بين ألغام الذاكرة والتطلع للمستقبل... ماكرون في الجزائر - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

بين ألغام الذاكرة والتطلع للمستقبل… ماكرون في الجزائر

قراءة في أبرز دلالات الزيارة

الجزائر: ياسين بودهان

* عبد الرزاق مقري: فرنسا تعيش أزمة اقتصادية خانقة، هي التي جاءت بماكرون رئيساً لفرنسا.
* ماكرون (مرشح الرئاسة): «ما قام به الاستعمار جريمة حرب»… ماكرون (الرئيس): «مسؤوليتنا أن لا نبقى مغلولين لهذا الماضي فنغرق فيه».
* الجزائر: دون اعتراف رسمي عام في فرنسا بما حل بآلاف المدنيين العزل من تعذيب وتنكيل، واختفاء قصري ستبقى الذاكرة أسيرة الماضي، وعقبة نحو التطلع إلى المستقبل.

في ثامن زيارة رسمية لرئيس فرنسي إلى الجزائر، وفي أول زيارة رسمية له منذ توليه منصب الرئاسة في مايو (أيار) الماضي، حطّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رحاله بالجزائر يوم الأربعاء الماضي، في زيارة لم تدم سوى ساعات قليلة، إلا أنها حملت معها تساؤلات كبيرة وعالقة بين مطلبي التمسك بالذاكرة، والتطلع نحو المستقبل.
زيارة ماكرون، وخلافا لعادة من سبقوه لقصر الإليزيه، لم يختر الجزائر محطته الثانية بعد ألمانيا، بل على العكس تماما، الزيارة فضلها متأخرة وخاطفة، ولم تدم سوى ساعات معدودة، لكنه بالمقابل لم يشذّ عن قاعدة من سبقوه من رؤساء فرنسا حينما خلت حقيبته من ملف يعتبره الجزائريون مطلبا ملحا، ويرتبط بضرورة اعتذار بلاده الرسمي عن الجرائم المرتكبة في حق الجزائريين خلال فترة الاستعمار، كشرط قبل الحديث عن أي تمتين للعلاقات الثنائية.
قبل الزيارة تعالت الأصوات من هنا وهناك داخل الجزائر، تؤكد أنه لا علاقات طبيعية بين الجزائر وفرنسا دون اعتذار رسمي، وأصوات أخرى تطالب ماكرون بالتمسك بتصريحاته خلال زيارته للجزائر بصفته مرشحا للرئاسة في شهر فبراير (شباط) الماضي، حيث اعترف أن «ما قام به الاستعمار جريمة حرب».

وزير قدماء المحاربين في الجزائر الطيب زيتوني صرح للإذاعة الحكومية قبل يومين من زيارة ماكرون؛ مؤكدا أن «تسوية الملفات العالقة والمرتبطة بالذاكرة بين البلدين شرط أساسي في نسج الثقة»، وأنه «ما لم تعترف فرنسا بجرائم الاستعمار، فلن تكون هناك علاقات طبيعية بين البلدين… لا علاقات حسنة، ولا حتى طبيعية قبل الاعتراف بالجرائم الاستعمارية».
وشدد الوزير على أن «العلاقات بين البلدين لن ترقى ولن تكون طبيعية إلا بتقديم الاعتذار والتعويض والاعتراف بالجرائم من قبل فرنسا، وهو مطلب شرعي يجب الاستجابة إليه».
ويرتبط بملف الذاكرة العالقة أربع قضايا هي الأرشيف الجزائري، والذي نقلته فرنسا من الجزائر خلال فترة الاستعمار ما بين 1830 و 1962، إلى جانب تعويض أكثر من 42 ألف ضحية من ضحايا التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في منطقة رقان وحمودية بمحافظة أدرار في جنوب الجزائر، كما تطالب الجزائر بضرورة الاعتراف بمجازر الثامن من مايو 1945، والتي راح ضحيتها أكر من 45 ألف شهيد جزائري خلال أيام قليلة فقط، إلى جانب استرجاع جماجم 36 من كبار قادة المقاومة الشعبية في الجزائر والمحتجزة في متحف الإنسان ببارس منذ أكثر من 150 سنة، وهو المطلب الذي أعلن ماكرون في ختام زيارته عن الاستجابة له، حينما أعلن في ندوة صحافية عشية اختتام زيارته بأنه وافق على طلب السلطات الجزائرية بإعادة تلك الجماجم.

الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (منظمة غير حكومية) استبقت الزيارة ببيان رصدت فيه أهم الانتهاكات التي مارسها الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين، وهي الجرائم التي وصفها البيان بــ«غير المسبوقة في تاريخ البشرية»، وتساءلت الرابطة عن «السرّ في امتناع فرنسا عن الاعتراف بهذه الجرائم في وقت اعترفت فيه بجرائم الأتراك ضد الأرمن».
وعبر صفحات التواصل الاجتماعي أطلق نشطاء هاشتاغ (لا لماكرون في الجزائر)، ومن خلال تغريدات النشطاء ومنشوراتهم طالبوا الجزائريين بعدم الخروج لاستقبال ماكرون، وطالب البعض منهم بالاحتجاج في الشارع ضد الزيارة، وهو المطلب الذي تحقق باحتجاج بعض الشباب، فكان الاعتقال مصيرهم، ولم يتم إخلاء سبيلهم إلا بعد مرور موكب الرئيس الفرنسي.
المطالب السابقة رد عليها ماكرون قبل نزول طائرته في مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية، حيث خص صحيفتين جزائريتين بمقابلة شرح فيها نظرته ورؤيته لطبيعة العلاقات التي يريدها مع الجزائر بشكل خاص، ومع القارة الأفريقية بشكل عام.

وفي المقابلة التي خصّ به صحيفتي «الخبر» الناطقة بالعربية، و«الوطن» الناطقة بالفرنسية الجزائريتين، أكد ماكرون ردا على سؤال بشأن العلاقة الجديدة التي يريدها مع الجزائر قائلا إن «له نظرة رجل من جيله، نظرة رئيس تم انتخابه على أساس مشروع انفتاحي»، مؤكدا أنه «يعرف التاريخ لكنه ليس رهين الماضي».
وعن آثار الماضي الاستعماري، وفرص تجاوز ما تركه من آثار على حاضر العلاقات بين الجزائر وفرنسا، خاطب ماكرون الجزائريين بقوله: «بصفتي رئيس دولة استعمرت جزءا من أفريقيا ولأنني أمثل جيلا لم يعرف تلك الحقبة من الزمن، أعتبر أن فرنسا اليوم قد ورثت هذا الماضي وعلينا أن لا ننساه، لكنني مقتنع أشد الاقتناع بأن مسؤوليتنا هي أن لا نبقى مغلولين لهذا الماضي ونغرق فيه، مسؤوليتنا هي أن نعرف هذا التاريخ وأن نبني مستقبلا مشتركا وأن نحيي الآمال، وقناعاتي في هذا الصدد لم تتغير منذ انتخابي رئيسا للجمهورية».
ماكرون الذي جاب شوارع العاصمة الجزائر على وقع زغاريد النسوة، ومطالب الشباب بتسهيلات للحصول على التأشيرة، بحديثه هذا يؤكد للجزائريين أنه لا مجال للاعتراف، لكنه يدعوهم إلى بناء شراكة ندا للند مبنية على الصراحة والطموح.

ولكسب ودهم غازل الجزائريين بحجم الاستثمارات الفرنسية ببلادهم، حيث وصف الجزائر بالشريك الاقتصادي الرئيسي لفرنسا، مؤكدا أن حجم الاستثمارات الفرنسية خارج قطاع المحروقات تقدر بنحو 2.3 مليار يورو، موضحا بأن ثمة مشاريع يجري إنجازها سترفع من قيمة الاستثمارات الفرنسية خلال السنوات القادمة.
وجرى خلال الزيارة التوقيع على العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين البلدين بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للجنة الاقتصادية المختلطة بين الجزائر وفرنسا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وفي منشور على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، قال الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري إن «فرنسا تعيش أزمة اقتصادية خانقة عجزت عن حلها إلى الآن، وهذه الأزمة هي التي جاءت بماكرون كرئيس لفرنسا، حيث قدمته اللوبيات المالية على أنه المنقذ، وفرنسا تريد أن تحل أزماتها على حساب مستعمراتها القديمة». ويتابع مقري: «الجزائر من أكبر هذه المستعمرات القديمة التي أنقذت فرنسا امستثماراتها الفلاحية ومؤسساتها الخدمية، ويكفي أننا نعلم بأننا نستورد 60 في المائة من احتياجاتنا من القمح و80 في المائة من احتياجاتنا من الحليب وحصة الأسد من هذه الواردات تأخذها فرنسا، ومنحنا لصناعة السيارات الفرنسية سوقا لم تكن تحلم بها عن طريق الاستيراد وخديعة التركيب».
حقيبة ماكرون لم تكن محملة بالملفات الاقتصادية فقط، بل كان الموضوع الأمني حاضرا بقوة من خلال تطرقه لموضوع الأمن بمنطقة الساحل، حيث أكد أن لفرنسا والجزائر مصلحة متبادلة هي استقرار المنطقة ومكافحة الجماعات الإرهابية، مؤكدا بأنه يتوقع الكثير من الجزائر في هذا المجال، وأوضح أن «المعركة ضد الإرهاب في منطقة الساحل لا يمكن ربحها إلا بإنشاء جيوش أفريقية قوية قادرة على التحكم في حدود بلدانها والانتصار على الجماعات الإرهابية».

