السياسة الخارجية السعودية 2018... الفرص والتحديات - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

السياسة الخارجية السعودية 2018… الفرص والتحديات

في خضم تعددية الملفات وتنوع القضايا وتشعبها وتداخلها إقليميا ودوليا

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز و الرئيس دونالد ترامب يوقعان في قصر اليمامة بالرياض على إعلان الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز و الرئيس دونالد ترامب يوقعان في قصر اليمامة بالرياض على إعلان الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز و الرئيس دونالد ترامب يوقعان في قصر اليمامة بالرياض على إعلان الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.

* سيشهد العام الجديد مزيدا من التحركات السعودية إقليميا ودوليا في مواجهة التدخلات الإيرانية المتزايدة ودورها الداعم للإرهاب.

باكو (أذربيجان): أحمد طاهر*

ليست مبالغة القول إن القراءة المستقبلية لحركة السياسة الخارجية السعودية خلال هذا العام 2018، تكشف عن محورية عدد من الملفات والقضايا التي لا تزال مستمرة على أجندة سياستها، إذ إنه من غير المتوقع أن يشهد عام الجديد تحولات كبرى في قضايا المنطقة وأزماتها، بما يعني أن ما حققته السياسة الخارجية السعودية خلال العام الماضي (2017) من نجاحات وإن مثل نقطة ارتكاز رئيسية لتحركاتها في محيطها الإقليمي والدولي، سيظل في الوقت ذاته نقطة الانطلاق في تحركاتها خلال هذا العام، مرتكزا في ذلك على رؤيتها المتمثلة في رؤية 2030 التي ساهمت في رسم سياسة خارجية للمملكة تختلف عن العهود السابقة لمواكبة التغير الحادث ليس فقط في اقتصادها وإنما في المجالات والقطاعات الأخرى، حيث بدأ التغير في السياسة الخارجية للمملكة معتمدًا على قاعدة اقتصادية واعدة تعطيها قوة انطلاق نحو مستقبل مشرق. وفي هذا الخصوص، برز مفهوم «خريطة الحضارات» والذي استخدمه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حديثه عن كيفية الاستفادة من مرتكزات القوة في السعودية، إذ يؤكد على أن قوة السعودية وتاريخها لم يبدآ مع الإسلام، مع اعتزازها بالحضارة الإسلامية وعهدها الذي بدأ خلال أربعة عشر قرنًا، إلا أن ثمة ثقلاً آخر تحمله خريطة الحضارات تلك، وهي التي تشرف على أهم ثلاثة ممرات مائية في العالم، عبرت فوق رمالها وأنحائها الشاسعة قوافل الشعوب التي عاشت في العالم القديم. ووفقا لهذا التأصيل الحضاري والذي يُعد جزءاً من رؤية 2030. إنما يستهدف تجاوز اختزال السعودية بالهوية الضيقة، إلى العالمية، ويضعها في موقعها الذي يجب أن تكون فيه، حتى تتمكن من القيام بدورها الاستراتيجي، حين يصبح العالم شريكًا لها، وتصبح هي شريكة له في مستقبل واحد.

مبادئ وثوابت المملكة

وترسيخا لهذه الرؤية الحضارية للمملكة، ظلت سياستها الخارجية منذ عقود وحتى اليوم معتمدة في تحركاتها على مبادئ وثوابت محددة تجسدت فيما يلي: حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخري، وتعزيز العلاقات الخليجية العربية الإسلامية بما يخدم المصالح المشتركة، وانتهاج سياسة عدم الانحياز، وتأدية دور فاعل في إطار المنظمات الإقليمية والدولية.
والتزاما بهذه المبادئ والثوابت، فقد سطّرت المملكة خلال العام الماضي نجاحات كثيرة، جعلت دورها رياديا في مكافحة الإرهاب وهو ما تجلى في إنشاء مركز مكافحة التطرف وتجفيف منابعه، كما دعمت الأمن الإقليمي والدولي، ونصرة القضايا العربية والإسلامية. واستطاعت بذلك أن تقود مسيرة التنمية بجدارة وتحقق مكاسب معنوية وسياسية، حيث نجحت المملكة في استضافة ثلاث قمم في أكبر وأهم تجمع سياسي على مستوى العالم عُقد خارج مقر الأمم المتحدة: سعودية – أميركية، وخليجية – أميركية، وعربية – إسلامية – أميركية، فأثبتت حكمة قياداتها، وريادتها العالمين العربي والإسلامي، وأنها ركيزة أساسية لترسيخ السلم العالمي.
وفي ضوء ذلك، يمكن رصد أبرز دوائر ومسارات السياسة الخارجية السعودية خلال عام 2018 فيما يلي:

الدائرة الدولية

تتمثل الدائرة الدولية في علاقات المملكة مع القوى الكبرى، إذ إنه من المنتظر أن تتعزز علاقات المملكة مع هذه القوى على غرار ما شهدته من تطورات مهمة خلال العامين الماضيين، فإذا كانت العلاقات السعودية الأميركية علاقات استراتيجية حكمتها ضوابط ومصالح متبادلة على مدار العقود الماضية منذ تأسيس المملكة في ثلاثينات القرن المنصرم وإن شهدت مراحل للهبوط والصعود في مساراتها طبقا لتباين مواقف البلدين ومصالحهما، فإن انفتاحها مؤخرا على روسيا وتعزيز علاقاتهما خاصة في ظل الزيارة التاريخية التي قام بها الملك سلمان إلى روسيا، مثلت تحولا مهما في مسار السياسة الخارجية السعودية على المستوى الدولي وسعيها لتحقيق التوازن في علاقتها الدولية، إذ انتقلت علاقاتها مع روسيا من مجرد علاقات عادية دون وجود أي روابط سياسية أو رؤى مشتركة أو أهداف محددة إلى علاقات استراتيجية تدعمها حجم الصفقات والشراكات الاقتصادية المتبادلة. الأمر ذاته ستشهده العلاقات السعودية – الصينية، خاصة في ظل تتويج المملكة لشراكاتها معها منذ 20 يناير (كانون الثاني) 2016 بتوقيع بيان مشترك لإقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. وجدير بالإشارة أن تحرك المملكة دوليًا لا يقتصر على مجرد علاقاتها مع القوى الكبرى فحسب، بل من المنتظر أن تترسخ مكانة المملكة ودورها عبر تكثيف جهودها في حل النزاعات، توافقا مع ميثاق الأمم المتحدة، وتوظيف الدبلوماسية الاستباقية لمنع تفاقم هذه الأزمات وتحولها إلى صراعات عسكرية ينتج عنها كوارث، ومن ثم فهي تشارك المنظمات الدولية والدول المؤمنة بالعمل الجماعي في تحقيق السلم والأمن الدوليين، بحس المسؤولية والاعتدال. كما أنه من المتوقع كذلك أن يزداد دورها في إرساء قواعد العمل الإنساني، التي جسدها إنشاء مركز الملك سلمان بن عبد العزيز للإغاثة والأعمال الإنسانية؛ ليعكس الدور الإنساني المشرق للمملكة على مستوى العالم، حيث أتت المملكة في المرتبة الثالثة عالميا من حيث حجم المعونات الإغاثية والإنسانية والتنموية، وتشير الإحصاءات إلى أن هناك ما يزيد على 35 دولة تستفيد من المساعدات التي يقدمها المركز، والتي تتنوع ما بين مشاريع تعليم، وصحة، وأمن غذائي، وخدمات لوجيستية، وحماية، وإيواء… إلخ، وبلغ عدد المشاريع المنفذة حول العالم 245 مشروعًا، بإجمالي تكلفة تقارب 841 مليون دولار، ووصل عدد المستفيدين من هذه المساعدات إلى 27.6 مليون مستفيد، وذلك على الرغم من حداثة المركز الذي يرجع تاريخ تأسيسه إلى مايو (أيار) 2015م.

