الحزب الغائب في انتخابات الرئاسة المصرية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

الحزب الغائب في انتخابات الرئاسة المصرية

كتلة السيسي الشعبية غير منظمة في كيان واحد... وعرضة للتآكل

صبي مصري يصطاد السمك من نهر النيل في محافظة الجيزة وفي الواجهة تبدو صورة لتأييد الرئيس السيسي في حربه ضد الإرهاب. (تصوير: عبد الستار حتيتة).
صبي مصري يصطاد السمك من نهر النيل في محافظة الجيزة وفي الواجهة تبدو صورة لتأييد الرئيس السيسي في حربه ضد الإرهاب. (تصوير: عبد الستار حتيتة).

القاهرة: عبد الستار حتيتة

*المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي لـ «المجلة» : 30 يونيو كانت موجة ثورية عظيمة عبرت عن حضور شعبي هائل بالملايين وقيادة مدنية كانت تمثلها جبهة الإنقاذ
* منذ أواخر الخمسينات اعتمد عبد الناصر وخلفه السادات على تكتلات سياسية لتعضيد حكم كل منهما.
* ظهر السيسي في الأيام الأخيرة، وبعد أن شاهد إقبال المصريين في الخارج على صناديق الاقتراع، أكثر ثقة من أي وقت مضى.
* ما زالت شوارع القاهرة تحمل رائحة ملايين المتظاهرين الذين خرجوا في مظاهرات عارمة ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013.
* قبل نهاية شهر يوليو (تموز) من عام 2013، حصل السيسي حين كان ما زال وزيرا للدفاع، على نقاط قوية من الشارع المتعطش للأمن.

منذ بداية عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ظل كثيرٌ من المصريين يعتقدون أن الحاكم العادل هو ذلك الرجل القادر على صنع المعجزات. وهو الذي يستجيب لنداءات العمال في المناسبات القومية حين تقول «المِنحة يا ريس»؛ أي مكافأة زيادة على الأجر للعاملين في القطاع العام، ويعقبها تصفيق التأييد عادة.
استمر هذا الحال حتى نهاية عصر مبارك، حيث كان عدد من قيادات اتحاد مزارعي قصب السكر قد قاطع كلمته بقصائد شعر في مؤتمره الأخير الذي عقد في قاعة المؤتمرات في شرق القاهرة في 2010، بحضور نجله جمال، مطالبين في نهاية أبيات المديح بزيادة أسعار شراء الحكومة للقصب من الفلاحين.
واستخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يخوض هذه الأيام انتخابات الرئاسة لولاية ثانية، تعبيرات غير معتادة للرأي العام في هذا البلد الذي وصل عدد سكانه إلى نحو مائة مليون نسمة. فقد قال في إحدى المقابلات، موجها كلمته للمصريين الذين ينتظرون نفحات الرئيس: ليس معي لكي أعطيك… لو كان معي لأعطيتك. لكن ليس معي.

ويعود التاريخ الحقيقي للأحزاب السياسية في مصر إلى عام 1907، وظلت تلعب دورا مهما في العهد الملكي من خلال حصول بعضها على الأغلبية في البرلمان لبعض الوقت، لكن حين بدأ حكم جمال عبد الناصر، ألغى الأحزاب وجماعة الإخوان في خمسينات القرن الماضي.
ومنذ أواخر الخمسينات اعتمد عبد الناصر وخلفه السادات على تكتلات سياسية لتعضيد حكم كل منهما، والتحشيد لهما في الاستفتاءات. ومن هذه التكتلات هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي، إلى أن قرر السادات عودة الحياة الحزبية عام 1977.

الاستفتاء الشعبي

ومنذ بداية حكم عبد الناصر، حتى أواخر عهد مبارك، وتحديدا في 2005، ظل اختيار رئيس الدولة يعتمد على طرح اسم واحد فقط للاستفتاء الشعبي عليه، بنعم أو لا. وظلت النتيجة طوال عقود بـ«نعم» بنسب تقترب من 100 في المائة، حتى بعد عودة الأحزاب، حيث ظل مبارك يعتمد على الحزب الوطني لأكثر من ثلاثين سنة.

ويقول حمدين صباحي، الرجل الذي نافس على مقعد الرئاسة في انتخابات 2014، إن السيسي تمكن من تأميم السياسة، وإفقار المصريين خلال مدة رئاسته التي تنتهي هذا الصيف. وينتمي صباحي للتيار الناصري، لكن قيادات ناصرية ويسارية، أعلنت تأييدها لترشح السيسي لولاية ثانية، ودعت المصريين للتصويت له. ومن بينها أحزاب عريقة في الصدام مع الرؤساء المصريين طوال نحو أربعة عقود، مثل حزب التجمع الذي يعج بالاشتراكيين.
وخلافا لما بدا عليه من قلق من إعلان بعض القادة العسكريين السابقين الترشح لمنافسته في هذه الانتخابات، ظهر السيسي في الأيام الأخيرة، وبعد أن شاهد إقبال المصريين في الخارج على صناديق الاقتراع، أكثر ثقة من أي وقت مضى، وفقا لوصف أحد المصادر في الرئاسة المصرية. وبحسب المصدر نفسه، يبدو أن الرئيس يتوقع إقبالا كبيرا أثناء مرحلة الاقتراع في داخل البلاد التي تبدأ بعد أيام.

