كتاب جديد:«العقل التكفيري» من التشدد إلى ما بعد المراجعات - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة, كتب

كتاب جديد:«العقل التكفيري» من التشدد إلى ما بعد المراجعات

يؤكد الكتاب على أن اقتران العنف بالجماعة الجهادية يجعلنا ندفع بأن العنف يعود إلى سطوة التفكير والتفسيرات الدينية الناجمة عن فوران النشوة الدينية الناتجة عن ضغوط الحياة اليومية.

القاهرة: خالد أبو الروس

* إن توجهات هذه الجماعة تعد أحد الردود على الانهيار الحضاري الذي دب في المجتمع واشتداد الصراع الاجتماعي.
* مع بدايات 2002 قامت الجماعة بتوقيع كبار قادتها بتأليف أربعة كتب لتصحيح المفاهيم، ومحاولة العودة بحركتها إلى أصولها الفكرية الأولى، التي تتمثل في كونها جماعة دعوية وليست حركة عنف ديني

يكشف كتاب «العقل التكفيري من التشدد إلي ما بعد المراجعات» للدكتور شحاتة صيام عن أن المجتمعات الإنسانية عرفت إبان تطورها التاريخي أنماطا من أحداث العنف، تلك التي تمثل شواهد ودلالات وجودها في مسيرة التطور الإنساني، وحيث هي كذلك وتشهد عليها الأحداث التاريخية، فإن العنف بات آلية مهمة من آليات الصراع الآيديولوجي سواء بين الإنسان والإنسان أو الدولة والجماعات السياسية المعاونة لها، أو بين الجماعات السياسية القائمة في المجتمعات وبعضها بعضا، ذلك الذي يأتي وفق أنماط متعددة مثل الاغتيالات والانقلابات وحركات التحرر والاعتقال والإقصاء.
في ضوء هذه الأنواع جاء مفهوم العنف وفق تعريفات متعددة، تتمحور حول التعريف الشائع له والذي مفاده أنه «كل أشكال السلوك التي تهدد أو تحطم أو تضر الممتلكات أو تدفع بالأذى إلى الأشخاص»، وإن المدقق في هذا التعريف يجد أنه في الوقت الذي يضم أشكالا وصورا متعددة فإنه في الوقت ذاته يفرض علينا أن نميز بينه، أي مفهوم العنف، وما يسمي بمفهوم العداوات، فإذا كان الأول يحمل معنى ماديا، فإن الآخر يشير إلى الجوانب المادية والمعنوية في آن.
ويؤكد الكتاب على أن اقتران العنف بالجماعة الدينية الجهادية يجعلنا ندفع بأن العنف يعود في جانب كبير منه إلى سطوة التفكير والتفسيرات الدينية الناجمة عن فوران النشوة الدينية الناتجة عن ضغوط الحياة اليومية والإكراهات الوجودية التي تشيح بعيدا عملية إشباع الاحتياجات الدينية لدى ما يسمى أصحاب العقول التائهة الذين يبحثون عن ذواتهم من خلال التضحية بالذات والذهاب طوعا إلى النهايات.

ظاهرة الجماعات الدينية

ولقد تكبد المجتمع المصري نتيجة لتنامي ظاهرة الجماعات الدينية العديد من الخسائر المادية والمعنوية، تلك التي عبرت عنها بوضوح الأحداث العنيفة لضرب السياحة والتفجيرات واغتيال ضباط الشرطة والوزراء ورئيس الجمهورية. والمتتبع لأحداث العنف الديني منذ عام 1981، يستطيع أن يستدل علي مجموعة من الأحداث المتلاحقة رسمتها الحركة المتطرفة علي الساحة المصرية، تلك التي حصدت أرواحا ليست بالقليلة، بالإضافة إلي وجود أعداد عالية من الإصابات الناتجة عن التفجيرات ووضع العبوات الناسفة.
ويؤرخ الكتاب للحركة الجهادية وتأسيسها إلى عام 1964 حيث تم تأسيسها علي يد ثلاثة طلاب من المرحلة الثانوية هم علوي مصطفى، وإسماعيل طنطاوي، ونبيل البرعي. ثم بعد ذلك أخذت هذه المجموعة تنمو إلى أن كونت تنظيما من طلاب الثانوية في المحافظات، إذ ضم بينهم أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، ويحيى هاشم، ورفاعي سرور، ومحمد إسماعيل المقدم، ومصطفى يسري، ولكن ما إن دبت الخلافات بين أعضاء التنظيم حتى تم انفصال البعض عنهم في أوائل السبعينيات، وهنا يجب الإشارة كما يذكر الكتاب إلى أن هناك إجماعا بين المفكرين على أن الجماعات الإسلامية تم صنعها واستحضار قوتها وصياغتها في مصر من خلال تدعيم الدولة لها، إذ منحها الرئيس السادات امتيازات كبيرة في تنامي حركتها حتى يمكنه السيطرة على القوى السياسية المضادة له.

