معرض القاهرة للكتاب الـ 49... أنهار من المؤلفات الجديدة والقديمة وسط أجواء احتفالية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة

معرض القاهرة للكتاب الـ 49… أنهار من المؤلفات الجديدة والقديمة وسط أجواء احتفالية

اعتاد أن يكون ملتقى للمبدعين العرب منذ انطلاق أولى دوراته

زحام لزوار معرض الكتاب بمصر (تصوير: عبد الستار حتيتة).
جانب من العروض الفنية الترفيهية بمعرض القاهرة للكتاب (تصوير: عبد الستار حتيتة).
جانب من العروض الفنية الترفيهية بمعرض القاهرة للكتاب (تصوير: عبد الستار حتيتة).

القاهرة – عبد الستار حتيتة

* دشن سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر أحمد بن عبد العزيز قطان الموقع الإلكتروني لجناح بلاده المشارك في المعرض
* داخل القاعات تتحول الأجواء إلى ما يشبه صالات الفلاسفة؛ حيث يحل الصمت ويتحول الكلام إلى همس، وتبدأ مناقشات النقاد لديوان شعر أو رواية أو مجموعة قصصية.
* بالإضافة إلى دور النشر باهظة الثمن، هناك دور نشر مصرية تقدم الكتاب بأقل من نصف دولار، مثل الأجنحة المعروفة باسم «سور الأزبكية».

سألت الطالبة في الفرقة الأولى بكلية القانون، مها، والدها: ماذا فعلت في معرض الكتاب يا بابا؟! كان والدها الموظف في هيئة البترول، يحمل كيسين كبيرين من الكتب، ومنها يظهر عنوان كتاب «الفتنة الكبرى – الجزء الأول». وسبب السؤال يعكس حقيقة أن التردد على معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يعد يعني فقط شراء الكتب.
توجد وسط مئات الساحات التي تغص بالكتب الحديثة والقديمة، صالات للعروض المسرحية، وقاعات متنقلة لمحاضرات تختص بالتوعية بمخاطر الإنترنت، ومحال لبيع الكشري والمأكولات السورية، وزوايا لبيع القهوة والمرطبات، بينما يصدح من هذا الركن صوت المطربة الفرنسية الراحلة، ذات الأصل المصري، داليدا: «كلمة حلوة وكلمتين».
وفي الركن الآخر تصل النغمات المحلية البكر لموسيقيين هواة قادمين من مناطق حدودية، مع منتجات تراثية للبيع، ثم تشدو أم كلثوم من منصة أخرى: «ودارت الأيام». وفي الجانب الثاني تنساب ألحان الأخوين رحباني على صوت فيروز.

صالات الفلاسفة

أما في داخل القاعات فتتحول الأجواء إلى ما يشبه صالات الفلاسفة حيث يحل الصمت ويتحول الكلام إلى همس، وتبدأ مناقشات النقاد والأكاديميين المتأنقين لديوان شعر أو رواية أو مجموعة قصصية. ويأتي كل هذا وسط طقوس جديدة، وعصرية، لم تكن معروفة على هذا النطاق الواسع من قبل. ومنها على سبيل المثال مجموعات الشباب والفتيات من المتطوعين الذين يحرصون على تسهيل مهمة الطوفان البشري من زوار المعرض.
ويوجد للمعرض منفذا دخول في ضاحية مدينة نصر في شرق العاصمة المصرية؛ الأول من جهة شارع صلاح سالم حيث محطة حديثة لمترو الأنفاق، والثاني من الجهة الخلفية حيث الساحات الواسعة لصف سيارات الزوار. وتنتشر على كل منفذ عدة بوابات مزودة بأجهزة كشف المعادن والمتفجرات. وهذه أصبحت سمة غالبة في كل المناطق التي تزدحم بالبشر في دول مختلفة عبر العالم، بسبب انتشار خطر الإرهاب. وبين وقت وآخر يهرع الشبان والفتيات من الزوار لالتقاط صور سيلفي مع وزير أو فنان أو كاتب، ممن يأتون إلى هنا.
وفي بعض الأحيان تتشكل حلقة من الجمهور في باحة من باحات المعرض، حول أحد هؤلاء المشاهير، بطريقة تلقائية، ويبدأ النقاش حول كل شيء. السياسة والاقتصاد ومستقبل المنطقة وتأثير القراءة الإلكترونية على سوق بيع الكتب وعلى الصحف وعلى مستقبل الكتاب نفسه.
وأخذ معرض هذه السنة عنوانا رئيسيا له هو «القوى الناعمة… كيف؟». وحمل صورة احتفائية للكاتب المصري الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، المولود عام 1920. مع إشارة إلى أن ضيف الشرف لهذا العام هو دولة الجزائر، مع صورة لعلمها الملون بالأخضر والأبيض والنجمة والهلال بلونهما الأحمر.