ومثلما يختلط الفرح بالحزن، تضررت الطبقة الفقيرة والمتوسطة من السياسات الاقتصادية التي اتبعتها مصر في السنوات الثلاث الأخيرة. ومع ذلك يمكن أن ترى في وجوه صغار الموظفين العابرين قدرا من التفاؤل بأن الأحوال سوف تتحسن.
وترى أيضا ميدان التحرير وقد تزين بلافتات ضوئية كبيرة تحمل صور السيسي ومقاطع فيديو تدور حول ما يقوم به من مشروعات اقتصادية عملاقة في البلاد، إلى جانب صور متحركة عن جهود الجيش والشرطة في محاربة الإرهاب. واصطفت على طول شارع كورنيش النيل بالعاصمة لوحات تأييد لترشح الرئيس لفترة جديدة. ونفس الظاهرة تكررت في الشوارع والضواحي الداخلية وكذلك في جميع المحافظات المصرية. ويسود اعتقاد بأن الحملة الدعائية تقف وراءها شركات خاصة ورجال أعمال متطلعون، بإيعاز من أجهزة الدولة أو حتى دون أي تدخل منها.

وما زالت شوارع القاهرة تحمل رائحة ملايين المتظاهرين الذين خرجوا في مظاهرات عارمة ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013. ورغم مرور أكثر من أربع سنوات، ما زالت أصداء الأصوات تتردد بين جدران الميادين حيث كانت الجماهير تنادي الجيش لكي يتدخل لمنع جماعة الإخوان من استخدام الأسلحة في محاولاتها الأخيرة للاحتفاظ بالسلطة وبرئاسة محمد مرسي للدولة. وكان السيسي في ذلك الوقت وزيرا للدفاع. وقرر الاستجابة لمطالب الشعب.
وعلى كل حال يبدو أن زخم الثورة التي أطاحت بالإخوان، لم يعد كما كان. فقد تفتتت جبهة الإنقاذ، وهي جبهة كانت تضم قادة الأحزاب السياسية المصرية والشخصيات العامة، التي قررت الوقوف ضد سياسات مرسي وجماعته. وكانت الجبهة برئاسة الدكتور محمد البرادعي، الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان صباحي أحد أعضاء الجبهة البارزين.

صباحي: جبهة الإنقاذ نجحت في حشد الملايين ضد الإخوان

ويقول صباحي: «حين نجحت جبهة الإنقاذ في حشد ملايين المصريين في الشوارع في يونيو (حزيران) 2013 ضد سياسات الإخوان، انضم إليها الجيش، ثم حل محلها».
منذ ذلك الوقت أصبح الحراك السياسي العام في البلاد يعرف باسم «30 يونيو». واليوم يقول البعض إن السيسي ما زال يحاول الاعتماد على هذا الحراك أو، بالأحرى، من تبقى منه… فقد أصبح البعض من المحسوبين على 30 يونيو يشغل عضوية البرلمان، وآخرون بين جدران السجون، وغيرهم في المنافي الاختيارية، ومنهم كتاب وسياسيون، مثل البرادعي الذي اضطر لترك مصر بعد أن تقدم باستقالته من موقع نائب رئيس الجمهورية في أيام الحكم الانتقالي الذي حل محل حكم مرسي، أي في رئاسة عدلي منصور القصيرة.

المرشح السابق حمدين صباحي
المرشح السابق حمدين صباحي

ويقول صباحي إن «30 يونيو كانت موجة ثورية عظيمة… كانت تعبيرا عن حضور شعبي هائل بالملايين، وقيادة مدنية كانت تمثلها جبهة الإنقاذ، بكل ما فيها من تنوع فكري وسياسي وحزبي، وحين أثبتت الجبهة وجودها في الشوارع، ونجحت، انضم إليها الجيش… وفي الحقيقة هو انضم إليها، ثم استولى عليها»، مشيرا إلى أن «أكبر عون في الاستيلاء على 30 يونيو وتفريغها من مضمونها، كان الإخوان المسلمين».

في تلك الأيام أصيب الإخوان بالفزع من إصرار المصريين على الإطاحة بحكم محمد مرسي. وهددوا باستخدام العنف من على منصات الاعتصام المؤيدة لمرسي، والتي نصبوها في منطقة رابعة العدوية في شرق القاهرة. وفي بعض المناطق تصدت ميليشيات الإخوان للمتظاهرين باستخدام الأسلحة النارية، ومنها واقعة المقر الرئيسي للجماعة في منطقة المقطم.
ويوضح صباحي أن «الشعب أدرك أن القيادات المدنية (في جبهة الإنقاذ) لن تستطيع أن تقف أمام سلاح الإخوان، فاستدعى الشعب الجيش الذي يستطيع أن يصد… لقد قرر الشعب أن يستعين بمن معه دبابة ضد من رفع ضده البندقية… كانت هذه هي المعادلة. ومن هنا ظهر السيسي». ويقول صباحي إنه «لولا تهديد الإخوان بالعنف، لما ظهر السيسي، ولا كان الجيش قد جرأ على طرح أي مرشح للرئاسة في ذلك الوقت».

استجابة الشعب لنداء السيسي

وقبل نهاية شهر يوليو (تموز) من عام 2013، حصل السيسي حين كان ما زال وزيرا للدفاع، على نقاط قوية من الشارع المتعطش للأمن والمصاب بحالة من الهلع من جماعة الإخوان وحلفائها من الجماعات المتطرفة. وهذه النقاط تتلخص في استجابة الشعب للنداء الذي أطلقه بتفويضه للتصدي للإرهاب. ويقول صباحي إن بداية الانقلاب الواضح على حركة 30 يونيو، كان يوم التفويض… ويزيد موضحا: «أنا أعتبر يوم التفويض، في 26 يوليو، هو يوم الانقلاب على 30 يونيو. ما ساعد الناس على النزول هو اللغة البائسة والمنفرة والمعادية، التي استخدمها الإخوان المسلمون. كانت لغة تهديد من الإخوان، فاستجاب الناس لتفويض السيسي لكي يحموا أمنهم».

