روسيا وإيران... التحالف الهش

تصدعات علاقات روسيا بالغرب مثلت أحد محركات الصراعات الكامنة بين موسكو وطهران

بوتين وروحاني (غيتي)

بوتين وروحاني (غيتي)

أنقرة - محمد عبد القادر خليل*

* رغم أن العلاقات الروسية - الإيرانية بدت في أفضل حالاتها مؤخراً، سيما بعد استخدام القاذفات الروسية للقواعد الإيرانية في قصف المعارضين في سوريا، فالتطورات على الساحة السورية، تشير إلى أن قوتين نافذتين لا تتعايشان على أرض واحدة بسهولة.

* أثرت سنوات العقوبات الناجمة عن سعي إيران لامتلاك قدرات نووية سلباً في جهود التحديث العسكري.

* أوضحت مختلف سياسات القيادة الروسية حيال الأوضاع في سوريا أنها تتقن لعبة التناقضات، ففي حين لم تبد معارضة للجانب التركي وتدخلاته في عفرين، فإنهم لم يتخلوا عن الأكراد.

* يبدو أن كلا من موسكو وطهران تدركان العناصر الحاكمة للسياسة الخارجية لكل منهما.

* لا يمكن النظر للعلاقات الروسية – الإيرانية بحسبانها تحالفاً استراتيجياً وإنما محض تنسيق وثيق بين الجانبين.

شهدت العلاقات الروسية – الإيرانية انفراجات نسبية دفعت البعض إلى الاعتقاد بأن البلدين غدا يشكلان تحالفا وثيقا على مسرح عمليات الشرق الأوسط، بينما الكثير من المؤشرات كانت تكشف أن هذا التحالف، إن وجد، فإنه لا يزال هشا وأن صراعات وتوترات كامنة تعتريه، بسبب تناقض أجندات الدولتين حيال الكثير من الملفات والقضايا الإقليمية، التي تُظهر أن ما بينهما ليس أكثر من «زواج مصلحة» على أساس مشتركات مؤقتة تشكل ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية «التحالف المرن».

هذا التحالف الهش أو المرن يقوم بالأساس على عناصر تدفع اضطراريا إلى تبني إجراءات تكتيكية من ضمنها التنسيق المشترك حيال ملفات تمثل نقاط توتر وصراع مع قوى إقليمية ودولية أخرى، بما يجعل كلا منهما بالنسبة للآخر ليس أكثر من طرف يزيد من أوراق الضغط التي يمتلكها، وإحدى سبل توسيع هامش المناورة والحركة في مواجهة الإجراءات والتدابير العقابية الدولية، سيما فيما يخص العقوبات المفروضة على الجانبين من قبل الولايات المتحدة الأميركية والكثير من الدول الغربية الأخرى.

وفي هذا السياق، فإن مصطلح «تحالف مبني على الكراهية» مثل تعبيرا درجت على استخدامه بعض الأدبيات الغربية لتوصيف العلاقات بين روسيا وإيران. هذه «الكراهية»، وفق هذه الأدبيات، توجه بالأساس إلى سياسات الولايات المتحدة التي تستهدف الجانبين ومصالحهما، وتقوم على إنكار أدوارهما الإقليمية والدولية، وتعتبر سياساتهما أحد محركات التوتر على الساحتين الإقليمية والدولية.

وعلى الرغم من أن العلاقات الروسية - الإيرانية بدت في أفضل حالتها مؤخرا، سيما بعد استخدام القاذفات الروسية للقواعد الإيرانية في قصف المعارضين في سوريا، وفي عقب توقيع الكثير من الصفقات العسكرية الروسية مع طهران، فإنه من الواضح أن التطورات على الساحة السورية، تشير إلى أن قوتين نافذتين لا تتعايشان على أرض واحدة بسهولة، وأن ما يجمع البلدين محض تنسيق مرن حيال بعض القضايا والملفات الإقليمية، وهو يفتقد المقومات السياسية والعسكرية اللازمة لأن يوُصف بالتحالف الاستراتيجي.

