المُحَرَّق: جزيرة بحرينية تصافح تاريخ أرَادُوْس وتكتب باليراعِ سيرة البحر والأشرعة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ذاكرة المكان, قصة الغلاف

المُحَرَّق: جزيرة بحرينية تصافح تاريخ أرَادُوْس وتكتب باليراعِ سيرة البحر والأشرعة

اختارتها الـ إيسيسكو عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2018

مركز زوار قلعة بوماهر
مركز زوار قلعة بوماهر

المنامة – محمد العلي

المُحَرَّق. مدينة جميلة وادعة، مداخلها بديعة، ومخارجها رفيعة، تَلُوٌّ مقدراها، عظيمٌ شَأوُها، سَمِيْقٌ منارها، يهمسُ التاريخُ فيها من أذن، وتسّر الثقافةُ في أذنها الأخرى. أما زينتها فهي في فضل فعلها على قولها .. بمنطق الجغرافيا هي ثاني أكبر الجزر المأهولة في أرخبيل البحرين. وبمنطق الديمغرافيا هي الثانية بعد العاصمة المنامة.
قبل أكثر من 800 يوم من الآن قرر وزراء الثقافة بدول العالم الإسلامي أن يُسمّوا المُحَرَّق عاصمة للثقافة الإسلامية للعام ضمن المنطقة العربية، ومنذ ذلك والعمل جارٍ على قَدَم وساق في هيئة البحرين للثقافة والآثار لإطلاق وتدشين العديد من المشروعات المصاحبة لذلك الاختيار، والذي يأتي في طليعتها مشروع طريق اللؤلؤ ثاني معالم مملكة البحرين التّراثية والذي أُدرِجَ على قائمة التّراث العالمي لليونيسكو في العام 2012م. وقد كتبت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الـ إيسيسكو على موقعها حول تلك المناسبة واصفة جزيرة المُحَرَّق بأنها “كانت تنتج القطن في القرن الأول قبل الميلاد”.

في هذا الملف تُطِلّ “المجلة” على جزيرة المُحَرَّق مكانًا وتاريخًا ومورفولوجيا الحال.

شعار مدينة المحرق عاصمة للثقافة الإسلامية العام 2018
شعار مدينة المحرق عاصمة للثقافة الإسلامية العام 2018

جغرافيا المكان:

تقع المُحَرَّق في شمال جزيرة البحرين الأم، وهي مُحدَّبة نحو الشمال ومُقعَّرة نحو الجنوب، ويتوغَّل خليجُها بين مدينة المُحَرَّق في الغرب وعَرَاد في الشرق. وهناك خليجٌ آخر يقع بين لسان عَرَاد والحالات ومدينة الحِد الممتدة جنوبًا بلسانٍ متطاولٍ ضيِّق. وتتكوّن جزيرة المُحَرَّق من مدينة المُحَرَّق أهم مدن الجزيرة سياسًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وتُعَد الأكبر مساحة والأكثر سكانًا في هذه الجزيرة تليها مدينة الحد، إضافة إلى مجموعة من القرى والحالات (الخليفات والنعيم والسلطة) وقلالي وسَمَاهِيْج والدّيْر والبسيتين. أما سطحها فهو أرض منبسطة سهليّة ومنخفضة يتراوح متوسط ارتفاعها بين 1.5 و 2.5 متر، وتنعدم فيها المسيلات والأودية السيلية، وهي في الماضي منخفضة لدرجة تتأثر معها مساحات لا بأس بها من سواحلها بمياه البحر في المد العالي، وتترك معها رقعًا ملحيّة ومستنقعية. بينما مناخها يتبع المجموعة الشمالية من أرخبيل البحرين الذي ينتمي إلى المناخ الصحراوي الدافئ ويتميّز صيفًا بالحرارة الشديدة وهو في الشتاء دافئ رطب (هاشم، 2011م، صفحة 52).

