الفرص السانحة للإصلاح الاقتصادي في 2018

ارتفاع معدلات النمو في 75 % من دول العالم... وانخفاض البطالة بمنطقة اليورو

القاهرة: حسين البطراوي

* تراجع التدفقات الرأسمالية عبر الحدود يؤذن بنظام مالي عالمي أكثر قوة... والأوضاع الاقتصادية أكثر إيجابية رغم الكوارث الطبيعية والتوترات والانقسامات السياسية.

* الأرجنتين والبرازيل وروسيا خرجت من حالات الركود... انتعاش التجارة العالمية... ومليار شخص يعتمدون على الغابات... وقيمتها 600 مليار دولار سنوياً.

* الاستثمار في البشر يؤدي إلى ثروة أكبر ونمو اقتصادي أسرع... والأسهم تواصل الصعود إلى مستويات قياسية. ورأس المال البشري يشكل 41 % من الثروة في البلدان المنخفضة الدخل فقط.

أيام ويرحل عام 2017 ليطوي صفحات من الكوارث الطبيعية والتوترات الجغرافية والانقسامات السياسية التي شهدها العالم، ونستقبل العام الجديد بتفاؤل حظر على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية، ورغم أن العالم قد شهد تحسنا في النمو غير أن الإغراق في استشراف حالة اقتصادية مثلى ينبغي أن لا يقود صناع السياسات أو الأسواق إلى التراخي. فالأرجح أن أوقات اليسر عابرة. ولضمان تعافٍ أطول بقاءً، يجب أن يغتنم صناع السياسات الفرصة السانحة للإصلاح.

وترصد التقارير الدولية، خاصة صندوق النقد والبنك الدوليين، حالة الاقتصاد العالمي، فالأوضاع الاقتصادية أصبحت أكثر إيجابية، وسط تساؤلات حول مستقبل العولمة في ظل تراجع التدفقات الرأسمالية عبر الحدود، لكن تهيمن على تصورات خبراء وباحثي العلاقات الدولية توقعات شديدة التشاؤم عن «حالة العالم» في عام 2018.

الأوضاع الاقتصادية

يغادر عام 2017. وقد أصبحت الأوضاع الاقتصادية أكثر إيجابية. رغم أنه كان عاما مضطربا تخللته الكوارث الطبيعية والتوترات الجغرافية والانقسامات السياسية العميقة في كثير من البلدان.

ولكن العام يغادر، وقد أصبحت الأوضاع أكثر إيجابية على الصعيد الاقتصادي، حيث يواصل إجمالي الناتج المحلي ارتفاعه المستمر في كثير من أنحاء العالم في أوسع صعود دوري منذ بداية العقد الحالي.

ويتسم الصعود في العام الماضي، بأنه صعود واسع النطاق. فقد تسارع النمو في نحو ثلاثة أرباع البلدان، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2010. وانخفضت البطالة في بعض البلدان التي ظلت النسبة فيها مرتفعة لبعض الوقت، ومنها الكثير في منطقة اليورو على سبيل المثال، تشارك الآن في طفرة النمو وتحقق نموا قويا في توظيف العمالة. بحسب مؤشرات صندوق النقد الدولي.

كريستين لاغارد

كريستين لاغارد

ومن ناحية أخرى، فإن بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبرى، مثل الأرجنتين والبرازيل وروسيا، خرجت من حالات الركود التي أصابتها. ومع ذلك، تأخر النمو - على أساس نصيب الفرد - في قرابة نصف الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وخاصة الصغرى، مقارنة بمثيله في الاقتصادات المتقدمة، كما انخفض في ربع هذه البلدان تقريبا.

وشملت البلدان التي عانت في هذا العام البلدان المصدرة للوقود والاقتصادات ذات الدخل المنخفض التي تمر بصراعات أهلية أو كوارث طبيعية.

