الربيع العربى... سبعة أعوام من المعاناة

البطالة والدعم وأسعار النفط... أبرز التحديات

مواطن تونسي يحاول الوصول إلى الخبز من  وراء الأسلاك الشائكة على الحدود بين ليبيا و تونس بعد فرار عشرات الآلاف من العمال المصريين  والتونسيين العاملين في ليبيا إلى حدود تونس في 28 فبراير 2011 خلال القتال بالعاصمة الليبية طرابلس (غيتي)

مواطن تونسي يحاول الوصول إلى الخبز من وراء الأسلاك الشائكة على الحدود بين ليبيا و تونس بعد فرار عشرات الآلاف من العمال المصريين والتونسيين العاملين في ليبيا إلى حدود تونس في 28 فبراير 2011 خلال القتال بالعاصمة الليبية طرابلس (غيتي)

القاهرة: حسين البطراوي

• تغير غير مسبوق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومصر بدأت الإصلاح المالي... والهيكلي فى الطريق.

• تونس: عقد اجتماعي جديد ودستور يحمي الإصلاح... وسوريا واليمن وليبيا: انهيار اقتصادى وغيوم حول المستقبل.

• التراجع عن التعديلات الاقتصادية يعود بالمنطقة إلى الوراء... ودول الخليج تبدأ عهداً جديداً بتنويع مصادر الدخل.

بعد قرابة سبعة أعوام، من انتفاضات يناير 2011، فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أحرزت بعض هذه الدول تقدما ملحوظا، فى إصلاحات المالية العامة. لكن هذه الإصلاحات لا يزال أمامها شوط طويل حتى تتمكن من تقليص التفاوت في توزيع الثروة داخل معظم بلدان المنطقة، أو تضييق فوارق التنمية فيما بينها.

فانتفاضات عام 2011 كانت إيذانا بفترة من التغير غير المسبوق في المنطقة. فبينما استحوذت المطالبات بالتحول السياسي على اهتمام العالم، كان الدافع الأساسي وراء هذه الدعوات هو القضايا الاجتماعية والاقتصادية غير المحسومة. فطاف المتظاهرون شوارع القاهرة وتونس، مطالبين بحقهم في «العيش والكرامة والعدالة الاجتماعية»، معبرين بذلك عن طموحات الأغلبية في الحصول على حقوقهم الاقتصادية الأساسية، إلى جانب المطالبة بمزيد من الرخاء والعدالة. بحسب الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي.

لكن المظاهرات الاحتجاجية في شوارع ليبيا وسوريا واليمن لم تكن أدوات فعالة لبناء الدولة، فلا تزال هذه البلدان تعاني من الصراعات والحروب الأهلية. أما دول الخليج فقد قاومت موجة التغيير بوسائل مالية في البداية. وفي الأردن والمغرب، عملت الحكومات على تهدئة المواطنين عن طريق الجمع بين الإصلاحات المخصصة غير الهادفة إلى التأثير على هيكل السلطة.

أدت الصراعات الإقليمية المطولة، وانخفاض أسعار النفط، وضعف الإنتاجية، وعدم جودة الحوكمة، إلى إلحاق خسائر فادحة بالمنطقة. ولم يكن النمو قويا بالدرجة الكافية لإحداث خفض ملموس في البطالة، حتى بلغ تعداد الشباب غير العاملين 25 في المائة حاليا.

وتواجه الآن بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خيارا صعبا بين التقشف لفترة قصيرة، والمثابرة في إتمام الإصلاحات طويلة الأجل، التي يتعين القيام بها لتأمين رخائها الاقتصادي في المستقبل. وسط تحذيرات من أن التخلي أو التراجع عن التعديلات الاقتصادية المهمة المطلوبة لتعزيز النمو الاحتوائي وتحديث القطاعين العام والخاص، من شأنه أن يعود بالمنطقة إلى الوراء، ربما لعدة عقود مضت. ويتيح الاقتصاد العالمي بظروفه المواتية فرصة مواتية للتعجيل بوتيرة الإصلاح.

