دور الصين المتنامي في سوريا

وقعت بكين ثلاث اتفاقيات مع نظام الأسد لتقديم مساعدات إنسانية تبلغ قيمتها أكثر من 40 مليون دولار

وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال استقباله وليد المعلم في بكين 24 ديسمبر 2015. (غيتي)

وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال استقباله وليد المعلم في بكين 24 ديسمبر 2015. (غيتي)

بكين- توماس شاتوك*

* تكمن أهمية سوريا بالنسبة للصين في: منع صعود وانتشار الحزب الإسلامي التركستاني في الشرق الأوسط والصين، وإعداد سوريا لتكون جزءاً أساسياً من مبادرة «حزام واحد وطريق واحد».

تتطلع الجهات الفاعلة الرئيسية إلى المستقبل والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا المدمرة بسبب وجود علامات تشير إلى قرب نهاية الحرب الأهلية ودخولها في مراحلها النهائية وإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين النصر على تنظيم داعش هناك في ديسمبر (كانون الأول) 2017.

في 11 ديسمبر 2017،، قال بوتين للقوات الروسية المتمركزة في قاعدة حميميم الجوية في سوريا: «هنا في سوريا، بعيدًا عن حدودنا، ساعدتم الشعب السوري على الحفاظ على دولته ومنع هجمات الإرهابيين... لقد وجهتم ضربة مدمرة لأولئك الذين هددوا بلدنا بشكلٍ صارخ. ولن ننسى أبداً الضحايا الذين سقطوا في الحرب ضد الإرهاب هنا وفي روسيا».

وعلى الرغم من أن بوتين قد أعلن الانتصار على «داعش» ويعتزم البدء في سحب القوات من سوريا، فإن الصراع لم ينتهِ بعد. وتشير إلى هذه الحقيقة التقارير عن قيام الصين بإرسال وحدة القوات الخاصة «نمور الليل» إلى سوريا بعد أسبوع تقريباً من زيارة بوتين (على الرغم من أن الصينيين نفوا مثل هذه التقارير).

وعند النظر في الحرب الأهلية في سوريا، قد يتفاجأ البعض عند قراءة خبر إرسال الصين لقواتها؛ إذ إنها لم تلعب دورًا كبيرًا في الصراع السوري بعكس روسيا والولايات المتحدة وإيران وأوروبا، ولم تقم إلا باستخدام الفيتو ضد مختلف القرارات - العقوبات المقترحة من قبل مجلس الأمن الدولي. فماذا تفعل الصين في سوريا الآن، ولماذا هي مهتمة في هذه الفترة بلعب دور فعالٍ أكثر هناك؟

وأهمية سوريا بالنسبة للصين تكمن في مجالين من أصل مجالات اهتمامها: منع صعود وانتشار الحزب الإسلامي التركستاني في الشرق الأوسط والصين، وإعداد سوريا لتكون جزءا أساسيا من مبادرة «حزام واحد وطريق واحد».

مكافحة الإرهاب في الداخل والخارج

يذكر أن الحزب الإسلامي التركستاني جماعة جهادية مسلمة أويغورية لها علاقات بإقليم شينغيانغ في الصين. والهدف الرئيسي للجماعة إقامة دولة مستقلة تسمى تركستان الشرقية من بعض المناطق في شينغيانغ. وقد انضمت الجماعة الجهادية إلى تنظيم القاعدة في سوريا وأفغانستان وباكستان حيث يقيم زعيمها. وتشير التقديرات الأكثر شيوعًا إلى وجود 5 آلاف عضو في سوريا سافروا إلى الشرق الأوسط بطريقة غير قانونية. وقد هاجمت المجموعة أهدافًا صينية وحققت بعض النجاحات، أبرزها الهجوم الذي وقع عام 2016 على السفارة الصينية في قيرغيزستان. وتبنى أيضًا الحزب الإسلامي التركستاني هجوم ساحة «تيانانمن عام 2013. كما اتهمت السلطات الصينية الحزب الإسلامي التركستاني بتدبير هجوم سكين كونمينغ عام 2014.

