فرنسا والصين... قراءة في نتائج زيارة ماكرون إلى بكين - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون دولية, قصة الغلاف

فرنسا والصين… قراءة في نتائج زيارة ماكرون إلى بكين

تعددية الملفات وأحادية المخرجات

باكو (أذربيجان): أحمد طاهر*

* أهمية زيارة ماكرون إلى الصين أنها الأولى له إلى الصين منذ انتخابه. وأول زيارة لرئيس أوروبي إلى بكين، منذ مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر الماضي.
* الاستثمارات المتبادلة بين البلدين تمثل رقماً مهماً في علاقاتهما، حيث توجد 700 شركة تابعة لشركات صينية في فرنسا.
* يكفي لنجاح أي زيارة تحقيق بعض أو غالبية الأهداف، وهذا ما ينطبق على زيارة ماكرون إلى الصين.

«زيارة الصين مرة في السنة على الأقل بهدف بناء الثقة خطوة خطوة»، بهذا الوعد أنهى الرئيس الفرنسي ماكرون زيارته الأولى إلى العاصمة الصينية بكين والتي استمرت لثلاثة أيام امتدت في الفترة من 8 – 10 يناير (كانون الثاني) 2018. ليفتح الباب واسعا أمام حزمة من الاستفهامات بشأن توقيت الزيارة والهدف منها وجدول أعمالها واللقاءات التي أجراها خلالها، وصولا إلى تقييم نتائجها ومخرجاتها، إذ يكشف الوعد الأخير عن الهدف الحقيقي من وراء الزيارة، صحيح أن هناك ملفات كثيرة جرى التباحث بشأنها، إلا أنه من الصحيح كذلك أن التفاوض بشأن كل هذه الملفات تسبقه خطوة رئيسية تتمثل في كيفية بناء الثقة المتبادلة في ظل تباين المسافة بين الصين وأوروبا حول كثير من القضايا والاهتمامات، ويؤكد على أهمية قضية بناء الثقة في علاقات البلدين، وهو ما ورد كذلك في بيان وزارة الخارجية الصينية تعليقا على هذه الزيارة، إذ جاء فيه: «نأمل أن تساعد الزيارة في تعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتواصل الاستراتيجي بين الطرفين»، وهو ما يفسر تسليط الإعلام الضوء بشكل لافت على عدد من الإجراءات البروتوكولية كالإهداءات المتبادلة بين الرئيسين، إذ يذكر أن ماكرون أهدى نظيره الصيني أحد خيول الحرس الجمهوري الفرنسي. في المقابل كانت هدية «شي» لوحة لحصان، وهو ما جعل البعض يصف الزيارة بأنها دبلوماسية الحصان أو الجياد في إشارة إلى سعى الطرفين لخلق مساحة من الثقة المتبادلة تمهيدا لاستكمال إجراءات التفاهم المشترك وصولا إلى ما جاء في كلمة ماكرون بـ«بناء تحالف بين فرنسا والصين من أجل مستقبل العالم»، حيث يذكر أن هذه الهدية لفتة دبلوماسية غير مسبوقة في أعراف الرئاسة الفرنسية، وجاء اختيارها بعد أن أبدى الرئيس الصيني افتتانه بفرقة الفرسان المكونة من 104 فرسان التي رافقته خلال زيارته الأخيرة إلى باريس عام 2014. وهذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها فرنسا واحداً من جياد فرقة الفرسان هدية، كما أنها تمثل رداً على «دبلوماسية الباندا» الصينية والتي أودعت إحداها في حديقة حيوان قرب العاصمة الفرنسة باريس خلال تلك الزيارة المشار إليها.

وغني عن القول إن هذه الزيارة لم تكن الأولى من نوعها بين البلدين، بل سبقتها ثلاث زيارات ولقاءات متبادلة بين رئيسي البلدين، ترجع بدايتها إلى الزيارة التي قام بها الرئيس جورج بومبيدو إلى الصين في 11 سبتمبر (أيلول) 1973 في عهد «ماو» وكانت أول زيارة لرئيس دولة غربية لبكين منذ عام 1949. تلتها زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران في 7 مايو (أيار) 1983. ثم زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في 25 أبريل (نيسان) 2013، لتأتي هذه الزيارة لتستكمل مسار علاقة البلدين التي شهدت لحظات تقارب ولحظات تباعد، إذ يذكر أن فرنسا جمدت علاقتها مع الصين لمدة عامين بعد قمع بكين للمتظاهرين في ساحة تيانانمن في 6 يونيو (حزيران) 1989.
وعليه، تكتسب الزيارة الأخيرة للرئيس ماكرون إلى الصين أهميتها من جانبين: الأول، أنها الزيارة الأولى للرئيس الفرنسي إلى الصين منذ انتخابه رئيساً لفرنسا. والثاني أنها أول زيارة دولة لرئيس أوروبي إلى بكين، منذ مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر (تشرين الأول) 2017. الذي عزز سلطة شي جينبينغ مع بداية ولايته الرئاسية الثانية.

