دماء على رمال سيناء

دراسة تكشف القصة الكاملة للتنظيمات الجهادية في مصر

القاهرة: خالد أبو الروس


* ميدان التحرير شهد ميلاد كثير من الحركات التكفيرية في «جمعة الشريعة» التي دعت إليها التيارات الإسلامية، منها «حازمون».

* عقب ثورة يناير، هرب أعضاء تنظيم «الشوقيين» من السجون وانضموا إلى جماعة «بيت المقدس» وعملوا في التهريب وتاجروا في الدولار المضروب والوقود.

* التهديد الأكبر يتمثل في غياب المعلومات التامة والمتكاملة عن العناصر المصرية الموجودة في «القاعدة»، أو «داعش» أو الإخوان.

بالتزامن مع العملية العسكرية الشاملة لمجابهة الإرهاب «سيناء 2018» والتي أطلقها الجيش المصري للقضاء على التنظيمات الإرهابية النشطة في شبه جزيرة سيناء، صدرت دراسة استقصائية بعنوان «دماء على رمال سيناء – القصة الكاملة للتنظيمات الجهادية في مصر»، لكل من ماهر فرغلي، وصلاح الدين حسن، وهما باحثان مهتمان بشأن الحركات الجهادية في العالم الإسلامي.

وترسم الدراسة خريطة كاشفة لتلك الجماعات ومدى تشابكها مع بعضها البعض، وكيف تخلقت من رحم الأزمات التي رافقت ثورات ما يسمى الربيع العربي في عدد من البلدان في المنطقة.

الدراسة هي خلاصة 70 ألف ورقة استطاع الباحث الحصول عليها من اعترافات الجهاديين، وأعضاء اللجان النوعية المسلحة الذين قبض عليهم من ميادين الاشتباكات مع قوات الأمن المصرية. وتكشف أوراق الدراسة أنّ هذه المجموعات تشكّلت، في أغلبيتها، عقب فضّ اعتصام الموالين للرئيس المصري الأسبق في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، في 2013 والقرار الذي اتخذه الإخوان بتحريك المظاهرات والمسيرات في أنحاء مصر.

صلاح الدين حسن

صلاح الدين حسن

وبدأت مناوشات بين مواطنين عاديين والمتظاهرين الموالين لمرسي. ووصل الأمر، في بعض الأحيان، إلى سقوط ضحايا من الطرفين، بعدها فكرت التنظيمات في أن تتعامل مع المواجهات التي تجري بطريقة مختلفة، فاستعانت ببعض الجهاديين السابقين، واتفقوا على تشكيل ما يسمى «لجان الردع».

وأضافت الدراسة أنه في هذا التوقيت كان الجهاديّون والتكفيريون الآخرون، عقب فضّ اعتصامات الإخوان، التقت أهدافهم حول تشكيل أجنحة مسلحة، حتى شهدنا في سيناء وحدها 19 تنظيما خلال هذه الفترة، وقد ضمت هذه التنظيمات عددا من العائدين من سوريا، أو الذين فشلوا في الوصول إليها، مثل «خلية عرب شركس»، كما حدث تحوّل خطير هو إعلان أبو بكر البغدادي الخلافة، وإعلان جماعة بيت المقدس بيعتها له وتغيير اسمها إلى «ولاية سيناء»، ومن ثمّ انشطار التنظيم، وظهور «المرابطين»، حيث كان أغلب المراقبين لا يستطيعون بسهولة التفريق بين التنظيمات التي تتبع مباشرة السلفية الجهادية، والتنظيمات التي ترجع في أصولها إلى جماعات التكفير والتوقف والتبين، أو مجموعات الإخوان النوعية المسلحة.

ماهر فرغلي

ماهر فرغلي

وأكدت الدراسة أن ميدان التحرير شهد ميلاد الكثير من الحركات التكفيرية في «جمعة الشريعة» التي دعت إليها التيارات الإسلامية يوم 1 ديسمبر (كانون الأول) 2012 منها على سبيل الذكر جماعة «حازمون» التي تأسست في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 مع عدد من الأحداث التي شاركت فيها الحركة بقوة وأثبتت أنها تختلف عن أقرانها ممن هم داخل الحركة الإسلامية حيث أخذت منعطفا جديدا عبر حشدها للشباب من أجل التنسيق والترتيب لمواجهة الأحداث المتغيرة عبر الجهاد والتبشير بالثورة الإسلامية.