ولم يفكر زعيم الحزب الإسلامي التركستاني عبد الله منصور بكلامه عن أهدافه تجاه الصين أثناء المقابلة التي أجرتها معه وكالة «رويترز» للأنباء عام 2014. فقال منصور: «إن المعركة ضد الصين هي مسؤوليتنا الإسلامية التي علينا تنفيذها... والصين ليست عدوتنا فحسب بل هي عدوة جميع المسلمين... ولدينا خطط كثيرة تتمحور حول تنفيذ هجمات في الصين... ونحمل رسالة إلى الصين تفيد بأن شعب تركستان الشرقية وغيرهم من المسلمين قد استيقظوا. فلا تستطيع الصين قمعنا وقمع الإسلام أكثر من ذلك. وسينتقم المسلمون».

واتخذت الصين تدابير صارمة ضد الأويغوريين في شينغيانغ في أعقاب هجمات مختلفة نسبت إلى الحزب الإسلامي التركستاني أو حركة تركستان الشرقية الإسلامية. ويشعر الأويغوريون وكأن الحزب الشيوعي يسيطر على دينهم وثقافتهم، مما يسبب مزيدًا من الاستياء.

ولذلك، من المهم بالنسبة للصين القضاء على هذه المجموعة في سوريا، حيث كانت ناجحة إلى حدٍ ما، وشاركت في «انتصار المتمردين في حرب جسر الشغور واحتلال مطار أبو زاهر». كما نظم الحزب الإسلامي التركستاني عرضًا عسكريًا في إدلب حيث برزت ذخائره وأسلحته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. ويظهر عرض القوة كذلك أن الحزب الإسلامي التركستاني ليس معنيًا بالإطاحة بنظام الأسد، ولكن على حد تعبير جين ينان، وهو جنرال صيني كبير، فإنه «يستغل الحرب الأهلية السورية للحصول على الخبرة وإظهار شينغيانغ بين الجهاديين من البلاد الأخرى». وإذا تمكن الحزب الإسلامي التركستاني من إقامة علاقات مع الجماعات الجهادية الأخرى أو مواصلة بث هدفه من خلال الحرب في سوريا، فإن الهجمات داخل حدود الصين يمكن أن تزيد. ولذلك، فإن قوات «نمور الليل» ستركز على هزيمة الحزب الإسلامي التركستاني في منطقة إدلب في سوريا قبل أن يتمكن أعضاء الحزب من العودة إلى الصين.

ومن مصلحة الصينيين إرسال قوات «نمور الليل» في هذه المرحلة، بما أن الحكومة السورية قد بسطت سيطرتها مجددًا على الكثير من مدنها وقراها بمساعدة روسيا. إنها فرصة للمجموعة للحصول على تجربة قتالية لسحق هذا التهديد وإرسال رسالة إلى أنصار وأتباع الحزب الإسلامي التركستاني.

هل تشكل سوريا ركيزة محتملة لمبادرة «حزام واحد وطريق واحد»؟

يشكل دور سوريا المحتمل في مبادرة حزام واحد وطريق واحد السبب الآخر لاهتمام الصين فيها، خاصة أن موانئ اللاذقية وطرطوس تقع على البحر الأبيض المتوسط. وإذا كانت سوريا ستلعب أي دور فعال في هذه المبادرة فيجب على حكومتها أن تبسط سيطرتها على جميع أراضيها. فما هو الحافز الذي يتعين على الصين أن تستثمره في مبادرة إنمائية في بلد ما زال غارقًا في حربٍ أهلية؟

وبغض النظر عن المدة التي ستستغرقها الحرب، فإن الصين تتخذ خطوات للاستثمار في سوريا والنظام السوري يجذب الاستثمار الصيني بنشاط.