بالتأكيد جرت على مساحة الجزيرة تغييرات بفعل ردم البحر وبناء جزر صناعية أشهرها جزر أمواج التي تم تطويرها في شمال شرق المملكة بكلفة بلغت نحو مليار دولار (الوسط، 2005م) وهو ما زاد من مساحة جزيرة المُحَرَّق في أطرافها الشمالية الشرقية. لكن ظلت ملامحها التاريخية باقية بفعل العناية والاهتمام من قِبل هيئة البحرين للثقافة والآثار، وفي طليعتها البيوتات التراثية والقلاع، التي تشتهر بهما المُحَرَّق منذ أمد طويل. وقد أطلقت الهيئة حملة تحت عنوان: “بيوت تنادي أهلها” حتى يعود الأهالي للسكن في البيوت التي تركوها، وإلى الأحياء التي عاش فيها الآباء والأجداد. وقد كان للهيئة تجربة في إقناع عدد من الأهالي بدلاً من أن يطلبوا بيوتًا من وزارة الإسكان، أنْ قامت بترميم منازلهم القديمة، ويسكنون الآن في نفس أحيائهم كما تقول رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار الشيخة مي بنت محمد آل خليفة (الخليج، 2015م)

دفائن أرَادُوْس:

بدأ خيطٌ يقود المنقبين إلى أمر ما في المُحَرَّق. فقد أشاروا إلى فينيقيّة البحرين نظرًا لما وجدوه من مقابر تشابه مقابر الفينيقيين في جزيرتَيْ Tylus – Tyrus أو Aradus بعد أن قرر سترابون ذلك، وأن سكان الجزيرة يرون أن أسماء جزائرهم ومدنهم هي أسماء فينيقية (علي، 1993، صفحة 566). وقد امتدّ البحث أكثر حول الجزيرتين حين لاحظ المؤرخون وجود شبه بين تيلوس وتلمون أو دلمون الواردة في النصوص الآشورية، ما حمّلهم للاعتقاد بوجود صلة بين الإسمين، منوهين في الوقت عينه (ومنهم فورستر) إلى أن تيروس هي أوال، أما أرَادُوْس Aradus، فإنها أرَدْ أو أرَاد أي جزيرة المُحَرَّق من جزر البحرين، وقد تكون لتسمية خليج عَرَاد بهذا الاسم علاقة بلفظة أرَدْ – عَرَد القديمة (علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1993م، صفحة 19).

وما دام الحديث عن التسميات فقد اختلفت الأقوال في سبب تسمية المُحَرَّق. فمن قائل أن ذلك الاسم هو لصنم فيها يُسمى محرق كما ذكره ياقوت في كتابه مراصد الاطلاع حيث قال “المحرّق” صنم كان بسلمان لبكر بن وائل وسائر ربيعة: وأما قول الفاضل خليفة بن نبهان في أن سبب تسميتها بالمُحَرَّق هو أن المجوس كانوا يحرقون أمواتهم في ناحية منها لما كانوا مالكيها قبل الإسلام فهذا اشتباه؛ لأن المجوس ليس في دينهم عادة حرق موتاهم، ولكن ربما اتفق أن امرؤ القيس المحرّق بن عمرو اللخمي والي الحيرة نزلها مدة إذ كانت تحت حكمه هو وآباؤه عمالاً للأكاسرة الفرس على ملكهم في جزيرة العرب ومن ضمنها البحرين، وكان من عادة هذا المعروفة عنه أن يُعاقب بالنار حرقًا (التاجر، 1994م، صفحة 43). وقد أطلقها بعض الغساسنة وهم يرون أن كلمة محرّق لقب أُلحِقَ بأؤلئك الملوك لأنهم عاقبوا أعداءهم في أثناء غزوهم لهم بحرق أماكنهم بالنار. ويروي روتشتاين بأن هذا التفسير هو لظاهر الكلمة، وهو تفسير مغلوط من وجهة نظره، والصحيح عنده إنها اسم عَلَم لأشخاص عُرِفوا بمحرّق ولذلك قيل آل محرّق وليس آل المُحَرَّق، والمنذر بن حارثة (المنذر الثاني الأصغر) جعل لقبه المحرّق، وذكر أنه هو الذي أحرق الحيرة وبه سُمّوا آل محرّق (والي، 1990م، صفحة 64).