المعرض في عامه التاسع والأربعين

وبدأ المعرض في عامه التاسع والأربعين، والذي بيعت فيه حتى الآن عدة ملايين من الكتب، يوم 27 يناير (كانون الثاني) وينتهي يوم العاشر من الشهر الجاري. واختلط فيه المصريون مع العرب والأجانب، بمن في ذلك مجموعات من الطلبة الآسيويين الذين يدرسون في الجامعات المصرية. وكانت مها وسط مجموعة من الطلاب الخارجين من جناح كتب القوات المسلحة المصرية، حين التقت بوالدها صدفة بجوار خيمة الشبان المتطوعين لإرشاد الزوار. كان يسأل عن مكان المسرح المكشوف، بعد أن انتهى من التسوق.

أحد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب في استراحة قبل استئناف البحث عن الكتب (تصوير: عبد الستار حتيتة).
أحد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب في استراحة قبل استئناف البحث عن الكتب (تصوير: عبد الستار حتيتة).

لكن ابنته ودعت صاحباتها، واقتنصت الفرصة، فحملت أحد الكيسين المكدسين بالكتب، وأخذت الأب لمطعم يديره مهاجرون سوريون، ويعدون فيه فطائر شامية ذات رائحة تفتح الشهية. وفي الجوار التف الزوار حول سيارة فولكسفاغن ذات طراز قديم، لكنها مجددة بالكامل وذات لون سماوي براق. وهي دون محرك بطبيعة الحال، ويستخدمها صاحبها في إعداد فناجين القهوة التركية والإيطالية والفرنسية، بعد أن وضع ماكينة إعداد هذه المشروبات على مقدمة السيارة بطريقة مثيرة للانتباه.
وبينما كان محمد، صاحب السيارة، يصب فناجين القهوة، لم يتوقف الزوار عن التقاط الصور السيلفي مع أصدقائهم لكي يكون مشهد الفولكس بما عليها من ماكينة وأكواب، في الخلفية.
ومر عبر أرضية المعرض التي تبلغ مساحتها نحو خمسة ملاعب لكرة القدم، مسؤولو دول وسفراء ومبدعون ومقدمو برامج تلفزيونية مشهورون، شقوا طريقهم وسط الزحام في أجواء كرنفالية وثقافية نادرة، بينما كان ممثلون يرتدون ملابس الحواة والمهرجين، يقفزون أمام أبواب العروض المسرحية، وفي الجانب الآخر افترش مخرجون ومذيعون الأرض في انتظار بث فعاليات من المعرض على الهواء مباشرة، عبر قنوات فضائية عدة.

تدشين الموقع الإلكتروني لجناح السعودية

وبلغت مساحة الجناح السعودي ثلاثة آلاف متر مربع، وشاركت فيه 42 جهة حكومية وأهلية من السعودية. ودشن سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مصر، أحمد بن عبد العزيز قطان، الموقع الإلكتروني لجناح بلاده المشارك في المعرض، وكانت معه وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة إيناس عبد الدايم، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء السعودي، الدكتور عصام بن سعيد، والملحق الثقافي السعودي، الدكتور خالد بن عبد الله النامي.
وخلال ذلك أكد السفير قطان على أهمية دور معارض الكتب الدولية في توسيع آفاق القراءة والمطالعة والثقافة لدى الجمهور على اختلاف أطيافهم ومشاربهم.
وفي الجولة قدم طلاب سعوديون تابعون لمؤسسة «آلاء لذوي الاحتياجات الخاصة» التي تشارك في الجناح، أناشيد وقصائد دينية في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كما كانت هناك فرقة فنية سعودية لفتت أنظار الحضور بتقديمها ألوانا من الإبداع الشعبي. وعكست الأنشطة السعودية في المعرض الحرص على تعريف الزوار بجوانب ثقافية وعلمية وفكرية وأدبية مهمة.
وبالإضافة إلى معارض الكتب الفاخرة، خاصة تلك القادمة من المطابع اللبنانية، باهظة الثمن، كانت هناك معارض مصرية تقدم الكتاب بأقل من نصف دولار، مثل الأجنحة المعروفة باسم «سور الأزبكية».
يقول والد مها، وهو يشرب القهوة من ماكينة الفولكسفاغن، إنه ملأ الكيس الأول بخمسة عشر كتابا من كتب التراث المستعملة، ودفع مقابل ذلك نحو عشرة دولارات، وكان من بين هذه الكتب جزآن من «الفتنة الكبرى»، و«حي بن يقظان». أما الكيس الثاني، فيحتوي على عشرة كتب مترجمة في الفلسفة والسياسة، منها الكتاب الأميركي الجديد «نار وغضب» الذي يتحدث عن الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض.

