيين من الخليج لا يعدو كونه ضرباً من الأوهام». وأضاف: «مخطئ من يعتقد أن لدى السعودية نية في ترحيل اللبنانيين، وهذا يعود إلى الروابط التاريخية بين البلدين شعبا وحكومة، فضلاً عن المصالح الاقتصادية وعمليات التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة في كلا البلدين».
يذكر أن قرار تخفيض أعداد العمالة الأجنبية بشكل عام من دول الخليج، قد بدأ فعلاً منذ فترة، ولكن لأسباب تتعلق بانحسار حركة الأعمال وسياسة تقليص النفقات التشغيلية التي تنتهجها الشركات الخليجية عموماً. يضاف لهذا سياسة توطين العمالة وإحلال العمالة المحلية بدلا من اليد العاملة الأجنبية لتقليص البطالة، التي بدأتها عدد من دول الخليج ولا سيما السعودية بما يعرف بالسعودة.

استبعاد «حزب الله»

ليس مستغربا ترحيل اللبنانيين، ومنعهم من دخول دول الخليج، لاسيما بعد قرار مجلس التعاون الخليجي باعتبار «حزب الله» منظمة إرهابية. فالكويت اعتبرت «حزب الله» منظمة إرهابية، و«القرار يطال، ليس من يتعامل مع (حزب الله) مالياً ولوجستياً فحسب، إنما أيضا كل متعاطف معه في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي».
واتخذت الكويت إجراءات بحق كل من يدان بانتمائه إلى «حزب الله»، وتقضي «بإعادته إلى بلاده. أو يُستدعى إلى دائرة الجوازات ويرحَّل، أو لا تُجدَّد إقامته. وبهذه الطريقة يُرَحَّل». كما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.
ربما تفرض استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في 4 نوفمبر الحالي، تداعيات عديدة على أداء الاقتصاد اللبناني الذي تحسن خلال الأشهر الماضية، بعد إقرار مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية من قبل الحكومة والبرلمان، على غرار الإصلاحات الضريبية وإعادة تنظيم قطاع النفط، بشكل انعكس في مؤشرات عديدة يتمثل أبرزها في ارتفاع أعداد السياح وتزايد الثقة في الاقتصاد اللبناني، وهي تداعيات سوف تعتمد في قوتها على الفترة الزمنية التي سوف يستغرقها تشكيل حكومة جديدة لاستكمال الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة السابقة. بحسب دراسة مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
فقد شهد الاقتصاد اللبناني تطورات إيجابية عديدة في الأشهر الماضية، تزامنًا مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري في ديسمبر (كانون الأول) 2016، والتي عولت عليها اتجاهات مختلفة لإنعاش الاقتصاد المتردي.
ويمثل إقرار البرلمان اللبناني، في أكتوبر (تشرين الأول) قبل الماضي، أول موازنة عامة للبلاد منذ عام 2005 تحولاً إيجابيًا في المشهد المالي للبلاد، حيث أدى الفراغ التشريعي الحاكم للموازنة العامة في السنوات الماضية إلى عدم انضباط الأوضاع المالية وارتفاع مستويات عجز الموازنة ومن ثم الديون العامة والتي سجلت 78 مليار دولار بنهاية مايو (أيار) الماضي. ومن المتوقع أن يؤدي إقرار الموازنة بشكل دائم إلى استعادة الثقة في الاقتصاد اللبناني، وتسهيل مهمة الحكومة في اتخاذ الإجراءات الواجبة للحد من الإنفاق العام أو تعبئة الموارد المالية اللازمة، بالإضافة إلى تعزيز فرص الحصول على المساعدات الدولية بغرض مواجهة أعباء استضافة اللاجئين في البلاد.
واجهت الحكومة صعوبات عديدة خلال الشهور الماضية من أجل تعبئة الموارد المالية اللازمة لتغطية الإنفاق العام وخاصة زيادة أجور موظفي الخدمة المدنية، حيث رفض المجتمع اللبناني سلسلة من الزيادات الضريبية الكبيرة وافق عليها البرلمان اللبناني في يوليو (تموز) 2017 تحت قانون رقم 45 لعام 2017. إلا أنه بعد تخفيف هذه الزيادات من قبل الحكومة، أقر البرلمان مجموعة من التدابير تشمل زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 في المائة إلى 11 في المائة، وزيادة ضريبة الدخل على المؤسسات المالية من 15 في المائة إلى 17 في المائة، وزيادة الضريبة على المشروبات الكحولية وكذلك على السجائر، بهدف تمويل الزيادات في الأجور العامة وفق القانون رقم 46/2017 المتعلق بالزيادة المخصصة لموظفي الخدمة المدنية.
اتجهت الحكومة في الأشهر الماضية إلى إعادة تنظيم قطاع النفط عبر سن مجموعة من القواعد التنظيمية والتشريعات اللازمة للإسراع في عمليات الاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الاقتصادية اللبنانية المطلة على سواحل البحر المتوسط بعد إخفاقها في تنشيط القطاع في السنوات الماضية. وأقرت الحكومة، في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرسومى الغاز والنفط المتعلقين بتقسيم بلوكات النفط المتاحة للاستثمار من قبل الشركات الدولية، وكنتيجة لهذه الإصلاحات، نجحت الحكومة في جذب 52 شركة خلال جولة يناير الماضي لتراخيص التنقيب عن النفط والغاز في 5 مناطق بحرية، فيما أقر البرلمان أيضاً، في سبتمبر (أيلول) الماضي، قانون ضريبة دخل النفط والذي بمقتضاه سيتم اقتطاع ضريبة دخل بنسبة 20 في المائة على الأنشطة البترولية، بالإضافة إلى رسم بواقع 5 ملايين ليرة أي بحوالي 3311 دولار.

