اعياد نوروز في ايران والصراع بين الهوية القومية والسلطة الدينية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ملامح

اعياد نوروز في ايران والصراع بين الهوية القومية والسلطة الدينية

يقترن مطلع الربيع مع عدة احتفالات في البلاد

شابات أكراد يرفعن علامة النصر أمام نيران الشعلة بينما يجتمع الأكراد الأتراك خلال احتفالات نوروز في ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، في 21 مارس 2018.
شابات أكراد يرفعن علامة النصر أمام نيران الشعلة بينما يجتمع الأكراد الأتراك خلال احتفالات نوروز في ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، في 21 مارس 2018.
شابات أكراد يرفعن علامة النصر أمام نيران الشعلة بينما يجتمع الأكراد الأتراك خلال احتفالات نوروز في ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، في 21 مارس 2018.

لندن – يوسف عزيزي

• عارض الخميني بعد قيام الثورة عام ١٩٧٩ اعياد نوروز و”الاربعاء الحمراء“ باعتبارها تقاليد غير اسلامية غيران لم يستطيع ان يلغي هذه الاعياد

تحتفل معظم الشعوب الايرانية بعيد رأس السنة الايرانية الجديدة الموصوف بعيد نيروز او نوروز اي ”اليوم الجديد“ والذي يصادف عادة يوم ٢١ مارس من كل عام ميلادي. فاذا استثنينا الشعب العربي في جنوب وجنوب غرب ايران، يمكننا القول ان سائر الشعوب الايرانية تبجل اعياد نوروز وتحتفل بها.
ووفقا لعلماء ايرانيين، اخذ الفرس القدماء، عيد نوروز وكذلك اعياد ومناسبات اخرى ك ”يلدا“ و“مهرجان“ من الشعوب المجاورة لها في منطقة بين النهرين. اذ كان يصف الأكديون والبابليون والآشوريون، نوروز ب ”أكيتو“، وكانت هذه الشعوب ،الاقدم والاكثر خبرة من الفرىس في مجال علم التنجيم وحساب التقويمات. لكن حاليا ليس الفرس وحدهم الذين يحتفلون بهذا العيد، بل هناك اهتمام واحتفال بهذا العيد من قبل شعوب القوقاز واسيا الوسطى وافغانستان والكرد في العراق وتركيا وسورية. وحسب اليونسكو يحتفل اليوم مايقرب ب ٣٠٠ مليون شخص في جميع انحاء العالم بالنوروز.

قبل شهر او اكثر من العيد تقوم الاُسر بتنظيف كل غرف وزواياالبيوت وغسل السجاد واشياء اخرى يجب تطهيرها، وتجدد الاثاث المنزلية القديمة في عملية يصفونها في ايران ب ”خانه تكاني“ اي التنظيف الكامل للمنازل وهي عملية شبه مقدسة عند معظم الايرانيين. وتخرج عموم الأسر الايرانية الى الاسواق في الايام الاخيرة من العام لابتياع ماتحتاجه من السلع والملابس لجميع أفرادها كي تستقبل السنة الايرانية الجديدة وعيد النوروز بملابس وحلل جديدة.
ويعد الاكراد، نوروز عيدا قوميا لهم ويعتقدون انه اليوم الذي انتفض فيه بطلهم الاسطوري ”كاوه الحداد“ ضد الملك الظالم ”الضحاك“. وتختلف طقوس عيد نوروز لدى الكرد – بما فيهم اكراد ايران – اي انهم يخرجون في مثل هذا اليوم الى الطبيعة اوخارج بيوتهم، حاملين معهم مشاعل نارية كتلك التي حملها كاوه الحداد ضد الملك الضحاك وذلك خلافا للفرس والأذريين والبلوش الذين يزورون بيوت الاقرباء والاصدقاء ويعايدون بعضهم البعض في مثل هذا اليوم.

امرأة تقفز فوق النار خلال الاحتفال الأكراد بالنوروز، السنة الكردية الجديدة، في إسطنبول في 21 مارس 2018
امرأة تقفز فوق النار خلال الاحتفال الأكراد بالنوروز، السنة الكردية الجديدة، في إسطنبول في 21 مارس 2018

