رسالة كريستين لاغارد للمنطقة العربية

دعوة للإصلاح من أجل مستقبل أفضل للشباب

كريستين لاغارد

كريستين لاغارد

القاهرة: حسين البطراوي

* الأمة العربية قادت العالم يومًا ما في طلب المعرفة... وأثق أنه مصيركم الأكيد.

* 27 مليون شاب سيدخلون سوق العمل في المنطقة على مدار الخمس سنوات القادمة.

* بطالة الشباب في الدول العربية الأعلى عالميا... وتصل إلى 30% في 9 دول.

* 60% من المشاركين في الاستطلاع يرون أن الصلات مع أصحاب النفوذ أهم من المؤهلات للحصول على وظيفة.

* القطاع العام يوفر وظيفة من كل 5 وظائف... وإصلاحات فاتورة الأجور تعزز دور القطاع الخاص.

* تجميد أو تخفيض التعيين والأجور مفيد في الأجل القصير... لكن قد يؤثر على تقديم الخدمات... والإيرادات الضريبية منخفضة رغم تطبيق القيمة المضافة.

* تكلفة دعم الطاقة 4.5% من الناتج الإجمالي للدول المصدرة للنفط... و3% للدول المصدرة.

* معدلات النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفساد المستشري... أهم المشاكل التي تواجه العرب.

«تذكروا أن الأمم العربية قادت العالم يومًا ما في طلب المعرفة والابتكار العلمي... بل في بلورة الفكرة التي تقول إن العلامات المميزة للحضارة هي الاحتواء والعدالة واللياقة... أثق تمامًا في أن هذه الأمور ليست تركة ورثتموها فحسب، بل هي مصيركم الأكيد، حتى يتسنى ترجمة طموحات شبابكم المشروعة إلى واقع مشروع في اقتصاد يعمل لصالح الجميع»... رسالة وجهتها كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، في مؤتمر إمارة دبي، لمناقشة إصلاح الإنفاق من أجل نمو مستدام واحتوائي في البلدان العربية.

تلك الرسالة تفرض المضي قدما في طريق الإصلاح الاقتصادي، وهو طريق، كما وصفته كريستين لاغارد، قد لا يكون في كل الأوقات ممهدًا وخاليًا من العقبات.

وتسعى منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لدعم النمو الاحتوائي، وتخفيض معدلات البطالة بين الشباب، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة. وفي نفس الوقت، تواجه تحديات جسيمة على مستوى التنمية الاقتصادية. وتعاني بلدان كثيرة في المنطقة من الصراعات الداخلية، وتدفقات اللاجئين الكبيرة، وتصاعد المخاطر الأمنية. وفي ظل مستويات الدين المرتفعة وتراجع أسعار النفط وتحويلات المغتربين لفترة طويلة، تفتقر دول كثيرة بصورة متزايدة للإمكانات المالية العامة التي تتيح لها معالجة هذه التحديات بفعالية.

فالعمر المتوقع في البلدان العربية أقل بنحو عشر سنوات من المتوسط السائد بين أعضاء «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي» (OECD). ولا يزال الالتحاق بالتعليم دون مستوى التغطية الشاملة، وعدد كبير من الفتيات ما زال يُفرض عليهن البقاء في المنزل، كما أن أداء الطلاب في الاختبارات القياسية من بين أدنى مستويات الأداء في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معدل الفقر مرتفع نسبيًا وعدم المساواة لا يزال مصدرًا للقلق.

الملكة رانيا العبدالله ، وكريستين لاغارد، العضو المنتدب لصندوق النقد الدولي، يحضران حفل عشاء جمعية المراسلين في البيت الأبيض في بلومبرغ (وكا) بعد انتهاء زيارتهما في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة (صورة ارشيفية – غيتي)

الملكة رانيا العبدالله ، وكريستين لاغارد، العضو المنتدب لصندوق النقد الدولي، يحضران حفل عشاء جمعية المراسلين في البيت الأبيض في بلومبرغ (وكا) بعد انتهاء زيارتهما في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة (صورة ارشيفية – غيتي)

التعافي الاقتصادي

واكتسب التعافي الاقتصادي قوة أكبر على مستوى العالم، وعاد النمو من جديد بمعدل 3.9 في المائة في عامي 2018 و2019 ليشمل 75 في المائة من الاقتصاد العالمي. لكن هذه الموجة لا تحقق الدفعة الكافية لهذه المنطقة العربية.

