هل ينجح المحور الألماني الفرنسي في إنقاذ الاتحاد الأوروبي من التفكك؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون دولية, قصة الغلاف

هل ينجح المحور الألماني الفرنسي في إنقاذ الاتحاد الأوروبي من التفكك؟

برلين وباريس تسعيان إلى النهوض بالدول الست الرئيسية

يراقب كل من أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون ورئيس وزراء هولندا مارك روت ورئيس قبرص نيكوس أناستسيادس ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو طائرة من دون طيار حينما كانوا يشاركون في صورة جماعية عقب انتهاء قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في مقر الاتحاد الأوروبي في 14 ديسمبر 2017 (غيتي)
يراقب كل من أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون ورئيس وزراء هولندا مارك روت ورئيس قبرص نيكوس أناستسيادس ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو طائرة من دون طيار حينما كانوا يشاركون في صورة جماعية عقب انتهاء قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في مقر الاتحاد الأوروبي في 14 ديسمبر 2017 (غيتي)

بون: جاسم محمد

* المحور الفرنسي الألماني يمكن وصفه بالمحاولة الصعبة، لإنقاذ هذا الاتحاد الذي كثيراً ما وصف بالهش.
* برز الدور الألماني داخل دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، مع صعود نجم المستشارة الألمانية ميركل عام 2005.
* ماكرون: «طموحاتنا لا يمكن أن تتجسد بمفردها وقلت ذلك بالفعل مرات كثيرة؛ إنها يجب أن تصاحبها الطموحات الألمانية».
* ميركل تبحث حقاً عن الحوار مع ترمب وبوتين أو إردوغان، لكنها تبقى موضوعية وتحافظ على البروتوكول. فيما يحاول ماكرون إثارة إعجابهم أو الظهور كصديق.

تبلور المحور الألماني الفرنسي، خلال السنوات الأخيرة، من أجل إحياء الاتحاد الأوروبي والنهوض به، بعد أن أصبح يعاني الكثير من التفكك من داخله. المحور الفرنسي الألماني، يمكن وصفه بالمحاولة الصعبة، لإنقاذ هذا الاتحاد الذي كثيرا ما وصف بالهش.
ظهر المحور الفرنسي الألماني للعيان أكثر في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2017. فالزعامة الفرنسية لأوروبا لم تكن أبداً بالفكرة الجديدة، بل بدأت في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وحظيت بقبول عند الألمان، كون فرنسا تمتلك السلاح النووي والتفوق العسكري، وكونها عضواً دائماً في مجلس الأمن.

ظهور المحور الألماني الفرنسي

برز الدور الألماني داخل دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، مع صعود نجم المستشارة الألمانية ميركل عام 2005، ليكون دورها إصلاح الاتحاد الأوروبي وحل المشكلات والأزمات المالية التي ضربت جنوب أوروبا وأبرزها اليونان، لتكون ألمانيا الممول الأكبر لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ووفقاً إلى رئيس المفوضية الأوروبية يونكر كلود، فإن برلين أصبح لها دور مركزي داخل الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد وإن ألمانيا ستواصل أداء دور مركزي، وسيكون دورها أكثر أهمية داخل الاتحاد الأوروبي. لكن تقرير مجلة «ذي إيكونوميست» ربما جاء عكس تلك التوقعات، بالقول: «إن ألمانيا هي قوة مهيمنة مترددة، وعليها أن تعمل على قيادة أكبر». من ناحية أخرى كتب مراسل صحيفة «تاتس» الألمانية: تقرير «أوروبا ألمانية»، وأشار فيه إلى التأثير الكبير الذي تتمتع به ألمانيا في المؤسسات الأوروبية مثل لجنة الاتحاد الأوروبي ومجلس الوزراء والبرلمان الأوروبيين، إلا أن الحديث عن سيطرة ألمانية على الدول الأوروبية غير واقعي (…).

وبحسب قول ساشا دوفايس، العامل في مركز الأبحاث والعضو في تنظيم شبكة أزمة العمل في بروكسل، فإن ألمانيا ليست قوية لأنها كذلك، بل لأن جيرانها ضعفاء، وأضاف قائلا: «لقد مضى على توحيد ألمانيا ما يقارب 29 عاما ولا تزال السياسة الألمانية توصف بأنها خائفة ومترددة». ويقول النائب الألماني في البرلمان الأوروبي إلمار بروك، خلال حديث له إلى الصحافة الألمانية، في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2015، إن «القيادة الألمانية لم تأت لرغبة الحكومة الألمانية، بل بسبب ضعف فرنسا الاقتصادي، مقارنة بألمانيا، وانشغالها بإصلاحاتها الداخلية وإننا نأمل في أن تأخذ فرنسا دورها في القيادة، لأن ذلك سيخفف من العبء المضاعف على ألمانيا».

