الانتخابات الروسية بين النزاهة والتزوير - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

الانتخابات الروسية بين النزاهة والتزوير

بوتين وولايته الرابعة... تحديات جديدة ومواجهات فاصلة بين موسكو وكل من واشنطن ولندن

موسكو – أحمد طاهر*

* أصبحت روسيا رقمًا صعباً في أية معادلات دولية ولا يمكن تجاهلها.
* لم يكن من المستغرب أن تحظى هذه الانتخابات باهتمام الغرب الذي حاولت وسائل إعلامه الطعن في شرعيتها واتخاذها ذريعة للهجوم على سياسات بوتين.
* ليس من السهولة بمكان على أي من المرشحين منافسة بوتين في هذه الانتخابات.
* الصحف الروسية: السياسة المعادية لبوتين من جانب الغرب رفعت نسبة المشاركة ما بين (5-10 في المائة).
* بوتين: من الضروري جدا توحيد جهود جميع الناس، بغض النظر عن نوع المرشح الذي سيصوتون لصالحه.
* روسيا ما بعد انتخابات بوتين لولاية رئاسية رابعة تحتاج إلى مقاربات غير تقليدية داخليا وخارجيا كي يتمكن الرئيس بوتين من أن يعيد مكانة دولته إقليميا وعالميا.

شغلت الانتخابات الرئاسية فى الاتحاد الروسي التى جرت فى الثامن عشر من مارس (آذار) 2018 اهتماما دوليا كبيرا رغم المعرفة المسبقة بنتائجها، طبقا لما كشفته كثير من استطلاعات الرأي سواء تلك التي جرت في الداخل الروسي أو التي قامت بها مراكز استطلاعات الرأي فى الخارج، إذ أشارت جميعها إلى حسم نتائج الانتخابات لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، وهو ما يمكن تفسيره فى ضوء ثلاثة عوامل على النحو الآتي: الأول، المكانة التي أصبحت تحظى بها روسيا في الساحة الدولية، إذ أصبحت رقما صعبا فى أية معادلات دولية ولا يمكن تجاهلها. ولذا، فقد حظيت هذه الانتخابات باهتمام كبير مقارنة بالانتخابات الرئاسية السابقة حتى تلك التي شارك فيها الرئيس بوتين سواء عام 2000 أو 2004 أو حتى عام 2012 ما بعد التعديلات الدستورية، لم تحظ بكل هذا الاهتمام، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الروسية ما بعد ضم روسيا جزيرة القرم عام 2014، وما أعقبه من تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، حيث واجهت هذه السياسة معارضة واسعة من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي لم تعترف بقرار الضم الروسي بل سارعت بفرض عقوبات على اقتصادها في محاولة لإثنائها عن قرارها وهو ما لم يجد أية استجابة روسية للمطالب الغربية بل زادت روسيا تعنتا بإجراء استفتاء في شبة الجزيرة يقر بقرار الضم، وتأتي اليوم لتشارك للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية إذ تم فتح نحو 1400 مركز اقتراع في كل من شبه الجزيرة ومدينة سيفاستوبل، حيث شارك ما يقرب من 1.8 مليون ناخب ممن لهم حق التصويت.
كما استغلت روسيا كذلك تخاذل الموقف الأميركي وضعفه في نهاية عهد الرئيس السابق باراك أوباما، لتتخذ قرارها بالتدخل عسكريا إلى جانب نظام بشار الأسد الذي كان قد أوشك على الانهيار، وذلك في تحدٍ للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد هذا النظام، بل وصل الأمر قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة إلى تصعيد لهجة التهديد المتبادلة بين الطرفين والتى وصلت إلى مستوى تهديد الرئيس بوتين باستخدام السلاح النووى، إذ ما تم الهجوم على دمشق، ليعيد إلى الأذهان حالة الحرب الباردة التي عاشها النظام الدولي خلال الفترة بين (1945-1991).

