ليبيا... سر الرايات البيضاء - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

ليبيا… سر الرايات البيضاء

بين مطالبات لنظام القذافي بالتخلي عن «العلم الأخضر» وزعماء «الثورة» التي أطاحت بنظامه بتنحية علم «فبراير»

موكب من السيارات التي ترفع أعلام السلام في العاصمة الليبية
فرسان على الخيول انضموا إلى حراك الرايات البيض.
فرسان على الخيول انضموا إلى حراك الرايات البيض.

طرابلس: عبد الستار حتيتة

* هناك جماعات من أنصار النظام السابق ما زالوا يسيطرون على مدن بأكملها ويرفعون فوق بيوتهم علم معمر القذافي الأخضر، مثل مدينة بني وليد في وسط البلاد.
* قذاف الدم: نعم… هذه دعوة نتبناها في محاولة لإنقاذ الدولة الليبية، ولكي يجتمع الليبيون لتقرير مصيرهم بعيدا عن التعصب لأي علم آخر.
* من أبرز الجماعات التي كان لها باع في إدارة ميليشيات عدة: الجماعة الليبية المقاتلة، التي كان يتزعمها رجال أقوياء حاربوا، ولسنوات، ضد الاتحاد السوفياتي السابق في أفغانستان.
* من أبرز المتخوفين من ظاهرة الأعلام البيضاء، المتشددون في جماعة الإخوان الليبية، خاصة أولئك الأعضاء في التنظيم الدولي للجماعة، وعدة ميليشيات ما زالت تقتات على الفوضى.
* مصادر: ظهرت هذه الرايات للمرة الأولى في ساحة الشهداء بطرابلس، أثناء مظاهرة كانت مدعومة من جماعة الإخوان، بعد أن دعا لها أميركي من أصل ليبي كان يطمح لرئاسة ليبيا.
* مصادر في المخابرات العسكرية: تحالف المتطرفين الرافض للرايات البيضاء والرافض لأي مصالحات، ما زال يعمل بدعم من بعض الدول الإقليمية.
* في الوقت الراهن، تشعر عدة مكونات ثقافية وجغرافية بالغبن بعد أن فشلت في تحقيق ما كانت تأمل فيه من مكاسب من وراء مشاركتها في إسقاط نظام القذافي، ولهذا تقترن مطالبها بحقوقها برفع علمها الخاص.
* تقدمت أطراف في المجلس الرئاسي بخطط لمواجهة تردي الخدمات ومواجهة حراك الرايات البيضاء. ومن الطريف أن إحدى هذه الخطط، كان قد وضعها نظام القذافي، واسمها «المشاريع الاستثمارية».

علمٌ صغير أبيض على طاولة اجتماعات تتسع لثمانية أشخاص. كانت هذه واحدة من جلسات بعض السياسيين الليبيين المخضرمين. حدث هذا قبل عام ونصف العام. واليوم ظهر أن لهذا العلم قصة كبيرة… فقد حمل عدة ألوف من الليبيين خلال الأسبوعين الماضيين، نسخاً من هذه الراية البيضاء، وجابوا بها شوارع مدن ليبية في الشرق والغرب والجنوب، مطالبين قيادات «ثورة» القذافي في 1969 بالتخلي عن علمهم الأخضر، ومطالبين زعماء «الثورة» التي أطاحت بنظامه في 2011. بتنحية «علم فبراير» ذي الألوان الثلاثة، جانباً. والبدء في مرحلة جديدة دون أعلام مسبقة.

أنصار ثورة فبراير

وسط طابور طويل من السيارات المكدسة بالمتظاهرين الذين خرجوا في شوارع العاصمة طرابلس رافعين الأعلام البيضاء، يقول الناشط سعيد نوري، إن ليبيا لم تعد تحتمل هذه الدائرة المفرغة التي ندور فيها بلا نهاية… الناس ملوا من الصراع السياسي، ومن الخلافات، ومن كثرة الأعلام، بينما لا توجد رواتب، ولا عمل، ولا خبز، ولا مياه. والكهرباء دائماً مقطوعة، وخدمة الاتصالات سيئة. وفوق كل هذا يتلاعب بنا العالم ويسعى لسرقة ما تبقى من ليبيا.
هناك جماعات من أنصار النظام السابق ما زالوا يسيطرون على مدن بأكملها ويرفعون فوق بيوتهم علم معمر القذافي الأخضر، مثل مدينة بني وليد في وسط البلاد. وفي باقي المدن يرفع أنصار ثورة فبراير العلم الملون الذي كان يعرف قديماً بعلم المملكة الليبية. وجماعات أخرى ترفع علم انفصال برقة ذا اللون الأسود، وفي الغرب هناك من يرفع علم الأمازيغ الأصفر. وهناك التبو لديهم علم. وهلم جرا. ويحدث كل هذا بينما يسعى المبعوث الأممي للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، إلى توحيد مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات وعقد المصالحة الشاملة.
ويمكن لحراك الرايات البيضاء أن يكون عاملا مساعدا، حتى لو كانت هناك أطراف محسوبة على النظام السابق تقف وراءه أو تشارك في توسيع نشاطه، سواء كان سيف الإسلام القذافي الموجود في مكان ما جنوبي غرب طرابلس، أو أحمد قذاف الدم، الموجود في القاهرة، أو غيرهما من زعماء النظام الغابر ممن أصبحوا يستشعرون الخطر على الدولة وعلى استمرار وجودها أصلا.
لكن من أين جاءت فكرة العلم الأبيض، حقا؟ لا أحد من الشبان المتحمسين ممن خرجوا رافعين هذه الرايات يعطي اهتماماً يذكر بأصل الفكرة. لكن زعماء سياسيين وقادة ميليشيات يشعرون بالقلق وهم يبحثون عن الجهة التي تقف وراء فكرة الأعلام البيضاء، وإلى أين يمكن أن تصل بالبلاد التي تعمها الفوضى والصراع على السلطة، وما تأثير أصحاب هذه الرايات الجديدة على الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة.
يقول أحد الناشطين في ضاحية قرقارش في طرابلس: «لا أخفي عليك أن الدعوة لرفع الرايات البيضاء، كتعبير عن الرغبة في السلام، والتوقف عن الاقتتال، قد جاءت قبل نحو 18 شهرا في بيانات للقيادي في جبهة النضال الوطني الليبية، أحمد قذاف الدم، ابن عم معمر القذافي». ويقول قذاف الدم نفسه: «نعم… هذه دعوة نتبناها في محاولة لإنقاذ الدولة الليبية، ولكي يجتمع الليبيون لتقرير مصيرهم بعيدا عن التعصب لأي علم آخر».