ففي الدول المصدرة للنفط، تعافت أسعار النفط إلى النقطة المتوسطة بين مستوياتها الدنيا والمستويات العليا التي سجلتها منذ بضع سنوات، وهو ما يظل يفرض ضغطًا كبيرًا على أرصدة المالية العامة ويقتضي اعتماد نموذج اقتصادي مختلف.

أما في الدول المستوردة للنفط، فمن المتوقع أن تحقق نموًا أعلى، لكنه لا يقترب بأي حال من المستوى اللازم لتوفير وظائف كافية للشباب الداخلين إلى سوق العمل. وقد استمر ارتفاع الدين العام في هذه البلدان، حتى تجاوز 50 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في كثير منها. كما تعاني بعض البلدان من الصراعات والإرهاب وتدفقات اللاجئين الكبيرة وتفاقُم المخاطر الأمنية.

بطالة الشباب

الاستقرار معرض للخطر في نهاية المطاف، فبطالة الشباب هي الأعلى على مستوى العالم، بمتوسط 25 في المائة وأكثر من 30 في المائة في تسعة بلدان، ومن المتوقع أن يدخل سوق العمل على مدار الخمسة أعوام القادمة أكثر من 27 مليون شاب مفعم بالأمل يتوق إلى المشاركة.

لكن تطلعات شباب المنطقة العربية لم تتحقق بعد، وإحباطهم يزداد حدة، بسبب تصورات عدم الإنصاف، فنتائج المسوح تشير إلى أن أكثر من 60 في المائة من المشاركين في الاستطلاع يرون أن الصلات مع أصحاب النفوذ أهم بكثير من توافُر المؤهلات المطلوبة للحصول على وظيفة. ومن السهل أن يؤدي هذا إلى حالة من الاستياء، وإلى تصاعد التوترات الاجتماعية وانهيار ثقة المجتمع.

إذن ما لم تكن سياسة المالية العامة على مسار مستدام، فسيصبح تصاعُد المديونية عبئًا على كاهل الشباب المثقلين بالأعباء أصلاً ولن يتاح حيز كافٍ لتمويل الإنفاق اللازم للنمو الاحتوائي.

محاور الإصلاح

وفي خطوة مهمة نحو تنويع الإيرادات وبناء الطاقة الضريبية، بدأت دول عربية كثيرة بإصلاحات مهمة على جانب الإيرادات، بما في ذلك تطبيق ضريبة القيمة المضافة مؤخرًا في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة... لكن ما زالت الإيرادات المحلية منخفضة للغاية، بمتوسط يبلغ 10 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي.

وعلى الجانب الآخر من الإصلاح، يجب إعادة النظر في الإنفاق. فسياسة الإيرادات وسياسة الإنفاق متكاملتان وينبغي تقييمهما كحزمة واحدة لتحقيق أهداف المالية العامة والأهداف الاقتصادية والاجتماعية.

أولويات الإنفاق

يبلغ الإنفاق في المنطقة العربية مستوى أعلى بكثير من المتوسط السائد في الاقتصادات الصاعدة، ويقترب من 55 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في بعض البلدان. ورغم أن حجم الحكومة يعتمد على تفضيلات المجتمع، فإن مستوى الإنفاق المرتفع من السهل أن يتجاوز القدرة على تدبير الإيرادات.

الاستثمارات العامة من أولويات النمو المستدام والاحتوائي بالفعل، لكن الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية منخفض في البلدان العربية. ومن ناحية أخرى، نلاحظ ارتفاع الإنفاق في مجالات أخرى كدعم الطاقة وأجور القطاع العام.

خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة السعودي خلال كلمته بجلسة نقاش في اليوم الثاني للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء الموافق 24 يناير 2018. (غيتي)

خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة السعودي خلال كلمته بجلسة نقاش في اليوم الثاني للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء الموافق 24 يناير 2018. (غيتي)

دعم الطاقة

يتكلف دعم الطاقة تكلفة باهظة تصل إلى 4.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان المصدرة للنفط و3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان المستوردة للنفط في المتوسط، رغم انخفاض أسعار النفط. ويفتقر هذا الدعم إلى الشفافية، كما يتسم بدرجة عالية من عدم التكافؤ، حيث يعطي أفضلية للأثرياء الأكثر استهلاكًا للطاقة.

أجور القطاع العام

في الدول العربية يوفر القطاع العام وظيفة من كل 5 وظائف في الدول العربية، وبالتالي يتحمل تكاليف هائلة، تؤثر على استدامة المالية العامة، والقدرة على إقامة قطاع خاص ديناميكي، وتحقيق الحوكمة الرشيدة.

وتمثل أجور القطاع العام عبئا على موازنات معظم الدول، بعدما ارتفعت تلك الفاتورة إلى أرقام قياسية مقارنة بإيراداتها السيادية، وتضغط على موازنات الدول بشكل كبير، ويرجع ارتفاع فاتورة الأجور لمستويات التوظيف العالية في القطاع العام، أو للمكافآت الضخمة غير العادية، أو في بعض الأحيان لكلا الأمرين.

ورغم حجم فواتير أجور القطاع العام الكبيرة غير المتناسب فقد عجزت هذه الفواتير الكبيرة عن زيادة وتحسين جودة الخدمات العامة الضرورية لمعالجة تحديات التنمية الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تتعرض أسواق العمل للتشوهات في البلدان التي تتجاوز تعويضات موظفي القطاع العام فيها تعويضات القطاع الخاص بشكل فادح.

وتشير دراسة لصندوق النقد الدولي، إلى أن إصلاح فاتورة أجور القطاع العام، تدعم جهود البلدان لتنمية قطاعاتها الخاصة وخلق الوظائف، فالقطاع العام في نهاية المطاف، مصدر التوظيف الأقدر على الاستمرار لاستيعاب ملايين الخريجين الجدد الداخلين إلى أسواق العمل.

كما تؤدي إصلاحات فاتورة الأجور إلى تعزيز دور القطاع الخاص، بتمكين زيادة الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية وإزالة التشوهات من سوق العمل.

وتشير الدراسة إلى أنه رغم أن إجراءات تجميد أو تخفيض التعيين والأجور قد تكون مفيدة في الأجل القصير، فإنها قد تؤثر على تقديم الخدمات العامة ويتعذر استمرارها، كما أنها ليست بديلا للإصلاحات الهيكلية لسياسات التوظيف والتعويضات.

اقتراحات للإصلاح

وتقترح دراسة لصندوق النقد الدولي بعض الخيارات لإصلاح الأجور، مثل تحسين إدارة فواتير أجور القطاع العام، بالإضافة إلى رفع درجة حوكمتها وزيادة شفافيتها. وتخلص الدراسة إلى عدة محاور منها، ضمان استمرارية أوضاع المالية العامة لسياسات فواتير الأجور من خلال تحديد القوى المحركة لفواتير الأجور وإرساء ركائز لنموها في خطط المالية العامة متوسطة الأجل؛ وتركيز سياسات التعويضات والتوظيف على توفير الخدمات العامة عالية الجودة على نحو يتسم بالفعالية والتكافؤ، عن طريق الاضطلاع بمراجعة النفقات القطاعية وتعزيز آليات تقديم الخدمات العامة؛ وتعزيز المؤسسات والبيانات، بما في ذلك إدارة الموارد البشرية والسيطرة على العلاوات والبدلات، وربط التعويضات بالأداء؛ وتحديد تسلسل الإصلاحات وبناء سبل تضافرها مع السياسات الأخرى. ولضمان سلاسة التحول، ينبغي أن تتضمن إصلاحات فواتير الأجور تحليلات مبكرة للتأثير الاجتماعي وأن تقترن بإجراءات لتعزيز الحماية الاجتماعية، وتنويع الاقتصاد، وتقوية نظم الحوكمة، وتحسين بيئة الأعمال، وخلق فرص العمل.

