أطباق الدبلوماسية الناعمة

مطاعم سودانية بمصر تتضمن منتديات ثقافية وقاعات عروض فنية

مصريون وسودانيون في مقهى ملاصق لمطعم سوداني بوسط القاهرة.

مصريون وسودانيون في مقهى ملاصق لمطعم سوداني بوسط القاهرة.

القاهرة: عصام فضل

* تحولت المطاعم إلى منتديات ثقافية تجمع بين شعبي وادي النيل على موائد الطعام.

* مهما حدثت توترات سياسية بين حكومتي البلدين لا تتأثر العلاقة التاريخية العميقة بين مواطني البلدين.

تحولت مطاعم سودانية منتشرة في مدن مصرية عدة من مجرد مشروعات تجارية تهدف للربح، إلى وسيلة لتعميق التفاهم والعلاقات الوثيقة بين الشعبين المصري والسوداني، وبرزت أهمية «الأطباق» والأكلات، كأحد أشكال الدبلوماسية الشعبية الناعمة، في دعم استمرار الترابط الثقافي.

وأدى إقبال المصريين على مطاعم المأكولات السودانية إلى تحولها لمنتديات ثقافية تشهد مناقشات حول كافة الأمور التي تهم الشعبين، وهو ما جعل الكثير من المطاعم تلتقط الخيط لتطور الفكرة إلى إقامة الندوات الثقافية والفعاليات والحفلات الفنية التي أضافت بعدا جديدا للتواصل الشعبي والثقافي، ومدت جسورا إضافية بين الأشقاء.

مع تزايد أعداد السودانيين في مصر، نشأت فكرة مطاعم المأكولات السودانية التي انتشرت في الكثير من الأحياء المصرية، وأدى الترابط الثقافي والاجتماعي العميق بين الشعبين المصري والسوداني إلى إقبال الكثير من المصريين على الأطباق السودانية الشعبية التي تشتهر بتوابلها الحارة المختلفة، وتحولت المطاعم إلى منتديات ثقافية تجمع بين شعبي وادي النيل على موائد الطعام.

سودانيان ينتظران الطعام في أحد المطاعم.

سودانيان ينتظران الطعام في أحد المطاعم.

مطعم الخرطوم بمنطقة العتبة بوسط القاهرة، هو أقدم المطاعم السودانية في مصر وأكثرها ازدحاما بحكم وجوده وسط منطقة تجارية، فأصبح مكانا ملائما للصفقات التجارية لتجار البضائع السودانيين، وأدى إقبال المصريين على المطعم إلى تحوله لمنتدى ثقافي يشهد مناقشات جماعية بين الرواد، وتطورت العلاقات بين بعض الرواد من المصريين والسودانيين إلى تعاملات اقتصادية في تجارة البضائع.

محمود عبد الله، تاجر عطور سوداني، تحدث لـ«المجلة» خلال وجوده بالمطعم قائلا: «أعمل في تجارة العطور التي أجلبها من السودان وأبيعها في مصر، وكنت في البداية أتجول ببضاعتي لبيعها للمواطنين، وتعرفت في المطعم بتاجر مصري فعملنا معا حيث عرفني بأصحاب محلات لبيع العطور، فأصبحت أبيع لهم كميات كبيرة من بضاعتي، حيث أجلب العطور الشرقية وبعض ماركات العطور الغربية العالمية بأسعار منخفضة من السودان فأبيعها للتجار المصريين بسعر أقل كثيرا من المتداول، فتصل زجاجة العطر إلى المستهلك المصري بسعر أقل كثيرا من سعرها المعروف في الأسواق المصرية».

ويختلف الأمر بالنسبة للمصري، علي فتحي (41 سنة)، الذي يقول لـ«المجلة»: «عرفت المطعم قبل سنوات عن طريق صديق، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحب الطعام السوداني الذي يتميز بالتوابل الحارة، وتعرفت هنا بالكثير من الأصدقاء السودانيين، حيث يشهد المكان جلسات أشبه بحلقات نقاشية حول كافة الأمور، كما أنني أصبحت أشتري بعض المنتجات من تجار سودانيين يترددون على المطعم، حيث وجدت لديهم ماركات العطور الغربية الشهيرة بأسعار أقل كثيرا من سعرها بالأسواق، كما أشتري منهم بعض الأقمشة والملابس».

قبل سنوات كانت القاهرة مجرد معبر للاجئين السودانيين الذين ينتظرون دورهم في اللجوء إلى الكثير من الدول الأوروبية، ومع طول سنوات الانتظار، تغيرت تركيبة الجالية السودانية في مصر، لتضم رجال أعمال وتجارا وطلابا ووافدين من أجل العلاج أو السياحة، لتصبح العاصمة المصرية أكثر مدن العالم استقبالا للسودانيين، خاصة التجار الذين يعيش الكثير منهم بين القاهرة والخرطوم، ووفقا لمنظمات مدنية يقدر عدد السودانيين ما بين 3 إلى 5 ملايين سوداني.