موكب من السيارات التي ترفع أعلام السلام في العاصمة الليبية
موكب من السيارات التي ترفع أعلام السلام في العاصمة الليبية

الجيش الوطني الليبي

وبداية من يوم الثاني عشر من الشهر الماضي، كما يوضح أحد الناشطين في ضاحية الهضبة جنوب طرابلس، ويدعى سالم أبو شيبة، بدأت مجموعة من الشباب في اختبار ردة فعل الميليشيات المسلحة على رفع الرايات البيضاء. ومعظم هذه الميليشيات تطلق على نفسها لقب «الثوار» وهو اللقب المستمر معها منذ أيام الإطاحة بنظام القذافي في 2011. وينظر المسلحون في هذه الميليشيات لأنفسهم باعتبارهم «حراس الثورة» وضد عودة نظام القذافي مرة أخرى.
تتعدد الولاءات في عموم ليبيا بين حكام يتصارعون على السلطة؛ فهناك موالون للمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وموالون لفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، وآخرون يوالون البرلمان برئاسة المستشار عقيلة صالح، وفريق رابع ما زال يدين بالولاء لحكومة خليفة الغويل المعروفة باسم حكومة الإنقاذ غير المعترف بها دوليا… بالإضافة إلى مجاميع متطرفة تدين بالولاء لأمراء حرب وجهاديين من بينهم ليبيون وغير ليبيين.
ويقول أبو شيبة: «في اليوم الأول رفعنا العلم في شرفة على واجهة مبنى صغير نجتمع فيه في شارع المطار بمنطقة الهضبة. فأرسل أمير الميليشيا التي تحكم المنطقة يسأل عن قصة هذه الراية. قلنا له إننا نرفعها لأننا لا نريد أي اشتباكات أو صراعات بيننا… وقلنا له نحن الليبيين نريد أن نقول إنه ليس لدينا هنا من يوالي القذافي أو يوالي السراج أو حفتر أو غيرهم. ونسعى لكي يكون الولاء لليبيا فقط. وأخبرناه أننا لسنا ضد أي أحد. ولكننا فقط ضد الاحتراب ورفع السلاح».
وفي الحقيقة يبدو موقف قائد هذه الميليشيا مثيراً للتساؤل. فسماحه بترك الراية البيضاء على شرفة مكتب أبو شيبة، لم يكن في الإمكان القيام به في الماضي القريب، لأنه يعد تصرفا عدائيا ضد «الثورة والثوار ودماء الشهداء»، وهي اللغة التي ظل مئات من زعماء الميليشيات يرددونها للتصدي لأي حراك مغاير لتوجهاتهم. بيد أن الزمن كفيل بتغيير كل شيء. فحتى عناصر هذه الميليشيا الذين خاضوا حروباً ضد حكومة الإنقاذ وحكومة الوفاق التي يرأسها السراج، وضد رجال حفتر الذين حاولوا في السابق الاقتراب من العاصمة، لم يعد لديهم توجه محدد بعد نحو سبع سنوات من رحيل نظام القذافي.