ارتفاع البطالة

تشير التقارير الاقتصادية إلى أن بلدان المنطقة حافظت على استقرار اقتصادياتها، لكن متوسط النمو الاقتصادي لم يتجاوز 3.6 في المائة سنويا منذ عام 2011، مما أدى لارتفاع معدلات البطالة. ويرى الدكتور جهاد أزعور أن معدل البطالة الكلي البالغ 10 في المائة لا يبدو مثيرا للقلق، ولكنه يتراوح بين أقل من 1 في المائة في قطر، وأكثر من 18 في المائة في الأردن، وتتركز البطالة في النساء والشباب أكثر من أي فئة سكانية أخرى. ولن يؤدي الإبقاء على الوضع الراهن إلا إلى تفاقم الأمور. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولى إلى أن استمرار معدلات النمو السائدة منذ عام 2011 يمكن أن يرفع متوسط البطالة إلى أكثر من 14 في المائة بحلول عام 2030.

شهدت الفترة ما بين 2011 حتى الآن تقلبات فى أسعار النفط، مما شكل ضغوطا على البلدان المصدرة للنفط، خاصة مع الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة، الأمر الذي أدى إلى عجوزات كبيرة في المالية العامة وتراجع النمو. ففي المتوسط، زادت العجوزات بأكثر من 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2016، وتضاعف الدين العام إلى أكثر من 30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي منذ عام 2014. لكن الدول المصدرة للنفط بذلت جهودا كبيرة لتخفيض العجز، فقد تحسن الرصيد الأولي غير النفطي، الذي يستبعد أثر أسعار النفط.

أما فى الدول المستوردة للنفط، فلا يزال عجز الموازنات العامة مرتفعا، وتتجاوز العجوزات 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط، كما تزيد مستويات الدين على 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في مصر والأردن ولبنان. ورغم أن هذه البلدان تمكنت من خفض العجز بما يكفي للحفاظ على استقرارها الاقتصادي، فإنها تحتاج إلى توفير موارد إضافية لمعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية. ومن المتوقع أن يرتفع النمو إلى أكثر من 4 في المائة هذا العام نتيجة لزيادة الاستهلاك الخاص والصادرات.

وتبذل الحكومات جهودا لتنشيط التجارة والاستثمار. فتم تخفيض الحواجز التجارية في كثير من البلدان، من الأردن إلى المملكة العربية السعودية. وانضمت المغرب وتونس إلى «ميثاق مجموعة العشرين مع أفريقيا» الذي يهدف إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة المنتظر أن تساعد على تحسين البنية التحتية. وقام الأردن والمغرب وتونس بجهود لتنويع قاعدة الصناعة التحويلية، ودعم الصادرات، وزيادة فرص العمل.

خطط التنمية

هناك حاجة لخلق مزيد من فرص العمل وتقوية النمو، ومن ثم يجب على صناع السياسات فى تلك الدول إضافة هذه الأهداف، إلى جانب تعزيز الطابع الاحتوائي للنمو، إلى خطط التنمية الوطنية.

ومن المهم إدراك الحاجة إلى منح المرأة حقوقا مساوية للرجل وزيادة مشاركتها في سوق العمل. وقد اتخذت خطوات في الاتجاه الصحيح مؤخرا ـ بما فيها قرار المملكة العربية السعودية بالسماح للمرأة بقيادة السيارات، ولكن المزيد لا يزال مطلوبا في هذا الخصوص.