سَمَاهِيْج وعبد القيس:

من المهم هنا الوقوف على التاريخ الإسمي الذي مرّت به المُحَرَّق، فالمصادر التاريخية تشير إلى أن هذا الاسم قد مرّ بثلاث تسميات: هي أرَادُوْس ثم سَمَاهِيْج ثم المُحَرَّق. فقد عُرِفَت هذه المدينة أولاً باسم أرَادُوْس وذلك قبل الميلاد، ثم أُطلِقَ عليها اسم سَمَاهِيْج وذلك قبل القرن الثاني الميلادي وقد اشتُهِرَت كما في التلموذ بلآلئها وبحكمائها وعلمائها ومفكريها من اليهود. وفي عصر سيطرة النصرانية على الجزيرة اشتهرت بوجود أقدم أسقفية بها كما تشير إلى ذلك محاضر جلسات المحضر الكنسي، وما زال بها إلى اليوم منطقة في شمالها يُقال لها الدَّيْر وأخرى يقال لها قَلالِي ومفردها قلية أو قلاية وهي مفردة لاتينية معرّبة تعني بيوت الرهبان. واستمرّ هذا الاسم (سَمَاهِيْج ) إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي حيث برزت تسمية المُحَرَّق على النحو الذي هي عليه الآن (الحادي، 2006م، صفحة 15). وقد أشارت المصادر حول الجزيرة ما قبل الإسلام بأن أول أسقفية وُجِدَت في بيت قطرايا منصوصًا عليها هي أسقفية سَمَاهِيْج، و يظهر أنها أقدم أسقفية، و قد تولى تدبير شؤونها الأسقف باطاي، و قد عزله المجمع الكنسي الذي عُقِدَ سنة 410م، و عين مكانه الأسقف إيليا (Elie)، ومن أساقفتها أيضا سركيس (Serge) سنة 576م، وفي سنة 649 – 659م كان الأسقف إبراهام أحد رؤساء المتمردين في بيت قطرايا ضد أشوايا الثالث الذي كان يحكم سَمَاهِيْج (العاني، 2000م، صفحة 69). كما كانت موطنًا للقبائل العربية كـ عبد القيس إلى جانب المشقر والصفا وجواثا ومحلم‌ وقبة وعدد آخر من القرى‌ (العاني، البحرين في صدر الإسلام، 2000م، صفحة 50). وأشير لها في غير مصدر كما في أنساب الأشراف للبلاذي عندما أتِيَ عبدالله بن فضالة الزهراني وسُئِلَ مِنْ قِبَل مصعب: ألستَ من أهل هجر ثم من أهل سَمَاهِيْج؟ (البلاذري، 1996م، صفحة 87). في كل الأحوال فإننا نتحدث عن اسم (سَمَاهِيْج) ظلّ يُطلَق على جزيرة المُحَرَّق قرابة الـ 1500 عام. وقد كان لهيئة البحرين للثقافة والآثار مشروع تنقيب عن مسجد بمقبرة سَمَاهِيْج، كان الأهالي قد اكتشفوه وذلك لإبراز قيمته العمرانية والأثرية.

نشأة المُحَرَّق:

