شوقي الطبيب لـ«المجلة»: يجب الاهتمام بمحاربة الفساد بنفس القدر الذي نحارب به الإرهاب - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, قضايا

شوقي الطبيب لـ«المجلة»: يجب الاهتمام بمحاربة الفساد بنفس القدر الذي نحارب به الإرهاب

رئيس هيئة مكافحة الفساد في تونس: كل دولار تنفقه الدول في محاربة الفساد يحمي 150 دولاراً من الضياع

شوقي الطبيب
شوقي الطبيب

تونس: بوبكر بن عمر

* أحلنا أكثر من 400 ملف إلى القضاء وهناك حرص من الجميع على محاسبة كل الفاسدين.
* الحكومة تغطي سنوياً عجر المؤسسات الكبرى بمئات المليارات لإنقاذها… ماذا لو أُنفق جزء من هذه الأموال لمحاربة الفساد ودعم الحوكمة الرشيدة.

قال شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس إنّ بلاده ستكسب الحرب على الفساد كما انتصرت على الاستعمار والديكتاتورية والإرهاب، وإن كل المجتمع التونسي بكل مكوناته متحمس لمحاربة الفساد بما في ذلك الإعلام والمجتمع المدني (الأحزاب والمنظمات) والحكومة والقضاء. ويحرص الجميع على أن تكون هذه الحرب غير انتقائية للوصول إلى محاسبة كل الفاسدين وحتى الوزراء وأعضاء مجلس نواب الشعب وكبار المسؤولين.
وقال شوقي الطبيب إن الحرب على الفساد في بلاده لا تلقى نفس الاهتمام الذي لقيته الحرب على الإرهاب وإنّ هناك تخاذلا مقصودا في تعاطي السلطة السياسية مع ملف الفساد وتعطيلا لعمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والهيئات الرقابية الأخرى ودائرة المحاسبات والمحكمة الإدارية والقطب القضائي المالي.

وأكد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس في حوار خاص لـ«المجلة» أن هذه الهيئة تلقت عشرات آلاف الملفات وأنها تتعرض منذ تأسيسها إلى مضايقات وتهديدات من جانب لوبيات الفساد… وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار:

* كيف كان تأسيس هذه الهيئة ولماذا؟ وهل تتداخل مهامها مع مهام أجهزة أو هياكل رقابية أخرى؟

– تأسست الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد سنة 2011 على أنقاض لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد التي تأسست بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011 مباشرةً. وكان من توصيات هذه اللجنة بعد إنهاء مهامها إحداث هيئة مستقلة ودائمة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد… فأحدثت هذه الهيئة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 وقد تعرضت في البداية لمحاولات كثيرة لعرقلة نشاطها من خلال عدم مدها بميزانية كافية وعدم تركيز جهاز التقصي في الملفات، علما أيضا بأنّ الدستور الجديد ينص على تكوين هيئة دستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

وتتكامل هذه الهيئة مع هيئات رقابية أخرى لأن سياسات مكافحة الفساد تقتضي وجود عدة أجهزة تتعاون على محاربة الفساد الذي يعتبر آفة كبيرة وخطيرة ومعقدة وليس هناك تداخل في مهام هذه الهيئات الرقابية والكل يشتغل، وفي النهاية تمر الملفات إلى القضاء للتقصي فيها ومساءلة المتهمين ولكل الهيئات دور في الوقاية وضرب منظومة الفساد والعقليات المشجعة على الفساد والبيئة الحاضنة له وما ينقصنا هو غياب التنسيق بين كل الأطراف المتدخلة في محاربة الفساد وغياب الإرادة السياسية المشجعة على القيام بالتنسيق بين الجميع.

* كم عدد الملفات التي وصلت إلى الهيئة وما مصيرها؟ وما هي أكثر أنواع وأشكال الفساد المعروضة ضمن هذه الملفات؟

– منذ انطلاق عمل الهيئة سنة 2015 وإلى حد الآن وصلتنا عشرات آلاف الملفات وبلغ العدد 9.076 ملفا سنة 2016 وسنة 2017 نتوقع أن يتجاوز العدد 15 ألف ملف ونحن بصدد ضبط هذا العدد بشكل نهائي وهذا العدد في ارتفاع متزايد من سنة إلى أخرى وهذا دليل على أن التونسي مصرٌّ على محاربة الفساد ومتحمس للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة ودليل أيضا على تنامي ثقة التونسيين في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهذا تؤكده استطلاعات الرأي.
كما قامت الهيئة سنة 2017 بإحالة 340 ملفاً إلى القضاء مقابل 95 ملفاً فقط سنة 2016. وتتعلق أغلب الملفات بتجاوزات تتصل بالإدارة العمومية مثل الانتدابات والترقيات والصفقات والشراءات العمومية وغيرها، مع العلم أنّ الهيئة لا دخل لها بالتقصي والتحقق من المعطيات الواردة في الملفات ولا مساءلة المتهمين وهذه من مشمولات القضاء الذي يتعامل بجدية مع هذه الملفات ويحرص على إعطاء كل ذي حق حقه ومحاسبة الفاسدين.