التقارب التكتيكي لا يغطي تناقض المصالح

شكلت التحولات والتطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الخالية دافعا إلى تعزيز التقارب بين البلدين، سيما بعد الخسائر الجيواستراتيجية التي لحقت بموسكو بعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا ومن قبله نظام صدام حسين في العراق، وذلك على نحو دفع القيادة الروسية إلى توظيف الميليشيات الطائفية المرتبطة بإيران للحيلولة دون سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، سيما مع تصاعد خسائر النظام العسكرية في مواجهة المعارضة التي دعمتها قوى إقليمية ودولية. ولا ينفصل ذلك عن مسعى الدولتين إلى «وضع اليد» على مكامن الثورة النفطية وآبار الغاز المتحملة في جغرافيا سوريا الممتدة وسواحلها في حوض شرق المتوسط.

تحولات الإقليم وتنامي حدة الصراعات بين واشنطن وموسكو على أكثر من ساحة إقليمية، اضطرت الأخيرة إلى العمل على إعادة تمتين العلاقات مع شركاء وفواعل تتسم علاقاتها مع القوى الدولية بالتوتر والاضطراب. برزت الحاجة في هذا السياق إلى دول من نوعية إيران وكوريا الشمالية. وبينما سعت موسكو لتوظيف طهران على مسرح عمليات الشرق الأوسط من أجل الضغط على واشنطن، فإنها كانت تدرك، على جانب آخر، أن إيران قد تكون عائقا في سبيل تحقق هذه الاستراتيجية، بسبب سياساتها المثيرة للتوترات الطائفية، والتي تعمد إلى نشر الميليشيات الراديكالية على أكثر من ساحة إقليمية، بما يخلق بيئة مواتية لانتشار التنظيمات الجهادية والجماعات الإرهابية، التي تشكل هاجسا ومصدر قلق حاكما في سياسات روسيا الخارجية.

التناقضات بين سياسات الدولتين تعكسها الأزمة السورية وما تشهده من صراعات، سيما أن الاستجابة الإيرانية الجزئية إلى مشاريع التسوية الروسية للأزمة السورية ليست أكثر من تكتيك يقوم بالأساس على رفض هذه المشاريع ومناهضة أي أفكار تتعلق بإعلان الفيدرالية في سوريا كونها قد تلقى بتبعات درامية لاحقا على جسد الدولة الإيرانية.

وقد بدا مصطلح «زواج المصالح» الأكثر رواجا في سياق توصيف العلاقة بين الجانبين، كونهما مضطرين إلى الحفاظ على العلاقات المشتركة لأسباب تتعلق بالصراع في سوريا وأنماط العلاقات المتشابكة والمعقدة مع أطراف أخرى. وفيما مثلت طهران إحدى أوراق الضغط التي توظفها موسكو ضد واشنطن، فإن كثافة توظيف هذه الورقة اعتمدت على نمط العلاقات الروسية – الأميركية. وكانت موسكو قد أقدمت في أكثر من مرة على تخفيض منسوب التعاون مع إيران في الكثير من الملفات أثناء فترات التقارب مع الولايات المتحدة.

رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني يحضر المؤتمر الدولي لمكافحة المخدرات في مجلس الدوما. (غيتي)

رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني يحضر المؤتمر الدولي لمكافحة المخدرات في مجلس الدوما. (غيتي)

ورغم ذلك، فإن تصدعات علاقات روسيا بالغرب خلال السنوات الأخيرة مثلت أحد محركات روابط موسكو بطهران، سيما في ظل عمليات حلف الأطلسي في الجوار الروسي وسياسات واشنطن حيال توجهات روسيا إزاء أوكرانيا. وقد كشفت الخُطب التي أُلقيت خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، واللقاءات الجانبية على هامشه، صعوبة تسوية الملفات الشائكة بين روسيا والغرب. وفشل الجانبان في تحقيق اختراق جدي في شأن التباينات المشتركة، على رغم تأكيدهما ضرورة تحسين علاقاتهما، والأخذ بمطالب الطرف الآخر واعتراضاته، ما يكشف عدم جاهزية لتقديم تنازلات. وندد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بـ«سياسة تطويق» بلاده بـ«البنى العسكرية التابعة للحلف» الأطلسي.