حزب الوطن

وحتى حين كان قذاف الدم يتحدث، قبل شهور، عن ضرورة رفع الراية البيضاء في شوارع ليبيا، لم يقل إنه يريد بهذا عودة النظام السابق، ولكنه كان يقول إنه يسعى لاستعادة الدولة الليبية، ومنعها من السقوط في مستنقع الفشل. أما بالنسبة لمن كانوا يحاربون ضد القذافي فقد تفرقت بهم السبل، بعد أن عجز غالبية القادة الذين صعدوا على مسرح الدولة الليبية، عقب سقوط نظام القذافي، عن إدارة الدفة بالطريقة الصحيحة.
من أبرز الجماعات التي كان لها باع في إدارة ميليشيات عدة، الجماعة الليبية المقاتلة، التي كان يتزعمها رجال أقوياء حاربوا فيما مضى، ولسنوات، ضد الاتحاد السوفياتي السابق في أفغانستان. وكان من أشهر هؤلاء القادة، عبد الحكيم بلحاج، الذي أصبح يدير في الوقت الراهن حزباً يسمى «حزب الوطن»، وخالد الشريف، الذي دخل في خصام معه، وكان يدير سجن الهضبة، ويعيش حالياً خارج ليبيا، وسامي الساعدي، القيادي في دار الإفتاء، والذي يعتقد أنه ترك ليبيا ويعيش حالياً في إحدى الدول الآسيوية.
لقد أدت الخلافات بين أمراء الجماعة الليبية المقاتلة إلى إصابة ميليشياتها بالهشاشة والارتباك. وكان قائد الميليشيا الذي وافق على ترك الراية على شرفة أبو شيبة، من الموالين للشريف. لكن الشريف اختفى من المشهد منذ نحو أربعة أشهر. وتعاني هذه الميليشيا التي كانت تتولى حراسة منطقة الهضبة وسجنها الذي كان يحتجز فيه كبار قادة النظام السابق، من انقطاع الرواتب الشهرية، ومن نقص في السيارات والأسلحة، وانسحب منها في هدوء عدة عشرات، ولم يتبق فيها سوى بضعة عشرات آخرين ما زالوا ينصبون البوابات على زوايا الضاحية، بزعم حماية السكان وحماية الثورة.
ومن الهضبة وقرقارش، امتدت ظاهرة رفع الأعلام البيضاء في الشوارع إلى عدة ضواحٍ أخرى في العاصمة… ثم ظهرت هذه الرايات وهي ترفرف تحت ريح الشتاء، في مدينة مصراتة التي تولت إلقاء القبض على القذافي ودفنه في مكان مجهول مع وزير دفاعه أبو بكر يونس جابر، ونجله المعتصم.
وباستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والاتصالات التي لا تتوقف من شبان متحمسين لفتح صفحة جديدة والتصالح، اتسع نطاق انتشار الرايات البيضاء في مدن أخرى في بنغازي وطبرق في الشرق، وفي الزاوية وصبراتة في الغرب، وفي سبها عاصمة الجنوب.
وأصبح كل من يريد أن يشارك في هذا الحراك يرفع راية بيضاء ويدعو الآخرين لكي يفعلوا مثله. ولم يعد أحد يسأل من أين جاءت الفكرة. ويقول سيد جاب الله، الناشط في الحراك الذي أصبح يعرف أحياناً باسم «صوت الشعب»، أو «جبهة النضال»، أو «الجبهة الشعبية» المرتبطة بنجل القذافي، إن من يرغب في تجاوز الماضي، عليه أن يرفع الراية البيضاء.

صورة التقطتها «المجلة» قبل 18 شهراً في منزل قذاف الدم بالقاهرة حين كان العلم الأبيض مجرد فكرة يعرضها على زواره من الأفرقاء الليبيين.
صورة التقطتها «المجلة» قبل 18 شهراً في منزل قذاف الدم بالقاهرة حين كان العلم الأبيض مجرد فكرة يعرضها على زواره من الأفرقاء الليبيين.

المبعوث الأممي الجديد

وفي تطور سريع أصبح لدى هذا الحراك منسق في ضواحٍ بالعاصمة، يدعى محمد أبو عجيلة، والذي يلقي باللوم فيما وصلت إليه أحوال ليبيا، للانقسامات والصراع. ويقول بكل بساطة: هدفنا أن تكون ليبيا هي الهدف، وليس أي شعار آخر.
وجرى تحديد يوم للتحرك الشامل لأصحاب الرايات البيضاء في عموم ليبيا، بداية من يوم الرابع عشر من الشهر الماضي، على أن يكون مستمراً بلا سقف نهائي، لإرسال رسالة إلى الداخل والخارج، تقول إن الليبيين قد يئسوا من المماحكات السياسية، والخلافات، والاجتماعات، والمؤتمرات التي لم تسفر عن أي شيء، بما في ذلك محاولات الأمم المتحدة لرأب الصدع بين الليبيين منذ أواخر عام 2014 حتى اليوم.
كان من الواضح أن المنخرطين في حراك الأعلام البيضاء يرفضون رفضاً تاماً رفع أي شعارات حزبية أو مناطقية أو قبلية… ومع ذلك أصبح بعض قادتهم يعولون على محاولات المبعوث الأممي الجديد، سلامة، لإجراء انتخابات برعاية دولية دون استبعاد أي طرف بما في ذلك سيف الإسلام نفسه، رغم وجود محاذير قانونية، محلية ودولية، على ترشحه، كونه محكوماً بالإعدام في الداخل، ومطلوبا للتحقيق في محكمة الجنايات الدولية، في الخارج.
ومن أبرز المتخوفين من ظاهرة الأعلام البيضاء، المتشددون في جماعة الإخوان الليبية، خاصة أولئك الأعضاء في التنظيم الدولي للجماعة، وعدة ميليشيات ما زالت تقتات على الفوضى، وتخشى من مغبة خروجها من المشهد، بالإضافة إلى الجماعات المتطرفة الأخرى، ومنها بواقي الجماعة الليبية المقاتلة التي ما زالت تعمل في بعض مناطق غرب ليبيا، وتنظيم داعش الذي تشتت بعد هزيمته في سرت، وأصبح يتحرك في مجاميع لإدارة الاغتيالات، خاصة في عدة مواقع في الجنوب والغرب، حيث يتصدى هو الآخر لعودة الدولة الموحدة، وقام في سبيل ذلك بقتل شخصيات كانت تسعى لعقد مصالحات مهمة بين عدة مناطق في عموم البلاد.
لم يكن في وسع أي ميليشيا، حتى الآن، أن تتصدى بالسلاح لجمهور الرايات البيضاء، رغم أنه في السابق، أي منذ عام 2013. تصدت ميليشيات في طرابلس وبنغازي، بالرصاص والقذائف الصاروخية، لكل من حاولوا التظاهر احتجاجاً على الفوضى، وعلى الاحتراب، وعلى انتشار السلاح.
لقد أغضبت حركة الأعلام البيضاء، هذه المرة، زعماء في الجماعات الأكثر تطرفاً، وبدأت محاولات عدة خلال الأيام الماضية لتكفير من يرفع الأعلام ذات اللون الأبيض، وإشاعة خطب دينية تتحدث عن أن الراية البيضاء لم ترفع في تاريخ المسلمين إلا في وقت الهزيمة في التاريخ الغابر.

