حكاية «أرض الميعاد» في إثيوبيا - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ذاكرة المكان

حكاية «أرض الميعاد» في إثيوبيا

مجتمع الرستفاريين في شاشاماني

شاشاماني (جنوب إثيوبيا): معتصم الفلو

* انبثقت حركة الرستفاريين في الثلاثينات، واشتق اسمها من الاسم الحقيقي الأول للإمبراطور، وهو راس تافاري.
* أبرز معالم مجتمع الرستفاريين في شاشاماني «معرض الموز للفنون» الذي أسسه الفنان الجامايكي الرستفاري باندي بايني، الذي قدم إلى المدينة عام 1994.
* أينما اتجهت في مناطق الرستفاريين داخل شاشامني، ستجد صور نجم أسطورة موسيقى الريجي بوب مارلي

يبدو نشوء الدولة العبرية بدعوى تجميع الشتات اليهودي من كافة أنحاء العالم فيما يسمى «أرض الميعاد» على أرض فلسطين، فكرة لا مثيل لها في هذا العالم!
فهناك شتات آخر، له أرض ميعاد أخرى، يدعي أنه يمثل أبناء إسرائيل (يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) الـ12 الحقيقيين، استنادًا إلى تفسير مبتكر للعهد القديم. لكن هذا الشتات المقصود هو العرق الأسود ومن أبناء القارة السوداء حصرًا، وقوام فكرتهم هو العودة من كافة الأماكن التي أخذوا إليها على مر العصور بالحديد والنار لاسترقاقهم، سواء في أوروبا أو الأميركتين، إلى الأرض الأم.
إنهم الرستفاريون، معظمهم قدموا من جامايكا، وجدوا «أرض الميعاد»، لكنها ليست فلسطين، بل إثيوبيا.
زارتهم «المجلة» في أول معاقلهم الأفريقية بمدينة شاشاماني، جنوبي إثيوبيا؛ للتعرف على معتقداتهم وتجربتهم في الأرض الجديدة وسر تأليههم لآخر أباطرة إثيوبيا هيلاسيلاسي، وكذلك عشقهم اللامنتهي وتشبههم بأسطورة موسيقى الريجي الراحل النجم الجامايكي بوب مارلي. فمتى بدأت الفكرة وكيف وماذا حدث لهم بعد وفاة الإمبراطور؟ وما هو «النظام البابلي» (Babylon System) الذي شبهه مارلي بمصاص الدمام الآيل للسقوط؟

نبوءة المخلص

الرستفاري جيمي مرتدياً قبعة بألوان الرستفاري الثلاثة
الرستفاري جيمي مرتدياً قبعة بألوان الرستفاري الثلاثة

عالم غريب يواجهك عند الوصول إلى شاشاماني، حيث يبدأ البحث عن مجتمع الرستفاري، وأول ما تراه هي بوابة يتوسطها شعار يتضمن سيفين، بينهما أسد، وعلى يمينها «المقر الرئيسي لقبائل إسرائيل الاثنتي عشرة» (Twelve Tribes of Israel HQ). العلَم مؤلف من 3 ألوان: الأحمر يشير إلى دم الأفارقة وتضحياتهم، أما الذهبي فيشير إلى الشمس الساطعة المشرقة على أفريقيا، والأخضر هو لون أرض أفريقيا الغنّاء.
قد تظن أن زعماء الرستفاري يقيمون فيه، لكنه ليس سوى ساحة مسورة بالجدران، تتوسطها قاعة، بها بعض آلات الخياطة والقمصان القطنية. وبجانب القاعة بار صغير، تصدح فيه موسيقى بوب مارلي، يستخدم لأغراض السهر والاحتفال!
سيلفت انتباهك وجود صور لأسد يهوذا وهيلاسيلاسي وعبارة «اقرأ الكتاب المقدس كل يوم».
المكان ليس فيه سوى 4 أو5 أشخاص، يستقبلونك بالترحاب، جميعهم من ذوي الشعر المجدل واللحى ومنهم من يلبس القبعات وكأنك ترى نسخًا من بوب مارلي، يدخنون الغانجا (الماريغوانا) طوال الوقت!

