«مزاج شرقي»... محاولة لإعادة إحياء تراث مقاهي دمشق القديمة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة

«مزاج شرقي»… محاولة لإعادة إحياء تراث مقاهي دمشق القديمة

بعد بلوغ عدد مقاهي المثقفين إلى 110 مقاهٍ في العاصمة السورية... بقى منها اليوم ثلاثة فقط

الروائي السوري أحمد اللحام يقرأ من كتاب له على رواد مقهى دمشق (غيتي)
الروائي السوري أحمد اللحام يقرأ من كتاب له على رواد مقهى دمشق (غيتي)

دمشق: طارق الجزائري

* شهدت مقاهي المثقفين قديماً أكبر التحولات السياسية والحزبية والنقاشات بين نواب البرلمان … في «الهافانا» عاش قلم الماغوط والسياب… وأصبحت اليوم مكان يقدم لعبة الورق وطاولة الزهر والنرجيلة.
* انتشار البارات بكثرة في دمشق القديمة وتراجع المقاهي الثقافية جراء حالة الانهيار التي وصلت إليها الطبقة النخبوية بعد الحرب السورية.

24 عامًا عمره، عزام طالب كلية الإعلام فكّر بإعادة إحياء تراث مقاهي دمشق القديمة في القرن التاسع عشر، بربح مادي بسيط فجرّب افتتاح مقهى «مزاج شرقي» للمثقفين من الجيل الحاضر وللطلاب ممن يودون القراءة على موسيقى هادئة، شهران فقط عاش مشروع الشاب المثقف وسط ملاهي المنطقة، دفن مشروع المخرج المبتدئ وسط باب توما بعد 60 يومًا.

الروضة، والهافانا، والكمال

الشاعر الراحل محمد الماغوط
الشاعر الراحل محمد الماغوط

في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وصل عدد مقاهي المثقفين في دمشق وريفها إلى 110 مقاهٍ، ليبقى منها اليوم وسط المدينة ثلاثة مقاهٍ فقط: الروضة، والهافانا، والكمال. بينما باب توما ودمشق القديمة يغرقان بالبارات، مقاهي المثقفين شهدت في الماضي أكبر التحولات السياسية والحزبية والنقاشات بين نواب البرلمان آنذاك، في الهافانا عاش قلم الماغوط وبدر شاكر السياب قديمًا وأصبحت اليوم حتى هذه المقاهي «نصف مثقفة» غابت شريحة المثقفين، منهم من توفي ومنهم من التزم بيته لتحولها إلى مكان يقدم لعبة الورق وطاولة الزهر والنرجيلة، فعمر الطبقة المثقفة اختلف وبالتالي اختلفت أفكارهم، يشير السيد محمد – وهو اسم مستعار لأحد الكتاب السوريين ممن يعتبر من الجيل القديم ووصل عمره 75 عامًا – إلى أنه لم يعد أي شيء يشجع على ارتياد الروضة أو الهافانا فالرفاق رحلوا، ومن بقي غيبه الزهايمر بحكم العمر، حتى المقاهي أحاديثها من عشر سنوات باتت عادية؛ ضيق المعيشة للجميع، وهموم الأولاد، أما السياسية والفكر فقد غابا مع نخبتيهما، وزادت الحرب الطين بلة على حد تعبيره فأصبحت مكانًا للتوتر ونقل الشائعات السياسية، والسياسيون الحقيقيون غابوا مع الحرب، إما موتًا وإما هجرة في منازلهم، والمقاهي باتت ربحية، فصوت طاولة الزهر أقوى من خلاف على فكرة سياسية اليوم».

احاديث القذائف تحل محل حوارات الأدب والشعر

وفي سياق متصل يتحدث أبو عمر، أحد أصحاب المقاهي القديمة البسيطة في حي الشاغور الدمشقي، بأن من هم فوق 60 من العمر رواد مقهاه، وأحاديثهم باتت اليوم يفتتحوها بعدد القذائف التي تطال دمشق يوميًا، وقصص عائلات مهجرة، وهمهم هو حال البلد والمعيشة، وحال الأولاد في الغربة، وكل يوم تحضر ذكريات الماضي وعن شبابهم يحكون القصص والروايات، بينما تحضر ذكرياتهم السياسية، أيام السياسة الحقيقية كما يقولون، أبو عمر ما زال عنده سعر كاس الشاي للعتيقين من رواد مقهاه 25 ليرة سورية، فهم أهل الدار على حد تعبيره، يقول أبو عمر: «لصوت كراسي الخيزران حنين في أذن الحاضرين مرّ عليها الكثير من الزبائن منهم من مات، ومنهم من أخذته قذيفة لم تكن عابرة للموت، وآخر هزمه المرض». وفي سؤاله عن غياب مقاهي المثقفين، تحدث وعينه امتلأت بالدموع، وشد يده على كرسي خيزران أمامه قال بلهجته الشامية العتيقة: «الحق على الكل، الحق أولاً على الحرب القذرة التي تمر بها سوريا، فالناس أصبحت تبحث عن أقصر طريقة للرزق والأموال، والمقاهي ربحها قليل جدًا، والحق علينا لأننا ما علمنا أولادنا الحنين للذكريات بشكل صحيح، والحق على الزمن الذي صارت القهوة فيه عبارة عن جلسة على وسائل التكنولوجيا الحديثة مع كاس شاي والولد منعزل في غرفته»، تنهد أبو عمر وصمت.