وفي لقاء غريب من نوعه، اتفق قيادي ليبي من جماعة الإخوان، وآخر من الجماعة المقاتلة، وثالث من يعد زعيماً ليبياً في «داعش»، على تحريم العلم الأبيض، قائلين إن علم الإسلام هو «راية العقاب» أو العلم الأسود. وكان يمكن أن تسمع في خطب المساجد التي يشرف عليها متطرفون في عدة ضواحٍ في طرابلس والزنتان ومصراتة، شروحاً وتفسيرات لتاريخ العلم الأبيض، وربطه بالهزيمة.
في مسجد في ضاحية معيتيقة بالعاصمة، ألقى داعية متشدد، يدعى أبو نجيب، كلمة قال فيها إن المرة الوحيدة التي رفع فيها المسلمون الراية البيضاء كانت في أيام تشكيل لواء للحرب مع كفار قريش، لكن تلك الراية كان مكتوباً عليها باللون الأسود «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
ثم تساءل من فوق المنبر: إذن من يتبع هؤلاء الذين خرجوا علينا اليوم برايات بيضاء لا تحمل أي كتابات تدل على أنهم يحافظون على الإسلام وشريعة الإسلام وحكم الإسلام. وأضاف أن الرايات البيضاء كان قد رفعها كفار قريش فوق بيوتهم حين دخل المسلمون لفتح مكة… إذن من يرفع اليوم في ليبيا رايات بيضاء فهو يتشبه بالكفار. وحذر هذا الداعية شباب طرابلس من الاستسلام للحراك الجديد.

وفد المصالحة

وبحسب تقارير من مصادر في الجماعات المناوئة للرايات البيضاء، فقد ظهرت هذه الرايات للمرة الأولى، وفقاً لما سجلته، في ساحة الشهداء بطرابلس، أثناء مظاهرة كانت مدعومة من جماعة الإخوان، بعد أن دعا لها أميركي من أصل ليبي كان يطمح لرئاسة ليبيا، هو رجل الأعمال المعروف عبد الباسط إقطيط..
رغم أن إقطيط نفى وقتها أي علاقة له بجماعة الإخوان، إلا أن خصومه حمَّلوا الإخوان مسؤولية ترتيب مظاهرات في تلك الساحة، في سبتمبر (أيلول) 2016. وتوجه المعارضون لـ«الإخوان» إلى الساحة نفسها، رافعين رايات بيضاء، وهم يهتفون ضد الجماعة وضد إقطيط.
منذ ذلك الوقت كانت عدة قبائل معروفة بولائها للنظام السابق، ورفضها لمخرجات «ثورة فبراير» 2011، تحاول عقد مصالحات واسعة فيما بينها، للتنسيق من أجل المستقبل، وكان بعض أبنائها قد بدأوا في رفع رايات بيضاء على سيارات وفود المصالحة، إلا أنه بدأ التصدي لهذه المحاولات منذ وقت مبكر، رغم أنه لا يبدو أن هناك علاقة بين تلك الوفود وحراك الرايات الذي يبدو أكثر تنظيماً وتحديداً لأهدافه.
ففي أحد أيام شهر سبتمبر (أيلول) الحارة كان وفد من قبيلة ورفلة قد توجه من مدينة بني وليد ووصل إلى مدينة المشاشية، قرب طرابلس، رافعاً أعلاماً بيضاء للسلام بين قادة من المشاشية وقادة من الزنتان. وكان هذا التحرك يعني زيادة في نفوذ أنصار النظام السابق، حيث يقيم سيف الإسلام، نجل القذافي، قرب بلدة الزنتان. والصلح بين هاتين القبيلتين الكبيرتين، يعني تعزيز نفوذ سيف الإسلام مستقبلا.
ووفقاً لمصادر أمنية، تمكنت جبهة المتطرفين الواسعة، التي تضم بعض قيادات الإخوان وبعضاً من الجماعة المقاتلة وعدداً من زعماء «داعش»، من اعتراض موكب وفد المصالحة، أثناء عودته من المشاشية، وذلك بالقرب من مدينة مزدة جنوبي شرق العاصمة، وإطلاق النار عليه، وقتل جميع من كان فيه، وهم رئيس لجنة المصالحة الشيخ عبد الله انطاط، ومساعده الشيخ خميس اسباق، واثنان من مرافقيهم.
ويعتقد، وفقاً لمصادر في المخابرات العسكرية في ليبيا، أن تحالف المتطرفين الرافض للرايات البيضاء والرافض لأي مصالحات، ما زال يعمل بدعم من بعض الدول الإقليمية، خاصة أن أسماء بعض من فيه من قيادات موجودة على لائحة عربية للشخصيات والكيانات الإرهابية.