قضايا العالم الإسلامي
من غير المبالغة القول إن عام 2018 سيشهد مزيدا من الاهتمام السعودي بقضايا العالم الإسلامي، إذ إنه فضلاً عن حرص المملكة على حشد وتكريس قدراتها ومواردها وتسخيرها لخدمة قضايا العالم الإسلامي وتحقيق أسباب ترابطه وتضامنه، وليس أدل على هذا من مبادرة المملكة مع الدول الإسلامية بإقامة منظومة من المؤسسات الإسلامية الحكومية وغير الحكومية ومنها رابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي ودعم الأمن الجماعي للدول الإسلامية، والعمل على تسوية المنازعات بين الدول الإسلامية بالطرق السلمية، وتقديم المعونات الاقتصادية للدول والمجتمعات الإسلامية ذات الإمكانيات المحدودة، وتقديم المساعدة والإغاثة العاجلة للدول الإسلامية المنكوبة، ومناصرة المسلمين والدفاع عن قضاياهم وتوفير الدعم المادي والمعنوي للتجمعات الإسلامية التي تواجه تحديات وجودية على غرار ما يعاني منه الروهينغيا في ميانمار.

الدائرة الإقليمية

تشمل الدائرة الإقليمية كثيرا من القضايا والملفات التي أولتها المملكة اهتماما خاصا ويأتي في مقدمتها الملف اليمني الذي بادر خادم الحرمين منذ عام 2015 بالاستجابة لنداء السلطة الشرعية في اليمن (طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي في 24 مارس (آذار) 2015، استنادًا إلى مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك)، فقادت الرياض تحالفًا عربيًا في عمليتي «عاصفة الحزم»، و«إعادة الأمل» لمواجهة تمرد ميليشيات الحوثيين، وإنقاذ المؤسسات اليمنية. وذلك انطلاقا من حرص المملكة على أداء واجباتها تجاه الدول الشقيقة ونصرتها، مع التأكيد على الدور الواضح لبرامج الإغاثة والمساعدات الإنسانية للشعب اليمني عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حتى يتجاوز اليمن ظروفه وأوضاعه وليستعيد دوره الطبيعي إقليميًا ودوليًا، وينهض بوطنه في أجواء من الأمن والاستقرار. وفي خضم المستجدات التي تشهدها الساحة اليمنية ما بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ودخول الأزمة اليمنية مفترق طرق خطيرا يهدد باستقرار الدولة ووجودها، وسوف يشهد عام 2018 اهتماما دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا وإنسانيا سعوديا بالأزمة اليمنية منعا لانزلاق اليمن نحو مزيد من التفكك، وللحفاظ على وحدة وسيادة الدولة اليمنية في مواجهة السياسات الإيرانية التخريبية التي تستهدف أمنه واستقراره. الأمر ذاته ينطبق على الأزمة السورية التي تشهد مزيدا من التدخلات الدولية والإقليمية، حيث حرصت المملكة منذ اندلاع الأزمة السورية على التأكيد على دورها الداعم للشعب السوري لتخفيف معاناته الإنسانية، بداية من استقبال نحو مليوني مواطن سوري، وعدم التعامل معهم كلاجئين أو وضعهم في معسكرات لجوء، حفاظًا على كرامتهم وسلامتهم، ومنحتهم حرية الحركة التامة، ومنحت لمن أراد البقاء منهم في المملكة، وهم مئات الآلاف، الإقامة النظامية، وسمحت لهم بالدخول لسوق العمل والحصول على الرعاية الصحية المجانية والتعليم، كما أسهمت المملكة في دعم ورعاية ملايين السوريين اللاجئين في دول مجاورة بسبب استمرار الصراع في سوريا، منذ 5 أعوام تقريبًا.

أما بالنسبة للملف العراقي الذي يزداد هشاشة بسبب ضعف العلاقة التشاركية بين المكونات الرئيسية للدولة العراقية، الأمر الذي يفرض على المملكة نظرا لخطورة الأوضاع في العراق وتأثيراتها على الأمن الخليجي، أن تسرع بمعاونة العراقيين للتوصل إلى رؤية توافقية بشأن عقد اجتماعي جديد يحافظ على وحدة الدولة العراقية ويفسح المجال للجميع للمشاركة. الأمر ذاته يتكرر مع الأزمة الليبية، إذ استمر الموقف السعودي منذ بداية الأزمة متمسكا بدعم الشرعية الليبية وحث جميع الأطراف على استكمال البناء المؤسساتي الانتقالي، وتمكين مجلس النواب من القيام بدوره، وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي، وضرورة تعزيز التنسيق بين القوات العسكرية والأمنية الليبية الشرعية، وحثها على العمل بسرعة لوضع قيادة عسكرية وأمنية مشتركة في ليبيا، تضمن محاربة كافة التنظيمات الإرهابية الموجودة على التراب الليبي والمصنفة من قبل الأمم المتحدة كتنظيمات إرهابية، فضلاً عن ضرورة مشاركة جميع فئات المجتمع الليبي المشاركة في العملية السياسية، مع تعزيز التواصل والتوعية داخل ليبيا والبحث عن آليات حوار فعالة لتعزيز المصالحة.