ينبغي أن تعمل الحكومات على وضع وتنفيذ جداول أعمال للنمو الاحتوائي، أي خطط عمل للمدى المتوسط توفر حلولا عملية للأولويات الملحة وتساعد على استعادة ثقة المستثمرين والمواطنين. ويشير الدكتور جهاد أزعور إلى خمسة روافع سيكون دورها حيويا في هذا الخصوص وهي: سياسة المالية العامة السليمة، والشمول المالي، وإصلاح سوق العمل والنظام التعليمي، وتحسين الحوكمة، وتعزيز مناخ الأعمال. وسيؤدي هذا المنهج أيضا إلى تمكين الحكومات من إعادة النظر في نماذج النمو التي تعتمد عليها والانتقال بالتدريج إلى تنفيذ عقود اجتماعية أكثر عدالة، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. والخطوة الأولى هي وجود رؤية تلهم المواطنين، على أن يعقبها تحديد الأهداف ووضع استراتيجية لتحقيقها.

لا تزال إصلاحات المالية العامة أهم رافعة من روافع السياسة لتشجيع النمو الاحتوائي. ويمكن للدول التي تمتلك هوامش وقائية أكبر في ماليتها العامة ومستويات مديونية أقل أن تقوم بتخفيض العجز تدريجيا لتجنب تعطيل النمو. أما البلدان التي تعاني عجزا كبيرا ومستويات مديونية مرتفعة، مثل الأردن ولبنان وموريتانيا، فينبغي أن تكثف جهودها المبذولة لتخفيض العجز.

ومن الطرق الممكنة لتخفيض العجز تعبئة مزيد من الإيرادات من خلال توسيع القاعدة الضريبية. ويبلغ متوسط نسبة الضريبة إلى إجمالي الناتج المحلي في المنطقة أقل من 10 في المائة، وهي نسبة منخفضة مقارنة بمتوسط الأسواق الصاعدة الذي يبلغ 18 في المائة. وسيساعد في هذا الخصوص أيضا تخفيض الإعفاءات ومكافحة التهرب الضريبي وتطبيق ضرائب أكثر تصاعدية على الدخل الشخصي، بالإضافة إلى تقليص فاتورة الأجور الباهظة في القطاع العام. ويشكل كل هذا حوالي 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في دول مجلس التعاون الخليجي الست، مقارنة بمتوسط 6 في المائة في الاقتصادات الصاعدة والنامية ككل. وسيساعد تضييق الفارق بين أجور القطاعين العام والخاص على استيعاب 27 مليون شاب من المتوقع دخولهم سوق العمل في السنوات الخمس القادمة، علما بأن كثيرا من الشباب المؤهلين يفضلون البقاء دون عمل لفترات طويلة في انتظار توافر وظائف مجزية في القطاع العام.

دول الخليج

تناقص الإيرادات النفطية أسفر عن زيادة كبيرة في عجز الموازنات العامة وتباطؤ في معدلات النمو، في الوقت الذي يحتاج فيه المواطنون الشباب إلى مزيد من فرص العمل، هذا هو التحدي الاقتصادي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي، ولمواجهة هذه التطورات، تسعى دول المجلس إلى تقليل اعتمادها على النفط وتقوية موازناتها العامة والعمل على إيجاد قطاع خاص أكثر حيوية يمكنه خلق فرص العمل لعدد أكبر من السكان.

وتشير دراسة لصندوق النقد الدولى حملت عنوان «آفاق الاقتصاد وتحديات السياسة في دول مجلس التعاون الخليجي»، إلى أن النمو بدأ يتعافى إلى حد ما في الصناعات غير النفطية، لكن الدراسة تشير إلى ضرورة الإسراع بالإصلاحات لإعطاء دفعة أكبر للنمو ودعم الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد وتنمية القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

وتشير الدراسة إلى أن الإصلاحات يجب أن تتضمن الحد من دور القطاع العام، عن طريق الخصخصة والشراكات مع القطاع الخاص؛ وتحسين مناخ الأعمال من خلال تحسين التنظيم، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية لتشجيع الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وتشجيع المواطنين على العمل في القطاع الخاص عن طريق تقديم مستوى أفضل من التعليم والتدريب.

