كيف تبدلت «مصطلحات» البنوك لإغواء المقترضين؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد, قصة الغلاف

كيف تبدلت «مصطلحات» البنوك لإغواء المقترضين؟

تطور طريقة تخاطب المصارف العربية مع العملاء خلال السنوات العشر الماضية

جدة: معتصم الفلو

* تحاول بعض المصارف إضفاء صبغة دينية على مصطلح «تمويل»؛ على اعتبار أنه يختلف عن «قرض»، وما يتبعه من فوائد ربوية.

تطورت طريقة تخاطب المصارف (البنوك) العربية مع الجمهور خلال السنوات العشر الماضية بطريقة ثورية، فلم تعد المصطلحات المستخدمة في وصف المنتجات المصرفية، تعكس جميع الجوانب التي تحملها تلك المنتجات وتبعاتها من حقوق ومسؤوليات. يبرر البعض ذلك بأنه يأتي في سياق التطور اللغوي في مختلف المجالات، وأن مصطلحات القطاع المصرفي جزء من ذلك التطور. لكن، في ظل تكثيف الحضور البصري ومحاصرة الجمهور بالوسائط الإعلانية والإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولوحات الشوراع والإعلانات المطبوعة، تضيع معاني المصطلحات الحقيقية ومدلولاتها ومعها المسؤولية التي سيتحملها المستفيدون من المنتجات المصرفية، في مقابل تغليب الفوائد والمزايا والسعادة الغامرة التي سيشعر بها المتعاملون مع تلك المنتجات. فما هي أبرز المصطلحات المصرفية التي غابت وماذا حل محلها من مصطلحات براقة، تلهي العملاء عن المعنى الوظيفي الأصلي وما يرتبه من مسؤوليات؟

التمويل بدل القرض

يعرف القرض في اللغة المالية على أنه مبلغ مالي يقدم إلى شخص ما، مقابل إعادة أصل المبلغ على دفعات محددة، يتفق عليها مسبقًا، ويضاف إلى الأصل مبالغ إضافية يطلق عليها الفائدة. ولكن كثيرًا من المصارف تستبدل بمصطلح «قرض» مصطلحا آخر هو «تمويل»، وذلك للتخفيف من وطأة الكلمة على عقل العميل – المقترض والدلالات التي يحملها.
فعند البحث في القواميس العربية القديمة، سنجد أن كلمة مثل تموُّل، وهي من مشتقات الأصل «مال»، تعني تكثير المال أو تجميعه، لكنها لا تذكر أن ذلك يأتي عن طريق اقتراض الأموال. أما القرض، فهو الدين، والمقترض هو المدين والمديون، والمقرض هو الدائن. وفي الحقيقة، فإن كل ما يتصل بالقرض أو الدين، يرتبط بدلالات سلبية، سواء في الموروث الشعبي أو الحالة المادية للأفراد؛ حتى إن المسلمين يضمنون أدعيتهم بالنجاة من «غلبة الدَين».
تحاول بعض المصارف إضفاء صبغة دينية على مصطلح «تمويل»؛ على اعتبار أنه يختلف عن «قرض»، وما يتبعه من فوائد ربوية، لكن حتى المصارف التقليدية باتت تستخدم «تمويل»، فهي أكثر جاذبية ولا ترتبط بمدلولات سلبية؛ فمن يكره كثرة المال.
ومن أجل التوسع في استخدام مصطلح «تمويل»، صار قرض شراء المنزل أو المتجر «تمويلاً عقاريًا أو سكنيًا». كما أصبح القرض الشخصي «تمويلاً شخصيًا أو استهلاكيًا». أما قروض شراء السيارات، فهي «تمويل السيارات»، وكذلك الأمر بالنسبة للقروض لأغراض تجارية، فقد أضحت «تمويلاً تجاريًا».
وحتى الحكومات، صارت تتفادى مصطلح «قرض» عند الاستدانة لتتبدل تسمياته إلى «تمويل البنية التحتية أو تمويل الصادرات أو القطاع الصناعي».
ليس المقصود هنا اتخاذ موقف سلبي أو إيجابي من القروض، فقد وجدت قبل أن يعرف الإنسان المال أو الأوراق أو المعادن النقدية. فتاريخ المقايضة في العصور القديمة، يأتي على ذكرها.