قائد في الحراك الشعبي أثناء فعالية في الشارع.
قائد في الحراك الشعبي أثناء فعالية في الشارع.

تشير أصابع الاتهام إلى هذا التحالف في عدة عمليات إرهابية، لم تقتصر على وفد بني وليد فقط، ولكن استمر ليستهدف كل ما من شأنه أن يقلم أظافر المتطرفين، والذين ردوا بتفجير مجمع المحاكم بمدينة مصراتة، مما أدى إلى مقتل 5 أشخاص وجرح نحو 21 آخرين، في أكتوبر (تشرين الأول) ثم قتل عميد بلدية مصراتة، نفسه، محمد اشتيوي في ديسمبر (كانون الأول)، عقب عودته من زيارة لتركيا مباشرة.
ووفقاً للتحقيقات المبدئية، يستخدم التحالف المشار إليه، والمكون من قيادات من الإخوان والمقاتلة و«داعش»، مجموعة من الإرهابيين المحترفين، تم جلبهم لليبيا من جماعة الجزائري المتطرف مختار بلمختار. وجرى رصد اجتماعات للتخطيط لتنفيذ العمليات الإرهابية، في لقاءات بين عتاة المتشددين، وذلك في عدة مواقع في الغرب والوسط الليبي، منها مزرعة تخص قيادي من المقاتلة في طرابلس، ومزرعة أخرى في صبراتة، وهي التي تم الانطلاق منها لتنفيذ اغتيال وفد المصالحة أثناء عودته من المشاشية.
ويقول ضابط في المخابرات الليبية: «أعتقد أن إشعال الحرب بين القبائل هدف لمن لا يريد الخير لليبيا. اغتيال وفد بني وليد شرارة للفتنة بين قبيلة بني وليد (ورفلة) وباقي قبائل الغرب. والمستفيدون هم أعداء الاستقرار سواء كانوا موجودين في داخل ليبيا أو من خارجها. هذه سياسة فرق تسد».
وفي مصراتة، التي اكتوت بنار الإرهاب ثلاث مرات على الأقل خلال الشهرين الماضيين، خرج عدة مئات من الشبان وهم يرفعون الأعلام البيضاء. ومروا من أمام المقر الرئيسي القديم لجماعة الإخوان، في نوع من التحدي. وجرى سريعاً اتهام هؤلاء المتظاهرين بأنهم من أنصار نظام القذافي، وأن قيادات من النظام السابق هي من تحركهم.
في ذلك التوقيت كانت الجماعات المتطرفة عموماً تشعر بأنها أضعف من أي وقت مضى. ولهذا كانت تبحث عن أي فرصة لاستعادة زخمها مجدداً. واستغلت أول خلاف بين السراج وأحد القادة العسكريين في مصراتة، لتقنع هذا الأخير بتشكيل ما سمته «مجلس الشورى العسكري»، لكن هذا المجلس لم يتمكن من الصمود أمام رغبة الليبيين في تجاوز الخلافات وإبعاد المتشددين والمتطرفين عن رسم مستقبل ليبيا.