سودانيون داخل أحد المطاعم بحي المهندسين في الجيزة.

سودانيون داخل أحد المطاعم بحي المهندسين في الجيزة.

وتحرص المطاعم السودانية على الترويج للتراث الفني السوداني من خلال الديكور، وعبق البخور السوداني، والأغاني التراثية.

يقول مدير مطعم (التكل) السوداني بوسط القاهرة، طارق عبد الرحمن لـ«المجلة»: «نهتم بالترويج للتراث السوداني، بدءا من الديكور وشكل الموائد والكراسي، ووضع لوحات فنية على الجدران، إلى بث الأغاني السودانية التراثية الشهيرة، حيث نستهدف تعريف الزبائن المصريين الذين أصبحوا يترددون بشكل دائم على المطعم، بالتراث والفن السودانيين، بجانب الأكلات الشعبية السودانية الشهيرة مثل القراصة والعصيدة والكسرة».

ويضيف: «المطعم تحول إلى منتدى ثقافي يجمع بين مصريين وسودانيين، وبعض الجنسيات الأخرى كالأفارقة والجزائريين، إذ يشكل الزبائن حلقات نقاشية بشكل تلقائي وعفوي، مما دفعنا إلى التفكير في إقامة الندوات والعروض الفنية، وهو ما نعتزم تحقيقه قريبا، خاصة أننا نقوم بهذه العروض الفنية في الحفلات وأعياد الميلاد، حيث يتلقى المطعم طلبات كثيرة من زبائن مصريين لإحياء حفلاتهم الخاصة».

من جانبه يقول ماجد محمد، سوداني يعمل سمسار عقارات ويعيش بحي عابدين التاريخي بوسط القاهرة لـ«المجلة»: «كسمسار عقارات أتخذ من أحد المقاهي بمنطقة عابدين مركزا لي لمقابلة الزبائن، لكنني أتردد على المطعم هنا وألتقي الكثير من الزبائن سواء كانوا سودانيين أو مصريين، وبجانب كون وجودي يعزز فرص مقابلتي لعملاء جدد، إلا أنني أيضا أحب المناقشات التي تدور بين الزبائن، حيث لفت نظري أنه حتى المناقشات السياسية لا تشهد خلافات حادة، فالجميع مصريين وسودانيين يؤمنون أنهم شعب واحد مهما توترت العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين من وقت لآخر، فأنا أعيش في مصر منذ أكثر من 10 سنوات، أشعر دائما أنني في بلدي، ولدي الكثير من العملاء المصريين».

 واجهة مطعم سوداني في العاصمة المصرية.

واجهة مطعم سوداني في العاصمة المصرية.

مع الإقبال المتزايد للمصريين على المطاعم السودانية، واهتمامهم بالتراث والفن السودانيين، قامت بعض المطاعم، بإنشاء قاعة بداخلها للحفلات الفنية والندوات الثقافية.

يقول حافظ عبد الواحد، الذي يعمل في أحد المطاعم السودانية بحي المهندسين، لـ«المجلة»: «مع تزايد إقبال المصريين على المطعم، وملاحظتنا اهتمامهم بالتراث والفن السودانيين، قمنا بتخصيص قاعة كبيرة لإقامة الندوات الشعرية والثقافية، وعروض فنية لفرق سودانية شهيرة، وكذلك عروض لفنانين سودانيين عندما يزورون القاهرة في أي مناسبة، وقد لاقت هذه الأنشطة رواجا كبيرا وإقبالا من المصريين».

ويضيف: «الأكلات السودانية الشعبية لاقت قبولا كبيرا بين المصريين، خاصة أن الكثير منها يتميز بالتوابل الخاصة التي يحبها الشعب المصري، لذلك تجد لدينا زبائن مصريين دائمين، كما نقوم بتولي تنظيم الحفلات الخاصة سواء حفلات عشاء أو أعياد ميلاد، وكلها تتضمن بجانب الأطعمة، عروضا فنية لفرق سودانية».

من جانبها تقول أستاذة الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر لـ«المجلة»: «الأكلات الشعبية هي واحدة من أشكال الدبلوماسية الناعمة التي تساهم بشكل كبير في التقارب الثقافي بين الشعوب، لكنها تكتسب أبعادا مختلفة فيما يتعلق بمصر والسودان، لأن الشعبين يعتبران بلديهما بلدا واحدا، ففي الذاكرة الجمعية الشعبية كانت مصر والسودان بلدا واحدا، حتى في العصر الحديث ما زال الشعبان يؤمنان بأنهما شعب وادي النيل أي شعب واحد، لذلك تجد المصريين يحبون الطعام السوداني ويهتمون بتراث وفنون أشقائهم، وهي علاقة فريدة من نوعها، فمهما حدثت توترات سياسية بين حكومتي البلدين لا ينعكس ذلك على الشعب، ولا تتأثر العلاقة التاريخية العميقة بين مواطني البلدين».


اشترك في النقاش