ويبدو أن المملكة العربية السعودية تدرك ضرورة تعزيز مصدر ثرواتها طيلة الحياة بمصادر دخل غير نفطية. فقد أعلنت المملكة، في إطار خطتها الطموحة لتحويل اقتصادها، عن طرح عام لأسهم شركة النفط المملوكة للدولة (أرامكو)، للتداول العام. ويبدو أن هذه الخطة تحاكي الشركات الغربية المملوكة للقطاع العام، مثل شركة إكسون، التي كانت تركز على النفط في السابق ولكنها وسعت مجال تركيزها لتصبح شركات للطاقة وحققت التوازن بين أصولها النفطية وأشكال الطاقة الأخرى.

وفي دراسة أخرى للصندوق بعنوان «كيف يمكن تحقيق ضبط مالي قائم على الإنفاق وأكثر مراعاة للنمو في دول مجلس التعاون الخليجي؟»، تشير إلى أن الإنفاق الحكومي بالغ الارتفاع في مجلس التعاون الخليج، سجل ارتفاعا إضافيا أثناء طفرة أسعار النفط. وسيتطلب تخفيض مستوى الإنفاق إعادة النظر في الدور التقليدي للحكومة في إتاحة الخدمات وفرص العمل.

ولضمان الحفاظ على حيوية النشاط الاقتصادي، ينبغي أن تركز تخفيضات الإنفاق على الدعم وفاتورة أجور القطاع العام. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تحسن الحكومات توجيه الإعانات للفئات الأشد احتياجا وحماية الاستثمارات الداعمة للنمو. كذلك ينبغي للحكومات تحسين جودة الإنفاق، بما في ذلك الإنفاق على الصحة والتعليم.

أما دراسة «كيفية تقوية أطر إدارة السيولة لدعم الاستقرار والنمو في دول مجلس التعاون الخليجي»، فتشير إلى أن هبوط أسعار النفط أدى إلى فترات من شُح السيولة المصرفية، مما أدى في بعض الحالات إلى ارتفاعات حادة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل وزيادة تقلب الأسواق، وهو ما يمكن أن يضر بتدفق الائتمان.

وقالت الدراسة إنه ينبغي أن تتعاون البنوك المركزية ووزارات المالية في تبادل المعلومات بشأن التدفقات النقدية المتوقعة، حتى تتمكن البنوك المركزية من التنبؤ بمقدار السيولة التي يحتاجها الجهاز المصرفي. كذلك ينبغي للبنوك المركزية أن تُجري مراجعة لأدواتها المستخدمة في ضخ السيولة أو سحبها من الجهاز المصرفي، وأن تتوسع في هذه الأدوات حسب مقتضى الحال.

حالة مصر

شهدت ثورة 25 يناير 2011، ضمن موجة الربيع العربي، ورغم أن الثورة لم تؤدِ إلى أضرار لوسائل الإنتاج أو تدمير للبنية التحتية، كما حدث فى سوريا واليمن وليبيا، غير أن الاقتصاد تضرر بشكل كبير نتيجة التقلبات السياسية، ومع بدايات عودة الاستقرار السياسي، وقّعت مصر اتفاقا مع صندوق النقد الدولى لإصلاح الاقتصاد، يقضى بحصول مصر على قرض ممتد، بنحو 12 مليار دولار، وبدأت مصر غى اتخاذ إجراءات سريعة للإصلاح المالي، يشمل خفض عجز الموازنة العامة للدولة، وتحرير سعر الصرف، وتشجيع الاستثمار، والبدء فى عدد من المشروعات القومية، والاتجاه إلى بيع نسب من الشركات والبنوك المملوكة للدولة.

ويؤكد الاقتصاديون أن الإصلاح النقدي والمالي كان ضروريا، وإن جاء متأخرا ومكلفا، وحقق البرنامج في عامه الأول استقرارا نسبيا فى سعر الصرف، واختفاء السوق السوداء، وخفض التشوهات الناتجة عن دعم الطاقة، وتزايد ثقة المستثمرين، غير أن البرنامج صاحبه بعض المظاهر السلبية منها ارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

وأظهر مسح أجراه البنك الدولي في 2016 أن الطبقة الوسطى شكلت ما يزيد على عشرة في المائة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة.