بيد أن زخم 30 يونيو، ما زال حاضرا في الشارع المصري حتى اليوم، رغم الإحباط. ويفخر المصريون بما قاموا به من ثورة في تلك السنة. ويرون في السيسي البطل الذي خلص البلاد من مصير أسود كمصير ليبيا وسوريا. لكن المشكلة تكمن في الوضع الاقتصادي أيضا. لقد كان رؤساء الحكومات في عهد ما بعد الإخوان يضعون على رأس الأولويات أمرين اثنين: استعادة الأمن وإنعاش الاقتصاد. وأمام تغير الأوضاع إلى الأسوأ أصبح شعار «المنحة يا ريس» من ترف الماضي. وفي لقاء نادر بين السيسي وعدد من المثقفين المصريين طلب أن يرفقوا باقتراحاتهم بشأن الإصلاح طريقة للتمويل لأن الدولة تفتقر للأموال.

ويقول شريف الحلوة، رئيس شركة آي كيو للطاقة (IQ Power Inc)، المختصة بمشاريع التنمية المستدامة والطاقات المتجددة، إن خطط السيسي لتهيئة الشعب لمرحلة جديدة، ولاستعادة الدور المصري، يبدو أنها تسير على ما يرام… «إن ما يقوم به يشبه ما قام به زعماء في الغرب بعد تعرض بلدانهم لتهديد قومي أو بعد خروج بلدانهم من حروب وكوارث». وحتى مثل هذه المقاربات تجدها تتردد في منتديات عدة، وبتلقائية، سواء في العاصمة أو في بعض الأقاليم.
وهنا يعود الحديث مرة أخرى عن قدرة التكتل الشعبي على الاستمرار في دعم سياسات الرئيس المصري والدفاع عنها. فبعض السياسيين، مثل أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، لديهم اعتقاد بأن كتلة السيسي الشعبية غير منظمة في كيان واحد، وأنها لا تشبه التكتلات التي وقفت وراء فوز عبد الناصر والسادات ومبارك، في منعطفات الاستفتاء والاقتراع. وقبل يومين من بدء الاقتراع في الداخل المصري على انتخاب السيسي أمام منافس ضعيف وشكلي، تظل هناك علامة استفهام بشأن غياب ما يمكن أن يطلق عليه «حزب الرئيس»، مع الوضع في الاعتبار أن الدستور المصري المعدل حظر على رئيس الدولة رئاسة أي حزب.

إن وضعا سياسيا على هذا النحو لا يستقيم في العادة، إلا فيما ندر. وهو أمر لم يحدث إلا في محطات تاريخية قليلة، كما يقول الحلوة، وهو أميركي – مصري. فالأميركيون التفوا، في مرحلة ما، حول الرئيس جورج واشنطن لكي يكون رئيسا للولايات المتحدة لفترتين دون منافس. وكان لهذا ما يبرره، رغم ارتفاع أصوات أنصار الفيدراليين في وجه معارضيهم من أنصار استقلال الولايات الأميركية الوليدة.

إعادة انتخاب السيسي استقرار للدولة

ولهذا يذهب الحلوة إلى أن إعادة انتخاب الرئيس السيسي سيعطي انطباعا للعالم والمستثمرين بأنه يوجد استقرار في الدولة، وأنه سيكمل ما بدأه من مشاريع وخطط سياسية، وأن المصريين سوف يطوعون أنفسهم للتوافق مع الأوضاع التي لم يعتادوا عليها في العقود الماضية.
ويضيف: «السيسي يريد أن يكمل مشروعاته، مثلما فعل الرئيس باراك أوباما والرئيس جورج بوش الابن في الولايات المتحدة، وكان منها مشروع أوباما كير، ومشروع استقرار العراق في عهد بوش. أعتقد أن السيسي ليس ذا توجهات ناصرية، كما يعتقد البعض. وإنما توجهاته رأسمالية عالمية، وفيها توازنات سياسية بين الدول العظمى». ويستحضر هنا شعار «المنحة يا ريس» الذي ظهر في ستينات القرن الماضي وفي فترة المد الاشتراكي.

بيد أن ما يشغل كثيرين من قادة حراك 30 يونيو، هو المسار الديمقراطي وبالتالي وجود حياة سياسية قوية قادرة على حفظ الأمن والاقتصاد معا. ويرى صباحي أنه «لم تعد توجد، من الأساس، حياة سياسية في مصر». وحين يتحدث بهذه الطريقة تلوح في الأفق وجوه لشخصيات كانت تسعى لمنافسة السيسي إلا أنها اختفت وراء جدران الصمت، سواء من العسكريين السابقين أو من المدنيين. ومن بين هؤلاء الفريق أحمد شفيق، والفريق سامي عنان، والاشتراكي خالد علي، والناصري صباحي نفسه.
في بعض الأحيان، في حلقات نقاش لسياسيين يشعرون بالقلق من المستقبل، تظهر أسئلة على نيل القاهرة تقول: ألم يكن ينبغي على الرئيس السيسي، منذ البداية، أن يفعل كما فعل الرؤساء السابقون، أي أن يساند حزبا معينا كبيرا، ليقف معه في الانتخابات، وفي المواقف التي يطلبها، مثلما كان عليه الحال أيام الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي في عهد عبد الناصر وفي عهد الحزب الوطني أيام السادات وأيام مبارك. ويسود شعور بأنه لا يوجد تكتل شعبي متماسك. أو كما يعلق أحد الحاضرين: «يوجد مؤيدون للرئيس السيسي، وأغلبهم من بقايا 30 يونيو، لكن ليس هناك تكتل حزبي له، واضح المعالم».