ووصلت مبيعات الهيئة المصرية العامة للكتاب، حتى منتصف فعاليات المعرض، إلى أكثر من مليون كتاب، كان أبرزها «المجددون في الإسلام»، و«إسلام بلا مذاهب»، و«تجديد النحو»، و«أصل التفاوت بين الناس»، و«النعامة التي طارت» وهو كتاب يتحدث عن الطموح والتفكير خارج الصندوق. وفي الأيام الأولى من الشهر الجاري باعت هذه الهيئة نحو خمسين ألف كتاب فكري وسياسي وأدبي، بما قيمته نحو سبعين ألف دولار. ويقول أحد مسؤوليها: هذا أمر جيد.
ومن المجادلات الطريفة التي يمكن أن تقابلها في المعرض، بين حين وآخر، قياس الشبان الصغار الذين يحصلون على نقودهم من أسرهم، ثمن الكتاب بثمن السندوتشات أو المشروبات. مثلا… يقول أحد هؤلاء، وهم طلبة في الجامعة عادة، أو في الصف الثالث الثانوي: شطيرة الشاورما هذه تساوي ثمن قاموس. أو: استغنِ عن كوب القهوة واشتر بدلا منه مجلدا من مجلدات ابن خلدون. ويمكن على كل حال شراء المجلدات المستعملة بأسعار زهيدة.

وأعطى شعار المعرض المرتبط بصورة الأديب الشرقاوي، الذي توفي عام 1987. زخما حول كتب هذا الرجل الاشتراكي في المجالات الأدبية من قصة ورواية ومسرح وأشعار وكتابات دينية ومقالات نقدية. وتقول الطالبة مها، وهي تشعر بثقل كيس الكتب في يدها: كنت أسمع عن الشرقاوي فقط دون أن أقرأ له، واليوم اشترينا له عدة مؤلفات.
وولد المؤلف الذي كان فيما مضى ملء السمع والبصر في المنطقة العربية، في محافظة المنوفية بشمال القاهرة. وفي جناح الأزبكية الذي يعرض الكتب والمجلات المستعملة، كانت هناك نسخ من مجلة «الفجر الجديد» التي شارك الشرقاوي في تأسيسها عام 1945، ونسخ قديمة من مجلة «روزاليوسف» التي كان رئيسًا لمجلس إدارتها في مطلع سبعينات القرن الماضي.

زحام لزوار معرض الكتاب بمصر (تصوير: عبد الستار حتيتة).
زحام لزوار معرض الكتاب بمصر (تصوير: عبد الستار حتيتة).

طرب أندلسي

وكان هناك احتفاء من زوار المعرض بضيف الشرف، الجزائر، بعبقها العربي والفرنكفوني، وكنوزها المعاصرة في الأدب والثقافة، بما في ذلك أنغام موسيقى المالوف، والطرب الأندلسي، وهي تنبعث من الأوتار الشجية بين زوايا معرض القاهرة.
ويبدو أن الحضور الجزائري شجع الزوار على البحث عن مؤلفات جزائريين من بينهم واسيني الأعرج، والطاهر وطار، ومحمد أركون، وأحلام مستغانمي. ويقول أحد المشرفين على الجناح الجزائري، وهو يبتسم في لهجة موحية، إن التقارب الثقافي أعمق وأهم من أي سياسة، في إشارة على ما يبدو إلى تلاسن إعلامي قديم نشب بين مصر والجزائر بسبب مباراة لكرة القدم بين فريقي البلدين في الدور التمهيدي لكـأس العالم منذ ثمانية أعوام، مع العلم أن مصر كانت ضيف شرف كذلك في معرض الجزائر الدولي للكتاب العام الماضي.
ومنذ انطلاق أولى دوراته، اعتاد معرض القاهرة للكتاب، أن يكون ملتقى للمبدعين العرب. وتشهد قاعات المعرض فعاليات داخل مخيمات لإلقاء الشعر، وتنظيم الندوات، وحفلات توقيع الكتب، إلى جانب فعاليات أخرى لا تقل أهمية، وهي الطعام والمرطبات والمشروبات الساخنة، خاصة لمن يمضون يوما كاملا في التنقيب عن الكتب والموسيقى، وعن متعة العقل والروح.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.