أزمة بريطانيا مستمرة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية

أزمة بريطانيا مستمرة

هل يسلك البريكست الاتجاه الصحيح؟

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تسير إلى جانب أعلام أوروبية خلال اليوم الثاني من قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو 2017 في بروكسل (عيتي)
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تسير إلى جانب أعلام أوروبية خلال اليوم الثاني من قمة قادة الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو 2017 في بروكسل (عيتي)

واشنطن – رونالد جي غرانييري:

* أصبح التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، جزءاً من أزمة سياسية بطيئة في بريطانيا لا يمكن لأحد أن يتنبأ بنتائجها .
* يعتقد البريطانيون المتحمسون للخروج من الاتحاد الأوروبي أن المملكة المتحدة ستزدهر على الفور بعد تخلصها من قيود بروكسل.
* أوضحت تيريزا ماي أنها تقبل حقيقة أن على بريطانيا أن تعمل على تفاصيل لا تعد ولا تحصى مع شركائها الأوروبيين وأن الوصول إلى نوعٍ من الصفقة سيكون أفضل لجميع الأطراف.
* ما يمكن قوله في الوقت الراهن أن البحث عن إجابات وعن عالم ما بعد بريكست سيستمر.

لا تزال بريطانيا تخطط للخروج من الاتحاد الأوروبي. هذا ما نحن متأكدون منه. وبموجب الاستفتاء البريطاني الذي جرى في يونيو (حزيران) 2016، فعلت حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي العمل رسمياً بالمادة 50 من معاهدة لشبونة في 29 مارس (آذار) من هذا العام. وبالتالي، ووفقاً لشروط المعاهدة، فإن الفصل الرسمي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي سيتم بحلول ذلك التاريخ في 2019.
إلا أن شروط الفصل بين المملكة المتحدة والسبعة والعشرين دولة في الاتحاد الأوروبي وشكل العلاقة بعد ذلك التاريخ لا تزال غير معروفة أبداً. وأصبح التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي وصفه المؤيدون بأنه خطوة جريئة وواضحة من شأنها أن تحرر بريطانيا من قيود مخطط دولة الاتحاد الأوروبي العظمى التي مقرها في بروكسل، جزءاً من أزمة سياسية بطيئة في بريطانيا لا يمكن لأحد أن يتنبأ بنتائجها .

أزمة الهوية

ولم يكن التصويت على بريكست بالضرورة سبباً لهذه الأزمة. بل كان النتيجة والمحفز في آنٍ معاً. والكثير ممن صوّتوا لمغادرة الاتحاد الأوروبي فعلوا ذلك لأنهم تقاسموا الشعور العام بأن المجتمع البريطاني يتغير بطرق غير مريحة – بسبب الهجرة والتحرر الثقافي والعولمة الاقتصادية التي سرّعت كل شيء – وتخيلوا بأن ترك الاتحاد الأوروبي سيحافظ بطريقة أو بأخرى على المجتمع البريطاني.
وقد تكون أصواتهم مستوحاة من شعارات مضللة (مثل الوعود المفاجئة للخدمة الصحية الوطنية أو الاستهانة بصعوبة تأمين صفقة جيدة مع الاتحاد الأوروبي بعد البريكست، أو فرص الصفقات التجارية في أماكن أخرى من العالم) عكست أزمة الهوية الحالية في بعض قطاعات المجتمع البريطاني التي سمحت بتضليل الناس.
أو لأنه لم تتم معالجة مخاوفهم خلال ما يقارب الثمانية عشر شهراً الماضية منذ أن صوت البريطانيون، مما أدى إلى تعميق الأزمة من خلال خلق المزيد من عدم اليقين وتغذية السخرية الشعبوية بشأن فعالية القيادة السياسية في البلاد.
ودفع هذا الشعور بالضيق العام ستيفن إرلانجر من صحيفة « نيويورك تايمز» إلى استنتاج أن: «لم يعد أحدٌ يعرف ما هي بريطانيا».
واستمرار الشعور بعدم اليقين بشأن مستقبل البريكست هو نتيجة للتحديات الدولية والمحلية. فعلى الصعيد الدولي، لم تحقق حكومة ماي تقدما ًملحوظاً فى مفاوضاتها الأولية مع الاتحاد الأوروبي. وبعد عدة جولات من المحادثات، اتفق الطرفان على أن هناك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها وبفترة قليلة نسبياً بين الوقت الحالي ومارس 2019 لإيجاد حل لكل مسألة من وضع المتقاعدين البريطانيين في الاتحاد الأوروبي إلى وضع مواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا ومن موضوع الوصول إلى لوائح الاتحاد الأوروبي إلى موضوع إدارة الحدود بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا.
وحذر كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشال بارنييه من أن المفاوضات قد تمتد إلى ما بعد الموعد النهائي الرسمي. ووجه النقاد اللوم على هذا التقدم البطيء إلى افتقار تحضير المفاوضين البريطانيين الذين حضروا اجتماعات مبكرة دون أوراق تثبت مواقفهم أو أي خطط ملموسة.