بيد أن بهاء الدين شعبان، الذي شارك في اجتماعات لمثقفين بحضور السيسي، يقول إن «فكرة أن يكون للرئيس حزب جُرِّبت في مصر، وفي كثير من الدول، ولم تنجح. بل بالعكس، عادة، وحسب الخبرة التاريخية، حينما يُنشئ رئيس وهو في السلطة حزبا سياسيا، تتجمع حوله العناصر الانتهازية والوصولية، والمتكسبة، والأقارب والمحاسيب».
ويضيف شعبان: «مثل هذه التجربة خبرناها طوال تاريخ ثورة 23 يوليو عام 1952، ولم تنجح، وجُرِّبت أيضا في الدول الاشتراكية. وحتى الحزب الشيوعي الذي كان يقود إمبراطورية الاتحاد السوفياتي والأحزاب الشيوعية الشبيهة، كلها سقطت لأنها كانت أحزاب السلطة التي تضم وتجذب نوعا معينا من الانتهازيين كما تجذب النار الفراشات. وتجذب المرتزقة والمتكسبين. ومن المعروف أن الحزب الذي كان يرأسه مبارك، وكان ملء السمع والبصر، سقط في غمضة عين بمن فيه من قيادات مثل جمال، نجل مبارك، وصديقه الاقتصادي البارز أحمد عز، وغيرهم».

لكن شعبان يعود ويذكِّر بأن القضية الأساسية، في الحقيقة، تتلخص في أن الوضع السياسي في مصر أصبح الآن «على درجة عالية جدا من الحساسية، لأنه لم تكن مصر على هذا الوضع قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 وبعدها. ولا في ثورة 30 يونيو 2013». فبعد هاتين الثورتين، تراجع دور الأحزاب رغم ارتفاع عددها إلى أكثر من مائة حزب. ويقول شعبان إن «ما حدث بعد الثورتين، ولأسباب كثيرة، بعضها موضوعي وبعضها ذاتي، أن الأحزاب دورها تراجع وهُمشت وحُوصرت… لقد ظهرت مجموعة من القوانين جمدت نشاط الأحزاب، منها قانون منع التظاهر… فكل من ينزل الشارع يدفع ثمنا غاليا جدا، وبالتالي الأحزاب أصبحت محاصرة داخل مقراتها». ولا تمر مثل هذه الحكايات دون ذكر وقائع تخص مصيرا مأساويا لناشطين، منها واقعة مقتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ حين كانت تعتزم قبل عامين وضع إكليل من الورد في ميدان التحرير في ذكرى ثورة يناير 2011.

وبالإضافة إلى قوانين ممارسة الحياة السياسية، وقوانين النشر، يشير بهاء الدين شعبان إلى آخر ما صدر من إجراءات تخيف الناس، منها ما جاء قبل أيام بمطالبة كل من يقرأ تعليقا غير لائق على الإنترنت بإبلاغ سلطات التحقيق. ويقول إن «مثل هذا الوضع العام لا يصلح فيه نشاط سياسي، خاصة أننا كقوى معارضة أو كقوى مستقلة عن النظام، ليس لدينا أي رغبة في أن نتسبب في تأزيم الوضع السياسي أكثر مما هو عليه، وندرك مشاكل الإرهاب وخطورته، ونحن أصلا مساندون للدولة في مواجهتها للإرهاب، لكن القيود التي وضعت على النحو الذي أشرت إليه، جعلت الأمور كلها تتجمد».

مصريات تحت لافتات تعضد ترشح السيسي لانتخابات الرئاسة أمام محطة مترو الخلفاوي في شمال القاهرة. (تصوير: عبد الستار حتيتة).
مصريات تحت لافتات تعضد ترشح السيسي لانتخابات الرئاسة أمام محطة مترو الخلفاوي في شمال القاهرة. (تصوير: عبد الستار حتيتة).

ماذا بعد أربع سنوات من حكم السيسي؟

في نهاية المطاف، وبعد نحو أربع سنوات من حكم السيسي، ورغم الأحزاب الكثيرة في مصر، لم يتمكن أي منها من تقديم مرشح لمنافسته. ويقول شعبان إن هذا الأمر يعكس ظاهرة جديرة بالبحث عما آل إليه حال الأحزاب السياسية… فالأمر لا يتعلق بوجود مشكلة لدى حزب أو اثنين أو عشرة أو عشرين، لكنه يخص 104 أحزاب، بما فيها أحزاب أنشأتها الطبقة الرأسمالية الكبيرة مثل حزب المصريين الأحرار، وأحزاب كانت عامرة بالشباب مثل حزب الدستور الذي أنشأه البرادعي، وبما فيها أحزاب كان لها دور كبير قبل الثورة مثل حزب التجمع وحزب الوفد، وأخرى نشأت بعد الثورة، وكل هذا كما لو كان قد أصيب بالشلل. وعن السبب في الوصول إلى هذا الواقع، يقول شعبان إن جزءا منه تتحمل المسؤولية عنه الأحزاب.