ويرى خبراء الاقتصاد أن البرنامج الذي تطبقه مصر الآن ليس إلا برنامجا لتثبيت الاقتصاد الكلي، وهو ما يتطلب برنامجا للإصلاح الهيكلي، لضمان استمرار مسيرة إصلاح الاقتصاد، وهو ما يتطلب حزمة سياسات لدفع الموارد المالية والبشرية لرفع الإنتاجية، مشيرين إلى أن مشكلة الاقتصاد المصري تكمن في ضعف الإنتاجية في الأساس. محذرين من أن إهمال الإصلاح الهيلكي سيعود بالمؤشرات المالية مرة أخرى إلى سابق عهدها قبل عملية الإصلاح، وهو ما حدث في تجربة مصر السابقة في عملية الإصلاح الاقتصادي في التسعينات من القرن الماضي.

تونس... عقد اجتماعي

في تونس بدأ مسار التحول الذي تأخر طويلا، وستظهر نتائج هذه العملية بعد عقود، فقط كانت الاحتجاجات إيذانا بمرحلة جديدة من بناء الدولة في تحرك توافقي يقوم على عملية يقودها المجتمع للاتفاق على عقد اجتماعي جديد.

فظروف تونس الفريدة المتمثلة في فئة متوسطة كبيرة، ونقابات عمالية مستقلة، وتاريخ من النجاحات بشأن حقوق المرأة، ومعارضة إسلامية معتدلة، تجعل تكرار التجربة قريباً في أي بلد عربي آخر أمرا بعيد الاحتمال.

وقد اتخذت تونس خطوات يمكن أن يسترشد بها أي مجتمع عربي يتطلع إلى إقامة حوار جديد يؤدي إلى الاستقرار والأمن. فالتونسيون أثبتوا أن أول خطوة في هذا الصدد هي الاتفاق على عقد اجتماعي جديد يعرّف الحقوق ويضمنها لكل مكونات المجتمع ، العلمانية والدينية. وقد توصلت تونس إلى اتفاق من خلال مفاوضات مؤلمة وحلول توفيقية بين هذه الفئات المختلفة وليس عن طريق نتيجة غير قابلة للاستمرار تفرضها الحكومات أو الأغلبية أو قوة خارجية، كالولايات المتحدة في العراق.

ويؤيد الدستور التونسي الجديد حقوق جميع عناصر المجتمع، ويضمن أن لا تتمكن أي فئة من فرض أسلوب حياتها على الفئات الأخرى، كما يتمسك بمبدأ انتقال السلطة بالطرق السلمية. وفي خطوة أتاحتها عقود من النضال النسائي في تونس من أجل المساواة في الحقوق، يقر الدستور الجديد حق المرأة في المساواة أمام القانون أكثر مما يقره أي دستور عربي آخر، ويمهد السبيل للمساواة في المواطنة، وهو مطلب حيوي في جهود أي مجتمع ينشد التطور بطريقة صحية. ولا يقل عن ذلك أهمية أن تونس برهنت على انتفاء التعارض بين الإسلام والديمقراطية وأن العناصر العلمانية والدينية يمكن أن تتفق على أن يكون الإطار الإرشادي للمسائل السياسية وثيقة إنسانية غير مستمدة من وحي إلهي.

لكن تونس لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستقرار أو الازدهار، نظرا لمشكلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية الخطيرة. لكنها تعالج هذه المشكلات ضمن إطار قوي يتمثل في دستورها الجديد الذي تسترشد به فيما تتخذه من خطوات. ومن هنا تأتي أهمية النموذج التونسي وضرورة أن يدعمه المجتمع الدولي مالياً وفنياً. فنجاح النموذج التونسي يمكن أن يكون ضوءا إرشاديا لبقية المنطقة إذا حاولت تغيير خطابها الحالي. وفي نفس الوقت، سيكون لفشلها تداعيات تتجاوز حدودها أيضا. بحسب مروان المعشّر، الخبير بصندوق النقد الدولى.