ومن ثم، لم يكن من المستغرب أن تحظى هذه الانتخابات باهتمام الغرب الذي حاولت وسائل إعلامه الطعن في شرعيتها واتخاذها ذريعة للهجوم على سياسات بوتين. الثاني، يرتبط بدور ومكانة رئيس الجمهورية في النظام السياسي الروسي، إذ يمتلك الرئيس صلاحيات واسعة منها إعلان الحرب والتعبئة العامة، وفرض حالتي الطوارئ والأحكام العرفية، وحل البرلمان، وتعيين رئيس الوزراء وحكومته وإقالتهم، كما يتولى ملف السياسة الخارجية، إصدار التشريعات وإبرام المعاهدات الدولية، والمصادقة على انتخابات حكم الأقاليم وجمهوريات الحكم الذاتي في روسيا، كما تمتد صلاحياته إلى ترشيح رئيسي المحكمة الدستورية والمحكمة العليا وتعيين قضاة بقية المحاكم، كذلك منح الأوسمة والجوائز، وترشيح كبار موظفي الدولة ورؤساء المؤسسات وإعفاؤهم من مناصبهم، وغيرها من الصلاحيات التي كفلها الدستور الروسي. ولذا، كان من المنطقي أن تحظى هذه الانتخابات بالاهتمام مقارنة بأية انتخابات أخرى تجرى داخل روسيا سواء أكانت برلمانية أو بلدية (محلية) نظرا لمحورية دور الرئيس وتأثيره على مختلف القرارات والسياسات التي تنتهجها روسيا خاصة فى الملف الخارجي. الثالث أن هذه الانتخابات تمثل الفترة الثانية التي يمكن أن يشغل فيها فلايمير بوتين رئاسة روسيا بمقتضى نص الدستور الذي يحظر على أي شخص تولى الرئاسة لولايتين متتاليتين، أخذا فى الاعتبار أنه قد تمت مد فترة الولاية الواحدة لتصبح ست سنوات بدلا من أربع سنوات بمقتضى التعديلات الدستورية التى أُدخلت عام 2008، وجرت على أساسها انتخابات عام 2012 التي فاز بها بوتين أيضا. ولذا، فالتساؤل المطروح في هذا الخصوص؛ هل سيتجه بوتين إلى تعديل الدستور ليجعل مدد الرئاسة مفتوحة على غرار ما جرى في الصين مؤخرا أم سيلتزم بوتين بالنص الدستوري كما جرى عام 2008، إذ ابتعد عن المنصب من الناحية الشكلية إلا أنه ظل هو الرئيس الفعلي للبلاد في ظل تولي حليفة ميدفيديف الحكم لمدة أربع سنوات ليعود من بعدها بوتين رئيسا لروسيا؟ إذ إن الإجابة على هذا التساؤل ستعكس التوجه الذي سيتبناه بوتين خلال فترة توليه الحكم، والذي ينعكس بدوره على مستقبل روسيا ودورها عالميا وإقليميا في ظل ما تواجهه من تحديات عدة داخليا وخارجيا. صحيح أن بوتين رد على هذا الأمر بقوله: «إن الافتراضات حول إمكانية توليه منصب الرئيس بعد 6 سنوات مضحكة… دعنا نحسبها: هل تعتقد أنني سأظل حتى أبلغ من العمر مائة عام؟»، إلا أنه من الصحيح أيضا أن هذا الرد لم يقطع بشكل نهائي توجه بوتين حيال قضية تعديل الدستور من عدمه، وهو ما يجعل أمامه خيارين: إما أن يتجه إلى تعديل الدستور لجعل مدد الرئاسة مفتوحة بما يمنحه الفرصة لتولي فترة رئاسية اخرى ويكون قد بلغ من العمر 71 عاما وليس مائة عام. وإما أن يتجه خلال فترة رئاسته لإعداد كادر قادر على استكمال سياسته على أن يظل بوتين المحرك الرئيسي لها كما حدث خلال الفترة (2008-2012) التي تولى فيها ميدفيديف.