مشروع مدينة العلمين الجديدة من المشروعات التي أطلقها السيسي العام الماضي بهدف فتح آفاق جديدة للتوزيع السكاني في مصر. (تصوير: عبد الستار حتيتة).
مشروع مدينة العلمين الجديدة من المشروعات التي أطلقها السيسي العام الماضي بهدف فتح آفاق جديدة للتوزيع السكاني في مصر. (تصوير: عبد الستار حتيتة).

وهناك جانب آخر يتحمل مسؤوليته المناخ العام السائد في البلاد. وعلى كل حال ليس صحيحا أن الأحزاب أصيبت بالسكتة القلبية. فهذه الأحزاب نفسها هي التي لعبت دورا كبيرا جدا في إسقاط محمد مرسي. وكانت – كما يفصِّل شعبان – من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، متماسكة بقوة أمام محاولة الإخوان اختراق التيار المدني. ويضيف: «اليوم لا بد من الوقوف بجدية للبحث عن الأسباب العملية والموضوعية، التي أدت إلى هذا الوضع الصعب مقارنة بما كان عليه الأمر بعد 2011 و2013… مثلا أين الشباب الذين كانت تعج الشوارع بالملايين منهم».

ويقول حمدين صباحي إن ما كان يقبله السيسي في 2014 نسبيا، بأن يكون هناك مرشح يقول برنامجا مختلفا عنه، لم يعد مسموحا به اليوم. ويبدو أن صباحي يستحضر في خلفية رؤيته هذه أسماء لعدد ممن لوحوا بنواياهم للترشح للرئاسة الحالية ثم اختفوا عن الساحة سواء بالإحالة للمحاكم أو باليأس من جدية المنافسة. وحتى ساعات قليلة من موعد غلق باب التقدم للترشح لم يكن هناك أي منافس للسيسي. وفجأة ظهر اسم موسى مصطفى موسى، كمرشح منافس، رغم أنه كان قبلها بوقت قليل من مؤيدي انتخاب السيسي لولاية ثانية. وتم وصف الأمر لدى كثير من رواد المنتديات بأنه يشبه «النكتة».

ويقول صباحي: «حين أترشح ضدك، فهذا يعني أنني أرى أفضل منك. وإذا كنت تعبِّر عن نفس برنامجي، وأنت أفضل مني، فخلاص أؤيدك… أترشح ضدك في حالة واحدة فقط، وذلك حين أرى أنك لا تمثلني، وأن لي برنامجا يفيد هذا الوطن أكثر من برنامجك. وعلى هذا الأساس أنا ترشحت في 2014. لكن المرشح الآن لا يرى أن السيسي أفضل منه، ولا يرى أن له برنامجا مختلفا عنه، ولا يرى أن لدى السيسي سياسات فاشلة ويريد أن يتغلب عليه لكي يحقق سياسات ناجحة، ولا يرى أن لدى الرئيس أخطاء يريد أن يأتي ليصوبها، بالعكس… الوضع فيه نكتة».

ومن جانبه يوضح شعبان بقوله «أن تكون معركة الانتخابات الرئاسية قاصرة على الرئيس السيسي، وشخص مجهول الهوية، وهو موسى مصطفى موسى، فهذا أمر مهين لنا جميعا. ولا يشرف أطراف المعركة الرئاسية». ويضيف: «كنت أقول دائما لو أن الرئيس السيسي خاض معركة قوية، وكسب بـ60 في المائة، سيكون أقوى مليون مرة من أن تتم المعركة بهذا الشكل الهزيل. أتمنى من الرئيس بعد الانتخابات المحسومة سلفا، أن تكون هناك مناقشة عميقة لأسباب الأزمة السياسية، ليس من أجل الانتخابات المفروغ من أمرها، ولكن من أجل أن نسأل ما هي طبيعة النظام الذي نحن سنبنيه مستقبلا».

وفي الوقت الراهن لا يوجد حزب رئيسي يعتمد عليه السيسي لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر. وإنما يقتصر الأمر على تكتل برلماني يحظى بالأغلبية وخرج من زخم ثورة 30 يونيو 2013 التي أطاحت بجماعة الإخوان وحكم مرسي. ويعاني هذا التكتل البرلماني من الضعف وعدم الوجود في الشارع لأنه لا يمثل حزبا شعبيا يمكن التعويل عليه، مثلما كان الحال في الماضي مع أحزاب الأغلبية كحزب مصر (برئاسة رئيس الوزراء ممدوح سالم في أواخر سبعينات القرن الماضي)، والحزب الوطني (برئاسة السادات، فمبارك، من 1978 إلى 2011)، والحرية والعدالة (برئاسة الإخوان في 2012 و2013).
ولم يعرف المصريون في السابق انتخاب رئيس الدولة من بين أكثر من مرشح، إلا حين عدل مبارك الدستور في 2005. حيث خاض الانتخابات في تلك السنة أمام منافسين أشهرهم أيمن نور. لكن الأوضاع انقلبت رأسا على عقب مع ثورات «الربيع العربي»، فتم انتخاب مرسي في 2012، ثم السيسي في 2014، وباستثناء حزب الإخوان في عهد مرسي، لم يتمكن أي حزب سياسي آخر من ملء الفراغ الذي تركته التكتلات والأحزاب القديمة، رغم أن مصر شهدت تأسيس عشرات الأحزاب بعد ثورة 2011.