ونجحت جماعة حازمون في الوصول إلى سوريا وسقط منها عدد من القتلى، وكانت المهمة الرئيسية للحركة الحيلولة دون عودة نظام مبارك وتأييد الشعوب العربية والإسلامية في مواجهتها وجهادها في الداخل والخارج إزاء الأنظمة القمعية، وذلك عبر دفعها إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، من وجهة نظرها، أو مزاعمها بشأن تحقيق العدل في مواجهة الأنظمة الباغية على شعوبها بأي وسيلة كانت، حيث تنظر الحركة إلى حازم أبو إسماعيل «أحد قيادات الحركات المتطرفة في مصر» على أنه الرجل المخلص.

خيام قادة «الجهاد الإسلامي» في التحرير

وأضافت الدراسة أنه في نفس يوم «جمعة الشريعة» حيث كانت خيام قادة جماعة الجهاد الإسلامي، والقادة السابقين في تنظيم القاعدة وأغلبهم من المفرج عنهم من سجون الرئيس الأسبق حسني مبارك، مثل أحمد عشوش، ومحمد الظواهري، ومحمد حجازي، يتلقون البيعات، وهذا ما أثبتته فيما بعد تحقيقات قضية جماعة «بيت المقدس الأولى». وأن توفيق فريج زعيم الجماعة يأخذ الأفراد الجدد من «حركة طلاب الشريعة» و«حازمون»، ليبايعوا مشايخ الجهاديين في الخيام المنصوبة في ميدان التحرير، والذي كان المركز الأساسي لبناء التنظيم في محافظات الشمال.

وتستطرد الدراسة في نفس السياق بأن تنظيم «المنتظرون» وهم مجموعة من الشباب المنحدر من أكثر من تيار أصولي، نظروا إلى تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة على أنها عمل بطولي وفتح إسلامي من الدرجة الأولى وتزعم هذا التيار شخصيتان، الأول من جماعة الإخوان، والثاني من جماعة التبليغ والدعوة، حيث لم ترو أدبيات الجماعتين ظمأ كل من مجدي خفاجة ومحمد عبد الدايم، الذي أفصح في التحقيقات معه عن أن الرغبة في السفر إلى مواطن الجهاد كانت لانتظار «المهدي المنتظر» حيث شهد أحد المساجد بضواحي الجيزة جنوب العاصمة المصرية نقطة الانطلاق التي انصهر خلالها أتباعهما.

جماعة بيت المقدس في سيناء

تقول الدراسة إن ثمة جماعة قامت باستهداف خطوط الغاز داخل سيناء والتي تمد إسرائيل، في أول عملية لها، ضربت أكثر من عصفور بحجر، وهذه العملية كشفت عن جماعة جهادية جديدة نبتت في شبه جزيرة سيناء، بمقربة من الحدود المصرية الإسرائيلية، لها آيديولوجيا لا تقبل التفاهم أو عقد المهادنات مع الصهاينة وهي جماعة بيت المقدس التي هي امتداد «التوحيد والجهاد»، وهي امتداد للسلفية الجهادية والتي أسسها صلاح شحادة في العريش وانشقت عن الجماعة السلفية الدعوية في نهاية 1997 بقيادة خالد مساعد وخميس الملاحي وكانت عملية طابا أحد أبرز عملياتها، وظن البعض أن تنظيم التوحيد والجهاد كاد يندثر بعد اعتقالات طالت نحو 2000 من عناصره، ومقتل مساعد الملاحي، لكن الاعتقالات أدت إلى اختلاطهم بجماعة «الشوقيين» وجماعة الناجين من النار، وهما جماعتان تكفران الأنظمة الحاكمة.