* هناك من يشكك في مدى جدية الجهود الموجهة لمكافحة الفساد ويدعو إلى عدم التسامح مع أي كان ومحاسبة كل الفاسدين في كل القطاعات، هل هذا ممكن؟

– كما لاحظ الجميع فإن أطرافا كثيرة تشارك في هذه الحرب على الفساد التي انطلقت منذ عامين تقريبا وانخرط فيها المجتمع المدني والإعلام والهيئة الوطنية وقد كان من نتائج هذه الهبّة الوطنية الإمضاء على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والتي أعدت منذ ديسمبر (كانون الأول) 2016…

كما تدعمت الحرب على الفاسدين منذ شهر مايو (أيار) الماضي، ولكن هذه الحملة غير كافية لأنها لا بد أن تتجه لضرب وتفكيك منظومة الفساد واستهداف الفاسدين دون انتقائية وذلك بالاعتماد على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وبذلك نقلل من عدد الفاسدين ونحمي المواطن التونسي والموظف التونسي خاصة (سواء كان في الإدارة أو الأمن أو الجمارك أو غيرها) من إغراءات الفساد ونحصنهم بمنظومة قانونية تمنع الموظف من الانخراط في الفساد ويجب أن تشمل هذه الحرب كل القطاعات وكل الأشخاص بما في ذلك الوزراء ونواب الشعب وكبار المسؤولين في المؤسسات والجمعيات والأحزاب.

* ألا ترى معي أنّ ضمانات نجاح هذه الحرب على الفساد هي المصداقية وقوة الإرادة السياسية ونزاهة القضاء؟

– فعلا للقضاء دور هام في هذا الباب لأن الشارع التونسي يعتبر أنّ وضع الفاسدين في السجن هو أقوى دليل على جدية الحرب على الفساد ولكن المشكل أنّ نسق النظر في الملفات بطيء ونحن نعلم أنّ معدل مدة البت في الملف الواحد يتراوح بين 6 و7 سنوات وهي مدة طويلة وبرأينا فإن الحل يكمن في تغيير النصوص القانونية مثل مجلة الإجراءات الجزائية وهذا يجري الآن. وكنا نتمنى أن يلقى الاهتمام لمحاربة الفساد نفس الاهتمام الذي لقيته الحرب على الإرهاب حيث كانت الإرادة السياسية قوية جدا في محاربة الإرهاب وجرى تعديل قوانين كثيرة وتسخير كل إمكانيات الدولة لهذا الملف، بينما نلاحظ أنّ هناك تخاذلا في التعاطي مع ملف الفساد وتعطيلا لأعمال هيئة مكافحة الفساد والهيئات الرقابية الأخرى والقطب القضائي المالي ودائرة المحاسبات والمحكمة الإدارية وهيئة القضاء العدلي ومصالح الحوكمة وهياكل التدقيق الداخلي والخارجي ونعتقد أن هذا مقصود ومبرمج وليس صدفة.

رئيس الحكومة التونسية  يوسف الشاهد يستقبل بقصر الحكومة بالقصبة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب
رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد يستقبل بقصر الحكومة بالقصبة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب

* هل تلقى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الدعم الكافي من جانب الحكومة والبرلمان؟

– هذا الدعم محدود وغير كاف وأغلب الدعم المادي واللوجيستي الذي نتلقاه يأتينا من الخارج وتحديدا من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووكالة التعاون الألمانية والوكالة الكورية للتعاون الخارجي. مع العلم أن الميزانية المرصودة للهيئة من جانب الدولة الآن غير كافية (ملياران ونصف المليار) رغم أنّ الهيئة تقوم بمجهود كبير لفائدة الدولة وقامت باسترجاع مئات المليارات (صفقات ومشتريات عمومية وإيقاف انتدابات غير قانونية) وبفضل التعاون والشراكة مع الجمارك تضاعفت مداخيل هذا الجهاز والأرقام تؤكد ذلك، كما شرعنا في تنفيذ برنامج إصلاحي للجمارك وفتحنا ملفات كثيرة أخرى مثل ملف الذهب وغيره ولذلك فإنه من المهم الاستثمار في مكافحة الفساد وهو ما تقر به المعايير الدولية، فالدولار الذي تنفقه أي دولة في محاربة الفساد والحوكمة الرشيدة يمكن من استرجاع 150 دولارا في أقل التقديرات الدولية ثم إن الحكومة تغطي سنويا عجر المؤسسات الكبرى التي تعاني صعوبات بصرف مئات المليارات لإنقاذها بينما الأولى صرف جزء من هذه الأموال لمحاربة الفساد ودعم الحوكمة الرشيدة.