ووجّهت موسكو اتهامات للغرب، بينها تعزيز الحلف الأطلسي قواته في شرق أوروبا وتوسيع قواعده ووجوده قرب الحدود مع روسيا، والإخلال بالتوازن القائم، عبر نشر منظومات أميركية للدفاع الصاروخي. وأشار لافروف إلى مواصلة الغرب سياسة تغيير الأنظمة غير الموالية له، منتقدًا ضغوطًا على دول مجاورة لروسيا والاتحاد الأوروبي، لإرغامها على «الاختيار بين الغرب والشرق».

وعكس امتناع مجموعة «نورماندي»، التي تضم وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وروسيا وأوكرانيا، عن عقد اجتماع على هامش مؤتمر ميونيخ، حجم المشكلات التي تواجه تسوية الأوضاع في شرق أوكرانيا. ويبدو أن اقتناع ألمانيا بانعدام إمكان تحقيق اختراق في الأزمة، خفف من حماستها لاستغلال فرصة وجود الوزراء لعقد اجتماع رباعي.

وكرر الغرب اتهاماته التقليدية لموسكو أخيرًا، من جراء ضمها شبه جزيرة القرم وتدخلها في شرق أوكرانيا، إلى تورطها بالانتخابات في الولايات المتحدة ودول أوروبية، وشنها حربًا سيبرانية، مرورًا بدعمها نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وامتناعها عن الالتزام بمعاهدات خفض التسلح وحشدها مزيدًا من القوات في شمال غربي روسيا وجيب كاليننغراد، ما يشكل تهديدا لأمن دول البلطيق والبلدان الاسكندنافية.

هذه التوترات المتصاعدة، تظهر أسباب اندفاع روسيا لمجاراة التحديات السياسية العسكرية لحلف الأطلسي، عبر اتخاذ تدابير انتقامية غير متماثلة. وتشمل بعض أوجه هذه التدابير التكثيف المؤقت للتعاون مع معارضي واشنطن وأوروبا. ونتيجة لذلك يمكن تتبع دائمًا الارتباط الحاصل بين فترات تحسن العلاقات الروسية الإيرانية وفترات تعثر حوار موسكو مع الغرب.

نيكولاي كوزهانوف، الخبير في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني، يقول في هذا السياق، إن ديناميات العلاقة الروسية الإيرانية على مدى العقدين الماضيين غير مستقرة، وغير قابلة للتنبؤ - إلى حد ما - من قبل الأطراف الأخرى في الساحة الدولية. ومن الصعب إيجاد بلد آخر تمر علاقته مع موسكو بمنعطفات حادة وكثيرة جدًا في مثل ذلك الوقت القصير نسبيًا. ففترات الحوار السياسي الفعال بين كلتا الحكومتين قد اعترتها انقطاعات مفاجئة دامت فترات طويلة وأدت إلى قيام موسكو وطهران باتهام بعضهما البعض بالإخفاق في الوفاء بالالتزامات المتبادلة أو حفظ التعهدات.

ويعزى هذا التذبذب إلى عدم وجود استراتيجية روسية عملية واضحة تجاه إيران؛ ذلك أن موسكو تتعامل مع جارتها الجنوبية وفقًا لكل حالة على حدة ثم تتغير سياساتها حيال طهران تبعًا لذلك. وبمعنى آخر، لا يُعد الحوار والتنسيق المشترك حيال بعض الملفات وعدد من القضايا بين الحكومتين علامة على تحالف استراتيجي، وإنما محض ارتداد طبيعي لمصالح متبادلة في قضايا مختلفة لا تتساوى أهميتها وأولويتها لدى الطرفين.