في ضوء هذه العوامل الثلاثة، يمكن تحليل الانتخابات الرئاسية الروسية من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول، تعددية خريطة المرشحين

شهدت هذه الانتخابات كما سابقتها خريطة متنوعة من المرشحين الذين يمثلون مختلف التوجهات السياسية داخل المجتمع الروسي. صحيح أن هناك عددا كبيرا من المرشحين حاولوا التقدم بأوراقهم إلى اللجنة المركزية للانتخابات والتي وصل عددهم فى بعض التقديرات إلى عشرين مرشحا، إلا أن اللجنة لم تقبل سوى أوراق ثمانية مرشحين رأت أن الشروط والضوابط الدستورية والقانونية تنطبق عليهم، وهم: الرئيس فلاديمير بوتين الفائز بولاية رابعة، وبافل جرودينين من الحزب الشيوعي الروسي، وغريغوري يافلينسكي زعيم حزب يابلوكو، فلايمير جيرينوفكسي رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، وكسينيا سوبتشاك صحافية ومقدمة برامج تلفزيونية عن حزب المبادرة الاجتماعية، وماكسيم سوريكين من حزب شيوعيي روسيا، وبوريس تيتوف عن حزب النمو، وسيرجي بارورين عن حزب الاتحاد الشعبي العام الروسي.

وفي هذا الخصوص، أثيرت قضية رفض اللجنة المركزية قبول أوراق المحامي الروسي أليكسي نافالني، بسبب صدور حكم قضائي ضده في فبراير (شباط) 2017 بالسجن لمدة خمس سنوات مع وقف التنفيذ لإدانته في قضية اختلاس أموال، حيث يخالف بذلك أحد شروط الترشح، التي تنص على أنه لا يحق الترشح للمدانين بتهمة ارتكاب جرائم خطيرة خلال عشر سنوات أو خطيرة للغاية خلال خمس عشرة سنة، وذلك منذ يوم انقضاء مدة سريان الأحكام القضائية الصادرة فى حقهم، وهو ما يعني عمليا بالنسبة لنافالني الحرمان من الترشح قبل 2028، وقد اتخذت وسائل الإعلام الأجنبية من قضية نافالني ذريعة للهجوم على الانتخابات الرئاسية والطعن في شرعيتها بحجة أن اللجنة سمحت لمرشحين غير قادرين على منافسة بوتين بخوض السباق لضمان نجاح الأخير. إلا أن هذا الرأي ينقصه الكثير من الدقة في ضوء عاملين: الأول، يتعلق بالواقع الراهن الموجود داخل روسيا، والمتمثل في نجاح بوتين في كسب ثقة الشعب الروسي، ترتيبا على ما حققه منذ توليه الحكم عام 2000، إذ استطاع أن يوقف التدهور الذي أصاب الدب الروسي وجعله تابعا للإرادة الغربية التي تمددت على حساب فضائه الجغرافي، إذ نجح بوتين فى إعادة بناء دولته داخليا من خلال خوضه معارك صعبة ضد مافيا المال والأعمال التي سيطرت على القرار الروسي خلال الفترة ما بعد الانهيار السوفياتي (1991-2000)، حيث تمكن من استعادة كثير من المؤسسات الوطنية الرئيسية التي سيطرت عليها هذه المافيا وإعادتها إلى ملكية الدولة، كما أعاد ترتيب أوضاع قوته العسكرية وتعزيز قدراتها التسليحية، وهو ما انعكس على سياسته الخارجية التى وصلت إلى اتخاذه القرار بضم شبه جزيرة القرم الاستراتيجية مانعا بذلك اقتراب حلف الأطلسي من حدوده، وأعقب ذلك دخوله عسكريا في سوريا للوصول بالأسطول الروسي إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط معيدا إلى الروس حلمهم القديم. ولذا لم يكن من السهولة بمكان على أي من المرشحين منافسة بوتين في هذه الانتخابات بما فيهم نافالني الذي كان سيتخذ من الترشح منصة مريحة لإثارة قضايا كثير منها ليس شرطا أن يكون صحيحا ما لم يكن ثمة دليل قاطع عليها، فهناك فارق بين الادعاءات والإثباتات المقرونة بأدلة ووثائق.