ما سبق يفسر حسب ماكرون دعم بلاده للقوة المشتركة لدول الساحل التي هي بصدد الانتشار في المقام الأول في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وعن سؤال حول الأزمة في ليبيا، أكد أن فرنسا والجزائر تدعمان كليا وساطة الأمم المتحدة، موضحا أنه «لا بد الآن من إقناع كافة الفاعلين بأن الحل الوحيد لتسوية الأزمة في ليبيا هو سياسي».
وأوضح خلال ندوة صحافية عن جدوى التدخل العسكري الذي حدث في ليبيا بقوله: «لا أظن أن سياسة التدخل العسكري يمكن أن تحل الأزمات، عندما لا تكون في سياق استراتيجية سياسية، بل بالعكس فهي تؤزم الوضع».
وعن الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط أكد الرئيس الفرنسي في حواره للصحيفتين أن الشرق الأوسط «يواجه عدة أزمات هي مصدر لعدم الاستقرار، سواء في ليبيا أو في سوريا أو في العراق أو في الخليج»، مشددا على أن «استقرار الخليج هو أمر رئيسي وفرنسا تدعم الوساطة الكويتية للخروج من الأزمة من خلال الحوار والتفاوض».
وفي حديث خص به «المجلة»؛ يؤكد مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط بجنيف البروفسور حسني عبيدي أنه «يحب الاعتراف بأن زيارة الرئيس ماكرون للجزائر تأخرت وعندما تقررت جاءت قصيرة ومختصرة، لأن العرف الدبلوماسي الفرنسي جرى أن تكون الجزائر أولى المحطات في الزيارات الخارجية للرئيس الجديد بعد ألمانيا».
الزيارة تتم الْيَوْم لكن بعد جولة أفريقية وخليجية وأوروبية، وهو أمر يؤشر برأيه إلى أن «تصور ماكرون يختلف عن سابقيه، بمعنى أنه لا يرى في إشكالية الاستعمار مانعا أمام الدفع قُدما بعجلة التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي».

أكثر من ذلك يرى ماكرون ــ حسب عبيدي ــ أن «التشبث بالماضي موقف دوغمائي، وأن المقاربة الوظيفية من شأنها تحييد الأمور الخلافية، والمنع دون الالتفاف حول قضايا جوهرية».
من هُنَا يعتقد ماكرون – يضيف عبيدي – أن «اعترافه بأن جرائم فرنسا في الجزائر ترقى لجرائم ضد الإنسانية هي أقصى ما يمكن أن يقدمه الرئيس الفرنسي، وأنه حان الوقت لتناول موضوعي لما سماه الذاكرة المشتركة والمتصالحة بدل الذاكرة التنافسية».

ويتابع قائلا: «اللحظة مواتية في الجزائر لإقناع صانع الرأي بضرورة طَي صفحة الماضي، معلوم أن النظام في رحلة البحث عن شرعية لم يعد يملك إلا الريع النفطي لشراء السلم الاجتماعي، وهذا الريع في نقصان مما يشكل عبئا كبيرا على ميزانية الدولة، وبالتالي فإن النظام الحاكم ليس من مصلحته استعداء دولة يمكن أن تلعب أدواراً مهمة داخليا وخارجيا».
داخليا، من الصعب برأيه على «فرنسا أن لا تواكب مرحلة خلافة الرئيس بوتفليقة كما أنها مرشحة للمساهمة في تنويع مصادر الدخل في الجزائر، وربما التأكيد على ضرورة الإصلاح الاقتصادي، وخارجيا، تدرك فرنسا أن المخاطر الأمنية في منطقة الساحل يمكن للجزائر أن تساهم في إدارتها بحكم تجربتها الأمنية الكبيرة في محاربة الإرهاب في الجزائر، وعلاقاتها الجيدة مع أطراف عديدة في مالي والنيجر».
في نفس الوقت، أوضح عبيدي أن «ماكرون استبق لقاءه مع الرئيس الجزائري بجولة أفريقية ناجحة، تؤهله لعب أدوار جديدة في منطقة أفريقية تعتبر الدائرة الأولى في السياسة الخارجية للجزائر».
ماكرون، حسب عبيدي «لا يريد لا رهينة لسياسة فرنسا أفريقياً، ولا رهينة الماضي، مع إدراكه بأن مع الجزائر العلاقة معقدة، فهو يصر على أن تفعيل التعاون بين البلدين هو السبيل الوحيد لتذليل عقبات التاريخ والآثار السلبية للاستعمار، إنه رهان ماكرون الجديد، لا لتجاوز التاريخ، ولا لتقديسه، والفرصة سانحة الْيَوْم أكثر من أي وقت مضى».
لكن الذاكرة المشتركة غير متكافئة بين البلدين، لا بد لها ـــ حسب عبيدي ــ من «عدالة، من دونها ومن دون اعتراف رسمي عام وفي فرنسا بما حل بآلاف المدنيين العزل من تعذيب وتنكيل، واختفاء قصري تبقى هذه الذاكرة أسيرة الماضي، وعقبة نحو التطلع إلى المستقبل».

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.