ليبيا... «الصخيرات» يراوح مكانه - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

ليبيا… «الصخيرات» يراوح مكانه

الاتفاق السياسي بين انتهاء مدته والرغبة في استمراره

المشير خليفة حفتر
المشير خليفة حفتر
المشير خليفة حفتر

طرابلس: عبد الستار حتيتة

* حفتر: «كل شيء انتهى»… والسراج: «لا… كل شيء لم ينته بعد، وباقٍ على حاله».
* تحاول الأمم المتحدة وبعض دول الجوار الليبي القفز على معضلة استمرار اتفاق الصخيرات من عدمه، وذلك من خلال قطع خطوات إلى الأمام.

عاد الاتفاق السياسي الليبي، المعروف باسم «اتفاق الصخيرات»، إلى نقطة الصفر مرة أخرى، وذلك بعد نحو عامين من توقيعه بين عدد من الأفرقاء الليبيين.
ويتضمن الاتفاق أن مدة عمل الحكومة المنبثقة عنه تستمر لمدة عام من مصادقة البرلمان على تشكيلها. كما يتضمن أن عمل الحكومة يستمر لمدة عام آخر إذا لم يتم الانتهاء من إنجاز الدستور الدائم للبلاد.
ومنذ بدء عملها في مثل هذا الوقت من عام 2015، لم تحصل حكومة الوفاق على مصادقة البرلمان. كما لم يتمكن الليبيون من الانتهاء من الدستور. وظل كل شيء يراوح مكانه، فيما عدا المزيد من حلقات الفراغ التي أصبح الملف الليبي يدور فيها.
وظهر المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي المكلف من البرلمان، على شاشة التلفزيون ليعلن، قبل أيام، أن اتفاق الصخيرات قد انتهى، وانتهى معه عمل حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج باعتباره رئيس المجلس الرئاسي.

لكن السراج لم يلتزم الصمت أمام إعلان حفتر. وسارع إلى القول بأن اتفاق الصخيرات باق على حاله، وأن حكومته مستمرة في عملها. وهكذا أخذت الأزمة الليبية منعطفا جديدا قد تترتب عليه العديد من التداعيات، إلا إذا تمكن المبعوث الدولي إلى ليبيا، الدكتور غسان سلامة، من إيجاد صيغة توافقية للعبور بهذا البلد إلى بر الأمان، قبل فوات الأوان.
يقول البند الرابع من المادة الأولى من اتفاق الصخيرات: «مدة ولاية حكومة الوفاق الوطني عام واحد، يبدأ من تاريخ نيلها ثقة مجلس النواب، وفي حال عدم الانتهاء من إصدار الدستور خلال ولايتها، يتم تجديد تلك الولاية تلقائياً لعام إضافي فقط. وفي جميع الأحوال تنتهي ولاية الحكومة مباشرة فور تشكيل السلطة التنفيذية بموجب الدستور الليبي أو انقضاء المدة المحددة لها أيهما أقرب».
ولم يحدث أي شيء من هذه الأمور. وعلى هذا قال حفتر في بيانه التلفزيوني إن كل شيء انتهى. بينما رد السراج بقوله في بيان مضاد: «لا… كل شيء لم ينته بعد، وباق على حاله».
ويقف وراء كل موقف من هذين الموقفين العديد من الخلفيات التي تؤثر بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في مستقبل ليبيا.
وشعر مجلس النواب (البرلمان) الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق في شرق البلاد، بالنشوة وهو ينظر بعينين مترقبتين إلى حلول يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وهو الموعد الذي يراه البعض موعدا لانتهاء اتفاق الصخيرات. وتحت هذا الشعور عقد البرلمان جلسة للتصويت على محافظ جديد للمصرف المركزي المنقسم على نفسه. واختار محافظا جديدا بالفعل، لكن المحافظ القديم، الصديق الكبير، قال إن عمله مستمد من الاتفاق السياسي وليس من مجلس النواب.