البحث عن حزب سياسي يؤازر انتخاب رئيس للدولة

كانت هناك فرصة لضم الحراك الكبير الذي خرج للإطاحة بحكم الإخوان في يونيو 2013، في حزب سياسي، يؤازر انتخاب رئيس للدولة، وفقا للمعايير التي وضعتها الهبة الشعبية ضد الإخوان، إلا أنه تم الاكتفاء باستخدام ذلك الزخم لانتخاب السيسي في 2014. وهذا أمر لا يدوم على أية حال. وهذه المعضلة تلقي بظلالها على انتخابات الرئاسة الحالية، لتأتي كأنها استفتاء على إعادة انتخاب السيسي، ولتذكرنا بنظام الاستفتاء الذي كان شائعا في عهود سابقة.
ويتساءل شعبان: «اليوم، لا بد أن نعرف الطريق الذي نسير فيه… هل نسعى لنظام شمولي، أم احتكاري… متطرف، أم استبدادي، مثلما كان الأمر في السابق، أم نظام ديمقراطي. النظام الديمقراطي ركيزته الأساسية هي الأحزاب السياسية، وبالتالي علينا أن ننظر بحكمة في حال الأحزاب، ومشكلاتها، ونساعدها على تجاوز أزماتها.

لقد كانت الأحزاب السياسية تحصل على دعم من الدولة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. كما أن مبارك نفسه كان يلتقي بزعماء الأحزاب المعارضة وبالمثقفين والكتاب عدة مرات في السنة الواحدة. وكان دعم الدولة لكل حزب يصل إلى مائة ألف جنيه. وكان المبلغ ضخما بقياس تلك الأيام. ثم تم تخفيضه إلى خمسين ألفا، ثم توقف تماما بعد 2011.
ويقول شعبان إنه لم يعد يوجد أي دعم للأحزاب، و«هذا أمر خطير، لأن السياسة مكلفة جدا، وبالتالي في غياب دعم الدولة ستندفع العديد من هذه الأحزاب إلى البحث عن مصادر للتمويل، حتى لو كانت مصادر مشبوهة. وقد تكون هذه المصادر رجال أعمال لهم مصالح في احتكار العمل السياسي، وتوجيهه في خدمة طموحاتهم الاقتصادية، أو دولا أجنبية، أو أفرادا لهم أغراض، وأيا كان… في النهاية ستكون هناك مشكلة».

ويعتقد شعبان أن التحشيد للانتخابات في عهد السيسي يعتمد على بقايا الحزب الوطني (الذي تم حله بعد 2011)، وتجمعات المصالح، وهي كبيرة في مصر، وعلى رجال الأعمال، وعلى جهاز الدولة البيروقراطي الذي ما زال مؤثرا، وعلى قطاع من المجتمع ما زال يؤمن بالسيسي ويرى أنه لعب دورا كبيرا جدا في مواجهة الإخوان، وفي إنقاذ مصر من الانهيار… أو من يسمى ببقايا 30 يونيو.
ويقول إنه في المقابل هناك قطاع كبير من الشباب عازف عن العمل السياسي وعن المشاركة وعن الانتخاب، وهذا ليس موقفا من السيسي، ولكنه موقف من الموضوع كله بعد 25 يناير 2011، نتيجة لتشويه الثورة، والهجوم عليها، وغيرها من ملابسات. ويشير إلى أن هناك أحزابا سياسية مقاطعة، قائلا إن جانبا كبيرا من النخبة المثقفة، ربما ستكون متحفظة على الانتخابات… و«في الحقيقة لم تجر أي محاولة للحوار مع النخب الثقافية والسياسية، بل على العكس، تركت هذه المجموعات المؤثرة، رغم ضعفها، إلا أن صوتها مرتفع ولها تأثير في المجتمع».

وعن لقاءات الرئيس السيسي مع قيادات الأحزاب والمثقفين، يقول رئيس الحزب الاشتراكي المصري: «نحن في بداية الإعداد لانتخابات 2014، وفي الفترة الأولى من رئاسة السيسي، كنا وجزء كبير من الأحزاب، نُدعى إلى لقاءات وإلى مشاورات سواء مع المجلس العسكري في البداية، ثم مع الرئيس بعد ذلك. أنا شخصيا حضرت تقريبا أربع مرات، وكانت آخر مرة في أواخر مارس (آذار) 2016، لكنها كانت مع مجموعة المثقفين، الذين التقوا بالرئيس وتناقشوا معه».
ويضيف: «لقد كان حوارا طويلا وعميقا. واستمع الرئيس بصبر لكل ملاحظاتنا وهواجسنا. قال طالما لكم ملاحظات بهذا الشكل، وأنتم تمثلون عقل الأمة، ومفكريها، اجلسوا مع بعضكم بعضا، ومع زملائكم، ونلتقي بعد شهر نناقش ما توصلتم إليه… وعملنا كل ما طلب منا، وجلسنا مع الناس، وكتبنا تقريرا مهما… كنت أنا مكلفا بتقرير عن العدالة الاجتماعية، وأنجزته. وأتذكر أن الرئيس قال إن أي اقتراحات تتقدمون بها، قولوا لنا من أين نأتي بالأموال لتنفيذها، لأن البلد ليس فيها أموال.