وفي مقال للكاتب الألماني بيرند ريغارت، يقول فيه رئيس الوزراء البلجيكي السابق جاي فيرهوفشتاد يقول: «على ألمانيا أن تكون أكثر طموحا وأن تمضي بقوة أكبر في الشأن الأوروبي». إلا أن أوجه القصور في الدور الألماني بحسب ما يراه النائب الألماني إلمار بروك يتعلق بمجال السياسة الخارجية المشتركة بين ألمانيا وفرنسا، وأضاف قائلا: «أعتقد أننا في حاجة لتنسيق استراتيجي أفضل، كون فرنسا مهتمة جدا بأفريقيا وحوض البحر المتوسط، وهي مستعدة للتدخل عسكريا هناك لذلك علينا العمل للوصول إلى سياسة مشتركة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي».

وبذلت ألمانيا مساعي كبيرة لإحياء المحور الفرنسي الألماني من داخل أوروبا، خلال عهد ميركل مع الرئيس الفرنسي السابق هولاند وكذلك مع الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون. الرئيس إيمانويل ماكرون من جانبه انتهج سياسة إحياء المحور الفرنسي الألماني، بدعوته إلى استحداث منصب وزير للمالية وميزانية لمنطقة اليورو. وهذا ما جعل بعض السياسات الأوروبية المستقبلية مرتبطة بنتائج تشكيل الائتلاف الحاكم الجديد في ألمانيا بزعامة ميركل الذي تشكل مطلع شهر فبراير (شباط) 2018، ومن المقرر أن ينطلق بفترة لا تتجاوز الأول من أبريل (نيسان) 2018.
ويقول الرئيس الفرنسي ماكرون، إن فرنسا في حاجة إلى ألمانيا للوقوف إلى جانبها لتحقيق إصلاحات كبيرة في الاتحاد الأوروبي. وأضاف قائلا: «طموحاتنا لا يمكن أن تتجسد بمفردها وقلت ذلك بالفعل مرات كثيرة إنها يجب أن تصاحبها الطموحات الألمانية».

مظاهرة احتجاجية تسخر من رئيسة الوزراء تيريزا ماي خلال موكب (روز) السنوي في 12 فبراير الجاري في دوسلدورف - ألمانيا (غيتي)
مظاهرة احتجاجية تسخر من رئيسة الوزراء تيريزا ماي خلال موكب (روز) السنوي في 12 فبراير الجاري في دوسلدورف – ألمانيا (غيتي)

وفي حديث حصري لمجلة «المجلة» مع الدكتور رامي العلي من باريس، وهو باحث في الفلسفة السياسية، قال إن من مصلحة فرنسا وألمانيا، العمل في هذا المحور لإنقاذ الاتحاد الأوروبي من الضعف، لكن هناك تحديات كبيرة أمام هذا المحور أبرزها: ضعف الحكومة الألمانية، بزعامة ميركل ما بعد انتخابات سبتمبر 2017. بالإضافة إلى أن انطلاقة الاتحاد الأوروبي من جديد، هي أول الوعود الانتخابية للرئيس الفرنسي ماكرون. وتحتاج ألمانيا لماكرون والسياسة الخارجية الفرنسية، لتأثير سياسة فرنسا في أفريقيا والشرق الأوسط وسوريا، وهذا ما لا تستطيع أن تصل إليه السياسة الألمانية المترددة. وتبقى الخلافات بين ضفتي الأطلسي تحديا كبيرا أمام المحور الألماني الفرنسي، خاصة قضية الدفاع والحمائية التجارية.

الحليف ميركل تواجه مشكلة تشكيل ائتلاف حكومي موسع

واعتبرت صحيفة «لوموند» يوم 11 فبراير 2018 بافتتاحيتها أن الإعلان عن التوصل إلى اتفاق تشكيل ائتلاف حكومي في ألمانيا بين الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة ميركل والحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة مارتن شولتز، يحمل أخباراً سارة إلى فرنسا، التي ظلت تنتظر منذ انتخابات 24 سبتمبر 2017، لكي تطمئن إلى تشكيل حكومة ذات مزاج وتوجه أوروبي، تلعب معها دور الرافعة التقليدية للمشروع الأوروبي، كما هو معتاد من محور باريس – برلين.