انتعاش سياحي

- «حزب الله» يعرض قبعات والشال الفلسطيني وشعاره إلى جانب العلم اللبناني للبيع في متجر للهدايا التذكارية في محاولة لتسويق نفسه للسياح كجزء من المعالم السياحية للدولة (غيتي)
– «حزب الله» يعرض قبعات والشال الفلسطيني وشعاره إلى جانب العلم اللبناني للبيع في متجر للهدايا التذكارية في محاولة لتسويق نفسه للسياح كجزء من المعالم السياحية للدولة (غيتي)

ارتفع عدد السياح الوافدين إلى لبنان خلال النصف الأول من عام 2017 إلى 826.129 ألف سائح بزيادة بنسبة 14.25 في المائة عن الفترة ذاتها من عام 2016، ويعود هذا الارتفاع إلى نمو عدد السياح الوافدين من الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، والذين يشكلون نحو 82 في المائة من العدد الإجمالي للسياح، وهو ما كان متوقعاً له أن يؤثر بشكل إيجابي على النمو الاقتصادي في لبنان خلال العام الحالي.
إن تشكيل حكومة الحريري في ديسمبر 2016 كانت له تداعيات إيجابية عديدة على الاقتصاد اللبناني، حيث أدى إلى الإسراع من وتيرة الإصلاح الاقتصادي في البلاد على صعيد السياسات المالية بما في ذلك إجراء مجموعة من الإصلاحات الضريبية، وإعادة تنظيم قطاع النفط، وهو ما أدى إلى رفع سقف التوقعات حول انتعاش الأداء الاقتصادي في السنوات المقبلة.
إن استقالة الحريري، في 4 نوفمبر الحالي، ربما توجه العديد من الإشارات السلبية مجددًا للأوساط الاقتصادية في الفترة المقبلة. وبحكم الواقع، وحسب اتجاهات عديدة، فإن الحكومة الحالية أصبحت حكومة تصريف أعمال فقط وليس بمقدورها، بطبيعة الحال، تحديد التوجهات الاستراتيجية للبلاد في الفترة المقبلة سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي.
وعلى ضوء ذلك، ترجح هذه الاتجاهات أن يشهد الأداء الاقتصادي تذبذبًا في الفترة المقبلة تأثراً بالوضع الحالي، وذلك بخلاف ما أشار إليه مؤخرا وزير المالية اللبناني علي حسن خليل الذي قال إن «الاقتصاد والليرة لا يواجهان خطراً بعد استقالة الحريري».
كما لن يكون بمقدور الدولة أيضاً إبرام أية اتفاقات جديدة في مجال النفط مع الشركات الأجنبية إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يزيد من احتمالات عودة قطاع النفط إلى حالته في عام 2013 حينما أطلقت أول جولة لتراخيص التنقيب عن النفط في السواحل اللبنانية وتأهلت 46 شركة للمشاركة في تقديم العروض، قبل أن يتم إلغاؤها لاحقاً.
ومن المرجح أن يدفع الوضع السياسي المرتبك حالياً المستثمرين الأجانب إلى تبني مواقف حذرة من الاستثمار داخل لبنان، بالإضافة إلى أن ذلك قد يكون سببًا في تراجع تدفقات السياح إلى البلاد خلال الفترة المقبلة.
وعلى ضوء ذلك، يبدو أن الضغوط المالية التي يتعرض لها لبنان سوف تتزايد، وبما سيؤثر سلباً على استقرار الوضع النقدي والمصرفي في لبنان، وبالنهاية سيزيد ذلك من ضعف آفاق الاقتصاد اللبناني في الأمد المتوسط، حيث من المتوقع أن يبقى معدل النمو السنوي عند حدود أقل من 2 في المائة، وذلك في الوقت الذي زادت فيه أعباء استضافة اللاجئين السوريين في لبنان إلى 18 مليار دولار بحسب التقديرات الرسمية.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.