هامش الربح بدل معدل الفائدة

كل قرض، مهما كان الغرض منه – باستثناء القرض الحسن – يترافق مع فائدة ينبغي الوفاء بها بالإضافة إلى أصل القرض. كلمة «فائدة» لا تروق للكثيرين؛ استنادًا إلى معتقدات معينة، تتراوح بين الدينية والاجتماعية. لكن، هناك اجتهاد يجعل الأمور أكثر أريحية، مصطلح يفي بغرض التعبير عن الفائدة ويؤدي معناها؛ بعيدًا عن القلق الذي يرتبط بالذهن، إنه «هامش الربح». وهكذا تكتمل معادلة المصطلحات المصرفية: «التمويل» مع «هامش الربح» أو «معدل الربح»، بدلاً من «قرض» مع «معدل فائدة».
الربح يرتبط في الذهن بالمشروعية، أما الهامش، فهو يدل على أنه بسيط وخفيف ويمكن تحمله. فنحن لا نلقي بالاً للأمور الهامشية!
لا يستخدم هامش الربح في مجال القروض فقط، بل صار يستخدم مع منتجات مصرفية أخرى مثل البطاقات الائتمانية، التي هي في الأصل شكل من أشكال القروض المتاحة بسقف معين وشروط سداد وفوائد مرتبطة بحجم الاستهلاك والانتظام في السداد.

معدل النسبة السنوي بدلاً من الفائدة وتكاليف القرض

تفتق الذهن المصرفي عن مصطلح جديد، بدأ ينتشر بقوة في عالم المصرفية العربية هو «معدل النسبة السنوي». فالقرض لا يتضمن معدل فائدة فقط، فهناك تكاليف أخرى مثل البحث في السجل الائتماني للعميل والتأمين على القرض، إلى جانب الرسوم الإدارية (قد تحسب منفصلة)، وهذا ما يعبر عنه معدل النسبة السنوي. تكمن أهمية هذا المصطلح، بأنه مثالي لإراحة ضمير العميل، فهو لا يذكر لا «الفائدة» ولا «هامش الربح»، فمعدل النسبة السنوي، ينحو لأن يكون مصطلحًا رياضيًا أكثر منه مصرفيًا. قد يكون معدل النسبة السنوي ثابتًا أو متغيرًا، وقد يكون متناقصًا مع مرور فترة على السداد وتضاؤل الحجم المتبقي من المبالغ المتوجب دفعها لسداد القرض. كما أنه يحسب على المجمل العام، ثم يقسم إلى شهور.
وكما هو الحال مع هامش الربح، دخل مصطلح «معدل النسبة السنوي» إلى عالم البطاقات الائتمانية، وبدأ يصبح دارجا بشكل أكبر.

التسهيلات الائتمانية بدلاً من تسهيلات الاقتراض

الائتمان هو القرض الذي يستخدم كوسيلة دفع عاجلة على أن يرد لاحقًا مع فائدة محددة. ومثال ذلك البطاقات الائتمانية أو خطوط الائتمان التجارية المستخدمة في دفع قيمة البضائع والخدمات وغيرها.
التسهيلات الائتمانية تشمل الحصول على قروض أو بطاقات الدفع برد آجل أي البطاقات الائتمانية. استخدام هذا المصطلح يضفي مزيدًا من الجاذبية على القروض ويزينها في عيون العملاء، سيما أصحاب الملاءة المالية الجيدة أو ممن ليست لهم تعاملات مصرفية أو أصحاب السجلات الناصعة غير المدرجين على القوائم السوداء. فالائتمان يوحي بالثقة والأمان والأمانة، أما التسهيل فهو نتيجة لما سبق.

جولة في مواقع المصارف العربية

في جولة سريعة على المواقع الإلكترونية للمصارف العربية، استخدمت جميع المصطلحات على اختلافها. وكانت المصارف الخليجية والأردنية الأكثر استخدامًا لمصطلحات «تمويل» و«هامش ربح» و«معدل النسبة السنوي». أما المصارف المغربية والمصرية والتونسية والجزائرية واللبنانية، فهي الأقل استخدامًا لها مع غلبة واضحة لصالح «قرض» و«معدل فائدة» عند الحديث عن منتجاتها.
كل ما ذكر آنفًا هو مجرد عرض للمصطلحات المصرفية العربية الحديثة، وما على الراغبين في الاستفادة من المنتجات المصرفية إلا التدقيق والمقارنة واتخاذ ما يناسب مصالحهم، سواء أحبوا تسمية «قرض» أو «تمويل». المهم أن تكون حساباتهم دقيقة وتناسب ملاءتهم المالية، فارتكاب خطأ بسيط مع المصارف، قد يدخلك في عالم الغرامات والقوائم السوداء، وربما السجون، لا سمح الله.

Previous ArticleNext Article
المحرّر الاقتصادي
يتابع الشأن الاقتصادي ويرصد عالم المال والأعمال في الوطن العربي والعالم. الاقتصاد عند المحرّر الاقتصادي ليس أرقاما وبيانات واحصاءات فقط بل يتعداها الى ما راء تلك الأرقام وتبعاتها على الشعوب والدول.. وكل رقم يؤثر في حياة انسان يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.