ويعتقد البريطانيون المتحمسون للخروج من الاتحاد الأوروبي أن المملكة المتحدة ستزدهر على الفور بعد تخلصها من قيود بروكسل، وهاجموا مفاوضي الاتحاد الأوروبي لكونهم مهتمين جدا بمعاقبة بريطانيا، وقالوا أيضا إنه ليس هناك حاجة إلى عقد أي اتفاق على الإطلاق. ويدعون أن البريكست القاسي الذي تقطع فيه بريطانيا ببساطة جميع علاقاتها وتصبح حرة في إجراء صفقات جديدة مع بقية العالم، سيكون الخيار الأفضل، ولا يخشون أبداً فشل المفاوضات.
ومع ذلك، تبقى مشاعر شديدي الولاء لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تمثل صوت الأقلية في قاعات الحكومة وخاصةً بين المتخصصين في التجارة الدولية والدبلوماسية. والأكثر شيوعاً هو الاعتقاد بأن بريطانيا ستدفع تكلفة كبيرة على المدى القصير والمتوسط من خلال فقدان علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وستحصل على أفضل فرصة على المدى الطويل لإبرام صفقات تجارية مع بقية العالم.

اعتراضات غاضبة

وأوضحت تيريزا ماي، في حين إعلانها رغبتها في الابتعاد عن صفقة سيئة، أنها تقبل حقيقة أن على بريطانيا أن تعمل على تفاصيل لا تعد ولا تحصى مع شركائها الأوروبيين وأن الوصول إلى نوعٍ من الصفقة سيكون أفضل لجميع الأطراف. ولذلك، قبل المفاوضون البريطانيون (على الرغم من اعتراضات المتشددين لبريكست الغاضبة) فكرة اضطرار بريطانيا إلى دفع مليارات اليورو لدفع التزامات بريطانيا القائمة للاتحاد الأوروبي، حتى لو كان المبلغ المحدد لا يزال موضع نزاع.
وقد تقبلت ماي أيضاً فكرة الفترة الانتقالية بعد الموعد النهائي للمفاوضات في مارس 2019، للسماح بالانتقال السلس وإبقاء العلاقة ودية. وسافرت ماي إلى فلورنسا في أواخر سبتمبر (أيلول) لإلقاء كلمة تسلط فيها الضوء على رؤيتها وذلك كدليلٍ على التزامها بتنفيذ بريكست «بروحٍ من التعاون والشراكة».
وأنهت خطابها بالتأكيد على أن المفاوضات للوصول إلى تنفيذ بريكست ستكون صعبة. وقالت: «إذا ما اقتربنا منهم بالطريقة الصحيحة – احتراما للتحديات التي تواجه كلا الجانبين والواقعية في إيجاد حلول لهذه التحديات – فيمكننا أن نجد طريقاً يدفعنا للأمام لتحقيق نجاحٍ يشمل جميع شعوبنا». وفي محاولة منها للتخفيف من حدة الخطابات المعادية لأوروبا التي يلقيها الكثير من البريطانيين، قالت رئيسة الوزراء: «أدرك بأن هذا ليس أمراً أردتم حصوله يا شركاءنا الأوروبيين. وهو مصدر إلهاء عما أردتم الوصول إليه. ولكن علينا القيام بهذه الخطوة بالطريقة الصحيحة».

جدارية بمدينة لندنديري على الحدود بين شمال وجنوب آيرلندا (غيتي)
جدارية بمدينة لندنديري على الحدود بين شمال وجنوب آيرلندا (غيتي)