التجارة العالمية

وبدافع من تعافي الاستثمارات، انتعش نمو التجارة العالمية بعد أن سجل معدلا هو الأبطأ منذ عام 2001. بخلاف الركود الذي شهده في عام 2009. وكان ضعف الإنفاق الرأسمالي في قطاع الطاقة عاملا مؤثرا في ضعف الاستثمار العالمي في عام 2016.

وارتفعت أسعار المعادن والوقود بدعم من الزخم الأقوى الذي اكتسبه الطلب العالمي، بالإضافة إلى تقييد المعروض في قطاع الوقود، بما في ذلك توقف الإنتاج المترتب على الأعاصير في الولايات المتحدة، والاضطرابات المالية في فنزويلا، والمشكلات الأمنية في مناطق العراق. ويشير صندوق النقد إلى أنه نظرا لما تشير إليه أسعار العقود الآجلة من استقرار عام أو بعض الانخفاض السعري الطفيف في الفترة المقبلة، ينبغي أن تواصل البلدان المصدرة للسلع الأولية التكيف مع انخفاض الإيرادات، بينما تعمل على تنويع مزيج المنتجات والصادرات في اقتصاداتها لبناء الصلابة اللازمة ودعم النمو المستقبلي.

ظل نمو الأجور فاترا بصورة محيرة في الاقتصادات المتقدمة، رغم تراجع معدلات البطالة. ويفسر الصندوق ذلك بالتباطؤ الجاري في ضوء التراخي المستمر في أسواق العمل، والذي يتمثل في البطالة المرتفعة حتى الآن في بعض البلدان أو المستويات المرتفعة للبطالة الجزئية الاضطرارية، إلى جانب ضعف نمو الإنتاجية.

واصلت تقييمات الأسهم اتجاهها الصاعد حتى قاربت مستويات مرتفعة قياسية، حيث حافظت البنوك المركزية على سياساتها النقدية التيسيرية في سياق من التضخم الضعيف. ويشكل هذا جزءا من اتجاه عام أوسع نطاقا في مختلف الأسواق المالية العالمية، حيث أدى انخفاض أسعار الفائدة وتحسن آفاق الاقتصاد وزيادة الإقبال على تحمل المخاطر إلى إعطاء دفعة لأسعار الأصول وكبح التقلب، وبينما أدى تيسير الأوضاع المالية إلى تعزيز زخم النمو، فإنه يؤدي أيضا إلى خلق مخاطر إذا امتد البحث عن العائد على نحو مبالغ فيه.

ويحذر «الصندوق» من أن الإغراق في استشراف حالة اقتصادية مثلى ينبغي أن لا يقود صناع السياسات أو الأسواق إلى التراخي. فالأرجح أن أوقات اليسر عابرة. ولضمان تعافٍ أطول بقاءً، يجب أن يغتنم صناع السياسات الفرصة السانحة للإصلاح.

البنك الدولي... ومؤشرات مزعجة

فيما يرصد البنك الدولي أهم أحداث العام المنصرف، مشيرا إلى أن الاقتصاد العالمي شهد تحسنا، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أنه كان هناك الكثير من الأحداث والاتجاهات المزعجة والمثيرة للقلق. فقد أدت العواصف الشديدة والفيضانات العاتية إلى تدمير المنازل وسبل العيش من جنوب آسيا إلى البحر الكاريبي. وتراجعت جودة التعليم في الكثير من البلدان حتى مع تسارع وتيرة انتقال الكثير منها إلى العصر الرقمي. ورغم ذلك استمرت معدلات الفقر المدقع في التراجع. وعززت الابتكارات والتكنولوجيا نوعية الحياة. وأصبح رأس المال البشري أكبر محرك للثروة في العالم اليوم.