وإذا كانت الملفات والقضايا الرئيسية ضمن الدائرة الإقليمية السعودية لن تشهد تحولات دراماتيكية خلال عام 2018، بما يعني استمرار النهج السعودي في التعامل مع هذه القضايا والتأكيد على ثبات موقفها ورؤيتها في كيفية إدارتها إلا أن ثمة قضيتين من المنتظر أن تشهدا تصعيدا متوقعا بما يعني تشددا في موقف المملكة حيال ما ستشهده هاتان القضيتان، وهما:
-القضية الفلسطينية، فإذا كان صحيحا أن الموقف السعودي ظل ثابتا وواضحا ومعبرا عن حرص المملكة على حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وإدانة ما تقوم به القوات الإسرائيلية من تصعيد وتصرفات غير مسؤولة .ووضع حد لبناء المستوطنات الإسرائيلية وإزالة ما أنشئ منها، وتؤكد المملكة أن السلام الشامل والعادل والدائم لا يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة طبقًا لقـرارات الشــرعية الدولية ذات الصـلة، ومبادرة السلام العربية.

-تزايد السياسات الإيرانية العدوانية، إذ إنه رغم سجل إيران الحافل بنشر الفتن والقلاقل والاضطرابات في دول المنطقة بهدف زعزعة أمنها واستقرارها، والضرب بعرض الحائط بكل القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية، والمبادئ الأخلاقية وذلك منذ قيام ثورتها 1979. إلا أن المملكة حرصت على ممارسة سياسة ضبط النفس طوال هذه الفترة، رغم معاناتها ودول المنطقة والعالم المستمرة من السياسات العدوانية الإيرانية. إلا أنه مع تزايد هذه التدخلات بشكل مباشر وعبر وكلائها من الميليشيات المجندة في العراق ولبنان وسوريا واليمن وكذلك دعمها المستمر للإرهاب من خلال توفير ملاذات آمنة له على أراضيها، وزرع الخلايا الإرهابية في عدد من الدول العربية، بل والضلوع في التفجيرات الإرهابية التي ذهب ضحيتها الكثير من الأرواح البريئة، واغتيال المعارضين في الخارج، وانتهاكاتها المستمرة للبعثات الدبلوماسية، بل ومطاردة الدبلوماسيين الأجانب حول العالم بالاغتيالات أو محاولتها، إضافة إلى برنامجها النووي ذي التأثير السلبي على البيئة وأمن واستقرار المنطقة، وخروقاتها المستمرة للاتفاق الذي تم التوصل إليه بين طهران ومجموعة دول (5 + 1) في يوليو (تموز) 2015م، بشأن هذا البرنامج، فمن غير المقبول أن تظل السياسة السعودية على منهجيتها في ضبط النفس دون ممارسة المزيد من التصعيد حيال هذه التجاوزات الإيرانية وخروقاتها حماية للأمن القومي السعودي على وجه التحديد والأمن القومي العربي في مجمله. ويؤكد على ذلك ما اتخذته المملكة من مواقف وقرارات سابقة هدفها مواجهة هذا الإرهاب المتزايد أيا ما كانت مصادره، حيث جاء تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة، وتأسيس مركز عمليات مشتركة بمدينة الرياض لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود، واستمرار المشاركة الفاعلة في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وتعزيز قدرة وكفاءة الأجهزة الأمنية حتى تقوم بدورها عبر عمليات استباقية وملاحقة وتفكيك شبكات وخلايا إرهابية، جنبا إلى جنب مع دور المملكة في الترسيخ لعملية النصح والإرشاد، عبر مركز يعد الأول من نوعه في هذا الشأن هو (مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة). ومن ثم، يؤكد ما سبق على أن عام 2018 سيشهد مزيدا من التحركات السعودية إقليميا ودوليا في مواجهة التدخلات الإيرانية المتزايدة ودورها الداعم للإرهاب.