علاقات ثنائية بين التاريخ ومعطيات الواقع

تشابك العلاقات بين روسيا وإيران وتعقيداتها لا تنفصل عن تاريخ العلاقات ومعطياتها ومحركاتها في مساراتها واتجاهاتها. فلم تكن طهران بالنسبة لموسكو حليفا وثيقا، كما لم تكن الأخيرة بالنسبة للأولى أقل من عدو يقبع خلف الحدود الشمالية، انعكس الصراع معه في الكثير من المعارك والحروب، نالت فيها إيران الكثير من الهزائم التي يصعب تناسيها عند صوغ أي نمط من العلاقات أو دراسة مستقبلها. وكانت الإمبراطوريتان الروسية والفارسية قد وقعتا معاهدة تركمان شاي عام 1828 لترسيم الحدود بينهما، وأُجبرت القوات الفارسية على التخلي عن مساحات كبيرة لصالح روسيا. هذا الاتفاق لا يزال حاضرا في أذهان الكثير من الإيرانيين، الذين يعتبرونه يمثل تسوية غير عادلة.

وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حينما قام بزيارة طهران العام الماضي حظي باستقبال غير تقليدي، فإن قطاعا واسعا من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في إيران اندفعت إلى التنديد بالسياسات الروسية التاريخية حيال الدولة الفارسية، وانتشرت ظاهرة التدوين عن المواقف التي أثبتت أن التحالف الإيراني - الروسي ليس موجودا إلا في تصريحات مسؤولي البلدين. وقال أحد المستخدمين: «المفاعل النووي الذي تبنونه لنا على مدار عشرين عاما، كان من المفترض أن يعمل منذ عشر سنوات. لكن لم يُنجز حتى نصفه». وذلك في إشارة إلى التأخر الكبير في إنجاز مفاعل بوشهر النووي الذي تنفذه روسيا.

وتعارض روسيا، شأنها شأن الكثير من الدول الغربية، حصول إيران على أسلحة نووية، معتبرة أن تطورا كهذا من شأنه أن يُحدث تغييرا جذريا في ميزان القوى في المنطقة بحيث لا تكون نتيجته لصالح موسكو. وثمة اعتقاد روسي بأن إيران غير قادرة على إحراز تقدم ملموس في سبيل امتلاك برامج تسلح نووي على المدى المتوسط. وفي ظل هذه المعطيات تقتصر تدابير موسكو على إبداء الاستياء أحيانًا حينما تجد أن المشروعات النووية في إيران آخذة في الاستمرار.

وفي هذا الإطار أشارت تقارير أمنية غربية إلى أن إحدى سبل إحباط أي تطور إيجابي في علاقات موسكو بطهران قد يتأسس على تعاون غربي مع موسكو عبر توفير معلومات تفصيلية وتفسيرات واضحة بشأن التهديد الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني على كل من نظام حظر الانتشار النووي والاستقرار الإقليمي. وإذا أخذنا في الحسبان رغبة روسيا الشديدة لمنع ظهور قوة جديدة تمتلك أسلحة دمار شامل قرب حدودها، فقد يمثل ذلك دليلا قاطعا على أن قيام برنامج نووي عسكري في إيران سوف يحتم على موسكو أن تكون أقل ترددًا في ممارسة الضغط على طهران، بل وثمة إمكانية لفرض تدابير عقابية.

ويبدو أن إدراك أوساط سياسية داخل النظام الإيراني لجوهر المواقف الروسية حيال سياسات طهران فيما يخص الملف النووي وبشأن السياسات الإقليمية، يشكل دافعا لمعارضة استخدام روسيا لقاعدة همدان الجوية، تذرعا بأن الدستور الإيراني يمنع استخدام الأراضي الإيرانية من قبل قوى أجنبية، بيد أن الموافقة الإيرانية الأخيرة على ذلك ارتبطت بنمط الاتكال الإيراني على روسيا فيما يخص الكثير من القضايا ذات الطبيعة العسكرية، سيما في ظل ضعف قدرات القوات الجوية الإيرانية.

افتقاد طهران لموردي السلاح الغربيين والعجز الهيكلي الذي تعاني منه على صعيد قطاعات القوات العسكرية بسبب فرض حظر على تصدير الأسلحة إليها، شكل أحد مبررات الانصياع الإيراني والاندفاع نحو الانسجام مع السياسات الروسية، ذلك أن موسكو تعد الجهة الوحيدة المستعدة لبيع معدات عسكرية متطورة لإيران.

