ديمقراطية لبنان المتلاشية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون عربية, قصة الغلاف

ديمقراطية لبنان المتلاشية

إذا فاز «حزب الله» بالانتخابات في مايو المقبل لن يعود هناك ما يفرق بين الحكومة و«الحزب».

واشنطن – حنين غدار*

* يحتاج لبنان اليوم إلى مزيد من الضغط من قبل المجتمع الدولي لإنقاذه من قبضة «حزب الله».

أربعة أشهر تفصل لبنان عن انعقاد انتخاباته البرلمانية المقبلة، والتي من المحتمل أن تغير وجه لبنان بشكلٍ كبير. ومن المتوقع أن يفوز «حزب الله» بأغلبية برلمانية. وللمرة الأولى، سيفوز لبنان بشكل ديمقراطي. ويتوقع البعض أن يقوم «حزب الله» بإجراء تغييرات دستورية لضمان سيطرته على لبنان لفترة طويلة.
وقد تعطي السلطة السياسية في المؤسسات «حزب الله» مزيدًا من التأثير في القرارات الأمنية والعسكرية مما سيكلف لبنان كثيرًا. ولكن، تشير بعض العلامات إلى أن لبنان سيفقد بعد الانتخابات الكثير من صورته كدولة تتمتع بالديمقراطية والحداثة والتي – على الرغم من جميع الحروب والأزمات – لا تزال تجعل لبنان بلدًا جاذبًا بطريقة أو بأخرى للمجتمع الدولي، وبالتالي لبعض المستثمرين. وتكاد هذه الصورة المتزعزعة تتلاشى أيضًا مع استعداد «حزب الله» وحلفائه ووكلائه اللبنانيين لعودة عظيمة.

عن السياسة والأمن

عندما يفوز «حزب الله» بالمقاعد البرلمانية سيتمكن من السيطرة الكاملة على سياسة لبنان الخارجية – وهو أمر ضمنه الحزب بالفعل منذ تعيين وزير الخارجية جبران باسيل، الذي دعا منذ بضعة أسابيع الدول العربية إلى فرض عقوبات على الولايات المتحدة بسبب قرار إدارتها الأخير الذي ينص على نقل سفارتها إلى القدس. وسيتمتع «حزب الله» بسلطة أكبر في جميع الوزارات السيادية، بما في ذلك وزارتا الدفاع والاقتصاد، ولن يشعر بضرورة التوصل إلى حل وسط مع خصومه لأنه ببساطة لن يتبقى له أي خصم. والأهم من ذلك أن «حزب الله» لن يحتاج إذن لأحد لبدء حرب من لبنان ضد أي عدو تريد إيران محاربته. وهم قادرون على جلب أي ميليشيات شيعية أجنبية تريد المشاركة في هذه الحرب، حتى لو كان ذلك يعني نهاية لبنان. وظهرت للناس علامة هذه الخطة قبل بضعة أسابيع عند زيارة قيس الخزعلي زعيم الجماعة البرلمانية العراقية عصائب أهل الحق إلى جنوب لبنان حيث أعلن استعداده «للوقوف مع الشعب اللبناني والقضية الفلسطينية».
وقد أدان رئيس الوزراء سعد الحريري هذه الزيارة لكنه لم يتمكن من منعها أو إجبار «حزب الله» على الانسحاب من أي مكان في المنطقة تماشيا مع «سياسة الفصل» التي أعلنها الحريري في وقتٍ سابق عندما قدم خطاب استقالته. ومن المرجح أن يتم القضاء على هذه السياسة تمامًا بعد الانتخابات.

عن الاقتصاد والاستقرار المالي

قبل بضعة أسابيع، عينت الحكومة اللبنانية شركة ماكنزي آند كومباني الرائدة عالميًا في مجال الاستشارات الإدارية للمساعدة في إعادة هيكلة الاقتصاد الذي يعتمد بشكل مفرط على التحويلات المالية والمصرفية مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة. ومشكلة الاقتصاد اللبناني واضحة: الفساد وعدم وجود استثمارات. وإذا لم يبدأ لبنان بإصلاحٍ جاد لمؤسسات الدولة وضمان الشفافية والتخلص من سلاح «حزب الله»، لن تكون هناك حاجة إلى أي إعادة هيكلة. إذ سيتعين على ماكنزي أيضا تحليل وتحديد اقتصاد «حزب الله» الموازي مما يعني أنها ستحتاج إلى الاطلاع على هذا النظام الموازي، وهذه بالطبع مهمة مستحيلة.
وعندما يفوز «حزب الله» بالانتخابات في مايو (أيار)، لن يعود هناك ما يفرق بين حكومة لبنان و«حزب الله»، ولن يعود لبنان قادرًا على الاستفادة من تعاطف المجتمع الدولي أو دعمه. وستغلق المزيد من الاستثمارات، ومعظمها من المستثمرين الخليجيين، ويتبعهم تدريجيًا المستثمرون الغربيون. وسيزداد تفكك الاقتصاد اللبناني الذي يمكن أن يعود لطبيعته بمعجزة فقط. وستزداد الخدمات سوءًا بالفعل مثل الكهرباء والمياه والإنترنت، وسيصارع القطاع الخاص لسد هذه الفجوة دون وجود استثمارات مناسبة.
إيران لا تريد للبنان أن يزدهر. فالمؤسسات الضعيفة والمجتمعات الفقيرة تسمح لها بنشر سيطرتها. إذ إن لبنان العاجز أفضل بالنسبة لإيران من لبنان المزدهر. و«حزب الله» هو طفل النظام الإيراني، ومثلما استخدم النظام في إيران موارد شعبه لتمويل عملياته الإقليمية، فإن «حزب الله» سيفعل مثلها في لبنان. ومن المحتمل أن ترتفع نسبة البطالة والفقر والعزلة في عهد سيطرة «حزب الله» الجديد.