وفي سبتمبر (أيلول) 2017. اجتمع وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السوري وليد المعلم. ووصف وانغ سوريا خلال الاجتماع بأنها «إحدى المحطات المهمة على طريق الحرير القديم»، مشيرًا إلى أن مبادرة «الحزام والطريق» التي تهدف إلى إعمار البلد يمكن أن تكون «وسيلة هامة لتعميق التعاون الثنائي في المستقبل، وأن الصين ترحب بمشاركة سوريا في مشروعات الحزام والطريق، وترغب في التعاون مع سوريا في إطار المبادرة من أجل التنمية المشتركة».

وفي نوفمبر 2017 التقى وانغ المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان. وخلال الاجتماع، بيّن وانغ رؤية الصين للسلام والتنمية في سوريا، قائلاً: «إن مكافحة الإرهاب والحوار وإعادة الإعمار هي الركائز الثلاث للخروج من الأزمة»، عادًّا مكافحة الإرهاب الأساس، والحوار وسيلة للخروج، وإعادة الإعمار الضمانة. وتتبع الإجراءات التي اتخذتها الصين مؤخرًا داخل سوريا ومعها النهج الثلاثي. ويضع الجانبان الأساس «لإعادة الإعمار».

وأكدت شعبان مجددًا على أن سوريا «ترحب بالصين لتلعب دورًا أكبر في هذه العملية».

ولم يكتفِ المسؤولون الحكوميون في البلدين باستخدام لغة المجاملة بل وقعت الصين وسوريا اتفاقيات اقتصادية ومساعدات مختلفة.

وفي نوفمبر 2017 أرسلت الصين 1000 طن من الأرز إلى الدولة التي دمرتها الحرب وتخطط لإرسال 4000 طن أخرى. وجاءت المعونة الغذائية من صندوق أنشأته الصين لمساعدة البلدان على امتداد مبادرة «حزام واحد وطريق واحد». ويعتبر إرسال المعونات الغذائية التي يحتاجها المواطنون الجياع وسيلة رائعة – وتحديدًا رخيصة – لإظهار الدعم والفوز «بقلوب وعقول» السوريين.

وبيّن السفير الصيني في سوريا أن هذه الدفعة من المساعدات «تعبر عن العلاقة الحميمة والوطيدة التي تربط البلدين والشعبين: «مؤكدًا أن هذه المساعدات الإنسانية والاقتصادية الصينية ستستمر بالوصول إلى الشعب السوري في المستقبل.

ولم تكتفِ الصين بتقديم المساعدات الغذائية لسوريا، بل وقعت «ثلاث اتفاقيات مع الحكومة السورية لتقديم مساعدات إنسانية لسوريا تبلغ قيمتها أكثر من 40 مليون دولار». كما أعلنت الصين عن خطة لبناء حديقة صناعية بقيمة ملياري دولار في سوريا لصالح 150 شركة صينية. كما تمتلك الشركات الصينية حصصًا في شركات النفط والاتصالات السورية. وقد تم وضع الخطط الاستثمارية، ويجري بالفعل تنفيذ بعضها. وتظهر هذه الاتفاقيات خطط الصين طويلة الأجل لتنمية سوريا.

ولأن الصين استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد عدد من قرارات الأمم المتحدة المناهضة لسوريا وقدمت أشكالاً مختلفة من المساعدات الاقتصادية والعسكرية للبلاد خلال الحرب، فإن الحكومة السورية تمنح الصين والصينيين أولوية في مشاريع التنمية. وأشار الأسد إلى أن «بوسع الصين أن تكون في كل القطاعات دون استثناء، لأن الأضرار لحقت بها كلها».

وفي حين أن روسيا قد أظهرت علنًا دعمها العسكري المباشر لسوريا طوال فترة الحرب، يبدو أن الصين تضع نفسها في موقع متخذ زمام الأمور في تنمية البلاد عند انتهاء الحرب الأهلية.

* توماس شاتوك: محرر جيوبوليتيكس؛ مدونة معهد أبحاث السياسة الخارجية. وباحث مشارك في معهد أبحاث السياسة الخارجية.


اشترك في النقاش