وقد أثرت سنوات العقوبات الناجمة عن سعي إيران لامتلاك قدرات نووية سلبا في جهود التحديث العسكري، فالطائرات المقاتلة الإيرانية تتسم بالقدم، وكذلك معظم دباباتها وسلاح المدفعية الإيراني يتسم بالتهالك. وتتفاوض موسكو مع طهران بخصوص صفقة أسلحة قيمتها تصل إلى 10 مليارات دولار، غير أن الاتفاق النووي بين مجموعة (5+1) أو ما يطلق عليه «خطة العمل المشتركة» تحظر بيع أسلحة متطورة أو مهمة لطهران حتى 2020 من دون الحصول على موافقة من مجلس الأمن الدولي. وبالتالي، ربما يتوجب على إيران الانتظار لسنوات للحصول على الأسلحة الروسية.

على جانب آخر، لا يمكن إغفال أثر المصالح الاقتصادية للنخبة الروسية، فثمة اتجاه سائد في عدد من الأدبيات الغربية يشير إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين وإدارته ترتبط بعلاقات وطيدة مع كبرى الشركات الروسية الحكومية وشبه الحكومية، تصل إلى درجة أن التعويل على المصالح الاقتصادية لهذه الشركات قد أصبح أحد أهم الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية.

ورغم ذلك، يقول نيكولاي كوزهانوف إن التجارب مع بعض النخب الاقتصادية الروسية توضح أن روابط اقتصادية قوية مع الغرب يمكن أن تقنع الشركات الروسية بخفض علاقاتها التجارية مع إيران أو حتى مغادرة البلاد كلية. ونظرا للعلاقات الوثيقة التي تربط النظام الحاكم في روسيا مع النخبة الاقتصادية فإن الروابط التجارية الأميركية - الروسية يمكن أن تؤثر أيضًا على نمط العلاقة بين موسكو وطهران.

التطورات الإقليمية مسارات التوتر ومحفزات التعاون

تتصاعد مظاهر تناقضات الدورين الروسي والإيراني على ساحة الشرق الأوسط، فروسيا تحظى بعلاقات جيدة مع أغلب الدول العربية التي لا ترتبط إيران معها بعلاقات ودية، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومصر، وقد اضطلعت المملكة العربية السعودية بأدوار رئيسية في إطار إعادة تشكيل التفاعلات الإقليمية والدولية عبر صوغ مقاربات جديدة مع القيادة الروسية على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، دفعت بتوسيع هوامش مصالح روسيا، انطلاقا من حسابات برغماتية تصب لجهة المصالح العربية مثلما تأخذ في اعتبارها الحسابات الروسية.

ويعكس التناقض الروسي – الإيراني في الشرق الأوسط موقع كل دولة وحجمها، ذلك أن روسيا دولة كبرى، بينما إيران فاعل إقليمي، وبالتالي فإن الاختلاف يرتبط بالموقع والمصالح والأهداف. فعلى سبيل المثال، إيران دخلت إلى سوريا لتثبيت موقعها إقليميا وللسيطرة على الشريط الإقليمي السوري العراقي والاقتراب من إسرائيل، لاستثماره آيديولوجيا عبر ميليشيات «حزب الله»، بينما تدخلت روسيا لتؤكد أنها دولة كبرى منافسة للولايات المتحدة، وتجسيدا لرغبة قياداتها السياسية في عودة موسكو كدولة كبرى لديها مواقع ثابتة تمتد على خريطة العالم.

ربما يفسر ذلك رغبة روسيا وحرصها على مشاركة تركية دائمة في المفاوضات التي تستضيفها عبر مسارى الآستانة وسوتشي، وتسعى موسكو إلى توسيع نطاق الفواعل الإقليمية التي تنسجم سياساتها مع طبيعة المقاربات الروسية على الساحة السورية.

وقد نسقت القيادة الروسية انسحاب قطاعات واسعة من قواتها من ميدان العمليات السوري مع الملك سلمان بن عبد العزيز أثناء زيارته لموسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017. وأعلنت مؤخرا أن خطواتها في هذا الإطار جاءت بعد تشاور مع القيادة السعودية. كما قامت القيادة الروسية بتنسيق جهودها مع مصر لرعاية المفاوضات الخاصة بمنطقتي «خفض التصعيد» في سوريا من أصل أربع، كما دعتها للمشاركة في مفاوضات الآستانة.