الاربعاء الحمراء

يقترن مطلع الربيع مع عدة احتفالات و اعياد في ايران. فقبل اليوم الاول للسنة الهجرية الشمسية التي يقارن عيد النوروز يحتفل الايرانيون بمناسبة تسمى “جارشنبه سوري” اي الاربعاء الحمراء.
تتزامن الاربعاء الحمراء مع آخر يوم اربعاء من السنة الشمسية الايرانية (وتصادف ليلة 13 على 14 مارس) حيث ان الوافد لاول مرة لهذه البلاد يصاب بالدهشة عما يشاهده في هذه الليلة في العاصمة و المحافظات والمدن والقرى.اذ يبدأ الشباب و الصبايا وحتى كبار السن باشعال النيران في الازقة و الحارات و يقفزون من فوقها تيمنا بالنيران الملتهبة وهم يرددون شعرا شعبيا يقول:”سرخي من ازتو، زردي تو از من” اي امنحيني يا نار لونك الاحمر و اخذي مني لوني الاصفر. كما يستخدمون المفرقعات والمتفجرات الخفيفة، حيث تتحول الاحياء و الازقة في هذه الليلة الى ساحات شبه حربية من ضجيج المفرقعات، يسقط خلالها الجرحى و احيانا القتلى. وقد كانت الحصيلة – وفقا للجهات الرسمية – لهذاالعام (٢٠١٨) نحو ٤ قتلى و١٨٠٠ جريح. ويتناول المحتفلون عادة في هذه الليلة، نوع من المكسرات توصف ب ”آجيل جارشنبه سوري“ اي مكسرات الاربعاء الحمراء وهي مكسرات حلوة لاتوجد اي ملوحة فيها.
ويبدو ان جذور هذا التقليد القومي الفارسي يعود الى عبادة النار لدى اجداد هؤلاء القوم الذين كانوا حسب طقوسهم الدينية الزرادشتية يبجلون النار باعتبارهااهم مادة في الطبيعة، ونحن نعلم كم كانت النار مقدسه لدى الآريين الفرس الذين هاجروا من صقيع سيبريا وشمال القوقاز الى ماعرفت فيما بعد بنجد ايران.

لألعاب النارية تضيء الجبل في مدينة عقرة الكردية، على بعد 500 كيلومتر شمال بغداد، في 20 مارس (آذار) 2018 خلال الاحتفالات بالنوروز، السنة الكردية الجديدة
لألعاب النارية تضيء الجبل في مدينة عقرة الكردية، على بعد 500 كيلومتر شمال بغداد، في 20 مارس (آذار) 2018 خلال الاحتفالات بالنوروز، السنة الكردية الجديدة

طاولة ال ”هفت سين

يلي الاربعاء الحمراء (جارشنبه سوري)، عيد نوروز حيث تعطل الوزارات و الدوائر الحكومية و غير الحكومية عملها لمدة اسبوع، و المدارس و الجامعات لمدة اسبوعين. فمن الطقوس الخاصة بعيد نوروز تحضير طاولة توصف ب ”سفرة هفت سين“ اي الطاولة التي تضم سبع اشياء يبدأ اسمها بحرف السين اي طاولة ”السينات السبع“. وهذه الاشياء هي ١- سير (الثوم) ٢- سبزه (العشب) ٣- سيب (التفاح) ٤- سمنو (نوع من الطبق يعد من عصير القمح النابتة) ٥- سنجد (النبق البحري) ٦- سركه (الخَل) ٧- سماق (السماق). اذ تلتزم معظم الاسر الايرانية باقامة هذه الطاولة، فقيرة كانت ام غنية وكانها طقوس دينية.

سيزده بدر (شم النسيم)

ويكون يوم سيزده بدر المصادف لليوم الثالث عشر من برج الحمل (الشهر الاول للسنة الايرانية) و الثاني من ابريل هو آخر يوم لعطلة المدارس و الجامعات في ايران.
اذ يغادر معظم الايرانيون في مثل هذا اليوم، البيوت الى المنتزهات والحدائق و البساتين والمروج والصحاري للتخلص من نحوسة عدد ال 13 لانهم يعتبرونه يوم نحس يجب ان ينقضي خارج البيوت. وتعود هذه الاعياد والاعتقادات الشعبية الخرافية الى الاساطير والتقاليد الفارسية التي كانت رائجة قبل الاسلام و انتقلت هذه الاعياد الى ما بعد الاسلام حيث اخذ بعض الخلفاء الامويين والعباسيين الاحتفال بعيد نوروز. ويماثل يوم سيزده بدر يوم شم النسيم في مصر وهو عطلة رسمية هناك ويأتي في اليوم التالي لرأس السنة القبطية وعيد القيامة المجيد والذي يوافق عادة (١٤-٢١) ابريل. ويبدو انه كان عيد فرعوني واقدم من سيزده بدر ومن المحتمل ان الفرس اخذوه من المصريين القدماء عندما احتل الملك قمبيز الاخميني بلاد مصر في العام ٥٢٤ ق م.