غلاف كتاب «العقل التكفيري من التشدد إلي ما بعد المراجعات».
غلاف كتاب «العقل التكفيري من التشدد إلي ما بعد المراجعات».

ويؤكد الكتاب على أن ثمة عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي أسهمت في تهيئة المناخ لتصاعد موجة السخط من خلال الدين على النظام الحاكم في مصر وفي هذا الإطار يمكن تلخيص أهم ما ورد في الخطاب الذي يقوم الكاتب بتحليله والذي يتمحور حول وجود ديمقراطية شكلية، مما أدى إلى وجود طريق مسدود أدى بالطبع إلى التوجه نحو العمل السري.
ويضيف أن عدم منح الشعب الحق في محاسبة الحاكم هو ما سمح له باختيار التوجهات المضادة للمصالح العامة، ونتيجة لهذه السياسات فقد عاني معظم الشعب معاناة شديدة ولعل أبرزها معدلات الفقر وزيادة معدلات التضخم وارتفاع معدلات سكان القبور، وغياب مناهج التربية الإسلامية، وهو ما سمح بتنشئة الشباب في تناقض وأضح، حيث استخدم رئيس الدولة (السادات) الجماعة الإسلامية لمناهضة التيار الشيوعي والناصري، وحاول التخلص منهم غداة اعتراضهم علي معاهدة كامب ديفيد، بالإضافة إلى عدم تربية وإعداد علماء المسلمين الشباب.
ويؤكد الكتاب أيضا على أن ما سيق ذكره هي الأسباب التي دفعت الشباب إلى الالتجاء إلى الدين، فالدين هنا ليس مجرد عبادة وحسب، وإنما يأتي وفق أفكار وخطاب الجماعة الإسلامية بحسبانه آلية لتنظيم المجتمع الصالح، فالحركة الجهادية بمشروعها الراديكالي وخطابها الحركي جاءت لإعادة إنتاج المجتمع وفقا لرؤيتها، إذ جعلت الجهاد ديناميا إسلاميا يسعي إلى تفجير المجتمع، ولما كان الجهاد وفقا لمنطق هذه الحركة تقديسا لإرادة الاستشهاد، فإن توجهات هذه الجماعة تعد أحد الردود على الانهيار الحضاري الذي دب في المجتمع واشتداد الصراع الاجتماعي والتباينات الاجتماعية القائمة في المجتمع سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي، وتحول الكفاح من خلال الإسلام ضد الأنظمة الحاكمة الموصومة بالجاهلية.

الخطاب الإسلامي ودلالاته

حول مفهوم الخطاب الإسلامي ودلالاته، يكشف الكتاب عن أنه مصطلح شامل، يحتوي على مجموعة من العناصر التي تعين على فهم الأشكال والتصورات والإدراكات النظرية، فإن تحليل الخطاب الإسلامي يفيد في الوقوف على مراميه ودلالاته، فضلا عن الوقوف على طرائق وآليات في الواقع المعيش، وباعتبار أنه ليس هناك أساس واحد للخطاب الإسلامي حيث تتعدد التيارات والاتجاهات المتصارعة فإن بإمكاننا القول في هذا الإطار إن البنية المعرفية لخطاب الجماعة الإسلامية تستند إلى أطر مرجعية إبستمولوجية مغايرة، ترتبط بالأساس بالانتقاء من التراث السلفي، وتفعيل العنف وتكفير المجتمع والحاكم في آن.
إن مخاصمة الخطاب الديني للذوات الفاعلة في المجتمع، تجعل من هذا الخطاب مجرد تكييف آيديولوجي لتراث كان يعتبر استجابة لواقع اجتماعي مختلف، الأمر الذي جعل أصحاب هذا الخطاب الإسلامي يعبرون عن ذاتيتهم من خلال إطار مرجعي عاش ونما في زمن غابر.
ويكشف الكتاب عن وثيقة ميثاق العمل الإسلامي وهي مطبوعة سرية للجماعة الإسلامية، تلك التي اشتهرت بها جماعة الجهاد وعبرت عنها في بيانها الذي جاء غداة أحداث عين شمس، «حيث قامت الجماعة في ذلك اليوم بقتل أحد ضباط الداخلية»، وتوعدت فيه النظام وأعلنت عدم قبولها الحوار معه وتم الكشف عن قادتها ومنظريها، وهم: عمر عبد الرحمن، وكرم زهدي، وناجح إبراهيم، وأسامة حافظ، وعبد الآخر حماد، حيث يري الميثاق أن المجتمع المصري يعيش في زمن الصحوة الإسلامية التي يقودها الشباب المتدين منذ السبعينات في مصر من أقصاها إلى أقصاها، وأنهم يخوضون معركة طاحنة ضد المارد الجاهلي، وهنا يقصدون بالمارد والجاهلي «الدولة أو النظام الحاكم»، فيما حدد الميثاق مجموعة من الأسئلة واجبة الإجابة عليها، أهمها: ما غايتهم التي يسعون إليها؟ ما أهدافهم وطرق تحقيق هذه الأهداف؟ تحديد لمن الولاء ومن يعادون، ثم علي ماذا يجتمعون؟