أما البرلمان فإنه يتعاون مع الهيئة بالشكل المرضي من خلال المصادقة على بعض القوانين ذات الصلة بالفساد وننتظر منه الآن التعجيل بالنظر في قانون التصريح بالمكتسبات ومنع الكسب غير المشروع وتضارب المصالح في القطاع العام وقد لاحظنا أنّ هناك الكثير من النواب المتحمسين للحرب على الفساد والحريصين على التعجيل بالمصادقة على القوانين التي لها علاقة بالحرب على الفساد.

* ما مصير الأشخاص المتهمين بالفساد والموضوعين الآن تحت الإقامة الجبرية؟ وهل هذا إجراء قانوني يحترم الدستور ومنظومة حقوق الإنسان؟

– هذه الإيقافات كانت قانونية حيث استندت إلى قانون الطوارئ الذي يتيح لوزير الداخلية وضع الأشخاص الذين يمثلون تهديدا للأمن القومي تحت الإقامة الجبرية ويمكنهم الطعن في هذا القرار لدى المحكمة الإدارية وهذا ما حصل فعلا وأطلق سراح بعض الموقوفين فيما تم الاحتفاظ بالبعض الآخر كما حصل نفس الشيء فيما يتعلق بتجميد أموال بعض المتهمين وقد كنا نتمنى أن تكون هناك محاكمات عادية ولكن شاءت ظروف البلاد وأوضاعها غير العادية أن تكون المحاكمة بهذا الشكل الاستثنائي وبآليات استثنائية وعلى القضاء أن يقوم بدوره في الرقابة وإرجاع الحقوق لأصحابها.


* هل هناك تقدم باتجاه غلق ملف الأملاك المصادرة واسترجاع الأموال المنهوبة من قبل الرئيس السابق بن علي وعائلته وأصهاره والمهربة إلى الخارج؟

– ليس للهيئة علاقة بهذا الملف، رغم وجود مجلس أعلى لمكافحة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة والأملاك المصادرة تأسس سنة 2012 ويضم ممثلين عن كثير من الوزارات الهامة ومحافظ البنك المركزي ورئيس الحكومة، ولكنه لم يجتمع إلا مرتين فقط منذ تأسيسه والمفروض أن يجتمع هذا المجلس أسبوعياً نظراً إلى أن البلاد تعيش حالة حرب مفتوحة على الفساد والفاسدين. ولا أعتقد أنّ هناك تقدماً في معالجة ملف الأملاك المصادرة والأموال المنهوبة في الخارج.

* هل تتعرض الهيئة لضغوطات وتهديدات من أي جهة كانت، وكيف تتعاملون مع هذه الضغوطات إن وجدت؟

– تتعرض الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ تأسيسها لمضايقات وتهديدات بهدف الحد من دورها وقد تعرضت شخصيا لضغوط كبيرة ومحاولات ممنهجة للتشكيك وضرب مصداقيتي باستخدام بعض الإعلاميين المرتزقة وبعض المؤسسات الإعلامية الواقعة بيد بعض لوبيات الفساد وجرى الاعتداء على سيارتي ومحاولة سرقة منزلي عدّة مرات.

* هل هناك مجهود لترسيخ محاربة الفساد لتصبح خياراً ثابتاً عبر نشر الوعي بخطورة الظاهرة وضرورة محاربتها ومقاومة محاولات الإفلات من العقاب؟

– هذا منصوص عليه بوضوح في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي وضعت بقرار من المجلس الوطني التأسيسي وصودق عليها في البرلمان في ديسمبر (كانون الأول) 2016 واعتمدها رئيس الحكومة والسلطة القضائية.

* كيف ترى مستقبل الحرب على الفساد وهل أنت متفائل بنتائج عمل الهيئة؟

– أنا مطمئن ومتفائل لعدة اعتبارات وأعتقد أن هذه الحرب سنكسبها كما كسبنا الحرب على الاستعمار والأمية والديكتاتورية والاستبداد والإرهاب، بالإضافة إلى أن التوجه العالمي أصبح يرفض الفساد مثلما يرفض الإرهاب والديكتاتورية والعبودية والاستعمار والمساس بحقوق الإنسان وهذه ضمانات تجعلنا نأمل خيرا لهذه الحرب على الفساد.

Previous ArticleNext Article
اعلامي تونس ورئيس البرامج الحوارية في التلفزيون التونسي "الوطنية الأولى"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.