هيئة العلماء المسلمين الليبية

حاول التيار المتشدد الاستعانة بـ«هيئة العلماء المسلمين الليبية» التي يرأسها الدكتور عبد الله مولود، لإصدار فتوى للتصدي لمن يرفع الرايات البيضاء، إلا أن الهيئة لم تستجب. ونأت بنفسها عن الخوض في هذه المشكلة، ثم قال أحد مسؤوليها بعد الإلحاح عليه من جانب المتخوفين من الراية البيضاء، إن مثل هذه الرايات استخدمها المسلمون في كل مرة تضع فيها الحرب أوزارها، لبث الطمأنينة بين الناس. وهي تعني أن لغة السلاح توقفت، وحل محلها لغة الحوار والعيش والأمن والأمان. وكان هذا رداً غير متوقع لم يعجب أنصار المتشددين.
وبالعودة إلى طرابلس مرة أخرى، وكان ذلك بصحبة وفد أوروبي، في طريقه لزيارة مقرات تابعة للمجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة، لاحظ عضو في الوفد وجود أعلام بيضاء على طول الشرفات وهو يعبر الطريق إلى مقر المجلس. وسأل أحد المرافقين الليبيين عن قصة هذه الأعلام، فقال له إن هذا هو مزاج سكان العاصمة الذين يريدون إبلاغ رسالة لكم وللعالم أن الشعب مع السلام، وليس مع الاقتتال. ولهذا ينبغي على المجتمع الدولي – كما يقول – أن يستمع إلى الناس مباشرة، وليس إلى طامحين في السلطة.
في يوم من أيام صيف عام 2016. كان قذاف الدم، أكثر الشخصيات التي كانت مقربة من معمر القذافي، يجلس في منزله المطل على النيل. وكان فوق مكتبه، الموجود في زاوية من زوايا صالة الاستقبال الواسعة، علم صغير ذو لون أبيض… ويستقبل قذاف الدم بين حين وآخر عشرات من القيادات المتخاصمة في عموم ليبيا من سياسيين وعسكريين وشيوخ قبائل وحتى مسؤولين في هذه الحكومة الليبية أو تلك.
كان حين يتحدث عن مستقبل ليبيا مع هؤلاء الأفرقاء، يشير إلى العلم الأبيض ويقول: «نريد أن نلتقي على طاولة بلا علم أخضر ولا علم ملون، ولكن حول علم أبيض. نجتمع مع بعضنا بعض كليبيين دون استثناء لأي أحد، ونقرر عندها ما هو لون العلم الذي نريد، وما هو نشيد الدولة الذي نتفق عليه، وما هو نوع الحكم الذي نتوافق حوله. أما نحن كأنصار للنظام السابق، فقد أدينا دورنا. هدفنا اليوم إنقاذ الدولة».
ولم تخل غالبية أحاديث قذاف الدم، سواء مع «المجلة» أو مع وسائل إعلام أخرى، من التطرق إلى حاجة البلاد إلى علم أبيض، يكون محور الالتقاء بين كل الليبيين، ليقرروا حوله مصيرهم، ويختاروا مستقبلهم، دون التمسك بأي خلفيات تعود إلى الماضي.
لهذا حين ظهر العلم الأبيض في الشوارع الليبية في الأيام الأخيرة، ربط المتطرفون والرافضون للتصالح، بين هذه الراية ودعوات قذاف الدم. ومن خلال الحراك الموجود في عموم ليبيا، يبدو من الصعب مقاومة هذا التوجه، بغض النظر عمن يقف وراءه، حتى لو كان سيف الإسلام نفسه.
وفي تحرك سريع وجديد لمواجهة أصحاب الرايات البيضاء، عقد اجتماع بين كبار قادة التنظيمات المتشددة، ممن يتحسبون ويخشون من عودة النظام السابق. وكان من بين هؤلاء زعماء مخضرمون في السياسة وفي الحرب وفي العمل الاستخباراتي. وكان بعضهم، منذ خلافه مع نظام القذافي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، قد تربى في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية…
وخلال لقاء استمر لعدة ساعات في غرب طرابلس، انتهى الاجتماع إلى التسليم بوجود خطر حقيقي من وراء حراك الراية البيضاء، خاصة بعد أن جرى رصد انضمام شباب ورجال أعمال وعسكريين أيضاً في هذه الموجة الرافضة لاستمرار أحوال ليبيا على ما هي عليه منذ 2011 حتى اليوم.
وكان من بين ما قيل إن رصد تحرك أصحاب الرايات البيضاء لا يقتصر على شريحة اجتماعية معينة كالفقراء أو المثقفين أو شباب التواصل الاجتماعي، ولكنه، مما ظهر في الشارع، كان يضم من يملكون سيارات باهظة الثمن، وأصحاب شركات استيراد، وأصحاب عقارات، بالإضافة إلى قيام مسؤولين عسكريين بغض الطرف عن هذه الظاهرة، بالإضافة إلى رفض ميليشيات في العاصمة مواجهة هؤلاء المتظاهرين، خلافاً لما كان يحدث في الماضي.

علم المملكة الليبية المتحدة أو علم الاستقلال بدأ العمل به منذ 1951 حتى وصول القذافي للحكم عام 1969. وهو نفس العلم الذي رفعته «ثورة 2011» التي أطاحت بالقذافي.
علم المملكة الليبية المتحدة أو علم الاستقلال بدأ العمل به منذ 1951 حتى وصول القذافي للحكم عام 1969. وهو نفس العلم الذي رفعته «ثورة 2011» التي أطاحت بالقذافي.

لم يكن الموضوع هذه المرة يدور حول موقف ميليشيات الهضبة التي أصابها الضعف منذ خروج خالد الشريف خارج البلاد، ولكن عن ميليشيات أخرى يعتمد عليها السراج في تأمين طرابلس، ومنها ميليشيا التاجوري وميليشيا كاره، في قلب طرابلس، وكذلك حدث موضوع غض الطرف عن الرايات البيضاء من جانب ميليشيات في مصراتة، ومن جانب موالين لقائد الجيش حفتر في مدن الشرق.
في طرابلس مرت جمهرة من المحتجين وهم يرفعون أعلاماً بيضاء في اليوم التالي، من أمام عناصر من ميليشيا التاجوري… وتركتها تمر في حال سبيلها. وفي الجانب الآخر، عبر أصحاب الرايات البيضاء الطريق دون أي ممانعة من عناصر تابعة لميليشيا كاره، ولم يعترض أحد طريقها. وتجمع المتظاهرون في ساحة الشهداء على البحر، وهم يهتفون: «نعم للسلام».
ويقول جابر وهو شاب ليبي في الثلاثين من عمره، رافعاً العلم الأبيض: «ليبيا دولة غنية لكن الخلافات أفقرتنا. لدي حساب في المصرف فيه مدخرات لي، لكنني غير قادر على سحب أي مبلغ منها لإطعام أطفالي. لا توجد نقود… إذن أين تذهب إيرادات النفط. ولماذا لا يتم حل المشاكل. عددنا ليس كبيراً… ستة ملايين أو سبعة ملايين نسمة، ولدينا مخزون كبير من النفط… أين أموالنا؟ ثم اختفى صوته وسط الهتافات وأبواق السيارات المؤيدة للحراك».
ويقول الخياط جبريل بوكيشة وهو عجوز ليبي في الضاحية القديمة ذات الطابع الإيطالي في طرابلس، إنه عاصر عدة أعلام للدولة الليبية، وعرف ما كان منها في الماضي البعيد، بخبرته في العمل في هذا المجال منذ عقود. ويوضح أن العلم ذا اللون الأخضر السادة، هو الأطول عمراً، وهو علم القذافي أو علم الدولة حين كانت تسمى «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى». واستمر العمل بهذا العلم في الفترة من عام 1977 إلى عام 2011. وكان اللون الأخضر يعكس فكر القذافي وكتابه الأخضر عن طريقة الحكم.