ويوجد في اليمن أكبر عدد من السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فهناك 17 مليون يمني ليس لديهم ما يكفي من الطعام، وأكثر من ثلاثة ملايين طفل وحامل ومرضع يعانون من سوء التغذية الحاد. ولا يزال المزيج المعقد من الهشاشة والصراع المستمرين، والنزوح على نطاق واسع، وتغير المناخ، وتدهور الموارد الطبيعية، يزيد من انعدام الأمن الغذائي لملايين البشر في جميع أنحاء العالم. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على الغذاء بنسبة 20 في المائة على الأقل على الصعيد العالمي خلال السنوات الخمس عشرة القادمة.

قام رؤساء الدول وغيرهم من القادة بالتأكيد على تعهداتهم بمكافحة تغير المناخ في قمة كوكب واحد في باريس في 12 ديسمبر (كانون الأول)، في الذكرى السنوية الثانية لاتفاق باريس. وجاءت دعوتهم إلى اتخاذ إجراءات ملموسة مع وصول تركيزات ثاني أكسيد الكربون في غازات الدفيئة أعلى مستوى لها خلال 800 ألف عام. وفي السنوات الثلاث الماضية، انخفضت الانبعاثات العالمية، ولكنها بدأت ترتفع مجددا في الآونة الأخيرة.

البنك الدولي

البنك الدولي



الكوارث الطبيعية

أدت الأعاصير المدمرة والأمطار الموسمية الغزيرة والفيضانات التاريخية إلى سقوط قتلى وتدمير ممتلكات في منطقة البحر الكاريبي وجنوب آسيا والولايات المتحدة. وفي سيراليون وكولومبيا، قُتل المئات في انهيارات طينية بعد هطول أمطار غزيرة. وزاد عدد الكوارث الطبيعية إلى نحو 4 أضعافها، حيث يقتل أكثر من 10 أشخاص أو يتأثر أكثر من 100 شخص اليوم، عما كانت عليه في الستينات.

لكن الكوارث تؤثر على الناس بشكل مختلف، فالفقراء لا يعانون إلا من جزء بسيط من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث، ولكنهم يتحملون وطأة عواقب هذه الكوارث. ويرى تقرير «جدار منيع» أن الاستثمار في المرونة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين أمر بالغ الأهمية لكسر حلقة الفقر الناجمة عن الكوارث.

الثروة هي قاعدة الأصول التي تمكن البلدان المختلفة من توليد الدخل (الناتج المحلي الإجمالي) وتحقيق النمو. فالاستثمار في البشر يؤدي إلى ثروة أكبر ونمو اقتصادي أسرع. ويمثل رأس المال البشري - المهارات والخبرات وجهد السكان - أعظم أصول العالم. وهو يشكل نحو 65 في المائة من ثروة العالم، بيد أنه لا يشكل سوى 41 في المائة من الثروة في البلدان المنخفضة الدخل. ومع نمو البلدان، تصبح نسبة رأس المال البشري أكثر أهمية. ومن بين التحديات الأخرى، يتطلب تسريع وتيرة التقدم التكنولوجي من البلدان أن تستثمر بشكل عاجل في مواطنيها إذا كانت تأمل في التنافس في اقتصاد المستقبل..

أزمة التعلم

يعد التعليم واحدا من أكبر الاستثمارات التي يمكن أن يقوم بها مجتمع ما في أطفاله، وفي رأس ماله البشري. ولكن هناك أزمة في التعلم. ويخلص تقرير عن التنمية في العالم 2018 إلى وجود تباين واسع في جودة التعليم وقدره داخل البلدان وفيما بينها. وينمو مئات الملايين من الأطفال حول العالم حتى دون اكتساب أبسط المهارات الحياتية. وعلى سبيل المثال، فإن نحو 12 في المائة من البالغين المولودين في الثمانينات في بعض الاقتصادات المنخفضة الدخل أو الهشة في أفريقيا جنوب الصحراء لديهم تعليم أكثر من آبائهم، مقارنة بأكثر من 80 في المائة من الجيل نفسه في أجزاء من شرق آسيا.