وتمثل عودة ائتلاف المسيحيين الديمقراطيين والاشتراكيين الديمقراطيين للحكم فرصة لدعم ديمومة المحور الفرنسي – الألماني. وضمن مساعي ماكرون لإحياء الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع ألمانيا طالب ماكرون خلال قمة تالين، استونيا يوم 28 سبتمبر 2017 بإنشاء أكاديمية أوروبية للاستخبارات ونيابة أوروبية لمكافحة الإرهاب وقوة مشتركة للدفاع المدني لمواجهة الكوارث الطبيعية، إلى جانب مكتب أوروبي للجوء وشرطة أوروبية للحدود، والتركيز الرئيسي على خطط منطقة اليورو وعلى مستقبل المشروع الأوروبي. وفي نفس الإطار التقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم 19 يناير (كانون الثاني) 2018 في باريس بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ودعا الزعيمان إلى تسريع وتيرة الإصلاحات. ودعا أيضا إلى تقديم أفكار لتعزيز الاتحاد الأوروبي قبل شهر مارس (آذار) 2018.

ميركل وماكرون: سباق نحو قيادة الاتحاد الأوروبي

اعتادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على تولي القيادة في أوروبا، إلا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدأ ينافسها في هذا الدور، علما بأن الاثنين يحتاجان إلى بعضهما البعض. وتولت المستشارة ميركل طوال سنوات دورا قياديا في أوروبا. وعقب الفوز الانتخابي لدونالد ترمب في الولايات المتحدة الأميركية اعتبرتها بعض الصحف الناطقة بالإنجليزية «قائدة العالم الحر». ورغم ذلك فإن الرئيس الفرنسي ماكرون على الجانب الآخر، يتمتع بالقوة على صعيد السياسة الداخلية، ويسيطرأيضا بكفاءة على الساحة الدولية.
يصف شتيفان زايدندورف، نائب مدير المعهد الألماني الفرنسي في لودفيغسبورغ التوجه الجديد للسياسة الخارجية لماكرون: «إنه يؤدي مجددا بقوة الدور التقليدي للدبلوماسية الفرنسية التي تلتزم على مستوى العالم وتنطلق من مبدأ أن كل القضايا في العالم تهم فرنسا التي يجب عليها المشاركة في ذلك». إلا أن ماكرون يختلف جزئيا بوضوح عن شريكته الأوروبية أنجيلا ميركل.

وحتى في الأسلوب تختلف ميركل عن ماكرون في التعامل مع شركاء أصعب؛ فميركل تبحث حقا عن الحوار مع ترمب وبوتين أو إردوغان، لكنها تبقى موضوعية وتحافظ على بعد كبير في البروتوكول. فيما يحاول ماكرون إثارة إعجابهم أو الظهور كصديق. وفيما يتعلق بالتقارب بين ماكرون وميركل، وصفت مجلة «تايم» الأميركية خلال عام 2017 ميركل بأنها «سيدة أوروبا»، ووصفت ماكرون بـ«القائد المستقبلي لأوروبا». ماكرون أكد من جانبه، أنه لا يرغب في تولي دور انفرادي، بل قال إنه يسعى إلى الاشتراك مع ألمانيا إلى تجديد أوروبا. لكن شتيفان زايدندورف مدير المعهد الألماني الفرنسي يعتبر أنه من السيئ في كل حال أن يشغل شخص أو بلد مكانة القمة في أوروبا.
وفي مقال للكاتب الألماني كريستوف هاسيلباخ يوم 9 يناير 2018 نقل قول خبيرة شؤون فرنسا من الجمعية الألمانية الفرنسية للسياسة الخارجية وكلير ديميسمي بالقول إنه «شعور سائد في ألمانيا وليس فقط لدى الاتحاد المسيحي والحزب الليبرالي الديمقراطي بأنه يجب على ألمانيا أن تدفع لصالح فرنسا».