لا تختلف المُحَرَّق عن غيرها من المدن التي تشكَّلت على أثير معادلة العلاقة بين السكان والموارد المحلية وكذلك بفعل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي (جودة، 1986م، صفحة 439) فاقتصاديًا بدأت أهمية هذه الجزيرة تبرز منذ القرن التاسع عشر واختيار الحاكم لها آنذاك الشيخ عيسى بن علي آل خليفة ومعظم أفراد الأسرة الحاكمة مكانًا للإقامة فيها حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي، كما كانت مقرًا لمعظم تجار البحرين الذين كانوا يملكون سفن صيد اللؤلؤ وسفن التجارة الإقليمية. وقد ازدهرت أسواق مدينة المُحَرَّق منذ القرن التاسع عشر. (بالإضافة إلى كل ذلك كانت هناك وفرة للمياه) العذبة والتربة الصالحة والعنصر البشري ذي الخبرة الوراثية، وقد احتضنت مناطق عدة في جزيرة المُحَرَّق كثيرًا من البساتين التي كانت قبلة للمصطافين من سكان جزيرة المُحَرَّق ومن خارجها، ومن أهم مزروعاتها النخيل والخضروات والفواكه مثل المانجو والباباي والعنب والرمان والتين والأترنج والليمون واللوز والبطيخ (هاشم، المُحَرَّق أم المدن ، 2011م، صفحة 56) فضلاً عن صيد السمك واللؤلؤ والتجارة فيه. فالبحرين كانت من أشهر الدول الصائدة والمنتجة والمصدّرة للؤلؤ قبل أن يغزوا الأسواق اللؤلؤ الياباني الصناعي ويقضي على تلك التجارة المربحة. وتذكر المدوّنات أن تاجرًا بحرينيًا اشترى لؤلؤة نادرة بـ 15 ألف جنيه استرليني، وكان هذا المبلغ قياسيًا وخياليًا، وقام المشتري ببيعها في باريس مقابل 750 ألف جنيه استرليني في عام 1929م (الحويحي، 2008م، صفحة 70)
أما سياسيًا فقد كانت المُحَرَّق تعتبر عاصمة البحرين بين عامي 1810م و 1923م (المحاري، 2017م، صفحة 47) ما منحها قوة سياسية ومعنوية. وقد ساهم إنشاء الجسر الأول الذي رَبَط العاصمة المنامة بجزيرة المُحَرَّق عام 1941م عاملاً مهمًا دَفَعَ المدينة نحو المزيد من التقدم، فضلاً عن دخول شبكة الكهرباء إلى البحرين عمومًا إذ أن منظومة الحياة الاجتماعية سواء في البيت أو في المناسبات الاجتماعية والدينية والوطنية قد تغيّرت بشكل شبه كامل بين فترتَيْ ما قبل الكهرباء وما بعدها، وصارت الكهرباء ومنتجاتها دليلاً على حيوية المجتمع وفتوّته. كما أسهمت في إيجاد نمط جديد في الحياة العملية للناس، فبعد أن كان اليوم يدور حول مواقيت الصلاة صارت له آلية مختلفة، فنبتت نوعيات من الأعمال التي لا تتوقف ولا ينبغي لها التوقف في أي لحظة، ومن أهمها المطارات والمستشفيات ومراكز الشرطة وشركة النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربائية (الحويحي ع.، انبلاج النور، 2008م، صفحة 145).

مشروع طريق اللوءلوء
مشروع طريق اللوءلوء

الملامح العمرانية:

مثَّل العمران في مدينتَيْ المنامة والمُحَرَّق نموذجًا بارزًا للتطور العمراني في البحرين، نظرًا لما كانت تتمتعان به هاتان المدينتان من مقومات سياسية واقتصادية خصوصًا المنازل الحجرية التي كان يُؤتى بحجارة البحر المرجانية أو الفروشية لتعميرها إذ كان هناك نوع آخر من البيوت يعتمد على جذوع النخل أو ما يُسمّى في البحرين بـ الجَنْدَل أو الدنجل بالإضافة إلى سعف النخيل التي تُلَفّ على أعمدة الجَنْدَل الواقفة، وتُزَمُّ بالأحبال الليفية كمحاكاة للجُدُر، ثم يأتي عمل الخِياصَة لسَترِ سقف البيت بالخوص المتراصّ على بعضه وكأنه جدائل شَعر. وهذا النوع من البيوت ذات الكلفة الأقل مقارنة بالبيوت الحجرية كان يلجأ إليها المعوزون من الناس، وربما الأثرياء في مصايِفهم الريفية.

وتتكوّن البيوت في تلك الفترة من مدخل (وهو بمثابة المنطقة الرمادية التي تفصل حرم البيت عن خارجه، وهو موصول بدَهلِيز البيت المفضي إلى الفناء والغرف وغيرها من المرافق) وفناء وإيوان وغرف ومجلس وسلّم ودورة مياه ومطبخ مع مكان مغلق يضم عسل التمر أو عصارته المسمّى بـ الدِّبْس أو الدِّبِس.