قبل أن يبلغ الطفل عامه السادس، ينضج الدماغ بسرعة أكبر من أي وقت آخر في الحياة. ويمكن أن يكون لسوء التغذية تأثير عميق طوال الحياة على تعلم الطفل وصحته ودخله حين ينضج. وقد انخفض عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم بشكل عام منذ عام 1990. ولكن ما لم يتم تغيير اتجاه هذا النمط، فإن المنطقة لن تبلغ المقصد الخاص بخفض التقزم بنسبة 40 في المائة بحلول عام 2025. ومع ظهور وظائف المستقبل المتوقع أن تتطلب مهارات جديدة أكثر تطورا، أصبح من الأهمية بمكان الاستثمار في البشر في المرحلة المبكرة.

ويخلص تقرير جديد إلى أن زواج الأطفال يؤثر بعمق على العروس الطفلة وأطفالها وأسرتها وحتى بلدها. والفتيات اللواتي يتزوجن وهن أطفال: يقل احتمال إتمام الدراسة الثانوية، ويزيد احتمال أن يلدن قبل بلوغهن الثامنة عشرة، وينخفض دخلهن في المستقبل، ويتعرضن لخطر أكبر من التعرض للعنف العائلي. وإذا انتهى زواج الأطفال بحلول عام 2030، يرى التقرير أن المكاسب التي تتحقق في رفاه السكان يمكن أن تصل إلى أكثر من 500 مليار دولار سنويا.

عاطلون من هندوراس يبحثون عن فرص عمل امام مكتب للتوظيف في العاصمةتيجوسيجالبا

عاطلون من هندوراس يبحثون عن فرص عمل امام مكتب للتوظيف في العاصمةتيجوسيجالبا



الشباب العاطلون

في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، ارتفع عدد الشباب في هذه الفئة العمرية باطراد ليصل إلى 525 مليون شاب عام 2015، أي أن ما يقرب من نصف سكان العالم من الشباب. إن عمل الشباب مهم لاحتوائهم اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وتبين البحوث الجديدة أن الناس يتطلعون إلى كسب دخل أعلى من ذي قبل، مع زيادة إمكانية الوصول إلى الإنترنت. وفي أفريقيا وحدها، التي تضم 1.2 مليار نسمة، تم توصيل 226 مليون هاتف ذكي بالإنترنت في نهاية عام 2015.

على الصعيد العالمي، يعتمد أكثر من مليار شخص على الغابات من أجل موارد رزقهم التي تقدر قيمتها بأكثر من 600 مليار دولار سنويا. ويشمل التنوع البيولوجي للحيوانات والنباتات والكائنات البحرية «رأس المال الطبيعي» الذي يحافظ على فعالية نظمنا الإيكولوجية وإنتاجية اقتصادنا. ولكن العالم يشهد خسارة فادحة في التنوع البيولوجي. ويصاحب تغير المناخ والصيد غير المشروع والصيد الجائر والتلوث تدهور الغابات والأراضي الطبيعية والنظم الإيكولوجية، مما يجعل الموائل أكثر عرضة للخطر. وفي حين أن عام 2017 شهد اكتشاف أنواع جديدة مثل أورانج أوتان تابانولي في إندونيسيا، وفقا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية فإن ما يقرب من ربع أنواع الثدييات في العالم مهددة عالميا أو انقرضت.

وعلى الصعيد السياسي، تخضع غالبية بلدان العالم لأنظمة ديمقراطية. والانتخابات هي واحدة من أكثر الآليات الراسخة المتاحة للمواطنين لتعزيز المساءلة والاستجابة لمطالبهم. ويخلص تقرير عن التنمية في العالم 2017 بشأن الحوكمة إلى أنه على الرغم من أن الانتخابات أصبحت الآلية الأكثر شيوعا لاختيار السلطات الحاكمة في جميع أنحاء العالم، يُنظر إلى الانتخابات على نحو متزايد على أنها غير عادلة، ووفقا للتقرير، يجد المواطنون العاديون والمجموعات المهمشة أحيانا أحزابا سياسية غير راغبة في تمثيل مطالبهم وتوضيحها.