دول الصراع

تشير التقديرات إلى مقتل نصف مليون من المدنيين والمحاربين في المنطقة منذ عام 2011. وبالإضافة إلى ذلك، حسب الوضع في نهاية عام 2016، كانت المنطقة تضم ما يقرب من نصف سكان العالم النازحين قسرا، حيث اضطر 10 ملايين لاجئ و20 مليون نازح داخليا من المنطقة إلى هجر ديارهم. ويوجد بسوريا وحدها 12 مليون شخص نازح وهو أكبر عدد من بين بلدان المنطقة. بحسب دراسة فيل دي إيموس، وغايل بيير، وبيورن روثر، تحت عنوان تكلفة الصراع.

ويقلل الصراع أيضا رأس المال البشري عن طريق نشر الفقر. وغالبا ما يزداد الفقر في بلدان الصراع مع انخفاض فرص العمل، حتى خارج المناطق المتأثرة مباشرة بالعنف. وتتدهور أيضا جودة التعليم والخدمات الصحية وتزداد عمقا كلما طال أمد الصراع. وتعد سوريا مثالا دراماتيكيا. فقد قفزت البطالة من 8.4 في المائة في عام 2010 إلى أكثر من 50 في المائة في عام 2013، ووصلت معدلات ترك الدراسة إلى 52 في المائة، وانخفضت تقديرات العمر المتوقع من 76 عاما قبل الصراع إلى 56 عاما في عام 2014. ومنذ ذلك الحين، ازداد الوضع سوءا.

كما تعرض رأس المال المادي والبنية التحتية إلى الضرر أو التدمير. فقد تعرضت المنازل والمباني والطرق والجسور والمدارس والمستشفيات، فضلا عن البنية التحتية الخاصة بالمياه والطاقة والصرف الصحي إلى أضرار بالغة. وفي بعض المناطق، أزيلت نظم حضرية تماما. وبالإضافة إلى ذلك، تدهورت بشدة البنية التحتية المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية الرئيسية مثل النفط والزراعة والصناعات التحويلية، مع ما لذلك من تداعيات على النمو والمالية العامة وعائدات التصدير واحتياطيات النقد الأجنبي.

وفي سوريا، تعرض أكثر من ربع الرصيد من المنازل إلى التدمير أو الضرر منذ بداية الحرب، بينما أدى الضرر الذي تعرضت له البنية التحتية في اليمن إلى تفاقم حالات الجفاف وأسهم في انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض بشكل حاد. وتعرض القطاع الزراعي للبلد، الذي كان يوظف أكثر من نصف السكان، إلى صدمة بالغة حيث شهد إنتاج الحبوب انخفاضا نسبته 37 في المائة في عام 2016 مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة.

وتعرض التنظيم الاقتصادي والمؤسسات للضرر، فقد كان تدهور الحوكمة الاقتصادية حادا للغاية في الوقت الذي كانت فيه جودة المؤسسات ضعيفة بالفعل قبل اندلاع العنف، كما كان الحال في العراق وليبيا وسوريا واليمن. وقد أدى هذا الضرر إلى تراجع إمكانية الوصول وارتفاع تكاليف النقل وانقطاعات في سلاسل الإمداد والشبكات. ويمكن أن تصبح المؤسسات عرضة للفساد في محاولة أطراف الصراع السيطرة على النشاط السياسي والاقتصادي. فقد يعاد توجيه إنفاق المالية العامة والائتمان مثلا إلى الدوائر الانتخابية ومؤيدي من هم في السلطة. وبشكل أعم، شهد الكثير من المؤسسات الاقتصادية المؤثرة ، البنوك المركزية ووزارات المالية وهيئات الضرائب والمحاكم التجارية، انخفاضا في فعاليتها لأنها فقدت الاتصال بالمناطق الأكثر بُعدا من البلد. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة الاضطرابات التي تعرض لها التنظيم الاقتصادي تزيد بأكثر من 20 ضعفا عن التدمير الرأسمالي في السنوات الست الأولى من الصراع السوري.