وتبتغي موسكو من ذلك إحباط السياسات الإيرانية لتغليب الحلول العسكرية على المقاربات السياسية، كونها تنطلق من حسابات تستهدف إضفاء الشرعية على الوجود العسكري الروسي في سوريا وضمان عدم تحول الأزمة إلى ورقة توظفها القوى الدولية لاستنزاف قدراتها العسكرية وإمكانياتها الاقتصادية. ويبدو أن طهران مضطرة لتنسيق خطواتها مع الخطى الروسية، رغم التباينات، فمن دون الدعم الروسي لا تستطيع إيران أن تضمن وجودا مستقرا في الساحة السورية. كما أنها رغم تباين توجهاتها مع سياسات تركيا في سوريا لا تستطيع الوصول إلى مرحلة خلاف حاد معها، بحسبانهما جارين متنافسين ومتزاحمين، من دون الوصول إلى مواجهة كبرى.

وفيما يخص الوضع الحاصل في مدنية عفرين، فعلى الرغم من أن طهران ترى أن المقاتلين الأكراد ليسوا مستقلين ويتلقون الدعم من الكثير من القوى الإقليمية والدولية، فإنها تعتبر أن أي خسارة فادحة لتركيا في عفرين تعني تحول الوضع الراهن في شمال سوريا، وبالتالي تجدد الآمال في أن ينعش الأكراد مطالبهم بالحكم على كيان متماسك على طول الحدود التركية. إلى جانب ذلك، في حالة الفشل التركي، سيكون هناك الكثير من التوقع لوجود بصمة أميركية أقوى في سوريا من شأنها أن تشكل تهديدا لإيران وحلفائها في ميدان الصراع السوري.

إن الدول الرئيسية الراعية لمسار آستانة - وهي روسيا وتركيا وإيران – تتبنى مقاربات مختلفة حيال معركة عفرين، على الرغم من بعض التقاطعات بين هذه الجهات الفاعلة. وقد يكون هذا عاملا يمكن أن يسبب تصدعات في إطار المسار المشترك الذي ظهر كمحاولة للتوصل إلى حل سلمي للنزاع الدائر في سوريا. وقد أشارت دراسة حديثة نشرت على موقع «المونيتور» الأميركي إلى أن القيادة الروسية أوضحت مختلف سياساتها حيال الأوضاع في سوريا أنها تتقن لعبة التناقضات، ففي حين لم تبد معارضة للجانب التركي وتدخلاته في عفرين، لم يتخلوا عن الأكراد، فالروس ساهموا في نقل مقاتلين أكراد من الحسكة والقامشلي إلى عفرين.

ويبدو أن كلا من موسكو وطهران تدركان العناصر الحاكمة للسياسة الخارجية لكل منهما، وقد أشار إلى ذلك صراحة المدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط في الخارجية الإيرانية، جاويد قربان أوغلي، حين قال: «السياسة الروسية تتمتع ببرغماتية مفرطة تبحث عن مصالحها وقد تنقلب على حلفائها في طهران ودمشق».

ظلال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني خلال اجتماع في طهران.(غيتي)

ظلال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني خلال اجتماع في طهران.(غيتي)

وفي هذا الإطار أشارت اتجاهات أكاديمية إلى أن إيران أكدت في أكثر من مناسبة أن روسيا تركز على مصالحها وحسب في سوريا، وأن أحد أهم ملفات التنافس بين البلدين يتمثل في تصدير الغاز الطبيعي لأوروبا، حيث يبلغ احتياطي الغاز الطبيعي في روسيا 49 مليار متر مكعب، وتأتي في المرتبة الأولى عالميا على قائمة الدول المصدرة، ويصل الاحتياطي الإيراني إلى 27 مليار متر مكعب وتأتي رابعة عالميا في تصدير الغاز، ويعتبر الغاز المكتشف في حوض البحر المتوسط من أبرز محطات التنافس بين هذه الدول على الرغم من علاقة التحالف والتنسيق التي تجمعها خاصة في ميادين المناكفة مع الغرب.