وتجب الإشارة هناك إلى وجود نوعين من الغرف في تلك البيوت أحدهما شتوي تُبنَى عادة في الطابق الأرضي ويسكنها أصحاب البيت خلال فصل الشتاء وتكون مبنية بحيطان سميكة ليس بها نوافذ اتقاء البرد ما خلا كوّات صغيرة في الأعلى كي تتسرّب إليها الإضاءة ويدخلها الهواء لتجديد الحياة في المكان. أما النوع الثاني من الغرف فهي الغرف الصيفية وتوجد في الطابق العلوي وتمتاز بكثرة فتحاتها (النوافذ) بغرض تلطيف جو الغرفة، وتستخدم في فصل الصيف وبالخصوص للنوم ليلاً. والغرف في البيوت التقليدية في البحرين بشكل عام تأخذ الشكل المستطيل وذلك بسبب استخدام خشب الدنجل أو الجَنْدَل في التسقيف، حيث يُلزم طول هذه الأخشاب البناء بإنشاء غرف لا يتعدى عرضها 3.5 متر. وهو طول العارضة الخشبية للدنجل. وتكثر في الغرف التقليدية تجويفات مربعة الشكل في الجدران وتعرف بـ الروزنة وهي فضلاً عن استخدمها كعنصر جمالي كانت تستخدم لوضع بعض المستلزمات والأغراض المنزلية والتحف (المحاري، حفظ المباني التاريخية مبانٍ من مدينة المُحرَّق، 2017م، صفحة 59).

أما عمليات تجميل الواجهات فيتم اللجوء إلى الجَصّ (أو الجِصّ) لإنتاج المُسنّنات والطَّنْف المحفورة على مركز أو حوافّ الجدران والأقواس. أما الأبواب فتجلب مزخرفة في الغالب من الهند.

ويعتبر كلٌ من بيت الشّيخ عيسى بن علي آل خليفة (1848م – 1932م) وبيت أحمد بن جاسم سيادي المبني عام 1785م من أبرز معالم العمارة الإسلامية ليس في البحرين فقط بل في عموم منطقة الخليج العربي، فيما تبدو البيوت الأخرى نماذج ثقافية وتوثيقية لسيرة هذه المدينة من خلال مركز الشّيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث الذي انطلق بمشاريعه الثّقافية عبر ترميم العديد من البيوت لحفظ قيمتها الإنسانية والتاريخية، وشملت مشاريعه العديد من الممارسات الاجتماعية أيضًا بدءًا من التطريز والزخرفة في بيت الكورار وحتى تاريخ اللآلئ في عمارة بن مطر (عشرة ملامح لوطن، 2014م).

كوزومبولوتيا المُحَرَّق:

كان لموقع المُحَرَّق الجغرافي “الجُزُرِي الهيئة” دورًا في التكوين الديمغرافي للمدينة ولطبيعة الأعراف والمعتقدات فيها. فالجماعات البشرية التي تجاور البحر سكنًا ومعاشًا عادة ما تتطبّع بسلوك ألين عريكة من أؤلئك الذين يعيشون في الصحراء. كما أن البحر يحيل المكان بيئة قابلة لا طاردة لمكوناتها، خصوصًا في المجتمعات الصغيرة مثل جماعات الصيد وجامعي المحاصيل القديمة (التي) تميل إلى التجانس والانسجام الثقافي (غِدِنْز، 2005م، صفحة 85).

كما أن ذلك الموقع المفتوح يدفع المكان لأن يتلاقح مع ما يرده عبر البحر دون أن يتطبع بالرفض كما في المجتمعات المغلقة. وبالمناسبة هي ثقافة البحرين بأسرها كونها جزيرة تحيطها المياه من كل الجوانب ما جعلها محطة للعديد من الأقوام منذ غابر الأزمان، وهو ما تُدلّل عليه الآثار والمقابر الموجودة. وربما نجد أن شكل وتوجيه وكثافة المنشآت الدينية واستعمال الأرض لأغراض الدفن وعمل المقابر والمجموعات الخاصة من النباتات والحيوانات المستعملة للأغراض الدينية هي من بين التأثيرات والمظاهر التقليدية للأنظمة الدينية على الأرض (سوفير، 1990م، صفحة 43).

لقد عاشت في المُحَرَّق العديد من الأعراق والمذاهب الدينية المختلفة في وداد، فاختلطت دماؤها وتصاهرت وتاجرت ودخلت في نظام صلب للمصالح بشكل عابر لكل تصنيف، فضلاً عن تعايش الطبقات الاجتماعية المتباينة. ففي الوقت الذي كانت فيه الطبقة الحاكمة وطبقة التجار نشأت أيضًا الطبقة المتوسطة العليا ثم الطبقة المتوسطة الدنيا بسبب الضرورات البيروقراطية التي رافقت التقدم الإداري والاقتصادي. وقد نقل الصحفي لي وايت عن المدير المحلي لشركة بابكو آنذاك المستر ثورنبرج فكرة توسعة الطبقة المتوسطة في البحرين وذلك لخلق قوة سياسية تحفظ التوازن في الجزيرة. كما برزت فكرة جديدة ضمن الطبقة المتوسطة تتألف من المهنيين من أطباء ومهندسين ومحامين وصحافيين وغيرهم وهم يمارسون تأثيرًا ليبراليًا على الطبقة المتوسطة نفسها (والي، المُحَرَّق 1783 – 1971، 1990م، صفحة 56).