وأدى إصلاح فاتورة أجور القطاع العام في آيرلندا إلى تخفيض هذه الفاتورة بنسبة 4 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي.

أما مجال الإصلاح الثاني فيتعلق بتخفيف الضغط عن فاتورة أجور القطاع العام. وسيشمل هذا المجال تحسين اتساق مستويات أجور القطاع العام مع المستويات السائدة في القطاع الخاص والابتعاد عن النظام الضمني القائم على رعاية الدولة. وإذا تم ذلك بالصورة الصحيحة – ومع الحماية الاجتماعية الصحيحة – يمكن أن يساعد على إطلاق طاقة الابتكار والإبداع الكبيرة لدى القطاع الخاص، والاستفادة بما يتمتع به شبابكم من إمكانات هائلة.

المشكلات الجوهرية

فيما يري الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، أن الإصلاحات هي مفتاح معالجة المشكلات الجوهرية التي تثقل كاهل الكثير من بلدان المنطقة منذ وقت طويل، والتي تتمثل بمعدلات النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفساد المستشري، لكن على الحكومات، وهي بصدد تنفيذ الإصلاحات، أن تتأكد من أنها متوازنة اجتماعيًا وتسير في تسلسل ملائم؛ والأهم من ذلك كله أن تساهم هذه الإصلاحات في تأمين حياة أفضل ينشدها الجميع، وخاصة الفقراء منهم ومحدودي الدخل.

ويشير إلى أن بلدانا كثيرة ظلت تعيش لعدة عقود تحت وطأة النموذج القائم على رعاية الدولة، والذي يؤمِّن فيه القطاع العام وظيفة من كل خمس وظائف. ولم يقتصر الأمر على فشل هذا النموذج في تحسين جودة الخدمات العامة كالصحة والتعليم فحسب، بل إنه أسفر عن تقلص حاد في قدرة الحكومات على تمويل البرامج الاجتماعية الموجهة لمحدودي الدخل والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية بالمقارنة مع الاقتصاد العالمي الديناميكي الذي يؤدي فيه القطاع الخاص دورا متزايدا في توليد النمو وفرص العمل، قد أضحى عبئا أكبر مما يمكن تحمله، وأصبح عاجزا عن خلق الوظائف والفرص التي يحتاجها المواطن.

مي إبراهيم المسعد، مدير مشروع القسم البحري من جسر جابر الأحمد في موقع البناء بمدينة الكويت - 4 مارس 2018. ويعتبر جسر جابر الأحمد أحد الأطر الأطول في العالم (غيتي)

مي إبراهيم المسعد، مدير مشروع القسم البحري من جسر جابر الأحمد في موقع البناء بمدينة الكويت - 4 مارس 2018. ويعتبر جسر جابر الأحمد أحد الأطر الأطول في العالم (غيتي)

صراعات وإرهاب

وفي السنوات الأخيرة، تفاقم الوضع بسبب سلسلة من الصدمات كالصراعات الدائرة والهجمات الإرهابية، بالإضافة لهبوط أسعار السلع الأولية، وانخفاض النمو لدى الشركاء التجاريين الأساسيين. وزاد تراجع الأداء الاقتصادي في المنطقة بسبب تدني الإنتاجية المزمنة واستشراء الفساد، وأدى هذا في كثير من البلدان إلى حالة من العسر المالي الشديد الذي يفرض المفاضلة بين خيارات بالغة الصعوبة. مما يشكل تحديا لتلك الدول وتتطلب المعالجة تحقيق تقدم على عدة مسارات.