ويشير شعبان إلى أن مثل هذه اللقاءات مع الرئيس لم تتكرر رغم أن الرئيس نفسه طلب أن نلتقي بعد ذلك. بيد أن كل شيء توقف منذ ذلك الوقت… كل اللقاءات مع القوى السياسية ومع المثقفين متوقفة.
لكن توجد تكتلات معتبرة في البرلمان تقف مع الرئيس مثل تكتل «في حب مصر» وتكتل «25-30»، لكنها – من وجهة نظر شعبان – لا تغني عن ضرورة وجود أحزاب كبيرة في الشارع. ويقول إن معظم هذه التكتلات لا تغني، لأنها في الأغلب تكتلات مصالح، ورجال أعمال، ولوبي شركات، ورجال الاقتصاد، ومن لهم مصالح مرتبطة بالدولة، وهي أغلبها تكتلات تتحلق حول الحاكم لتسيير مصالحها في المقام الأول، ولا شأن لها بالسياسة، ولا بالشعب ولا يمكنها أن تقدم برنامجا، ومنها ما يقاد من خارج البرلمان.
وتبدو نظرة صباحي أكثر تشاؤما فيما يتعلق بالأوضاع السياسية على أرض الواقع. ويقول باختصار إنه «يوجد تأميم للسياسة، بواسطة السلطة، وإماتة للمناخ العام في البلد، وهناك تضييق شديد على الأحزاب، والمجتمع المدني، واحتكار للإعلام، وهناك تهديد مباشر يستخدم على طريقة الإخوان في التكفير… التخوين لأي معارض في الرأي، وهناك سجناء رأي كل مشكلتهم أنهم قالوا رأيا مخالفا لما تراه السلطة، وبالجملة أنا أرى أن هناك حالة تصحر سياسي في مصر، ممنهجة، ومقصودة، من قبل السلطة».

ويزيد صباحي قائلا إنه يبدو أن هناك رغبة قوية من جانب الحكم في أن يكون هناك صوت واحد، مشيرا إلى أن انتخابات الرئاسة الحالية هي «تجلٍ لهذا المنهج… انتخابات بلا مرشحين، لأن تعبير مرشحين يعني برامج متفاوتة، وأشخاص بينهم فروق حقيقية في تاريخهم، وانحيازاتهم، والسياسات التي يتبنونها، والحلول التي يقدمونها لمشاكل المجتمع. نحن لسنا أمام مثل هذه الحالة. بل نحن أمام مرشح وحيد استقدم أحد الأشخاص لاستكمال المشهد، على برنامج واحد، وعلى خط واحد، وعلى سياسات واحدة».
وعلى عكس توجهات أحزاب يسارية معتبرة مثل حزب التجمع، دعا تيار الحركة المدنية الديمقراطية، التي يعد صباحي أحد قادتها، المصريين لمقاطعة الانتخابات لأنها كما يقول صباحي «انتخابات بلا ضمانات، وبلا مرشحين، ومن ثم لن نشارك فيها، ونقول للناس خليكم في البيت، كنوع من المقاطعة السلبية». ويضيف: «حتى هذا الرأي أعتبر أنه ليس من حقنا أن نقوله… وهناك إفراط يعبر عن سلطة تشعر بضعفها وتستخدم العنف تعويضا لهذا الضعف».
لكن حزب التجمع له رؤية مختلفة تبدو أكثر شمولية وتضع في الاعتبار متغيرات تمر بها منطقة الشرق الأوسط ومخاطر تتعلق بوجود الدولة من الأساس. ويقول التجمع الذي يرأسه سيد عبد العال النائب في البرلمان إن «التحديات التي واجهت الشعب المصري بعد إسقاط حكم الإخوان الإرهابي وما زال يواجهها قد فاقت في أبعادها المحلية والإقليمية والدولية تلك الصورة التي تبدت عليها في أعقاب ثورة 30 يونيو». ويربط عبد العال عادة بين ضرورة مساندة السيسي في التصدي للإرهاب، وحرص حزبه اليساري على التأكد من أن سياسات الرئيس لن تصيب الطبقات العمالية وصغار الموظفين وعموم الفقراء بالضرر.

مؤيدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحضرون تظاهرة في حي بالقاهرة يوم 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)
مؤيدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحضرون تظاهرة في حي بالقاهرة يوم 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

لقد اجتمعت الأمانة العامة لحزب التجمع في نفس القاعة التي تحمل اسم وزير التموين المصري في مطلع سبعينات القرن الماضي، وهو الدكتور الراحل فؤاد مرسي. وشارك هذا الوزير الشيوعي فيما بعد في تأسيس حزب التجمع. وقاد مع رفاقه موجة من المعارضة المقلقة للرئيس السادات خاصة في أواخر السبعينات. وفي الاجتماع الذي عقد الشهر الماضي لبحث الموقف من انتخابات الرئاسة، جلس في نفس القاعة وزير التموين (التضامن الاجتماعي) السابق، الدكتور اليساري جودة عبد الخالق. لقد تولى موقعه الوزاري لبعض الوقت بعد ثورة 2011، ويبدو أنه أكثر قربا ممن يتحفظون على السياسات الاقتصادية للسيسي. ومع ذلك قررت أغلبية الأمانة العامة للحزب تأييدها لترشيح السيسي لفترة رئاسة ثانية.
وتعرض التجمع للتهميش أثناء فترة تولي محمد مرسي لرئاسة مصر. وأطلق أنصار الإخوان نيران أسلحة الخرطوش على أعضائه حين توجهوا للتظاهر ضد الإخوان في ميدان التحرير في مطلع 2013. ولهذا يبدو موقفه وموقف كثير من القوى المدنية المؤيدة للرئيس السيسي اليوم، أمرا مفهوما إلى حد كبير. وقال التجمع إن من أسباب قراره دعم السيسي «وجود نشاط إرهابي يستهدف سلامة الدولة المصرية، وإضعافها، وكسر هيبتها أمام شعبها وإظهارها بالعجز عن حماية الشعب ودور العبادة وحدود الوطن».