إجبار الناس على الدخول في دين الله

ويرصد الكتاب أهداف الجماعة فيقول: «يتحدد هدف الجماعة الإسلامية بالأساس فيما أمر به الشارع سبحانه وتعالي (أن أقيموا الدين) ذلك الهدف الذي يتمثل في إقامة الدين كله فوق كل شبر من الأرض، وفي كل مجتمع، ذلك الذي يجعل دعوتهم لا تحد بحدود الأوطان، وإنما تحمل صفة الكونية، وينبغي أن نذكر في هذا المقام أن دعوتهم لإقامة الدين ليغطي ويشمل كل مناحي الحياة، فإقامة الدين من خلال أهداف هذه الجماعة يتمثل في تحقيق أمرين، الأول هو تعبيد الناس لربهم، أما الآخر فهو إقامة خلافة على نهج النبوة تمتد عبر الأوطان لتأخذ الصيغة الكونية.
ويضيف الكتاب أن إقامة الدين في أفق الجماعة، يأتي بحسبان الخلق عبيدا لله، وأن الأرض ملك لله، الأمر الذي يفرض إجبار الناس على الدخول في دين الله، ومن ثم إنهاء النظم الحاكمة التي تتحاكم بغير الدخول في الدين، وهذه الأنظمة والحكومات تعد كافرة وجاهلية وساقطة الشرعية، فإنه يتوجب الخلاص منها حتى تتأسس الخلافة الإسلامية.
ويحدد الكتاب طريق عمل الجماعة من خلال ميثاق العمل الإسلامي، حيث إن الجهاد في سبيل الله سوف ينهي العيش في إطار الجاهلية وذلك من خلال مجموعة أسباب يتوكأ عليها الميثاق تتمثل في خلع الحاكم مع وجوب قتال أية طائفة ذات شوكة تمتنع عن الشرع، وتأكيد على تنصيب خليفة للمؤمنين وكذلك الدفاع عن ديار الإسلام واسترداد ما استولى عليه الكفار منها، مع ضرورة تخليص أسرى المسلمين في السجون والمعتقلات في كل ربوع الأرض.
في ضوء المرتكزات السابقة لميثاق عمل الجماعة فالجميع مأمور بالقتال لتخليص ما نحياه من ذل ومهانة ولإنهاء مرحلة ما يسمى «الاستضعاف»، وأن الجهاد وفقا لما تقدم بات حتميا.