فالأهداف الأساسية لا تزال واضحة: خلق وظائف (وخاصة في القطاع الخاص)، وتحسين مستويات المعيشة، وتشجيع النمو المستدام. ولكن المنطقة لن تستطيع تحقيق هذه الأهداف إلا إذا حافظت على ترتيب بيتها الاقتصادي من الداخل. ويعني هذا السيطرة على الدين والتضخم لتشجيع الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

أولويات الإصلاح

ويحدد الدكتور جهاد أزعور أولويات الإصلاح، في الحد من الفساد، وتشجيع المنافسة العادلة من خلال التجارة والتنظيم الأفضل، وتحسين فرص الحصول على تمويل للشركات الصغيرة والناشئة، والاستثمار في المهارات، وخاصة مهارات الشباب، لمواكبة احتياجات الاقتصاد الجديد عن طريق تحديث التعليم والتدريب ومساعدتهم في العثور على وظائف، وضمان الفرص للجميع عن طريق الإنفاق المتكافئ والداعم للنمو بالإضافة إلى تطوير النظام الضريبي العادل. وتعزيز حقوق المرأة القانونية، وكذلك تلبية احتياجات اللاجئين للغذاء والمسكن والتعليم والعمل. وليس من السهل تحقيق أي من هذه الأمور. وربما تكون المسألة الخلافية في هذا الصدد هي كيفية تحصيل الدولة للضرائب وإنفاقها للإيرادات.

موازنات متوازنة

ويؤكد أنه لا يوجد خيار أمام كثير من البلدان سوى تحقيق موازنات متوازنة؛ فلا يمكن الاستمرار في مراكمة الدين العام لتمويل نفقات غالبا ما تكون غير منتجة. وقد جاءت خدمة هذه الديون على حساب الإنفاق الحيوي على الصحة والتعليم، مما يعني أن عبء الدين سيقع على الأجيال القادمة. فعدم المسؤولية المالية ليس فقط منافيا للحكمة، إنما يفتقر إلى العدالة أيضا. والتحدي الذي يتعين مواجهته في هذا الخصوص هو القيام بالتصحيح الضروري على نحو متوازن وبوتيرة ملائمة وبطريقة تتناسب مع ظروف كل بلد. وهذا ما يستطيع الصندوق المساعدة في تحقيقه.

تصميم الإصلاحات

ففي البلدان التي تمتلك فيها الحكومة احتياطيات وقائية كبيرة، كما هو الحال في دول الخليج والجزائر على سبيل المثال، حث صندوق النقد الدولي على تخفيض العجز بطريقة تدريجية.

أما في البلدان التي بلغ فيها الدين العام مستوى مرتفعا ومتصاعدا مثل مصر وتونس، فقد قدم الصندوق التمويل لتتمكن هذه البلدان من إجراء الإصلاح المالي المطلوب بصورة أكثر تدرجا مقارنة بما يقتضيه الحال في غياب هذا التمويل وبسعر فائدة أقل مما يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى. وينبغي في هذا السياق أن يتيح الدائنون الخارجيون الآخرون متنفسا أكبر لهذه البلدان من خلال التمويل بشروط مواتية، ويفضل أن يكون من خلال منح.

وفي تونس أيضا تمت مراعاة الظروف الاجتماعية - السياسية، حيث تم تخفيض هدف المالية العامة، رغم تكلفة ذلك من حيث الدين والتضخم.

النظام الضريبي

ويؤكد أن معالجة مسألة الاستدامة المالية لا تقتصر على تخفيض عجز الموازنة، بل ترتبط أيضا بخيارات الحكومة لتحقيق هذا الهدف. ويعتبر إصلاح النظام الضريبي آلية بالغة الأهمية، سواء لجهة زيادة الإيرادات، بما في ذلك الإيرادات المطلوبة لتمويل النفقات الاجتماعية، أو لضمان توزيع العبء المالي توزيعا عادلا على مختلف شرائح السكان. وقد شكل هذا الأمر معضلة بالنسبة لكثير من بلدان المنطقة، وهو ما يرجع جزئيا إلى مستويات الإيرادات المحلية شديدة الانخفاض، نحو 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط، والاقتصار في تحصيلها على قلة من مسددي الضرائب.