خلافات بين ضفتي الأطلسي: سياسات دفاعية وحمائية تجارية

وسائل الإعلام الأوروبية والدولية تحدثت كثيرا عن الخلافات بين ضفتي الأطلسي وخاصة بين واشنطن وبرلين، إلى حد وصفت ترمب وميركل بالشخصيتين المتناقضتين، واعتبرته أمراً يثير الاهتمام. ففي الوقت الذي يرفع ترمب شعاره (أميركا أولا) ومع وجوب اتخاذ سياسة حمائية، تؤكد ميركل على أهمية الحاجة إلى الحلف الأطلسي الناتو، وعلى التبادل التجاري الحر بين ضفتي الأطلسي، وهنا بالفعل يبرز الخلاف ليصل إلى حد التناقض. وأكثر من ذلك فإن ميركل تدعو إلى استئناف المفاوضات حول اتفاق التبادل الحر عبر الأطلسي التي كانت قد بدأت في 2013، مؤكدة أنه ستكون له فائدة كبيرة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومن جانبه، لم يتردد ترمب بتوجيه الاتهام إلى المستشارة الألمانية ميركل بأنها حولت الاتحاد الأوروبي إلى «أداة لألمانيا» وأنها فتحت حدود أوروبا أمام موجات الهجرة غير الشرعية واللاجئين. الخلافات برزت أيضا بين ترمب وميركل في قمة هامبورغ لمجموعة العشرين خلال شهر يوليو (تموز) 2017، أبرزها السياسات الحمائية وانسحاب واشنطن من اتفاقية المناخ الدولي. وقال ترمب: «لست انعزالياً؛ أنا مع التبادل الحر، لكن (…) تبادلنا الحر أدى إلى كثير من الأمور السيئة»، فيما بدا ردا على ميركل التي تحذر باستمرار من النزعة الحمائية. وخلال اللقاء الأول بينهما، لم يكن هناك تفاعل بين الطرفين بعكس الحال مع أوباما وتباينت مواقف الطرفين في عدة ملفات أبرزها اللاجئون والتجارة.
ومن أبرز نقاط الخلاف بين ضفتي الأطلسي، دعا الرئيس الأميركي ترمب الحلفاء الأوروبيين للقيام بدورهم لدعم حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقال إنه سيسعى إلى اتفاقات تجارية «عادلة»، وذلك خلال اجتماعه يوم 17 مارس 2017 في واشنطن مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وما زاد في حدة الخلافات وصف ترمب الحلفاء الأوروبيين بأنهم ينتفعون بالإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة، وهو أمر «ظالم جداً للولايات المتحدة… ينبغي على هذه الدول دفع ما عليها» ومع ذلك، شكر ميركل على التزام ألمانيا بزيادة مساهمتها في حلف الناتو إلى اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل إن تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب أضعفت الغرب، وأكد أن سياساته قصيرة النظر تلحق ضرراً بمصالح الاتحاد الأوروبي. وأضاف أن «أي شخص يعمل على تسريع التغير المناخي من خلال إضعاف حماية البيئة، ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق النزاع ولا يرغب في حل النزاعات الدينية سياسياً، يعرض السلام في أوروبا للخطر»، مؤكداً أن «سياسات واشنطن القصيرة النظر تلحق أضراراً بمصالح الاتحاد الأوروبي».
وأعلن الرئيس الفرنسي ماكرون خلال عام 2018، مبادرة أوروبية أفريقية لضرب شبكات التهريب التي تستغل المهاجرين الأفارقة والذين بيع عدد منهم عبيدا، ووعد ماكرون بإرساء علاقات جديدة مع الدول الأفريقية مبنية على الشراكة وليس الإملاء. فرنسا ما زالت فاعلة في القارة الأفريقية، وهي تحاول من خلال الاتحاد الأوروبي تعزيز وجودها، وذهبت فرنسا أبعد من ذلك لجر ألمانيا أيضا معها في أفريقيا ومطالبتها بدعم القوات الفرنسية هناك. هذه الجهود تعكس ثنائية باريس وبرلين في قيادة الاتحاد الأوروبي والخروج من الحالة النمطية والتفكك.

التقارب الفرنسي الألماني من روسيا

وفي باب التقارب الروسي الألماني، اجتمع رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، مع رئيس جهاز حماية الدستور الألماني، جهاز المخابرات الألماني، هانز غيورغ ماسن يوم 10 أغسطس (آب) 2017، وناقشا التعاون بين الدولتين في مجال محاربة الإرهاب.