ولكن الكلام عن القيام بهذا الخطوة بالطريقة الصحيحة أسهل بكثير من تنفيذها على الأرض. فخطاب ماي تلقى ردود فعل متباينة. إذ أشاد المتشددون لبريكست بتأكيدها «الجريء» على عدم وجود اتفاق أفضل من صفقة سيئة، في حين ادعى النقاد أنها تعيش في «العالم الموازي»، حيث تأمل بأن تستطيع بريطانيا أن تنأى بنفسها عن جميع المؤسسات الأوروبية التي ترفضها – من محكمة العدل الأوروبية وصولاً إلى الحركة الحرة ضمن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – مع الحفاظ على جميع المزايا الاقتصادية لعضويتها الحالية في الاتحاد الأوروبي.
وتشير المعلقة في صحيفة «الغارديان» آن بيركينز إلى هذا النهج بأنه «نهج ماي السهل تجاه البريكست». وهي سياسة لن تبقي الاتحاد الأوروبي في مزاجٍ لمكافأة بريطانيا على التخلي عنه.
تعكس الاختلافات في الرأي العميقة في بريطانيا اضطرابات سياسية محلية كبيرة. وكما يتذكر قراء مجلة «المجلة»، وصلت رئيسة الوزراء البريطانية إلى 10 داونينغ ستريت نتيجةً لاستقالة ديفيد كاميرون المفاجئة غداة إعلان نتائج الاستفتاء. ولأنها تسعى للحصول على ولاية أقوى، دعت ماي إلى إجراء انتخابات مبكرة في الربيع الماضي، أي بعد وقت قصيرٍ من بدء العمل رسميا بالمادة 50. وبدت فكرةً جيدة في ذلك الوقت، إذ أشارت استطلاعات الرأي إلى أن حزب المحافظين سيفوز بكل سهولة. ولكن النتيجة كانت كارثية بالنسبة لموقفها. فعلى الرغم من أن المحافظين تمكنوا من التمسك بالحكومة، فإنهم فقدوا الأغلبية المطلقة في البرلمان، وباتوا يعتمدون على دعم حزب صغير من الاتحاد الآيرلندي الشمالي للسيطرة على مجلس العموم.

وانتقد حزب العمال، الذي يقوده جيريمي كوربن، تيريزا ماي وقيادة حزب المحافظين لكونهم غير متواصلين مع العمال البريطانيين، مما سمح لكوربن بإنقاذ موقفه كزعيم للحزب.
وقد تضللت جهود رئيسة الوزراء لإعادة تأكيد سيطرتها. ففي مؤتمر حزب المحافظين الذي عقد مؤخراً في مانشستر، قاطعها أولاً محتجٌ أثناء إلقائها لخطابها الذي وعد برسم مسار جريء للمستقبل، ولوّح بخطاب يمنح للموظفين عند انتهاء خدمتهم وهو معروف في بريطانيا بـ(P45) وقال المحتج: «بوريس طلب مني أن أسلمك الخطاب». وبعد أن واصلت إلقاء كلمتها، سعلت ماي أكثر من مرة وتوقفت لتشرب المياه وتناولت حبة لتهدئة السعال، ناولها إياها وزير الخزانة فيليب هاموند. ولزيادة الطين بلة سقط حرف (إف) من كلمة (for) أو (من أجل) في شعار حزب المحافظين «فلنبن دولة تعمل من أجل الجميع»، أثناء كلمة رئيسة الوزراء. وأبرز أدائها غير المنظم حالة الحكومة البريطانية الفوضوية.

وفي الأسابيع التي تلت ذلك، كان على ماي أن تتعامل مع مزيد من الشقاق داخل مجلس وزرائها، وهذه المرة مع وزير الداخلية أمبر رود الذي وصف احتمال عدم التوصل إلى اتفاق بأنه أمرٌ «لا يمكن تصوره»، في حين صرح وزير بريكست ديفيد ديفيس لمجلس العموم بأن على بريطانيا أن تكون مستعدة لاحتمال عدم التوصل إلى أي اتفاق.
وقد أشارت ماي إلى رغبتها في تعديل وزارتها لاستعادة سلطتها، ولكنها لم تكن مستعدة أو قادرة على إبعاد وزير الخارجية بوريس جونسون، على الرغم من ارتكابه للكثير من الأخطاء، أو ديفيس، مع أنهم يقوضون سلطتها. وتماطل ماي، وفي حين أنها قد وزنت خياراتها، أجبرت مجموعة من مزاعم التحرش الجنسي ضد السياسيين البريطانيين (تداعيات جزئية من الاهتمام المتزايد لهذه القضايا بفضل فضيحة هارفي وينشتاين في هوليوود) وزير الدفاع مايكل فالون على تقديم استقالته، علماً بأنه كان يعتبر أحد حلفائها.