وكل مَنْ خَبر المُحَرَّق وعاين مساكنها القديمة شاهد مدى امتداد تلك البيوت على سماطَيْ الأزقة إذ يرى الجار جاره ويسمع هَسْهَسَاته حتى، وكأنه لا توجد مربعات فاصلة ولا أسرار يكتمها الجار عن جاره، وهو ما ساهم في تعزيز بُنية اجتماعية متقاربة في أنويتها وحالة التعايش والانسجام التي كانت ومازالت حاضرة.

المُحَرَّق عاصمة الثقافة الإسلامية

الأمير تشارلز يتذوق بعض انواع الحلويات خلال جولته في المحرق، ثاني أكبر جزيرة في البحرين -  26 فبراير 2007. (غيتي)
الأمير تشارلز يتذوق بعض انواع الحلويات خلال جولته في المحرق، ثاني أكبر جزيرة في البحرين – 26 فبراير 2007. (غيتي)

خلال الدورة التاسعة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الثقافة بدول العالم الإسلامي في 02 نوفمبر 2015م، أقرّ المجتمعون على تسمية مدينة المُحَرَّق عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2018م “نظرًا لما تحتويه مكوناتها الحضارية والثقافية من عُمق للتاريخ والإرث الإنساني، إضافة إلى تجسيدها لمقومات التنمية المستدامة والمستقبل المشرف على عُمق التاريخ والأصالة” كما جاء في النص.

ويأتي اختيار المُحَرَّق كـ عاصمة للثقافة الإسلامية “لغنى نسيجها العمراني وتراثها المادي وغير المادي المتميز” كما تقول الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار، التي وضعت أكثر من 20 مشروعًا “للبنية التحتية الثقافية في المدينة، من بينها استكمال موقع طريق اللؤلؤ المسجل على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو”. وهو الموقع الثاني الذي تُسجّله المنظمة للبحرين بعد موقع قلعة البحرين في العام 2007م. كما أن وجود وتطوير مدرسة الهداية الخليفية المبنية عام 1919م وبيت كل من الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وأحمد سيادي واحتضانها لجناح البحرين الوطني الذي كان قد شارك في إكسبو ميلانو قبل ثلاث سنوات وحَمَلَ عنوان “آثار خضراء” كعلامة تعكس عراقة التراث الزراعي والثقافي لمملكة البحرين كلها عوامل عززت من اختيار المُحَرَّق عاصمة للثقافة الإسلامية. وحسب الخطوط العريضة لبرامج الاحتفاء بعواصم الثقافة الإسلامية التي وضعتها الـ إيسيسكو لسنة ما قبل الاحتفاء فقد قامت هيئة البحرين للثقافة والآثار بالعديد من الخطوات كإعداد شعار الاحتفالية وإعداد طقم متكامل من الوسائط الإشهارية والمادة العلمية التعريفية بالعاصمة وغيرها من الإجراءات.

بيوت المحرق
بيوت المحرق

طريق اللؤلؤ:

يتلخص مشروع طريق اللؤلؤ: شاهد على اقتصاد جزيرة، في كونه مشروعًا تراثيًا سياحيًا رائدًا سيتم إكمال 85 بالمئة منه هذا العام. وهو طريق يمتد لمسافة تصل إلى ثلاثة كيلومترات داخل مدينة المُحَرَّق يأخذ الزائرين في رحلة تمتد من شاطئ بوماهر، حيث مركز معلومات قلعة بوماهر (التي يعود تشييدها للعام 1840م)، ليمر بعد ذلك ببيت الغوص، ثم بيت الجلاهمة وبيت بدر غلوم للطب الشعبي، ثم بيت يوسف العلوي، وبيت فخرو، وبيت ومجلس مراد، وبعض المحلات والعمارات في سوق القيصريّة، كعمارة يوسف عبد الرحمن فخرو، وراشد فخرو، ثم بيت النّوخذة، وأخيرًا بيت ومسجد سيادي. وهو يمثّل متحفًا حيًا في الهواء الطّلق ويؤسّس لتوثيق تاريخ حقبة زمنية في مملكة البحرين كان اقتصادها يعتمد على اللّؤلؤ، كما يوضح للزائر المسار الذي يعيشه اللّؤلؤ البحريني منذ لحظة خروجه من قاع البحر وحتى وصوله إلى الأسواق العالميّة. ويروي الطريق أخبارًا عن أشهر ألقاب العاملين في إنتاج اللّؤلؤ كالطواش والغوّاص والنّوخذة والسِّيب وغيرهم، ويروي كذلك حكايات أخرى عن صور الحياة البحرينيّة القديمة كما في التعريف الذي قدّمته الهيئة للمشروع (والآثار). ويشمل المشروع مساحة مكانية تَسَع لـ 1200 سيارة، بالإضافة إلى تجميل جنَبَات طريق اللؤلؤ وتحديدًا الواجهات منها ابتداءًا من الجسر الذي سيعبره الزوار من قلعة أبي ماهر، لينزل بهم رويدًا إلى حالتها. أما عن مراحل تشييده فهي تبدأ من ترميم عدد من البيوت في مدينة المُحَرَّق والمرحلة الثانية إنشاء وتخصيص طرق تصل بين تلك البيوت، والمرحلة الثالثة إنشاء جسر معلّق يصل بين منطقة الحالة وبين قلعة أبي ماهر، والرابعة إنشاء مركز للزوار في القعلة والمرحلة الخامسة والأخيرة بناء مواقف للسيارات. وهو مشروع يُؤمَل أن يجذب 25 بالمئة من السياح المهتمين بالثقافة والتراث.

جدول الفعاليات:

طبقًا لمقتضيات سنة الاحتفاء التي قررتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الـ إيسيسكو فقد وضعت هيئة البحرين للثقافة والآثار جدولاً لفعاليات عقدت بعضها وستعقد البعض الآخر هذا العام بشكل متوالٍ بهذه المناسبة التي سيُحتفل بها رسميًا في الـ 28 من شهر يناير الجاري. وقد افتتحت الهيئة معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية الـ 44 بجانب قلعة عَراَد في الـ 17 من يناير الجاري والذي شارك فيه 53 فنانًا، وبالتزامن كرّمت هيئة البحرين للثقافة والآثار الفنانين المشاركين في سمبوزيوم البحرين الدولي للنحت السادس الذي انطلق مطلع هذا الشهر برئاسة فخرية من النحات المصري العالمي آدم حنين وشارك فيه 12 فنانًا من دول منها البحرين ومصر والمغرب وسوريا وصربيا وتركيا وإسبانيا وفرنسا واليابان. أما في اليوم التالي فقد استضاف متحف البحرين الوطني معرض الفن في حضارة بلاد المسلمين – مجموعة آل صباح الذي حطّ رحاله من دار الآثار الإسلامية بدولة الكويت. وفي الـ 25 من شهر فبراير القادم يستضيف مسرح البحرين الوطني حفلاً موسيقيًا يقدمه الموسيقار العالمي عابد عازريّة بعنوان “ملحمة جلجامش” متزامنًا مع يوم السياحة العربي الذي يوافق تاريخ ميلاد الرحالة العربي محمد بن عبدالله الطنجي المعروف بـ ابن بطوطة. ثم وفي الـ 18 من شهر مارس الذي يُصادف اليوم العالمي للمتاحف ستُفتتح في متحف البحرين الوطني “قاعة المدافن” وبعد ذلك بعشرة أيام ستنظم الهيئة معرض البحرين الدولي الثامن عشر للكتاب. وفي الـ 24 من شهر يونيو ستستضيف وترأس مملكة البحرين اجتماعات لجنة التراث العالمي لمدة عشرة أيام. أما في الـ 27 من شهر سبتمبر المقبل فستقوم الهيئة بإطلاق النسخة الثانية من جواز عبور السياحة الثقافية مزامنة ذلك مع يوم السياحة العالمي، ثم تُعمّد كل تلك الفعاليات بالتدشين الرسمي لمركز زوار مشروع “طريق اللؤلؤ: شاهد على اقتصاد جزيرة” وذلك في الـ 28 من نوفمبر 2018م برعاية كريمة وسامية من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين.
الموعد هنا حيث المُحَرَّق .. عاصمة للثقافة الإسلامية هذا العام .. تنشُقٌ للتاريخ، وتلمُّظ للثقافة.