الدائرة الخليجية

تعتبر الدائرة الخليجية من أهم دوائر السياسة الخارجية للمملكة، حيث سعت منذ تأسيسها إلى تقوية تلك العلاقات خصوصًا مع أواصر القربى والارتباط التاريخي والجوار الجغرافي المميز الذي يجمع المملكة بدول الخليج العربية إلى جانب تماثل الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة فيها. وترتكز السياسة الخارجية السعودية في دائرتها الخليجية على أسس ومبادئ من أهمها أن أمن واستقرار منطقة الخليج هما مسؤولية شعوب ودول المنطقة، وذلك في مواجهة أي تحديات خارجية كانت أم داخلية، وكذلك رفض التدخل في شؤونها الداخلية والعمل على الوقوف صفًا واحدًا أمام أي اعتداء على أي من هذه الدول، معتبرة إياه اعتداء على البقية وتعزيز التعاون فيما بين المملكة ودول المجلس وتنمية العلاقات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، ستسعى المملكة خلال عام 2018 إلى أهمية العمل على توحيد المواقف الخليجية حيال الملفات الساخنة ومواجهة الأخطار، وفي مقدمة ذلك الوضعان اليمني والسوري وتزايد التهديد الإيراني للمنطقة، إضافة إلى تعزيز الروابط بين دول مجلس التعاون وتقوية موقفها في مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية، مع العمل على إزالة بعض الشوائب في العلاقات بين دول مجلس التعاون في اختلاف وجهات النظر في بعض الأمور. ولذا، فمن المنتظر أن تتسم السياسة الخارجية السعودية في الدائرة الخليجية بمزيد من المرونة القادرة على استيعاب مواقف شقيقاتها من دول المجلس مع رفض سياسة الاستعلاء الذي تمارسه قطر ودعمها للإرهاب، وإنما تأتي هذه المرونة إدراكا من المملكة بأهمية الحفاظ على وحدة المجلس بعيدا عن المحاولات التي تحاول بعض القوى الإقليمية والخارجية إحداث شرخ في العلاقات الثنائية أو الجماعية بين أعضاء دول المجلس، أو بين الدول الأعضاء الشقيقة في التحالف العربي – الإسلامي الأوسع، وهو ما تدركه القيادة السياسية في المملكة جيدا وتعمل على مواجهته حفاظا على وحدة الصف الخليجي، بحيث يكون عام 2018 عام عودة اللحمة لمجلس التعاون الخليجي أملا في أن يتحول إلى اتحاد خليجي وفقا للرؤية السعودية الرامية إلى تقوية هذا التنظيم الإقليمي في مواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة.

نهاية القول إنه في خضم تعددية الملفات وتنوع القضايا وتشعبها وتداخلها، يتأكد أن ثمة مسؤولية كبرى تُلقى على عاتق الدبلوماسية السعودية في تحركاتها الدولية والإقليمية، إذ إنه في ظل حالة الفراغ الإقليمي الناشئة عما شهدته المنطقة خلال الخمس سنوات الماضية من تغيرات سريعة وتحولات خطيرة، فرض على المملكة الانغماس في كثير من أزمات المنطقة ومشكلاتها، وهو ما أثقل الدبلوماسية السعودية بأعباء كثيرة تطلب التعامل معها بحرفية وكفاءة؛ إعادة تحديد الرؤية بناء على ما حدث من تغيرات، سعيا لتحقيق الطموحات المأمولة عبر تحسين الأداء ورفع الإنتاجية وزيادة الكفاءة، وهو ما يجعل من طلب مجلس الشورى السعودي الأخير لوزارة الخارجية بضرورة صياغة وثيقة للسياسة الخارجية السعودية تتضمن تشخيص الوزارة للبيئتين الإقليمية والدولية وما فيها من فرص وتحديات، وتحديد الأولويات على مستوى الدول والقضايا بحيث تكون مرشدًا للدبلوماسيين وتوضح رؤية المملكة السياسية وتوجهاتها للمهتمين كافة، مع ضرورة تحديث هذه الوثيقة كلما اقتضت الحاجة.

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان. مدير مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية بالقاهرة.

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.