النشاط التجاري

يؤدي القطاع الخاص النشيط إلى خلق فرص عمل، مما يحدث أثرا تحوليا في البلدان والمجتمعات المحلية. وسجل مشروع تقرير ممارسة أنشطة الأعمال ما يقرب من 3200 إصلاح في بيئة الأعمال في 186 بلدا حول العالم. والمجال الذي يشهد أكبر عدد من الإصلاحات هو بدء النشاط التجاري. واليوم، فإن الوقت الذي يستغرقه بدء نشاط تجاري صغير أو متوسط انخفض إلى أكثر من النصف إلى 20 يوما في المتوسط حول العالم، مقارنة بنحو 52 يوما عام 2003.

تغير الطاقة المتجددة نظام الكهرباء العالمي، ومع القدرات والاستثمارات الجديدة تتجاوز القيمة باستمرار الأداء في قطاع الوقود الأحفوري. ففي عام 2016. تمت إضافة أكثر من 160 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة الحرارية الأرضية والكتلة الحيوية في جميع أنحاء العالم باستثمارات يقترب إجماليها من 297 مليار دولار.

مستقبل العولمة

تشير دراسة لـسوزان لوند وفيليب هارلي، إلى أن التطورات الأخيرة تشير إلى ظهور نسخة أكثر استقرارا وقدرة على الصمود للعولمة. ولا تزال الأسواق المالية حول العالم مترابطة للغاية. وعلى الرغم من أن التدفقات السنوية من رأس المال الجديد تراجعت تراجعا كبيرا، فقد استمر نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي وحوافظ حصص الملكية وحوافظ السندات منذ الأزمة، وإن كان بشكل أبطأ بكثير من السنوات التي سبقت الأزمة، وعلى الصعيد العالمي، يمتلك المستثمرون الأجانب 27 في المائة من حصص الملكية حول العالم مقارنة بنسبة 17 في المائة في عام 2000. وفي أسواق السندات العالمية، كان المستثمرون الأجانب يمتلكون 31 في المائة من السندات في عام 2016 بالمقارنة مع 18 في المائة في عام 2000. ويُعد عنصر الإقراض والاستثمارات الأخرى هو العنصر الوحيد من أرصدة الأصول والخصوم الاستثمارية الأجنبية الذي انخفض منذ الأزمة.

وهناك ثلاثة أسباب تشير إلى أن مستقبل العولمة المالية يمكن أن يكون أكثر استقرارا من الماضي، على الأقل على المدى المتوسط. أولا، تغير مزيج التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود بشكل كبير وبطرق ينبغي أن تؤدي إلى الاستقرار. فمنذ الأزمة العالمية، شكل الاستثمار الأجنبي المباشر 54 في المائة من التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود، مرتفعا من 26 في المائة قبل عام 2007. ونظرا للحقائق الجديدة في تنظيم البنوك والتدقيق من جانب حاملي الأسهم، من غير المرجح أن يعود حجم الإقراض العابر للحدود إلى مستويات ما قبل الأزمة في المستقبل القريب. وسيعزز هذا التحول نحو الاستثمار الأجنبي المباشر الاستقرار في التدفقات المالية العابرة للحدود. ونظرا لأن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل الاستراتيجيات طويلة الأجل للشركات فيما يتعلق بأثرها العالمي، فإنه يُعد أقل نوع من التدفقات الرأسمالية تقلبا. ومشتريات الحافظة من حصص الملكية والسندات أقل تقلبا أيضا من الإقراض العابر للحدود، وشكلت هذه المشتريات أكثر من 40 في المائة من إجمالي التدفقات الرأسمالية منذ الأزمة. والإقراض عبر الحدود، ولا سيما الإقراض قصير الأجل، هو أكثر أنواع التدفقات الرأسمالية تقلبا، وينبغي أن يحظى تراجعه بالترحيب.