يروي مضيفنا مايكل قصة الرستفاري بقوله: «بدأت القصة مع الناشط القومي الجامايكي الأسود ماركوس غارفي، الذي تنبأ عام 1920 بوصول أول ملك أفريقي إلى العرش في بلد مستقل، يدشن عصر خلاص شعب أفريقيا وعودتهم إلى أرض الميعاد. تحققت النبوءة عام 1930 بتنصيب الإمبراطور هيلاسيلاسي على إثيوبيا. ومع تحقق النبوءة، انبثقت حركة الرستفاريين في الثلاثينات، التي اشتق اسمها من الاسم الحقيقي الأول للإمبراطور، وهو راس تافاري».
ويضيف: «هيلاسيلاسي هو ملك الملوك وأسد يهوذا وملك صهيون. إنه تجسيد للرب، الذي نطلق عليه اسم (جاه)، في شخص المسيح بظهوره الثاني، فنحن موحدون ومسيحيون ونقبل على قراءة الإنجيل بكثرة. نحن ذرية أبناء إسرائيل الـ12 الحقيقيين، وقد منحنا الرب هذه الأرض – كما يقول العهد القديم – لنجمع شتاتنا ونعود نحن، الشعب الأسود، إليها بعد قرون من استعباد البيض لنا؛ دون وجه حق».

هيلاسيلاسي لم يمت!

في عام 1966. عانت جامايكا من جفاف شديد، ولكن صدفة غريبة حدثت عندما قدم هيلاسيلاسي في زيارة رسمية إليها. فما إن حطت طائرته في مطار كينغستون حتى انهمرت الأمطار على البلاد. كانت الحادثة سببا في تكريس معتقد الرستفاريين بألوهية الإمبراطور.
وكان هيلاسيلاسي أقطع الرستفاريين أرضًا في مدينة شاشاماني ودعاهم إلى ترك جامايكا وتحقيق حلم العودة إلى «أرض الميعاد». وبالفعل، بدأوا بالتوافد إلى المدينة والعيش فيها منذ أواخر الستينات. وبلغ عددهم قبيل إعدام الإمبراطور عام 1975 بضعة آلاف.
يقول محدثنا مايكل: «هيلاسيلاسي لم يمت، إنه حي، بل هو موجود في كل مكان. غاب بجسده فقط. الإله لا يموت. يكفي أنه أدى رسالته وخلصنا من ظلم بابل. لا تزال بابل موجودة وهي إلى انتهاء كما يقول أسطورتنا بوب مارلي!».

لوحة هيلاسيلاسي من ورق الموز
لوحة هيلاسيلاسي من ورق الموز

ولكن ماهي بابل وما الذي جاء على ذكر السبي البابلي وتشريد مملكة يهوذا؟ يجيب بقوله: «إنه الرجل الأبيض والنظام الرأسمالي الغربي. الغزاة هم أنفسهم، يقتلون ويسلبون الثروات ويفقرون الشعوب ويسممون العقول. يقسمون العالم بين فقراء وأغنياء؛ ليبقوا هيمنتهم على العالم. ألا تتذكر ماضي بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا؟ ألا تتذكر ما حدث في فيتنام والصومال والشرق الأوسط؟ أغنية بوب مارلي (النظام البابلي)، بل كل أغاني مارلي، تشرح ذلك بالتفصيل».

بوب مارلي

أينما اتجهت في مناطق الرستفاريين داخل شاشامني، ستجد صور نجم أسطورة موسيقى الريجي بوب مارلي (1945 – 1981). اكتسبت حركة الرستفاريين زخمًا هائلاً مع صعود هذا اللون الموسيقي، الذي يجسد فلسفتهم بدقة. زار إثيوبيا قبل وفاته بثلاث سنوات، التي يعتبرها مهده الروحي. وقد أقام الإثيوبيون له تمثالاً في أديس أبابا. وفي 6 فبراير (شباط) من كل عام، يأتي الرستفاريون وغيرهم من محبي مارلي حول العالم إلى شاشاماني للاحتفال بذكرى عيد ميلاده، فيما تعلو أصوات موسيقى الريجي في مقر الاحتفال.