ففي الأردن، على سبيل المثال، تشكل الأسر التي تدفع أي نوع من ضرائب الدخل على الأفراد 5 في المائة فقط من مجموع الأسر. ومن المفهوم أن الناس لا ترغب في دفع المزيد إذا رأت في النظام محاباة للأثرياء. ومن ثم ينبغي بذل مزيد من الجهود لمكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وجعل النظام الضريبي أكثر تصاعدية. وغالبا ما تتضمن المشورة التي يقدمها الصندوق بشأن السياسات توصيات لتحقيق هذه الأهداف.

ويجب توجيه اهتمام متزايد لحماية الشرائح الأقل دخلا من أثر الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق. ففي تونس، على سبيل المثال، توسعت الحكومة في برنامج التحويلات النقدية لأصحاب الدخول المنخفضة، فضاعفت عدد الأسر المستفيدة وزادت متوسط التحويلات بمقدار ثلاثة أضعاف، كما تجري مراقبة الإنفاق الاجتماعي الكلي من خلال حد أدنى للإنفاق في البرنامج الذي يدعمه الصندوق.

دعم الطاقة

وفي مختلف أنحاء المنطقة، دعا صندوق النقد الدولي لتخفيض دعم الطاقة المكلف. فمعظم هذا الدعم يعود بالنفع على أثرياء المجتمع في الأساس. وقد حث الصندوق بقوة في نفس الوقت على تجنب تخفيض الدعم الغذائي، كدعم الخبز في الأردن وتونس مثلاً.

طريق المستقبل

ولا تزال المنطقة تواجه تحديات جسيمة، ولكن البلدان حققت تقدما في التصدي لها منذ الربيع العربي. فقد حافظت المنطقة على استقرارها الاقتصادي بوجه عام رغم الظروف بالغة الصعوبة؛ ومن ثم بدأ النمو يتحسن والتضخم يستقر، كما بدأ تراكم الدين العام يتراجع في معظم البلدان.

ويشير إلى أن الأوضاع في المنطقة تدعو للتفاؤل وهو ما يبديه سكان المنطقة الشباب والموهوبون من رغبة واضحة في تحسين مستقبلهم بأيديهم. ومع إتاحة فرص التعليم والتوظيف الملائمة، يمكن لهذا الجيل الجديد أن يحقق نموا اقتصاديا غير مسبوق. ومن المشجع أيضا أن عددا متزايدا من صناع السياسات في مختلف أنحاء المنطقة يضعون النمو والوظائف في صدارة جدول الأعمال المعني بالسياسات.

أحد عمال محطة بنزين مصرية يملأ خزان سيارة في العاصمة القاهرة (غيتي)

أحد عمال محطة بنزين مصرية يملأ خزان سيارة في العاصمة القاهرة (غيتي)

وتشمل عملية الإصلاح عدة محاور تتلخص في:

المساءلة: زيادة الشفافية وتعزيز البناء المؤسسي لتحسين الحوكمة والتصدي للفساد وضمان المسؤولية عن السياسات الشاملة.

المنافسة: تعزيز ودعم القطاع الخاص من خلال تسهيل وتحسين فرص الحصول على التمويل وتطوير بيئة العمل مع تقليل الإجراءات.

التقنيات الحديثة والتجارة: الاستفادة من التقنيات الحديثة ودعم التجارة لتوليد مصادر جديدة للنمو، وخلق فرص العمل، وتعزيز الازدهار.

الفرص للجميع: بناء شبكات الحماية الاجتماعية وتعزيز الحقوق القانونية لتمكين الفئات الأكثر احتياجًا، بما في ذلك الشباب والنساء وسكان الريف واللاجئون من إمكانية الحصول على فرص عمل.

الفرص: زيادة وتحسين الإنفاق الاجتماعي والاستثماري والسعي إلى فرض نظام ضرائب أكثر إنصافًا لدعم النمو وخلق المزيد من فرص العمل.

مهارات العمل: الاستثمار في الموارد البشرية وإصلاح نظم التعليم بما يتناسب واحتياجات أسواق العمل والاقتصاد الجديد.


اشترك في النقاش