عن الديمقراطية والحداثة

لقد أعطتنا الأشهر القليلة الماضية في لبنان علامات واضحة لنشعر بالقلق الشديد إزاء الحريات المتبقية للبنانيين. إذ يحاكم الصحافيون والناشطون في المحاكم (المدنية والعسكرية) بسبب تعبيرهم عن آرائهم، في حين يتم إطلاق سراح المدانين (مثل ميشال سماحة).
وقد تم حظر عدد من المناسبات والأفلام، وكان آخرها فيلم «ذي بوست» لأن مخرجه ستيفن سبيلبرغ يهودي. وكان مجلس الرقابة اللبناني قد منع عرض الفيلم بسبب ورود اسم سبيلبرغ مدرجا على اللائحة السوداء لمقاطعة إسرائيل التي يلتزم بها لبنان وبسبب تصويره مشاهد من فيلمه «قائمة شندلر» – الذي حاز جائزة الأوسكار – في القدس. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، وافق مجلس الرقابة في لبنان على عرض خمسة أفلام على الأقل من إخراج أو إنتاج سبيلبرغ، بما في ذلك فيلم «العملاق الودود والضخم» وفيلم «جسر الجواسيس» ولكن تم ذكر اسمه المدرج على لائحة مقاطعة إسرائيل هذه السنة فقط.
ومع وجود «حزب الله» في السلطة، سيحظر لبنان الثقافة ويهدد الحريات ويقتل التنوع. والديمقراطية في لبنان أصبحت بالفعل مزحة لا يضحك عليها أحد، والقانون الانتخابي الجديد سيفتح الباب بوجه إيران فقط.
إن لبنان هو الفناء الخلفي لإيران و«حزب الله» هو طفلها المفضل. وقد أدرك النظام في إيران مؤخرًا أن شعبه لن يبقى صامتًا. وقد علت أصوات المطالبين بتغيير النظام الحالي في شوارع طهران. وستحتاج إيران إلى لبنان اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بسبب عدم الاستقرار الإقليمي وتحول التركيز من «داعش» إلى وجود إيران في سوريا والعراق. وتعتبر الانتخابات البرلمانية الطريقة الأكثر أمانًا لضمان بقاء لبنان تحت سيطرة إيران، وسيقوم «حزب الله» بكل ما في وسعه للوصول إلى ذلك.

ولتحقيق هذا الهدف، سيتعين ترويض الناس وعزلهم. أما حظر الأفلام والمناسبات والكتب فهو مجرد بداية لعصر مظلم يستخدم فيه الناس كمقاتلين وليس كمواطنين. والديمقراطية والانفتاح الثقافي في لبنان هما عنصران يدلان على صحة المجتمع وسيؤديان في النهاية إلى التمرد والمطالبة بالتغيير. وسيعيد «حزب الله» لبنان مرة أخرى إلى العصور المظلمة.
ومن المؤكد أن الأمور ستتغير بالنسبة إلى لبنان بعد مايو 2018. لقد دعمت الولايات المتحدة تحالف 14 آذار منذ عام 2005 في كفاحه ضد كتلة 8 آذار بقيادة «حزب الله» وترددت في فرض تدابير صارمة يمكن أن تزعزع استقرار لبنان. وقد تغير واشنطن رأيها الآن بسبب تعاون القادة السابقين في كتلة 14 آذار مع «حزب الله» وحلفائه وتشكيلها تحالفات معهم قبل الانتخابات.
يقترب الكونغرس الأميركي من اعتماد قانون جديد ضد «حزب الله» وسط تكهنات بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب يمكن أن تبدأ في الضغط على بعض حلفاء «حزب الله». ويمكن لهذا الضغط من قبل وزارة الخزانة الأميركية على القطاع المصرفي في لبنان أن يكون له آثار كارثية على الاقتصاد.
ولن يتمكن رعاة «حزب الله» في طهران من إنقاذ اقتصاد لبنان أو سبل عيش الشعب اللبناني. يحتاج لبنان اليوم إلى مزيد من الضغط من قبل المجتمع الدولي لإنقاذه من قبضة «حزب الله»، والأهم من ذلك، يحتاج الشعب اللبناني إلى فهم عواقب التصويت للمرشحين الذين سيمكنون «حزب الله» أكثر.

* حنين غدار: زميلة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن.

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.