ضربات حلف الناتو

وتولى القذافي السلطة في 1969. حيث كان علم الدولة المعروف وقتها هو علم الاستقلال الذي بدأ في عام 1951، وكان يتكون من ثلاثة ألوان هي الأحمر والأسود، والأخضر، ويتوسطه هلال ونجمة باللون الأبيض. وبمجرد وصوله إلى السلطة اتخذ القذافي علماً جديداً ذا ثلاثة ألوان هي الأحمر من أعلى والأبيض في الوسط، والأسود في الأسفل، وذلك حين كانت الدولة تسمى «الجمهورية العربية الليبية».
وفي الفترة من عام 1972 حتى 1977. أي حين دخلت ليبيا في وحدة مع مصر وسوريا، أضيف إلى العلم السابق، نسر كتب تحته سطران: «الجمهوريات العربية المتحدة» و«الجمهورية العربية الليبية».
ومنذ 2011 عاد الليبيون لعلم الاستقلال مرة أخرى، لكن المشكلة أن رفع هذا العلم مجددا جرى تحت ضربات حلف الناتو لليبيا حين كان الحلف يساعد المنتفضين المسلحين على الإطاحة بحكم القذافي. يقول بوكيشة: «هناك من يرى أن علم الاستقلال اقترن بتدمير الناتو للجيش الليبي وقتل القذافي. ولذلك هؤلاء لا يريدونه، لكنه يظل علم الدولة على أي حال، إلى أن يتفق الجميع على حل».
وترمز الأعلام في هذه الدولة إلى تاريخها السياسي الذي شابته سنوات طويلة من الاضطرابات والحروب ومحاولات الوحدة بين غرب البلاد وشرقها. ويمكن أن تلمس عمق الإشكالية الليبية من مذكرات المستعمرين الإيطاليين. فقد كانت إيطاليا، منذ مطلع القرن الماضي، ولسنوات، غير قادرة على تحقيق الوحدة الجغرافية على الأرض بين إقليم برقة وإقليم طرابلس. كانت تضطر، لفترات طويلة، للتنقل بجنودها ورعاياها، بين الإقليمين عبر البحر لا البر.
وفي الوقت الراهن، أي منذ عام 2011، حتى اليوم، ما زال الليبيون يعانون من صعوبة السفر عبر البر بين الشرق والغرب… وبين الشمال والجنوب، بسبب كثرة الجماعات المسلحة وتنوع المناطق التي يسيطر عليها الخصوم، بمن فيهم محترفو القتل على الهوية، واختلاف الأعلام وألوانها وتوجهاتها التي تعبر عنها.
فالبوابة التي ترفع الراية الخضراء على مشارف مدينة بني وليد، ترفض رفضاً تاماً التعامل بعلم الدولة الموجود اليوم وهو علم الاستقلال القديم. كما أن بعض الانفصاليين الذين يسعون لاقتطاع إقليم برقة في دولة مستقلة عن باقي ليبيا، لديهم علم أسود اللون وفيه نجمة، وهو علم يعود لأكثر من نصف قرن. وفي مناطق الأمازيغ يرفع العلم الذي يعبر عن الدولة الأمازيغية التي كانت ملء السمع والبصر في شمال أفريقيا في الزمن الغابر.
واستقرت ليبيا تحت علم واحد أيام الإمبراطورية العثمانية، سواء كان باللون الأحمر أو الأصفر أو غيره، وفقا للفترات التاريخية التي مرت بها. أما أول علم ليبي خالص فقد جاء بعد أن دخلت الدولة العثمانية في مشاكل مع الإيطاليين، ما اضطرها إلى تسليم جانب من سواحل ليبيا للمستعمرين القادمين من روما. ونتج عن هذه الاتفاقيات السياسية الدولية، ظهور الجمهورية الطرابلسية، التي استمرت في الفترة من عام 1918 إلى 1923، بعلم أزرق اللون تتوسطه نخلة فوقها نجمة بيضاء.
لكن، وبعد أن تمكن الإيطاليون من الاستحواذ على كل ليبيا، فرضوا علما جديدا على الدولة وهي تحت الاحتلال، بما فيها الجمهورية الطرابلسية. واستمر العمل تحت راية علم الاحتلال حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية وما تبعها من تطورات.

العلم الليبي أثناء اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا من عام 1972 إلى عام 1977.
العلم الليبي أثناء اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا من عام 1972 إلى عام 1977.