وكشفت الدراسة عن أنه وعقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) المصرية، هرب أعضاء تنظيم «الشوقيين» من السجون وانضموا إلى جماعة «بيت المقدس» وعملوا في التهريب وتاجروا في الدولار المضروب والوقود الذي كان شحيحا في تلك الفترة حيث مولوا به أعمال التنظيم. وتمركزت الجماعة في عدة مناطق حتى يصعب على الجهات الرسمية ملاحقتها، وأول هذه المناطق، رفح ومدينة طابا والعريش وجبل الحلال. وامتلكت جميع أنواع الأسلحة الثقيلة بما فيها منصات الصواريخ ومضادات المدفعية الثقيلة، فضلا عن البنادق الآلية المتقدمة والتي وفرتها الأنفاق بين غزة وسيناء والسيولة الحدودية بين ليبيا ومصر.

غلاف الدراسة

غلاف الدراسة

وكان ظهور تلك الجماعة بعملياتها قبل إسقاط مبارك بأيام دليلا على أن جذور الجهاديين في سيناء لم تنقطع منذ بدايات عملياتها التي ظهرت على يد الأمير الأول، في نفس الوقت التفجيرات لخط الغاز أدت إلى زيادة الخلاف التجاري بين مصر وإسرائيل، حيث فجرت الجماعة الخط 20 مرة.

وفقا للدراسة ما إن شكلت جماعة «أنصار بيت المقدس» هيكلها الجديد مستغلين الفراغ الأمني، الذي خلفته أحداث 25 يناير حتى استحدثت جهازا أمنيا مهمته جمع التحريات والوصول إلى المعلومات، ثم القيام بعمليات قبض واعتقال للعناصر المشتبه في تعاملهم مع الأجهزة الأمنية المعادية لها.

وكشفت الدراسة عن أحد قيادات التيارات الجهادية هشام أباظة، أنه أوضح أن الفروق بين السلفية الجهادية والجماعات التكفيرية أن «السلفية الجهادية نشأت بعد اندماج جماعة الجهاد المصرية مع السلفية في بعض الدول العربية وظهور (القاعدة)، وبدأ يخرج فكرة القتال إلى التنظير الورقي، وعلى الإنترنت، وظهور كتابات سيد إمام زعيم تنظيم الجهاد التكفيري الأسبق في مصر».

وكشفت الدراسة عن أنّه في العام الأول، الذي تلا ثورة المصريين على مبارك، لم تكن تعرف، على وجه التحديد، الخريطة التفصيلية لكل الجماعات الجديدة الموجودة في سيناء التي كانت البقعة الملتهبة، إذ دخلتها عدّة تنظيمات، كان أهمها على الإطلاق جماعة الجهاد المصرية القديمة، وتنظيمات الجماعات المتبقية من التكفير، وكذلك مجموعات قطاع غزة، في ذلك التوقيت. وكانت غزة تشهد ازدهارا لنشاط مجموعات السلفية الجهادية، وفشلت حماس في السيطرة على قطاع غزة.

وتداخلت جماعات غزة وسيناء بعضها مع بعض مثل لجان المقاومة الشعبية «كتائب الناصر صلاح الدين»، ثمّ تنظيم جيش الإسلام ومجلس شوري المجاهدين «أكناف بيت المقدس» وتنظيم جيش الأمة، فيما انتشرت جماعات غزة بامتداد منطقة الشريط الحدودي مع مصر، ولا سيما مدينتي رفح والشيخ زويد، الأقرب إلى الحدود مع إسرائيل.

مؤسس كتيبة «المرابطين»

واعتبرت الدراسة أنّ البيئة الليبية الفاشلة وفرت ملاذا آمنا للعناصر الجهادية المصرية الهاربة، بل سهلت انتقال المقاتلين منها إلى العراق والشام، ومن الدول الأفريقية المجاورة، عبر البحر، أو الطائرات أو عبر الحدود البرية، فعلى سبيل المثال، يقيم هشام عشماوي، المقدم السابق في الجيش المصري، ومؤسس كتيبة «المرابطين» المتورطة في أكثر من عملية إرهابية في مصر، الآن في مدينة درنة، ويشرف على المجلس العسكري لكتيبة شهداء أبو سليم، التابعة للتنظيم في ليبيا ومن خلال هذه الكتيبة يتم إيفاد المقاتلين إلى مصر.

وتقول إن التهديد الأكبر كان متمثلا في غياب المعلومات التامة والمتكاملة عن العناصر المصرية الموجودة في مثل هذه المناطق، التي تتبع «القاعدة»، أو تنظيم داعش أو جماعة الإخوان.


اشترك في النقاش