البحث عن أفضل بديل لرئيسة الوزراء

إن منافسي ماي داخل الحزب، أبرزهم وزير الخارجية جونسون ومحبوب المحافظين الاجتماعيين جايكوب ريس-موغ ، يسعدون لإثارة النقاش العام حول أفضل بديل لرئيسة الوزراء، ولكنه ليس لدى أي منهم الجرأة الكافية للبدء بأزمة ستتطلب إقامة انتخابات أخرى وبالتالي إعطاء فرصة لحزب العمال لاستكمال انتعاشه. وكل هذا يعني أن المراقبين السياسيين البريطانيين يشكون في أن ماي ستكمل فترة ولايتها الحالية وتبقى في منصبها، ولكن لا أحد يستطيع التنبؤ متى ستغادر.
وقد تمكنت حتى الآن من الاتكال على عدم وجود بدائل مقبولة، ولكن من غير المحتمل أن تستطيع رئيسة وزراء تم إضعافها بهذا الشكل أن تقود بجرأة أهم أزمة دبلوماسية في تاريخ جيلٍ كامل. ومن المرجح أنه حتى لو تمكنت ماي من التوصل إلى نتيجة مقبولة في هذه المفاوضات، فإن أي صفقة ستتطلب تصويتا في البرلمان، مما سيثير أزمة داخل الحكومة، ومن المحتمل أن يؤدي إلى انتخابات جديدة تأمل ماي تجنب حصولها.
وعلى الرغم من أن مستقبل تيريزا ماي في خطر، فإنه ليس واضحاً ما الذي يعنيه التغيير في الحكومة بالنسبة لمستقبل البريكست. واستناداً إلى تقاليد حزب العمال المعارض للتكامل الأوروبي والذي تعود سياسته المعارضة إلى الستينات والسبعينات، كان جيريمي كوربن معادياً للاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة. ومع أن حزب العمال قام بحملة رسمية من أجل البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء البريكست، فإن دعم كوربن كان فاتراً، وهرع إلى تأييد التصويت النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ورغم مفاجأته للمراقبين من خلال إعلانه أنه سيصوت على البقاء فى أي استفتاء سيقام في المستقبل، فإنه أوضح في الوقت نفسه أن حكومة حزب العمال التي يقودها لن تسعى إلى عكس مسار العملية، وأنها تبدي اهتماماً أكبر بالتحول الداخلي لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

وجعل ظهوره القوي في انتخابات يونيو من المستبعد جداً أن يحل محله أحد قبل الانتخابات العامة المقبلة. وهذا مصدر للإحباط الشديد لناخبي حزب العمال في المدن الكبيرة وبين الناس الذين ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية المثقفة والذين يتوافقون مع فكر رئيسي وزراء حزب العمال السابقين توني بلير وغوردن براون في تأييدهم للاتحاد الأوروبي. ولسوء حظ المطالبين بالبقاء، فإن نفس الانقسام بين النيوليبراليين التكنوقراطيين والاشتراكيين الشعبويين الجدد الذي أفسد العديد من أحزاب الوسط اليسارية عبر الغرب سرق أيضاً مخيم البقاء لأي حزب سياسي واضح يدعمونه.
ويواصل الديمقراطيون الليبراليون تقديم أنفسهم على أنهم الحزب الوحيد المؤيد لأوروبا حقاً في بريطانيا، ولكن صغر عدد ممثليهم في البرلمان والنقد المستمر الذي يتلقونه من العديد من الوسطيين لمشاركتهم في ائتلاف مع كاميرون وحزب المحافظين يزيد من تقويض فعاليتهم السياسية.

تشارلز بومان رئيس بلدية مدينة لندن يستمع إلى تيريزا ماي خلال مأدبة اللورد مايور السنوية في غيلدهول، في الحي المالي بلندن - 13 نوفمبر 2017 (غيتي)
تشارلز بومان رئيس بلدية مدينة لندن يستمع إلى تيريزا ماي خلال مأدبة اللورد مايور السنوية في غيلدهول، في الحي المالي بلندن – 13 نوفمبر 2017 (غيتي)

وفي الوقت نفسه، فإن أبرز متشددي مخيم الخروج والذي يشغل منصبا خارج الحكومة، ويقود حزب استقلال المملكة المتحدة نايغل فاراج، لم يسمح لأي شيء بالتأثير على وجهة نظرهم بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو لمصلحة بريطانيا. ومن خلال ازدراء أولئك الذين يرغبون في إبطاء أو عكس مسار عملية البريكست يرفض المتشددون أي مناقشة لتحديات اتفاق بريكست مع إشارات إلى قدوم مستقبل يحمل معه مجداً أكبر لبريطانيا.
وقد كتب فاراج إلى بارنييه طالباً عقد اجتماع خاص لمناقشة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن فاراج لا يملك أي مكتب سياسي في بريطانيا. وأي تقرير يصدر عن مشاكل في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي هي مجرد دليل على أن الأوروبيين هم الخاسرون الذين يحاولون الوقوف في طريق التقدم البريطاني. وبالنسبة لهم، لا صفقة أفضل بكثير من أي صفقة تقبلها بروكسل. ما تعتبره حكومة ماي رسمياً «الهبوط على منحدر»، يعتبره المتشددون ارتفاعا في السماء المفتوحة والتقدم إلى الأمام.