المصادر

أحمد بن يحى البلاذري. (1996م). أنساب الأشراف (المجلد 6). بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
أخبار الخليج. (2015م). الثقافة تطلق حملة “بيوت تنادي أهلها”. أخبار الخليج.
الشيخ محمد علي التاجر. (1994م). عقد اللآل في تاريخ أوال. المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر.
أنتوني غِدِنْز. (2005م). علم الاجتماع. (د. فايز الصُّيّاغ، المترجمون) بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
بشار الحادي. (2006م). سَمَاهِيْج والمُحرَّق دراسة في سبب التسمية. المنامة.
جواد علي. (1993). المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (المجلد 1). بغداد: جامعة بغداد.
جواد علي. (1993م). المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (المجلد 2). بغداد: جامعة بغداد.
جودة حسنين جودة. (1986م). قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية. القاهرة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع.
د. سعيد هاشم. (2011م). المحرق أم المدن. المنامة : هيئة شؤون الإعلام.
د. سعيد هاشم. (2011م). المُحَرَّق أم المدن . المنامة: هيئة شؤون الإعلام.
د. سلمان المحاري. (2017م). حفظ المباني التاريخية مبانٍ من المُحَرّق. الشارقة: إيكروم الشارقة.
د. سلمان المحاري. (2017م). حفظ المباني التاريخية مبانٍ من مدينة المُحرَّق. الشارقة: إيكروم – الشارقة.
د. سلمان المحاري. (2017م). حفظ المباني التاريخية مبانٍ من مدينة المُحَرَّق. الشارقة: إيكروم – الشارقة.
د. عبدالرحمن العاني. (2000م). البحرين في صدر الإسلام. بيروت: الدار العربية للموسوعات.
د. عبدالرحمن العاني. (2000م). البحرين في صدر الإسلام. بيروت: الدار العربية للموسوعات.
دافيد سوفير. (1990م). جغرافيا الأديان. (أحمد غسان سبانو، المترجمون) دمشق: دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع.
صحيفة الوسط. (2005م). بيع 109 قسائم سكنية من جزر أمواج في مزاد علني. صحيفة الوسط.
طارق والي. (1990م). المُحَرَّق 1783 – 1971. المنامة: مطبوعات بانوراما الخليج.
طارق والي. (1990م). المُحَرَّق 1783 – 1971 عمران مدينة خليجية. البحرين: مطبوعات بانوراما الخليج.
عبدالله الحويحي. (2008م). انبلاج النور قصة الكهرباء في البحرين. المنامة: وزارة الكهرباء والماء.
عبدالله سعد الحويحي. (2008م). انبلاج النور. المنامة: وزارة الكهرباء والماء.
عبدالله سعد الحويحي. (2008م). انبلاج النور. المنامة: إصدارات وزارة الكهرباء والماء.
عبدالله سعد الحويحي. (2008م). انبلاج النور قصة الكهرباء في البحرين. المنامة: من إصدار وزارة الكهرباء والماء.
عبدالله يتيم. (2013م). البحرين الثقافية. الجذور الاجتماعية للنُخب البحرينية: مقاربة أنثروبولوجية، 18.
(2014م). عشرة ملامح لوطن. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار.
موقع هيئة البحرين للثقافة والآثار.
(بلا تاريخ). مشروع طريق اللؤلؤ. تم الاسترداد من موقع هيئة البحرين للثقافة والآثار:
http://culture.gov.bh/ar/ministry/projects/s,4056/

Previous ArticleNext Article
المحرّر الثقافي
يتابع الشأن الثقافي ويرصد الحركة الثقافية في الوطن العربي والعالم. الثقافة عند المحرّر الثقافي ليست معارض وكتبا فقط بل تتعداها الى كل مناحي الحياة.. كل شيء لا يحمل ثقافة لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالقراءة أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.