لوحة بوب مارلي من ورق الموز
لوحة بوب مارلي من ورق الموز

هذا النجم العبقري، الذي استحق ألبومه «التيه» (Exodus) الصادر عام 1977 لقب «أفضل ألبوم في القرن العشرين»، يلخص العقيدة الرستفارية بكل تفاصيلها في كل أغانيه. فنه الموسيقي يعبر عن قهر الفقراء والنظام العالمي الذي يهيمن عليه الرجل الأبيض (نظام بابل) واضطهاد السود وعدم تكافؤ الفرص والإله المسمى جاه.

الفن بأوراق الموز

من أبرز معالم مجتمع الرستفاريين في شاشاماني معرض الموز للفنون الذي أسسه الفنان الجامايكي الرستفاري باندي بايني، الذي قدم إلى المدينة عام 1994. هذا المعرض فريد من نوعه في العالم، إذ لا يتم فيه استخدام أيه ألوان أو أقلام، فجميع اللوحات مصنوعة من ورق الموز فقط.
يشرح بايني طريقة عمله بالقول: «أجلب أوراق الموز الخضراء، وأرسم بها جزءًا من اللوحة. وعندما أحتاج إلى اللون الأصفر، أنتظر ورقة الموز حتى تصفر. وهكذا يسير الأمر عندما أحتاج إلى اللون البني والأسود». ويضيف: «أنا لا أستخدم الألوان ولا ورق الرسم ولا الأقلام. أرسم لوحاتي على إيقاع ألوان ورقة الموز!»
يمتلئ المتحف بلوحات موضوعها هيلاسيلاسي وبوب مارلي، فهما شخصيتان مركزيتان في التاريخ الرستفاري.

طرق العيش

عند السؤال عن مصادر رزق الرستفاريين وماذا يشتغلون، يأتي الجواب من جيمي الذي كان جالسًا على باب معرض الموز للفنون: «لقد جلبنا نبتة الماريغوانا إلى هذه البلاد ورزعناها وهي أحد مصادر رزقنا الأساسية، إلى جانب استضافة السياح وإخوان العقيدة من الرستفاريين الذين يأتون لزيارتنا والاحتفال والسهر معنا، فعدد الرستفاريين حول العالم يصل إلى نحو مليون شخص. طعامنا نباتي ولذيذ، يحبه الزوار».
وعند السؤال عن مدى شرعية زراعة الماريغوانا في البلاد، يشرح: «الحكومة ليست لديها مشكلة في الأمر. نحن نصنع من هذه النبتة المراهم والنبيذ والزيت. كما أننا نوزع إنتاجنا في كافة أنحاء البلاد. نحن ندخن النبتة طوال الوقت من أجل التأمل والاسترخاء. نحن نتأمل في هذا العالم ونقرأ الكتاب المقدس كل يوم لنكتشف معاني جديدة للحياة ونستمع لموسيقى الريجي». وقبل إلقاء تحية الوداع، قال: «لا تنس أن بوب مارلي لم يكن يفارق الماريغوانا!»

هل نجحت التجربة؟

مع تزايد التحديات المادية لمن عادوا إلى «أرض الميعاد»، بدأ الرستفاريون بالانتشار والانتقال إلى أديس أبابا وبحر دار، ومنهم من اتجه إلى الهجرة العكسية إلى جامايكا أو بلدان أفريقيا الأخرى. وانخفض عددهم في شاشاماني إلى نحو 300 شخص فقط، مما يعني أن أفارقة أوروبا والأميركتين لم تجذبهم فكرة العودة إلى أرض الميعاد.
يقول أكاديمي إثيوبي التقيناه في أديس أبابا ساخرًا: «لا مكان في العالم الحديث لأساطير (أرض الميعاد) على أي بقعة من العالم، كلها اجتهادات بشرية في تفسير كتب كلاسيكية، لا تلبث إلا أن يحطمها الواقع والصراعات. لن يكتب العيش لأفكار كهذه في عالم معولم!».

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.