وبعيداً عن تقديم أفكار بنّاءة لنجاح صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن فاراج وزملاءه، الذين يستشهدون بنجاحات رافضي الأوروبانية في أماكن أخرى من القارة، لا يخافون من انهيار المحادثات التي يتوقعون أنها ستلحق الضرر بالاتحاد الأوروبي أكثر مما ستضر بريطانيا. ومهما كان شعور الناس تجاه الاتحاد الأوروبي كمؤسسة، فمن الصعب أن تفيد هذه المشاعر في تحريك المفاوضات بسلاسةٍ أكثر.
ويأتي الشلل الحكومي والحزبي في الوقت الذي يجري فيه التشكيك في شرعية الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد أشارت تقارير التحقيق الأخيرة في كل من صحيفة «التايمز» و«الغارديان»، المستوحاة من الكشف الأخير عن الوسائل التقنية المضللة التي استخدمت في التأثير على الناخبين الأميركيين، أن بعض الشركات نفسها (والأهم من ذلك أن بعض مصادر المال والنفوذ الروسية نفسها) قد لعبت دوراً في تشكيل المواقف العامة تجاه البريكست، مع هدف إضعاف كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي في نفس الوقت. وقد تكون آثار تلك الاكتشافات لمستقبل السياسة والحملات السياسية في الغرب خطيرة.

الضغط على مواطني الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة

كما تم الضغط على مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون ويعملون في المملكة المتحدة. وكانت الحكومة غامضة حول كيفية التخطيط للتعامل مع أوضاعهم بعد تنفيذ البريكست. وإذا رفضت بريطانيا مبدأ حرية التنقل بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، فإن الأوروبيين الذين لم يصبحوا من الرعايا البريطانيين، الذين لم يتم الترحيب بهم من قبل مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيتعين عليهم العمل على توفير وضع قانوني جديد أو ترك المملكة المتحدة، بغض النظر عن المدة التي عاشوا فيها في بريطانيا.
وقد وعدت الحكومة بتطبيق نظام مبسط وسهل الاستخدام، ولكن هذا لم يهدئ كل المخاوف. وقد عبر سكان الاتحاد الأوروبي في بريطانيا عن شعورهم بالإحباط من خلال إطلاق هاشتاغ جديد على تويتر «#500DaysinLimbo»، لتسليط الضوء على مخاوف أولئك الذين يخشون تعرض حياتهم المهنية والأسر للخطر بسبب عملية بريكست المعيبة. فبالنسبة لهم، «بريكست القاسي» الذي يحظى بقبول مسبق من قبل المشددين لبريكست سيكون من الصعب تقبله.

هناك الكثير من الأمور المعقدة في هذه الآلية. فبالإضافة إلى القضايا السياسية المحلية والدولية البريطانية التي تمت مناقشتها في هذا المقال، يمكن التكلم بعد عن مصالح الاتحاد الأوروبي كمؤسسة – والتي تتعامل مع التحديات من بريكست والتشكيك المتزايد بأوروبا في أوروبا الشرقية، ناهيك عن التحديات المستمرة للهجرة والضعف الاقتصادي على حدودها الجنوبية – فضلاً عن السياسات الداخلية والخارجية للقوى الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا.

وستشكل كل هذه المسائل الاتفاق الذي ينبثق في نهاية المطاف من المفاوضات الجارية. سواءٌ اعتقد المرء بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو الفكرة الصحيحة لبريطانيا أو العكس (أو ما إذا كان أحد يعتقد أن مستقبل أوروبا يعتمد على نجاح الاتحاد الأوروبي في هذه المسألة)، فإن قرار الناخب البريطاني في استفتاء يونيو 2016 كشف عن انقسامات عميقة داخل بريطانيا وبين بريطانيا وشركائها الأوروبيين.
وبالنسبة للذين ليسوا مع ولا ضد بريكست، فقد أثار العام ونصف العام الماضيان العديد من الشكوك في علاقات كثيرة كانت تعتبر مستقرة. ولا تزال الأسئلة تطرح وتزداد، وتبقى الإجابات غير مؤكدة. أفضل ما يمكن قوله في الوقت الراهن أن البحث عن إجابات وعن عالم ما بعد بريكست سيستمر.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.