كما أن الجيش في أشد الحاجة إلى توحيد صفوفه، ومن بين إجراءات هذا التوحيد، ضم الضباط والوحدات العسكرية التي تعمل في غرب البلاد، تحت سلطته، لكن استمرار العمل باتفاق الصخيرات يحول دون ذلك. فالاتفاق يعطي لرئيس حكومة الوفاق منصب القائد الأعلى للجيش، وهذا في حد ذاته يتعارض مع تطلعات حفتر ومجلس النواب الذي يستند عليه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلان الدستوري الذي يجري العمل به منذ عام 2011 حتى اليوم، ينص على أن القائد الأعلى للجيش هو رئيس مجلس النواب. لكن المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات قلبت هذا الأمر رأسا على عقب حين نصت على بند مغاير.

ويقول البند الثاني من المادة الثامنة في الاتفاق السياسي، في «اختصاصات مجلس رئاسة الوزراء»، القيام بمهام القائد الأعلى للجيش الليبي، وتعيين وإقالة رئيس جهاز المخابرات العامة بعد موافقة مجلس النواب، و«تعيين وإعفاء السفراء وممثلي ليبيا لدى المنظمات الدولية بناء على اقتراح من وزير الخارجية وفقا للتشريعات الليبية النافذة»، و«تعيين كبار الموظفين وإعفائهم من مهامهم»، و«إعلان حالة الطوارئ والحرب والسلم واتخاذ التدابير الاستثنائية بعد موافقة مجلس الدفاع والأمن القومي، على أن يعرض الأمر على مجلس النواب».
وبناء على منصب القائد الأعلى للجيش الذي يحمله السراج (ويحمله حتى الآن، كذلك، رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح)، أخذ رئيس المجلس الرئاسي، على عاتقه، في تفعيل صلاحياته، وتعيين قيادات عسكرية لمناطق في ليبيا. وكل هذه الإجراءات تطيل من أمد الأزمة وتهيئ البلاد لمزيد من الانقسام والصراع والاحتراب الأهلي.
وهناك العديد من الملاحظات التي إذا ما جرى وضعها في الحسبان والتعامل معها بجدية، ستؤدي إلى إثارة علامات استفهام لا أول لها ولا آخر. ومن هذه الملاحظات ورود نص في الاتفاق السياسي ينسف عمل مجلس الدولة الذي بدأ منذ مطلع عام 2016 معتمدا على هذا الاتفاق، رغم أن عمله لم يكن ينبغي أن يتم أبدا إلا بعد تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري، من خلال جلسة يعقدها مجلس النواب.
وحول هذه النقطة تحديدا تقول المادة الثالثة من الملحق رقم ثلاثة في الاتفاق السياسي: «يعقد مجلس الدولة اجتماعه الأول في غضون 10 أيام من التصويت على تعديل الإعلان الدستوري». وهذا التصويت لم يحدث. ومع ذلك قام مجلس الدولة العام الماضي بانتخاب رئيس له وبدأ في عقد جلسات واستقبال سفراء دول والقيام بزيارات خارجية، والمشاركة في محاولة حل الأزمة الليبية. بل إن الأدهى من كل ذلك أن العديد من أطراف مجلس الدولة تجرأوا على مجلس النواب نفسه، وأخذوا يهاجمون قراراته بين وقت وآخر.

ومع ذلك تحاول الأمم المتحدة وبعض دول الجوار الليبي القفز على معضلة استمرار اتفاق الصخيرات من عدمه، وذلك من خلال قطع خطوات إلى الأمام. حتى المبعوث سلامة، نفسه، يرى أنه لا ينبغي الوقوف عند هذه النقطة. كما أن الأطراف الدولية ممثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، يرون كما يرى السراج، الاستمرار بالعمل ضمن اتفاق الصخيرات، وبالتزامن مع هذا يتم التعجيل بإنجاز خطة سلامة التي من شأنها أن تقضي على كل الجدل المثار.
فخطة سلامة تريد أن تدخل بالبلاد في عملية انتخابات برلمانية ورئاسية، وتريد أن توحد مؤسسات الدولة وعلى رأسها مؤسسة الجيش، وتريد أن تنجز الدستور وتنتهي من عقد مؤتمر شامل للمصالحة الوطنية. وكل هذا مقرر له أن ينتهي قبل حلول شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2018.
وهو في هذا يريد أن يتجاوز الخلافات الشكلية والدخول بجميع الأطراف المتصارعة إلى حلبة المصالحة، وفي سبيل هذا يسعى لأن يستفيد من جهود كل الأطراف سواء الليبية أو من دول الجوار خاصة مصر وتونس والجزائر، أو حتى من المجتمع الدولي نفسه.

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.