وفي إطار تشديد العقوبات على روسيا، أعلن المجلس الأوروبي يوم 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017، تمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو حتى 31 يوليو 2018. وتطال العقوبات مصارف ومؤسسات في مجال الدفاع والشركات النفطية الروسية، كما تحظر على الأوروبيين القيام باستثمارات مالية في روسيا. وتأتي هذه العقوبات، التي فرضت للمرة الأولى عام 2014. ردا على التدخل الروسي في النزاع الأوكراني. وتطال هذه العقوبات مصارف ومؤسسات في مجال الدفاع وشركات نفطية روسية وتحظر على الأوروبيين القيام باستثمارات مالية في روسيا.

وتبلور التغير في الاتجاهات السياسية لفرنسا أيضا عندما استقبل ماكرون في قصر الإليزيه الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، وأكد على التزام بلاده بسيادة أوكرانيا ورفض ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، في حين أعرب بوروشينكو عن أمله في «إحلال السلام» وطلب نشر مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على خطوط التماس في القرم على مدار الساعة. ويذكر أن الغرب ما زال يتهم روسيا بعدم الوفاء بالتزاماتها وفقا لاتفاقات مينسك (2015) لإحلال السلام في شرق أوكرانيا.
وبعد أيام قليلة من إعلان بريطانيا رغبتها في الخروج من الاتحاد، طالب كل من وزير خارجية ألمانيا وفرنسا النخبة ووسائل الإعلام في البلدين بإعلان مبادئ مشتركة واتخاذ خطوات سريعة وفعالة نحو تعزيز الوحدة السياسية والعسكرية للاتحاد الأوروبي ليصبح قادرا على التدخل في الأزمات العالمية. وطالبا أيضا، بتحديث الجيوش الأوروبية وتحويل الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا إلى لاعب عالمي «مستقل» يتبنى أجندة أوروبية أمنية ويمتلك قوات عسكرية مشتركة على أعلى درجات الاستعداد ووحدات بحرية متعددة الجنسيات جاهزة للتدخل في مناطق الصراعات كما يطالبان باجتماع المجلس الأوروبي مرة في العام بصفته مجلسا للأمن الأوروبي.

تحديات المحور الفرنسي الألماني

ـ تراجع شعبية ميركل: حسب الاستطلاع الذي أجراه معهد «فورزا» لقياس مؤشرات الرأي لصالح مؤسسة «آر تي إل» الإعلامية الألمانية وتم نشره يوم 8 يناير 2018 فإن المستشارة ميركل فقدت جزءا كبيرا من ثقة المواطنين الألمان، حيث ذكر 50 في المائة فقط ممن شملهم الاستطلاع أنهم يولون ثقتهم حاليا في ميركل، فيما كانت هذه النسبة 64 في المائة في عام 2014 وفي المقابل أظهر الاستطلاع أن المواطنين في ألمانيا يثقون حاليا على المستوى السياسي في الرئيس الاتحادي بصفة خاصة، حيث صرح 79 في المائة ممن شملهم الاستطلاع بأنهم يضعون ثقة كبيرة أو ثقة كبيرة للغاية في رئيس الدولة وهو فرانك فالتر شتاينماير الذي تولى هذا المنصب منذ عام تقريبا.

ـ اليمين الشعبوي: تنامي النزعات الشعبوية واليمينية المتطرفة في الكثير من دول الاتحاد، مدفوعة بمشكلات اقتصادية وتحديات اجتماعية وسياسية، داخلية وخارجية، هي ما تكشّف عن مأزق أوروبا اليوم. وفي عرض لكتاب السياسي والأكاديمي الإيطالي إنريكو ليتا، الصادر مؤخراً تحت عنوان: «صناعة (تفعيل) أوروبا في عالم قيد التشكل» طرح الكاتب صراحة خيبة أمل عميقة عن المآلات التي وصل إليها كثير من مسارات المشروع الأوروبي، قائلاً في هذا الصدد إن أوروبا الموحدة التي كانت ذات يوم يعتقد أنها غير قابلة للموت والسقوط، أثبتت الأيام الآن أنها لم تكن كذلك بالفعل، نظراً إلى حجم وزخم التحديات المصيرية التي تواجهها، على نحو يمكن أن يعيدها سيرتها الأولى، مرة أخرى، إن لم يتم اجتراح حلول جذرية لكل المشكلات، وبكيفية ترقى إلى مستوى ما يمكن اعتباره إعادة تأسيس جديدة.