ويكشف الكتاب عن أن خطاب الجماعة الإسلامية يسعى إلى تشكيل وعي أو إدراك للواقع وفق رؤية إيمانية «دوغماطيقية متشددة» الأمر الذي يعني أن هذا الخطاب يسعى من خلال هذه الرؤية إلى سيادة تعصب الأفراد من خلال عملية فكرية وسلوكية مستمرة، ولما كانت هذه العملية تتم في وجود تغييب عقلي وإبعاد الذات عن إدراكاتها وفهمها للواقع، فإنها من ناحية أخرى تحجب الرؤى الأخرى والجديدة، فإذا كانت الآيديولوجيا بشكل عام تسعى إلى إيقاف العقل وإبطاء التفكير فإنه وفقا لخطابها فهي ضرب الآيديولوجيا ذاتها، وهو ما يجعله سلوكا عاطفيا وانفعاليا لا يخضع في تصرفاته للعقل أو المنطق، وفي إطار الفهم الخاص بالجماعة الإسلامية، فإن الجهاد يعد فريضة رئيسية، إذ من خلالها يتم إعادة المجتمع والناس لدينهم فضلا عن دفع الأفراد إلى الإيثار والتضحية بذواتهم من أجل سيادة الجماعة.
ويؤكد الكتاب على أنه إذا كان فكر الجهاد يعود إلى عام 1966 أي منذ نشأة تنظيم الجهاد في مصر، ويستند إلى مجموعة التوترات الفقهية والروايات والتأويلات الشفهية المنقولة عن السلف، فإن عبد السلام فرج جاء ليجعله تأصيلا فكريا وعقديا واستراتيجية خاصة للعمل الجهادي، من خلال كتابه «الفريضة الغائبة» كمرتكز فقهي وفكري لتنظيم الجهاد، ومن ثم الإطار المرجعي والمرشد الحركي له، إذ اعتمد على مجموعة من الروايات الشفهية الخاصة بالتنظيم.

ويقول الكاتب: «وعلي الرغم من انفصال الجماعة الإسلامية عن جماعة الجهاد في إطار محبسهم بعد موت السادات بعامين فإن الجماعة استمرت على موقفها المضاد والمتشدد من نظام الحكم، وهو ما دفع ناجح إبراهيم، منظر الجماعة الإسلامية السابق، إلى المطالبة بـ(تعرية النظام العلماني الحاكم)».
ونتيجة لاستفحال عملية الثأر بين الجماعة والنظام، فقد ردت الجماعة بأن قامت باغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك. ويسرد الكتاب أنه على الرغم من طرح العديد من مبادرات وقف العنف بين الجماعة الإسلامية والنظام فإنه وتحديدا في يوم 5 يوليو (تموز) 1997 خرج محمد أمين عبد السلام لإحياء المبادرة من جديد ولكن هذه المرة تأتي المبادرة بتوقيع ستة من قيادات الجماعة الإسلامية وهم كرم زهدي وناجح إبراهيم وعبود الزمر وحمدي عبد الرحمن وعلي الشريف وفؤاد الدواليبي بعد أن لعبت قامات دينية كبيرة دورا محوريا فيها، ولكن نتيجة لحادث الأقصر الذي راح ضحيته 58 أجنبيا، في ذلك الوقت، توقفت الاتصالات وتعطلت عملية مبادرة وقف العنف، ولكن مع حلول عام 2000 ترسخ لدى قادة الجماعة أنه لا سبيل مع العنف وإنما يتوجب الإقلاع عنه ونهج الدعوة بالحسنى.
ومع بدايات 2002 قامت الجماعة بتوقيع كبار قادتها بتأليف أربعة كتب لتصحيح المفاهيم، ومحاولة العودة بحركتها إلى أصولها الفكرية الأولى، التي تتمثل في كونها جماعة دعوية وليست حركة عنف ديني.

العودة للعنف

يؤكد الكتاب على أنه بعد 3 يوليو (تموز) 2013 قامت الجماعة الإسلامية بأعضائها ورجالاتها بالدفاع عن وجود الرئيس الأسبق محمد مرسي وإعادته لحكم مصر، إذ شاركت في الاعتصامات التي ظلت لمدة في ميدان رابعة والنهضة وجيشت أعضاءها «من البسطاء» بهدف إحداث الخلل في كل مصر، وهو ما دفعها إلى الرجوع إلى العنف في الاعتداء على الأقباط والكنائس وعلى أفراد الشرطة والجيش، وأن عودة الجماعة إلى العنف يكشف عن إثارة موجة جهادية جديدة أكثر قوة ونشاطا مما كان متحققا منذ السبعينات، فوقوف الإخوان مع الجماعة الإسلامية على أرضية مشتركة وعلي مسافة واحدة، أسهم في التعبئة الآيديولوجية لدى الجماعات وهو ما ولد لديهم عقيدة الاستشهاد والرغبة في الانتقام، ليس من الأجهزة الأمنية وحسب، ولكن من كل أفراد الشعب، وهو ما جعل الجماعة الإسلامية في أتون الصراع عوضا عن كل الإخوان في بعض الأحيان، أو على أرضية مشتركة ومعهم في أحيان أخرى.

Previous ArticleNext Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.