المهاجرون الذين عبروا الحدود من صربيا إلى المجر

المهاجرون الذين عبروا الحدود من صربيا إلى المجر



تحويلات العاملين

أما المصدر الثاني المحتمل للمزيد من الاستقرار في العولمة المالية، فهو النمو المطرد لتحويلات العاملين إلى بلدانهم الأم. وهذه التحويلات أكثر استقرارا من الاستثمار الأجنبي المباشر نفسه وزادت بفضل زيادة الهجرة العالمية. ولا تُحسب تحويلات العاملين على أنها تدفقات رأسمالية في ميزان المدفوعات الوطني، وكانت قليلة جدا في الماضي. ولكنها أصبحت اليوم مصدرا كبيرا للتمويل في الاقتصادات النامية. وبحلول عام 2016، بلغت تحويلات العاملين إلى هذه الاقتصادات ما مجموعه 480 مليار دولار تقريبا، مقارنة بمجرد 82 مليار دولار في عام 2000 و275 مليار دولار في عام 2007. وهي تعادل الآن 60 في المائة من التدفقات الرأسمالية الخاصة (الاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات حوافظ حصص الملكية والدين والإقراض عبر الحدود)، وتبلغ ثلاث مرات حجم المساعدة الإنمائية الرسمية. ومن المرجح أن تواصل تحويلات العاملين النمو مع استمرار الزيادة في الهجرة العالمية وتطور التكنولوجيات مثل المدفوعات باستخدام سلسلة التجمع والدفع عبر الهاتف الجوال التي تجعل التحويلات أكثر سهولة وأرخص سعرا.

أما المصدر الثالث المحتمل، فهو تقلص وفرة المدخرات العالمية التي ظهرت قبل الأزمة. وتقلصت الاختلالات العالمية في الحسابات المالية والرأسمالية من 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي في عام 2007 إلى 1.7 في المائة في عام 2016. ويؤدي ذلك إلى انخفاض احتمالات أن تسفر إزالة هذه الاختلالات فجأة عن حدوث تقلبات في أسعار الصرف وأزمات في ميزان المدفوعات في بعض البلدان. وبالإضافة إلى ذلك، تنتشر اليوم العجوزات والفوائض في عدد أكبر من البلدان، وانحسرت الاختلالات الكبيرة في الصين والولايات المتحدة. وهناك نقاش الآن بين الاقتصاديين حول إمكانية استمرار الاختلالات العالمية الأصغر حجما.

لكن تهيمن على تصورات خبراء وباحثي العلاقات الدولية توقعات شديدة التشاؤم عن «حالة العالم» في عام 2018، بحسب دراسة مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة التي أعدها محمد عبد الله يونس، حيث يشير إلى أن العالم مضطرب يموج بالتحولات المتسارعة وغير المتوقعة، والصراعات الداخلية، وتهديدات صراعات القوى الكبرى، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مع تصدع الدعائم المؤسسية والقيمية لحالة الاستقرار التي سادت على مدار عقود ممتدة.

وتؤكد الاتجاهات الرئيسية لحركة النشر في العلاقات الدولية الصادرة في عام 2017 على أن عالم 2018 سوف تتحكم فيه عدة قوى محركة، في صدارتها: انحسار العولمة، ومشروعات الاندماج الإقليمي، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على الصدارة العالمية، وانتشار مظاهر عدم الاستقرار الداخلي، والصراعات الإقليمية، والحروب بالوكالة خاصة في مناطق التماس الحدودية بين نطاقات نفوذ القوى الكبرى مثل أقاليم آسيا الوسطى وشرق أوروبا والبلقان التي تواجه تهديدات لاستقرارها بالتوازي مع هشاشة الأوضاع الداخلية والانقسامات المجتمعية والعرقية والدينية والعداء للتعددية الثقافية والخبرة والمعرفة.


اشترك في النقاش