وفي الوقت الراهن، تشعر عدة مكونات ثقافية وجغرافية بالغبن بعد أن فشلت في تحقيق ما كانت تأمل فيه من مكاسب من وراء مشاركتها في إسقاط نظام القذافي، ولهذا تقترن مطالبها بحقوقها برفع علمها الخاص، كنوع من إثبات الوجود والتلويح كذلك بأنه يمكن ترك الدولة والانفصال في دويلة مستقلة. فقد ظل الشرق يعاني طوال العهود السابقة من التهميش، رغم أنه يملك أكثر من نصف الاحتياطي النفطي في البلاد، وكانت له في الماضي إمارة مستقلة، كان علمها الأسود مع نجمة بيضاء، هو علم الجهاد الذي قاده عمر المختار ضد الاستعمار الإيطالي. وكانت عاصمة الإقليم هي مدينة إجدابيا، وهي المنطقة التي ظهر فيها أنصار الانفصال في الفترة الأخيرة.
أما الأمازيغ فقد أصيبوا هم الآخرون بالإحباط. كان لديهم تطلعات تتعلق بتضمين اللغة الأمازيغية في الدستور الليبي، والاعتراف بهم كمكون ثقافي له خصوصيته. ولم يكونوا مثل انفصاليي برقة يفكرون في تأسيس دولة مستقلة، لكن الفوضى التي ضربت البلاد، دفعتهم إلى التعبير عن الاستياء مما آلت إليه الأمور. ويتهمون القبائل العربية ذات الأغلبية، بالهيمنة على مقدرات الدولة وطريقة الحكم فيها. ولهذا حين تخرج مظاهرة احتجاجية على هذه الأوضاع، تجد العلم الأمازيغي الأصفر يرفرف أعلى رؤوس المتظاهرين.
وأصبحت ليبيا دولة فقيرة ويعاني الغالبية العظمى من أبنائها من نقص حاد في الخدمات. ويوجد فيها ألوف النازحين والمشردين في الداخل والخارج. ويقول أحد كبار السن المشاركين في حركات الرايات البيضاء، إنه فشل في الحصول على دواء مرض السكري ومرض الضغط الذي تعاني منه زوجته، مشيرا إلى أن الدولة ولأول مرة منذ عقود، تسمح للقطاع الخاص باستيراد هذه الأدوية، لكن يتم بيعها في الصيدليات الأهلية بأسعار مبالغ فيها، بعد أن كان في الماضي يحصل عليها بسعر رمزي من المستشفيات العامة.
كما أن مدينة مصراتة ذات التسليح القوي والتي كانت من أشد أعداء النظام السابق، أصبحت تشكو من نقص في المياه التي كانت تصلها من النهر الصناعي من المخزون الجوفي الموجود في الجنوب، وهي مناطق يصعب السيطرة عليها، ويمكن استهداف خطوط المياه فيها، ومنعها من التدفق إلى مدن الشمال. والأمر لا يتعلق بخصومات بين مدن الجنوب والشمال فقط، ولكن يشمل كذلك ضعف شبكات ضخ المياه، وقدم المحطات وانقطاع الكهرباء عنها في معظم الأوقات. ولهذا يشعر أبناء مصراتة بالخطر.

وتقدمت أطراف في المجلس الرئاسي بخطط لمواجهة تردي الخدمات ومواجهة حراك الرايات البيضاء. ومن الطريف أن إحدى هذه الخطط، كان قد وضعها نظام القذافي، واسمها «المشاريع الاستثمارية»، بواسطة اثنين من الموظفين في ذلك الوقت، هما إبراهيم علي، ومحمد الحويج. وحين تحدث أحد قيادات المجلس عن هذه المعلومة، تم الرد عليه بـأن يعرض الخطة دون الإشارة إلى أنها تعود لعهد القذافي.
ويقول أنصار الراية البيضاء إنهم يسعون لإرضاء الجميع وإقناع الليبيين في الشرق والغرب بترك الرايات التي تسببت في الانقسامات وفي الخلافات، والاجتماع حول راية واحدة تسع الجميع. وانخرط ناشطون في مناطق الانفصاليين في شرق ليبيا، مثل إجدابيا، وفي مناطق الأمازيغ، مثل زوارة، في حراك الرايات البيضاء. وخرج متظاهرون في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أي قبل أسبوع، رافعين الأعلام البيضاء في مدن أكثر خطورة، أي التي يوجد فيها المتطرفون من تنظيم داعش، مثل صبراتة.
ففي هذه المدينة الواقعة غرب العاصمة، والتي سبق للطائرات الأميركية أن وجهت فيها غارات لمقرات «داعش»، خرج طابور من السيارات وهي ترفع الأعلام البيضاء، ومرت عقب صلاة الجمعة من وسط ضاحية العلالقة التي كانت تؤوي جماعات من المتطرفين، كما شهدت مناطق العجيلات القريبة منها، مظاهرات مماثلة. وكذلك في الزنتان التي تحاول جماعة الإخوان الهيمنة عليها منذ سنوات دون جدوى.

علم ليبيا الذي يعبر عن فكر الكتاب الأخضر للقذافي حيث أطلق على الدولة اسم «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» بداية من عام 1977 حتى الإطاحة به في 2011.
علم ليبيا الذي يعبر عن فكر الكتاب الأخضر للقذافي حيث أطلق على الدولة اسم «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» بداية من عام 1977 حتى الإطاحة به في 2011.
Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.