وكانت إيران قد أبرمت اتفاقيات مع نظام الأسد لتمرير الغاز من أراضيها إلى سوريا عبر العراق ثم إلى أوروبا كنوع من الالتفاف على الحصار المفروض عليها، في حين أن روسيا سارعت في بناء قاعدة جوية وبحرية في اللاذقية بالقرب من سواحل المتوسط وأبرمت عدة اتفاقيات مع النظام السوري للتنقيب عن الثروات. وقد جاء التدخل الروسي في سوريا بُعيد إعلان الولايات المتحدة للاتفاق النووي مع إيران، وذلك في محاولة من ضمن ما تستهدف استباق قيام إيران بدخول مجال المنافسة على سوق التصدير واستقطاب المشاريع الغربية.

ومع ذلك ثمة حاجة للتأكيد على أن الحديث عن التناقضات الروسية – الإيرانية على المستويات السياسية والاقتصادية على الأراضي السورية لا يعني بطبيعة الحال أن الصراع بلغ ذروته، وأن أيا من البلدين مستعد لأن يصل إلى القطيعة مع الطرف الآخر خاصة في ظل حاجة الروس للعنصر البشري الذي توفره إيران وحاجة الإيرانيين للغطاء السياسي والجوي الذي توفره روسيا للنظام السوري ولقواتها العاملة على الأرض لمنع سقوطه.

ورغم ذلك، فساحات التنافس بين الدولتين تمتد إلى الكثير من المناطق في آسيا الوسطى حيث مساحات تعتبرها روسيا تقليديا مجالا خاصا لمصالحها الاستراتيجية والتاريخية مثل مناطق آسيا الوسطى والقوقاز وبحر قزوين. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي تحاول موسكو لعب دور القوة الرائدة في الأقاليم السوفياتية السابقة، هذا في وقت تعتبر طهران أن موقعها الجغرافي يتيح لها السيطرة على التطورات في هذه الأقاليم، وهو ما يخلق أزمة ثقة ممتدة بين الجانبين، سيما أن موسكو تشعر بمغالاة طهران في تقدير موقعها وأهميتها في هذا الإطار، وتشعر القيادة الروسية بالقلق إزاء بعض أنشطة إيران على الساحات المحلية للكثير من دول هذه المناطق.

لذلك لا يمكن النظر للعلاقات الروسية – الإيرانية بحسبانها تمثل تحالفا استراتيجيا وإنما محض تنسيق وثيق بين الجانبين، وهي تُعبر عن قلق إيراني لغياب حليف دولي موثوق، وقلق روسي بعد فقدان التأثير السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط عقب الإطاحة بنظامي صدام حسين والقذافي. ونتيجة لذلك تسعى إلى الحصول على ضمانات بعدم تضرر المصالح الروسية بشكل كبير إذا ما سقط النظام الإيراني، كما تعتبر موسكو أن تقاربها مع إيران يشكل استباقا لأي تطورات إيرانية داخلية تسمح لطهران في مراحل لاحقة بتدشين حوار مع واشنطن.

ولا يوجد ما يضمن أن لا تضحي موسكو بعلاقاتها مع طهران إذا ما تمكنت القيادة الروسية من إقامة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة. دون أن يعني ذلك في الوقت نفسه أن روسيا ستتخلى سريعا عن إيران، إذا ما حصلت – بلغة الاقتصاد - على عرض أفضل، بل من المرجح أن تستمر المنافسة الروسية - الأميركية، حال ما تحسنت العلاقات نسبيا بين البلدين، وأن تُبقي شراكتها مع إيران كأحد تكتيكات التحركات الاستباقية حيال التوترات المحتملة في العلاقات مع الولايات المتحدة. وبينما يُظهر ذلك أهمية العلاقة مع طهران، فإنه على جانب آخر يكشف حقيقة أن العلاقات المشتركة بين البلدين لا تجسد تحالفا استراتيجيا، وإنما محض تنسيق مرن تتفق مصالح أطرافه بشأن بعض الملفات وتختلف بشأن الكثير من الملفات والقضايا الأخرى.

* مدير برنامج تركيا والمشرق العربي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية


اشترك في النقاش