– مجموعة فيسغراد: الحديث عن الدول المعارضة داخل الاتحاد من الكتلة الشرقية والتي يبقى دورها مشاكسا داخل الاتحاد، فهي لا تقوى على الخروج، كونها تحصل على المساعدات المالية من دول غرب أوروبا وخاصة ألمانيا، إلى جانب دورها الدفاعي داخل الناتو وكذلك داخل مشروع «الدفاع الأوروبي المشترك» في مواجهة التمدد الروسي في الجبهة الشرقية من أوروبا. الدرس الذي أعطته دول الاتحاد إلى بريطانيا، يجعل هذه الدول تحسب حساباتها للخروج من الاتحاد.
وكانت هذه المجموعة قد أثارت الكثير من الجدل داخل الاتحاد الأوروبي واتهمت الاتحاد بخرق قواعده التشريعية عندما صوتت غالبية الدول الأعضاء بشأن قرار ملزم في سبتمبر 2015 لتحديد حصص لإعادة توزيع ما يصل إلى120 ألف لاجئ في إيطاليا واليونان على بقية دول أوروبا.

حدود خارجية وداخلية هشة

نشطاء ليبراليون ديمقراطيون مناهضون للخروج من الاتحاد الأوروبي ومن بينهم النائبة السابقة سارة أولني مع لافتات وأعلام تطل من شرفة بورصة السياسة حيث ألقى وزير الخارجية بوريس جونسون خطاباً في 14 فبراير الحالي في لندن أوضح من خلاله رؤية الحكومة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (غيتي)
نشطاء ليبراليون ديمقراطيون مناهضون للخروج من الاتحاد الأوروبي ومن بينهم النائبة السابقة سارة أولني مع لافتات وأعلام تطل من شرفة بورصة السياسة حيث ألقى وزير الخارجية بوريس جونسون خطاباً في 14 فبراير الحالي في لندن أوضح من خلاله رؤية الحكومة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (غيتي)

كشفت موجات الهجرة غير الشرعية، وقضية تسرب المقاتلين الأجانب للجماعات المتطرفة إلى داخل أوروبا، بأن الحدود الداخلية والخارجية لهذا الاتحاد ينقصها الكثير من العمل المشترك والتعاون في مجال الأمن وحماية الحدود. تبنى مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. قواعد جديدة لنظام الدخول والخروج من منطقة شينغن التي تضم 26 دولة. ويسهم نظام الدخول والخروج في تحسين الرقابة الخارجية على الحدود وتحديد الأشخاص الذين يتجاوزون مدة الإقامة، علاوة على أنه يجعل دول المنطقة أكثر قدرة على التعامل مع تحدي الإرهاب. وأعربت الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي عن قلقها إزاء مستقبل «المشروع الأوروبي» برمته، وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، ودعت إلى حماية أفضل للحدود الخارجية للاتحاد.

اتفاقية «الشينغن»

اتفاقية وقّعها بعض البلدان الأوروبية وتسمح بإلغاء عمليات المراقبة على الحدود بين البلدان المشاركة كما تتضمن أحكاماً بشأن سياسة مشتركة بشأن الدخول المؤقت للأشخاص (بما فيها تأشيرة شينغن)، بمراقبة الحدود الخارجية، والشرطة عبر الحدود. اقترنت بمعاهدة أمستردام، والاتفاق نفسه وجميع المقررات التي سن على أساسها تم تنفيذها في قانون الاتحاد الأوروبي. وتسمى على اسم شينغن، لوكسمبورغ. وقعت على الاتفاق مجموعة من 30 دولة، بما فيها جميع دول الاتحاد الأوروبي وثلاثة من غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أيسلندا والنرويج وسويسرا وتنفذه 15 دولة حتى الآن. الاتفاقية وقعت في الأصل في 14 يونيو (حزيران) 1985، من خلال خمس دول أوروبية وهي بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا الغربية، ولكسمبورغ، وهولندا، وثيقة إضافية، والمعروفة باسم اتفاقيه شينغن، وضعت الاتفاق موضع التنفيذ وهي الوثيقة الثانية وحلت محل الأولى. ورغم أن التوقيع تم على الاتفاق في 14 يونيو 1985، كان لا بد من الانتظار حتى بعد مرور عقد من الزمن تقريبا، في 26 مارس 1995، وأصبحت بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، والسويد، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، أول الدول التي تنفذ هذه الخطة.