مقهى النوفرة وسط دمشق (غيتي)
مقهى النوفرة وسط دمشق (غيتي)

باب توما

وتابع السيد أبو عيسى التسعيني أحد سكان باب توما الأصليين بلهجته الصعبة الفهم بحكم العمر، وأشار إلى أن مقاهي دمشق القديمة كانت تقدم ثقافة، وتقدم فن الخطابة من أحاديث الحكواتي، ولباقة الحديث بين الناس، حتى الحديث السياسي وقتها وعندما كانوا شبابًا كان أرقى، فلا أحد يخون الآخر على حد تعبير أبو عيسى، والحرب برأيه لم تكن يومًا سببا لغياب المقاهي الثقافية في سوريا فهي غابت قبل الحرب بكثير، لأن الجيل تغير، وأم كلثوم واسمهان وفريد الأطرش غابوا عن موسيقى المقاهي، وبضحكة غيبت معالم عينيه بحكم العمر والتجاعيد قال: «من يسيطر على باب توما هم جيل أحفادي، جيل (جنوا نطوا) لذلك ألف سلام على روح الثقافة ومقاهيها».

بينما تذكر هيام – اسم مستعار لإحدى المثقفات السوريات القديمات – أنه في الزمان الماضي وليس الماضي كثيرا، بل منذ نحو 50 أو 55 عامًا كان للثقافة والسياسة وقع أزهى، فالشعر كان جريئًا أكثر والروايات وآخر مستجداتها وطرق الحصول عليها، ومناقشتها من وجهة نظر قرائها هي حديث كل مساء، ما يجب أن يعرفه كل العالم أن دمشق آنذاك لم تكن دمشق «باب الحارة»، ولم تكن «حرملك وزلملك» كما هو دارج بالمصطلح الشامي، بل كانت دمشق الحضارة العرقية، والأدب العتيق العريق، أدب السيدات كما أدب الرجال، كانت المقاهي أيضًا تحكي قصص حب لشعراء وأديبات على مرأى الرفاق وسط الروضة والهافانا والكمال، أما اليوم فلا ثقافة وما بقي من مقاهي المثقفين انحرف عن مساره الصحيح بحكم الموجة الشبابية الحاضرة، والحرب كانت سببا رئيسياً في غياب مقاهي المثقفين عمومًا لأنها باتت ملجأ كل الأعمار، وفي باب توما يريد الشباب أن يرقص هربًا من مشاكل الحرب لأنه جيل الحرب.

الجيل الجديد

وللجيل الجديد من المثقفين أيضًا رأيه فيما يخص انتشار البارات بكثرة في دمشق القديمة وتراجع المقاهي الثقافية، فعزام صاحب «مزاج شرقي» يقول: «إن حالة الانهيار التي وصلت إليها المقاهي الثقافية وخصوصًا بعد الحرب السورية سببها الحكومة السورية التي سمحت بالترخيص لهذه البارات ولم تفكر بالترخيص لمقاهٍ ثقافية أو حتى خصصت جزءا من مراكزها الثقافية لتكون مكانًا يرتاده المثقفون». وأشار عزام إلى وجود مقاهٍ خاصة بالمثقفين الشباب قبل الأزمة (أمثال pages) بمنطقة الشعلان، لكن هذه المقاهي هي للمثقفين على الطراز الحديث، فأول مزاياها شبكة «wi fi»، وموسيقاها أجنبية هادئة، وزائروها أصحاب موضة اللباس الحديثة، وأحاديثهم فرضتها الحرب وآخر مستجدات المنح الدراسية، وحديث عن فرصة عمل لشاب طموح، وغابت عنهم عمومًا أحاديث القذائف لأنها أصبحت عادة والموت أيضًا عادة عندهم.

ملهى ليلي في دمشق (غيتي)
ملهى ليلي في دمشق (غيتي)

بينما يشير محمود صحافي سوري على أبواب الأربعين من العمر أن غياب هذه المقاهي هو أحد أشكال الانحدار الثقافي السريع في الأزمة السورية لذلك هو كشخص يلجأ لبيته، وتابع قائلا: «إن الحرب انعكست سلبًا على حياة الشباب السوري، فهو يلجأ للبارات ليهدأ نفسيًا بالرقص والموسيقى الصاخبة، والمشروبات الكحولية، علها تنسيهم مصاعب حياتهم كشباب، إضافة إلى أن أهم أسباب غياب مقاهي المثقفين موضوع القراءة الإلكترونية وتغير العادات والتقاليد الاجتماعية عند الجيل الحالي». فهي برأيه لن تعود.
بينما يشير شخص آخر أنه كان يتردد لمقهى الروضة لكن تحول هذا المقهى إلى مكان للعب فقط واقتصرت زيارته على أحد المقهيين إما الكمال الذي ما زال يتردد عليه قسم من المثقفين أو زرياب والذي يجلس فيه المثقفون الشباب بأعمار صغيرة وهو في منطقة القيمرية بدمشق القديمة. بينما نفى شاب آخر يدرس في كلية الإعلام أيضًا رفض ذكر اسمه أن كل المقاهي أصبحت بعيدة عن الثقافة كليًا وليس لديه وقت للقراءة أصلاً أو الجلوس في المقهى، فالقذائف الصاروخية تمنع الآن أي نشاط في دمشق القديمة.
كانت المقاهي عبارة عن برلمانات شعبية يمثل كل منها شريحة معينة، سياسيا كان يجتمع فيها اليمين واليسار واجتماعيًا يجتمع الدرويش مع الغني، أما اليوم فماتت مقاهي المثقفين وأصبح للرقص في زمن الحرب شعبية أكثر.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.