الاقتصاد محور الزيارة الرئاسية

رغم تعددية الملفات المطروحة على جدول الزيارة، فإن الملف الاقتصادي ظل محتفظاً بتراتبه على قائمة الاهتمامات، وهو ما تجلى بداية في حجم الوفد المرافق للرئيس ماكرون، حيث رافقه وفد كبير من قطاع الأعمال يضم 50 رئيس شركة بينها «أكور – أوتيل»، و«إل في إم إش» و«إيرباص» و«أريفا» و«سافران» و«بي إن بي باريبا»، مرورا بالإشارة الصريحة من جانب الرئيس الفرنسي أمام أعضاء من مجتمع الأعمال الفرنسي والصيني في بكين بشأن تصحيح الخلل في الميزان التجاري بين البلدين، وذلك بقوله: «لدينا نافذة للوصول إلى الأسواق غير متوازنة ولا مُرضية. إذا لم نعالج هذا الأمر بروح المسؤولية، سيكون رد الفعل الأول والطبيعي هو الإغلاق من الجانبين»، حيث يذكر أن ثمة عجزاً تجارياً بين البلدين لصالح بكين يبلغ 30 مليار يورو (36 مليار دولار)، أخذاً في الاعتبار أن الصين تعد الشريك الاقتصادي الثامن لفرنسا وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنزي)، حيث تمثل 6 في المائة من التجارة في فرنسا.
وغني عن القول إن الاستثمارات المتبادلة بين البلدين تمثل رقماً مهماً في علاقاتهما، حيث توجد 700 شركة تابعة لشركات صينية في فرنسا، حيث تعد فرنسا هي ثاني أكبر وجهة للمستثمرين الصينيين في أوروبا، وقد تجاوزت الاستثمارات الصينية 3 مليارات يورو في عام 2016. على الجانب الآخر، بلغ عدد الشركات الفرنسية الموجودة في الصين 1600 شركة، ويعد هذا الرقم كبيرا للغاية بالمقارنة مع عام 2013، عندما كان هناك 1200 شركة وفقاً لرجال الأعمال في فرنسا، كما بلغت قيمة الأسهم الاستثمارية الفرنسية في الصين في عام 2016 فهي 33 مليار يورو.

طريق الحرير… مسار للتقارب أم للتباعد؟

مثّل المشروع الصيني الذي دشنه الرئيس «شي» عام 2013 والمعروف بالحزام والطريق حجر الزاوية في مسار علاقات البلدين، حيث يعتبر هذا الطريق هو الخطوة الرئيسية في بناء تحالف جديد ليس فقط بين فرنسا والصين وإنما بين بكين وأوروبا، دلل على ذلك كثير من المؤشرات، أبرزها: اختيار ماكرون بدء زيارته في شيان، العاصمة القديمة للإمبراطورية الصينية ونقطة انطلاق طريق الحرير التاريخية التي ربطت أوروبا بآسيا طوال قرون.
ورغم أهمية هذا الطريق؛ حيث يشمل 65 بلداً، تمثل 60 في المائة من سكان العالم ونحو ثلث إجمالي الناتج العالمي، بما يساهم في تعزيز مسار علاقة البلدين، فإنه في الوقت ذاته يمثل نقطة تباين بينهما ما لم تتم مراعاة مصالح الأطراف كافة وفقاً لما جاء في خطاب ماكرون في شيان، بقوله: «هذه الطرق مشتركة ولا يمكن أن تكون ذات اتجاه واحد… ولا يمكن أن تكون طرقاً لهيمنة جديدة تستتبع الدول التي تعبرها»، في إشارة إلى بعض التخوفات التي أبداها الأوروبيون من أن هذا المشروع قد ينم عن نزعة توسعية خطيرة من جانب بكين، وهو ما عبر عنه مقال منشور لرئيس الوزراء الدنماركي السابق «اندرس فوغ راسموسين» حذر فيه من أنه «يخشى أن تتنبه أوروبا متأخرة عندما تصبح شرائح كاملة من البنى التحتية في أوروبا الوسطى والشرقية تابعة للصين»، وكذلك تصريح وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل في أغسطس (آب) 2017 بقوله: «إذا لم نحضر استراتيجية في مواجهة الصين، فإنها ستنجح في تقسيم أوروبا».
وفي هذا الخصوص، حاول ماكرون أن يعكس هذه المخاوف وتلك التحذيرات بلغة دبلوماسية، وذلك بقوله: «بعض الدول أكثر انفتاحاً على المصالح الصينية، وأحياناً على حساب المصلحة الأوروبية. لا يمكن أن نأخذ عليها ذلك، لأننا أرغمناها على القيام بعمليات خصخصة أليمة جداً… وأن أوروبا لا تلقى الكثير من الاحترام في الصين طالما أنها منقسمة وعاجزة عن الدفاع عن قطاعاتها الاستراتيجية»، داعياً في الوقت ذاته دول الاتحاد الأوروبي إلى: «تبني موقف مشترك في مواجهة بكين يغلب المصلحة الأوروبية على مصالحها الوطنية على المدى القريب… بما سيحتم علينا وضع موقف مشترك على المستوى الأوروبي إزاء طريق الحرير الجديد لأن هذه المبادرة لا يمكننا تجاهلها، فهذا سيعني أننا قررنا الرضوخ لها، وهذا سيكون خطأ استراتيجياً جسيماً»، مقراً بأن المشروع الصيني يثير انقسامات في التكتل الأوروبي.