ثمرة نضال الشعب

كما أكدت الأمانة العامة للحزب أن «المرحلة الانتقالية التي بدأت بثورتي 25 يناير و30 يونيو هي ثمرة نضال شعبنا وقواه الوطنية واليسارية حيث مهدا الطريق أمام تغيير فوري في منظومة الحكم والبدء في مرحلة انتقالية تستهدف خلالها تثبيت الدولة وتقوية مؤسساتها الدستورية من خلال دستور جديد يعبر عن طموحات شعبنا في مستقبل مغاير للماضي».
ومع ذلك تابع الحزب قائلا إنه يدرك أن المرحلة الانتقالية لا تنتهي إلا بتحقيق أهدافها الوطنية سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، إلا أن غياب العدالة في توزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة الانتقالية والقيود على الحريات العامة قد أدى لدرجة من الاستياء لدى قطاعات من المواطنين خاصة وأن ذلك يتم بالتعارض مع المواد الدستورية التي تحمي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية».

وربط الحزب بين دعوة الشعب المصري لانتخاب السيسي، وبين كونه «أحد أهم قادة حلف 30 يونيو، وقد أثبت إرادته القوية في مواجهة التحديات المختلفة، سواء كان ذلك بفتح ملفات الفساد ومنظومة تحكمت في اقتصادنا الوطني، أو بقيادة مشروع تنموي اقتصادي متنوع في الصناعة والزراعة والخدمات والبنية الأساسية، هذا إلى جانب مواجهته لكافة الضغوط الخارجية التي سعت، بعد ثورة 30 يونيو، للتدخل في الشأن الداخلي لمصر».
ويرى بعض قادة التيار المدني، مثل التجمع وأحزاب أخرى وتكتلات برلمانية، أن السيسي يريد أن ينفذ برنامجا وطنيا للتنمية، وإنتاجا وطنيا يقلل من الاستيراد، وأن خصومه ليس الإرهاب فقط، ولكن الإرهاب وبعض رجال الأعمال أيضا. بيد أن حمدين صباحي لا يقف مع هذا الرأي، ويقول إن من يصدرون هذا الخطاب «أعتقد أنهم يبررون»، و«أشعر أنهم ليسوا في مكانهم على أي نحو. أتفهم موقفهم هذا في 2014، حيث إن السيسي لم يكن قد اختبر، وأن فزاعة الإخوان كانت حاضرة بشكل مخيف، وكان الشعور بأن الأمن يمكن أن يتغلب على ما سواه، أمر مبرر».

ويضيف صباحي: «السيسي لا يحقق تنمية… وهو في يوم واحد تسبب في خسارة المصريين لأكثر من نصف مدخراتهم، وقيمة مرتباتهم، بقرار تعويم الجنيه. وهو تابع، بشكل غير مسبوق، لإرادة مؤسسات التمويل الغربية، وأولها صندوق النقد. ولا أفهم أي نوع من اليسار يقبل أن سلطته المفترض أن تكون وطنية، تكون تابعة في قرارها الاقتصادي. ناهيك عن أنه، في الديمقراطية والحريات، أنت في العهد الأسوأ».
ومن جانبه يقدم شريف الحلوة نظرة أكثر تفاؤلا على الصعيد الاقتصادي، بقوله إن المشروعات الاقتصادية الكبرى التي يقوم بها السيسي، ستعود على الشعب المصري بالخير خلال فترة حكمه الجديدة، مشيرا إلى أن «معظم المشاريع الجديدة من شأنها أن تكون مشاريع جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ومنها مشروعات متأخرة منذ عام 1979، مثل مشاريع المناطق الحرة التي وضعت منذ اتفاقية كامب ديفيد، ومنها المنطقة الاقتصادية الحرة في قناة السويس، ومشاريع تنمية الشبكات الكهربائية لمصر، ومشاريع الطرق التي تصل إلى شرق وغرب وجنوب وشمال… هذا سيؤدي لحراك تجاري سريع في عموم البلاد».

ويوضح الحلوة أن ما يقوم به السيسي يذكرنا بما قام به الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث شرع وقتها في مد خطوط الطرق السريعة حول أميركا كلها، مشيرا إلى أن السيسي أنجز أيضا، من بين ما أنجز في مدة حكمه الأولى، مجمعا لمزارع الطاقة الشمسية يعد الأكبر في العالم، في منطقة بنبان، في أسوان والتي ستغذي الشبكة القومية للكهرباء بثلث إنتاج السد العالي من الكهرباء تقريبا. كما أدخل مصر لاعبا كبيرا في منظومة تنمية الطاقة من الغاز الطبيعي بتنمية حقول الغاز في شرق المتوسط، للاكتفاء الذاتي محليا والتصدير لأوروبا. وكل مثل هذه المشروعات تعزز من مكانة مصر الإقليمية والدولية.
ويقول الحلوة، مع ذلك، إنه لا يمكن أن ينكر أحد أنه توجد ضغوط على المواطن المصري، لأسباب كثيرة منها ثقافة المصريين تجاه الدولة والاقتصاد، وبسبب الفساد في الجهاز الإداري.. «ما يقوم به السيسي سليم، ومنها تزعمه لحركة لمكافحة الفساد. لكن توجد لوبيات في مصر، من رجال أعمال وموظفين كبار في وزارات، ليس من مصلحتهم مثل هذه السياسات».

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.