اتفاقية دبلن والدول الموقعة على الاتفاقية

أنشئ نظام دبلن الخاص باللاجئين بموجب معاهدة دبلن التي أقرت يوم 15 يونيو 1990. ووقعت عليها 12 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، ودخلت حيز التنفيذ في 1 سبتمبر 1997. وتتناول معاهدة دبلن في مضامينها الكثير من المعايير القانونية والإجراءات العملية المنظمة لتعاطي الدول الأعضاء فيها مع قضايا اللجوء. وتشمل الدول الموقعة على اتفاقية دبلن للبصمات: بلجيكا، وبلغاريا، وقبرص، والدنمارك، وآيسلندا، وفنلندا، وفرنسا، واليونان، وآيرلندا، وإيطاليا، ولاتفيا، وليتوانيا، ولوكسمبورغ، ومالطة، وهولندا، والبرتغال، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وإسبانيا، وبريطانيا، والسويد، والتشيك، وألمانيا، والمجر، والنمسا، والنرويج، وإستونيا، وسويسرا، وبولندا. وفي 18 فبراير 2003. أدخلت تعديلات على المعاهدة سُميت بموجبها «معاهدة دبلن2». وفي ديسمبر (كانون الأول) 2008. اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات إصلاحية أخرى في المعاهدة تمت الموافقة عليها في يونيو 2013 ودخلت حيز التنفيذ في 19 يوليو (تموز) من العام ذاته تحت اسم «معاهدة دبلن3». وتهدف الاتفاقية التي دخلت حيز النفاذ في الأول من سبتمبر 1997، إلى تحديد البلد العضو في الاتحاد الذي دخل منه اللاجئ فضلا عن الحيلولة دون تقديمه طلبات لجوء إلى أكثر من بلد أوروبي ومنع تنقله باستمرار من بلد إلى آخر.
وتتحمل اليونان عبئاً كبيراً كي تزيل الخلل في نظام مراقبة الاتحاد للحدود وفي حال لم تتمكن الدولة اليونانية من ضبط حدودها فقد تفرض رقابة على الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي. المراقبة الحدودية الفعالة تشمل عمليات تسجيل اللاجئين وأخذ بصماتهم في المراكز المخصصة لهذا التسجيل والمعروفة باسم «هوت سبوت». ويسلك اللاجئون طرقاً مختلفة للوصول إلى وجهاتهم في الاتحاد الأوروبي. طرق الهجرة الرئيسية هي طريق غرب أفريقيا وطريق غرب البحر الأبيض المتوسط وطريق وسط البحر الأبيض المتوسط وطريق غرب البلقان وطريق شرق البحر المتوسط بالإضافة إلى الحدود الشرقية.

مستقبل الاتحاد الأوروبي

ما زال الاتحاد الأوروبي يواجه تحديا بالبقاء، هذا الاتحاد أصبح هشا، في أعقاب موجات الهجرة غير الشرعية واللاجئين منذ عام 2014 ولحد الآن. فخروج بريطانيا والمعارضة داخل الاتحاد الأوروبي من قبل الكتلة الشرقية «فيسغراد» يعتبر صفعة قوية إلى هذا الاتحاد. فالانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، لم تتحدد فقط في موضوعات الهجرة واللجوء والأمن، بل في موضوع اتفاقيات ومعاهدات تشكل عليها هذا الاتحاد أبرزها موضوع «اتفاقية الشينغن» الخاصة بالحدود والتي ألغيت من قبل غالبية الدول الأعضاء، بشكل غير رسمي، بفرض تلك الدول الرقابة على حدودها الداخلية. اتفاقية دبلن هي الأخرى، شهدت تعطيلا خلال موجات اللاجئين من قبل ألمانيا، وأعيد العمل بها بعد ضغوطات من بروكسل.

فما زالت كل من برلين وباريس تسعى إلى النهوض بهذا الاتحاد الذي أصبح مفككا من الداخل، وبدأت تتبع سياسة التخلي عن غالبية الأعضاء في الاتحاد والنهوض بالدول الست الرئيسية من أجل إحياء الاتحاد الأوروبي. التطورات بين ضفتي الأطلسي، أبرزها مدى فاعلية الحماية التي تقدمها واشنطن إلى دول أوروبا، والحمائية التجارية، تثير الكثير من الشكوك حول بقاء هذا الاتحاد والحفاظ على القيم الذي أقيم أصلا من أجلها.

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.