تغير المناخ… قضية محورية في ملف الزيارة

مع الخروج الأميركي من اتفاقية باريس لتغير المناخ 2015، وحرصاً من جانب باريس على تنفيذ توصيات الاتفاقية كنقطة محورية في التقارب بين البلدين، شغلت قضية تغير المناخ حيزاً من اهتمام الرئيس الفرنسي ماكرون الذي دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى: «الانخراط في معركة ضد تغير المناخ… وأن يظهر للعالم أننا – الفرنسيين والصينيين – قادرون على جعل الكوكب عظيما وجميلا مرة أخرى»، مطالبا بـ«إعادة إطلاق معركة المناخ» على حد وصفه، وهو ما لقي تجاوبا صينيا عبر عنه الرئيس الصيني بقوله «إن الصين وفرنسا سوف تعملان معا لمواجهة التغير المناخي». وجدير بالإشارة أن الصين تعتبر أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري في العالم، حيث نشرت في عام 2016 خطة لتسريع وتيرة تطوير استخدام طاقة الوقود غير الأحفوري في 31 منطقة ومكافحة غازات الاحتباس الحراري في القطاع الزراعي وزيادة مساحة الرقعة الخضراء، كما أطلقت في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017 نظام تداول الانبعاثات المنتظر على مستوى البلاد، على أن يغطي قطاع الكهرباء في مرحلته الأولى ويهدف إلى خفض انبعاثات الكربون.

حصاد الزيارة… لا تزال ملفات كثيرة مفتوحة

غني عن القول إن تعددية أهداف الزيارات الخارجية لكبار المسؤولين لا تعني تحقيقها جملة واحدة، وإنما يكفي لنجاح أي زيارة تحقيق بعض أو غالبية تلك الأهداف، وهذا ما ينطبق على زيارة ماكرون إلى الصين، إذ نجحت الزيارة في اتفاق الطرفين على عدد من القضايا، منها: رفع الحظر الصيني عن لحوم البقر الفرنسية، الاتفاق على فتح فرع لمركز بومبيدو الفرنسي في شنغهاي ما من شأنه منح باريس مزيدا من الانفتاح بصورة أكبر على الأسواق الصينية، وإبرام عقد صفقات لبيع طائرات إيرباص ومحركات سافران حيث أعلنت الرئاسة الصينية أن بكين قدمت طلبية على 184 طائرة إيرباص من طراز «إيه 320». ولم تعلن قيمة الصفقة، غير أنها تقدر بـ18 مليار دولار بحسب سعر القائمة، وتوقيع مذكرة اتفاق تجاري ينص على قيام شركة أريفا الفرنسية ببناء مركز لإعادة تدوير الوقود النووي في الصين.
بيد أن هذا النجاح الذي حققته الزيارة في بعض الملفات الاقتصادية بصفة خاصة، ابقت ملفات أخرى كثيرة لا تزال تراوح مكانها سواء تلك التي كانت محلا للتباحث بين البلدين كما هو الحال في ملف التغيرات المناخية إذ لم يصل الطرفان إلى تفاهمات فعلية بشأنه، أو لم تتطرق إليها مباحثات الطرفين كما هو الحال في الأزمة السورية، والأزمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، والدور الصيني في دعم قوات الساحل الأفريقي التي تعتزم فرنسا تشكيلها. الأمر الذي يجعل هذه الزيارة نقطة انطلاق مبدئية في علاقات البلدين تستوجب – لتأتي بثمارها – أن تعقبها خطوات أخرى نحو مزيد من التفاهم ليس فقط في المجالات الاقتصادية وإنما في بقية المجالات وبصفة خاصة السياسية والأمنية، وهو ما عبرت عنه الإهداءات المتبادلة، إذ إنه في كلتا الثقافتين، يجسد الحصان روح السير قدما دون توقف. وعليه تمثل هذه الزيارة خطوة مهمة في سياسة فرنسا الخارجية في بحثها عن دوائر حركة غير تقليدية تعد إضافة جادة إلى دوائر اهتماماتها الخارجية من ناحية، ودعما لتحركاتها في كثير من الملفات الدولية والإقليمية من ناحية أخرى وخاصة في الساحة الأفريقية التي تمتلك فيها الصين وجوداً مشهوداً.

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان. مدير مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية بالقاهرة.

=
الرئيس الصينى شي جين بينغ والرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون خلال مراسم الترحيب داخل قاعة الشعب الكبرى 9 يناير الماضي فى بكين بالصين (غيتي)
=
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون معبد جيوس وايلد غوز باغودا في 8 يناير الماضي في شيان بمقاطعة شنشي الصينية (غيتي)
=
ماكرون يزور متحف المحاربين وخيول الإمبراطور تشين شيهوانغ في 8 يناير الماضي في شيان بمقاطعة شنشي الصينية (غيتي)

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.