انهيار اقتصادي

يمكن أن يكون الضرر الاقتصادي الكلي هائلا. فتشير التقديرات إلى أن إجمالي الناتج المحلي السوري لعام 2016، مثلا، أقل من نصف المستوى الذي كان عليه في عام 2010 قبل الصراع ، وفقد اليمن ما يقدر بنحو 25 في المائة إلى 35 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 وحده، بينما انخفض إجمالي الناتج المحلي في ليبيا بمقدار 24 في المائة في عام 2014 بعد تزايد العنف، حيث أدى الاعتماد على النفط إلى تقلب شديد في النمو. وتعرِض الضفة الغربية وقطاع غزة منظورا طويل الأجل عما يمكن أن يحدث للنمو في الأوضاع الهشة: عانى اقتصادها من الركود شبه التام على مدى السنوات العشرين الماضية مقارنة بمتوسط النمو البالغ ما يقرب من 250 في المائة في البلدان الأخرى بالمنطقة خلال هذه الفترة .

وبالإضافة إلى ذلك، أدت هذه الصراعات إلى ارتفاع التضخم وضغوط على سعر الصرف. ففي العراق، وصل التضخم إلى ذروة تزيد على 30 في المائة خلال منتصف الألفينات؛ وارتفع في ليبيا واليمن إلى أكثر من 15 في المائة في عام 2011 نتيجة انهيار الإمدادات من السلع والخدمات الحرجة فضلا عن اللجوء بقوة إلى التمويل النقدي للميزانية.

وكانت حالة سوريا أكثر تطرفا من ذلك، حيث ارتفعت أسعار المستهلكين بنحو 600 في المائة بين عام 2010 وأواخر عام 2016. وعادة ما تكون ديناميكيات التضخم هذه مصحوبة بضغوط خافضة قوية على العملات المحلية، وهو ما قد تحاول السلطات المحلية مقاومته من خلال تدخل قوي وتنظيم التدفقات العابرة للحدود. ومن الواضح أن هذه القوى تفاعلت في سوريا: تُتداول الليرة السورية رسميا، التي جرى تعويمها في عام 2013، بعُشر قيمتها مقابل الدولار الأميركي قبل الحرب.

اللاجئون... ودول الجوار

أدت تدفقات اللاجئين إلى ضغوط إضافية على الميزانيات والإمدادات من الأغذية والبنية التحتية والإسكان والرعاية الصحية. وسجلت البلدان المجاورة لمناطق الصراع الكثيف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هبوطا في النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي قدره 1.9 نقطة مئوية في المتوسط، مما أدى إلى معدل نمو بطيء جدا غير قادر على توفير وظائف كافية لأعداد السكان المتزايدة. وعلى سبيل المثال، تباطأ متوسط النمو الحقيقي السنوي في الأردن إلى 2.6 في المائة بين عامي 2011 و2016 من 5.8 في المائة بين عامي 2007 و2010.

ويمكن أن يتغلغل أثر التدفق الكبير للاجئين في جميع أرجاء الاقتصاد. وتشير الأدلة من لبنان إلى أن العمالة غير الرسمية كبيرة الحجم بين اللاجئين والنشاط الاقتصادي المكبوح أديا إلى انخفاض في مستويات الأجور ومشاركة المحليين في القوى العاملة، ولا سيما بالنسبة للنساء والشباب. وقد أدت زيادة الطلب على الإسكان في محافظة المفرق بالأردن (منطقة تقع في شمالي شرق البلد على الحدود مع سوريا) إلى ارتفاع الإيجارات بنسبة 68 في المائة بين عامي 2012 و2014، مقارنة بنسبة 6 في المائة في عمان.


اشترك في النقاش