تجمع الناس على قمة جبل في مدينة عقرة كجزء من احتفالات نوروز في دهوك، العراق في 20 مارس
تجمع الناس على قمة جبل في مدينة عقرة كجزء من احتفالات نوروز في دهوك، العراق في 20 مارس

السلطة الدينية واعياد نوروز

فقد عارض رجال الدين الكبار والسلطة الاسلامية وخاصة مؤسسها اية الله الخميني بعد قيام الثورة في العام ١٩٧٩، اعياد نوروز وخاصة الاربعاء الحمراء باعتبارها تقاليد غير اسلامية وقومية بحتة، غيرانهم لم يفلحوا في ذلك ولم يستطيعوا ان يلغوا هذه الاعياد ليحلوا مكانها باعياد اسلامية بحتة، وذلك بسبب المقاومة التي ابدتها النخب القومية الفارسية والجماهير المتشبعة ذهنيا وثقافيا والمتعودة تاريخيا وتراثيا على الاحتفال بهذه الاعياد. ومنذ عهد الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني وبشكل اكبر في عهد خاتمي اخذت الفئات المعتدلة والاصلاحية تتماشى مع هذه التقاليد وتضم صوتها الى صوت القوى المحتفلة بهذه الاعياد.

أكراد العراق يرتدون ملابس تقليدية راقصة بعلم كردي في مدينة عقرة، على بعد 500 كيلومتر شمال بغداد، في 20 مارس 2018 خلال الاحتفالات بالنوروز، السنة الكردية الجديدة
أكراد العراق يرتدون ملابس تقليدية راقصة بعلم كردي في مدينة عقرة، على بعد 500 كيلومتر شمال بغداد، في 20 مارس 2018 خلال الاحتفالات بالنوروز، السنة الكردية الجديدة

فبعد مرور اربعة عقود على الثورة الاسلامية وأدلجة الدين واستخدامه كايديولوجيا للسلطة الحاكمة في ايران، حاولت القوى السياسية من ملكيين وقوميين ويساريين استغلال هذه الاعياد القومية كاداة لمعارضة الحكم الديني في ايران. وقد تحول يوم الاربعاء الحمراء (جارشنبه سوري) من مناسبة قومية فارسية صرفة الى مناسبة سياسية لمعارضة رجال الدين المتشددين في ايران. وفي العقدين الاخيرين، ازداد لهيب النيران المشتعلة وتعاظمت اصوات المتفرقعات والمتفجرات الخفيفة، مترافقة – في السنوات الاخيرة – مع هتافات معادية للنظام الديني في ايران.
وقد شاهدنا ليلة الثلاثاء على الاربعاء الماضية، حضور عسكري مکثف في طهران والمدن الكبرى خشية وقوع اضطرابات سياسة كتلك التي شهدتها ايران في نهاية العام الماضي، لكن رغم ذلك تم احراق صور ومجسمات المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي في بعض المدن، ووقعت اشتباكات متفرقة بين الذين كانوا يحتفلون بالاربعاء الحمراء ويقفزون من النار ويرددون الهتافات المعادية للنظام، وبين قوات الامن الداخلي حيث اسفرت عن اعتقال العشرات من المحتفلين بهذه المناسبة في طهران والمدن الاخرى.

انواع الاعياد في ايران ونسبة شعبيتها

يمكننا ان نفرز اربعة انواع من الاعياد في ايران: الاعياد والمناسبات الوطنية، الاعياد القومية، الاعياد الدينية والاعياد المذهبية: فالاولى حديثة العهد كيوم قيام الثورة وهي اعياد رسمية اكثر منها شعبية، وثانيا الاعياد القومية (الفارسية اساسا) والتي تحظى بشعبية اكثر من الاعياد الاخرى. – دينية كانت ام مذهبية – كعيد نوروز الذي يحتفي به الفرس والآذريين والكرد، وبنسبة اقل البلوش والتركمان ولايهتم به العرب. وثالثا،الاعياد الدينية كعيد البعثة النبوية – وهناك اختلاف في يومها بين الشيعة والسنة – وكذلك عيدي الاضحى والفطر. ويعتبر الشعب العربي في جنوب وجنوب غرب ايران، عيد الفطر عيده القومي والديني ويهتم به اكثر من اي عيد اخر في ايران. كما يولي اهل السنة من الكرد والبلوش والتركمان لعيد الفطر والاضحى نفس الاهمية التي يولونها لعيد نوروز وذلك خلافا للفرس والآذريين الشيعة الذين لايهتمون كثيرا بعيد الفطر ولايحتفلون بتاتا بعيد الاضحى. ويصف الفرس عيد الفطر في اقليم عربستان بعيد العرب لسبب اهتمام الاهوازيين الكبير بهذا العيد. ورابعا،الاعيادالمذهبية التي تخص الشيعة الاثنى عشرية فقط، كعيد الغدير الذي يعتقد الشيعة ان الرسول عين الامام علي خليفة له في مثل هذا اليوم. ولم يحتفل اهل السنة الذي يشكلون نحو ١٥ في المئة من سكان ايران بهذه الاعيادالمذهبية.

طفلة كردية سورية تحضر احتفالات نوروز، السنة الكردية الجديدة، في بلدة القامشلي شمال شرقي سوريا في 21 مارس 2018
طفلة كردية سورية تحضر احتفالات نوروز، السنة الكردية الجديدة، في بلدة القامشلي شمال شرقي سوريا في 21 مارس 2018
Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.