أما الأمر الثاني، فيتعلق بما سجلته بعض تقارير بعثة الرقابة الدولية التي شاركت في الإشراف على هذه الانتخابات – التي كان من بينهم كاتب هذه السطور – إذ يمكن تسجيل ملاحظتين مهمتين في هذا الخصوص، هما: أولا، مع فتح باب مراكز الاقتراع في الوقت الذي نص عليه القانون وهو الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثامنة مساء، شهدت هذه المراكز إقبالا من جانب الناخبين، رغم أن الانتخابات جرت فى أحد أيام العطلة الأسبوعية (الأحد 18 مارس)، وهو ما يعني أن ثمة حرصا كبيرا من المواطن الروسي على المشاركة في هذه الانتخابات رغم دعوات المقاطعة التي أطلقها البعض بحجة عدم وجود ضمانات لنزاهة الانتخابات، بل سجلت بعض مراكز الاقتراع خلال الثلاث ساعات الأولى حضور ما يزيد على ثلاثمائة ناخب. صحيح أن النسبة تباينت من مركز إلى آخر طبقا للطبيعة السكانية للمنطقة، إلا أنها أعطت مؤشرا على وجود نسبة إقبال مرتفعة سجلت طبقا لما أعلنته لجنة الانتخابات المركزية نسبة 67 في المائة، وذلك على عكس التوقعات التي أشارت إلى أن الإقبال سيكون ضعيفا في ظل شعور المواطنين بأن الأمر محسوم سلفا للرئيس بوتين.

ثانيا: تصويت كبار السن، حيث كان من الملاحظ أن أغلب الناخبين وخاصة مع الساعات الأولى لفتح مراكز الاقتراع من كبار السن، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء انخفاض درجات الحرارة التي يتسم بها الجو في روسيا خلال هذه الفترة من العام، إذ سجلت درجات الحرارة هذا اليوم (-19) ليلا و(-8) نهارا. ويذكر أنه في أحد الحوارات مع الناخبين أكدوا حرصهم على المشاركة دعما للرئيس بوتين وتأييدا لسياسته التي حققت درجة معقولة من الأمن والاستقرار، وهذا أمر منطقى أيضا، إذ إن كبار السن اليوم هم من عاصروا انهيار الاتحاد السوفياتي وما صاحب ذلك من تداعيات سلبية على أمنهم واستقرارهم ومستويات معيشتهم، ويتذكر هؤلاء تلك اللحظات المأساوية التي عانوا منها، ورأوا أن ما حققه بوتين في هذا الخصوص يعد إنجازا يستحق التأييد والدعم والالتفاف حوله في مواجهة الانتقادات الغربية المتزايدة ضده، وهو ما جعل بعض الصحف الروسية تشير إلى أن السياسة المعادية لبوتين من جانب الغرب رفعت نسبة المشاركة ما بين (5-10 في المائة).

المحور الثاني: الانتخابات الروسية بين النزاهة والتزوير

صاحبت العملية الانتخابية جدلا واسعا حول مدى نزاهتها، وتزايد هذا الجدل عقب إعلان فوز الرئيس بوتين بنسبة فاقت النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، إذ فاز بنسبة 76.67 في المائة من عدد الأصوات التي شاركت في هذه الانتخابات والتي بلغت نسبتها كما سبق الإشارة 67 في المائة مرتفعة عما كانت عليه في انتخابات 2012، حيث بلغت حينها 63.6 في المائة، يأتي من بعده بافل جرودينين عن الحزب الشيوعي الروسي، حيث حصل على نسبة 11.8 في المائة، يأتي بعده فلاديمير جيرينوفكسي رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي بنسبة 5.6 في المائة، ثم كسينيا سوبتشاك عن حزب المبادرة الاجتماعية بنسبة 1.4 في المائة.
يتضح من ذلك مدى الفارق بين نسبة التصويت التي حصل عليها الرئيس بوتين والنسب التي حصل عليها المرشحون المنافسون، إذ إن أقرب مرشح يبلغ الفارق بينه وبين بوتين ما يقرب من 65 نقطة. ولكن رغم هذا الفارق فإن ثمة تقارير نشرتها بعض المواقع الإخبارية والصحف الأجنبية عن حدوث تجاوزات في عملية التصويت، من ذلك موقع صحيفة «ديلى ميل» البريطانية حيث نشر شريط فيديو يظهر قيام موظفى احدى اللجان بوضع عددا من البطاقات الانتخابية فى صناديق الاقتراع، وهو الأمر الذي دعا رئيسة اللجنة المركزية للانتخابات إيلا بامفيلوفا إلى التأكيد على أن الانتخابات لم تشهد انتهاكات تذكر، وأنه في حال ثبوت ما نُشر، ستتولى اللجنة إجراء التحقيقات اللازمة بشأن أية خروقات أو تجاوزات شابت عملية التصويت.
ومن الجدير بالذكر أن اللجنة المركزية للانتخابات اتخذت مجموعة من الإجراءات لضمان نزاهة العملية الانتخابية، من أبرزها:

– الفرز إلكترونيا، ويعني ذلك أن كل مركز من مراكز الاقتراع مزود بعدد (2) صندوق مزود بماكينة سكنر، يضع فيها الناخب ورقة الانتخاب بعد اختيار مرشحه، ليتم تسجيل عدد الناخبين بمجرد وضع هذه الورقة في تلك الماكينة التي تقوم بدورها بتسجيل اختيار الناخب لمرشحه، على أن يتم في نهاية اليوم الانتخابي طبع نتيجة التصويت إلكترونيا دون الحاجة إلى استخدام الطريقة التقليدية في حساب الأصوات. فعلى سبيل المثال إذا كان في أحد مراكز الاقتراع عدد (2000) ناخب، يمكن من متابعة هذه الماكينة معرفة عدد الذين صوتوا في هذا المركز، وبمجرد غلق باب التصويت يتم احتساب أصوات الناخبين دون الحاجة إلى العد اليدوي.

– تزويد كل مراكز الاقتراع بعدد من الكاميرات لمراقبة كافة العملية التي تتم داخل مركز الاقتراع، ومما يلفت الانتباه أنه يمكن للمواطنين مشاهدة هذه الكاميرات عبر الشاشة الموجودة خارج مركز الاقتراع.
– تزويد كل مراكز الاقتراع بعدد من اللوحات الاسترشادية سواء بالنسبة للمرشحين والتعريف بهم وببرامجهم، أو الخاصة بكيفية الاختيار في ورقة الانتخاب منعا لوقوع أخطاء يترتب عليها إبطال صوت الناخب.

– دعوة عدد من المراقبين الدوليين من مختلف بلدان العالم للإشراف على العملية الانتخابية، وقد بلغ عدد هؤلاء المراقبين ما يزيد على 150 مراقبا موزعين على مختلف مراكز الاقتراع المنتشرة فى كافة أنحاء روسيا.
ولكن لا يعني وجود كل هذه الضمانات عدم حدوث بعض التجاوزات والخروقات، إذ إنه من الصعوبة بمكان أن تتحقق نزاهة أية عملية انتخابية بنسبة 100 في المائة. كما أنه في حالة وقوع مثل هذه الخروقات يمكن تقبلها في ضوء اتساع الفارق في نسبة الأصوات التي حصل عليها المرشح الفائز وبقية المرشحين، بمعنى أنه حتى في حالة إذا ما قامت اللجنة المركزية بإجراء التحقيقات اللازمة واتخذت قرارا بإبطال الأصوات الموجودة في هذه الصناديق الانتخابية، فمن غير المتوقع أن يؤثر ذلك على نتيجة الانتخابات، وجُل ما في الأمر أن يؤثر ذلك على نسبة ما حصل عليه المرشح الفائز. إضافة إلى ذلك فإن ما كشفته هذه المواقع الإلكترونية كانت نتيجة للإجراءات التي اتخذتها اللجنة المركزية لضمان نزاهة الانتخابات، إذ كان الهدف من وضع الكاميرات في مراكز الاقتراع هو الوقوف على ما يمكن أن يحدث من خروقات أو تجاوزات سواء من جانب الموظفين أو الناخبين، وإلا ما هي الفائدة من اتخاذ مثل هذه التدابير والقيام بكل تلك الإجراءات؟ إذ إن الهدف الرئيسي من ذلك هو الحد من أية عمليات تزوير يمكن أن تقع في مراكز الاقتراع. يضاف إلى ذلك أنه خلال لقاءاتنا مع مندوبي المرشحين في مراكز الاقتراع قد أشادوا بمستوى التنظيم وما اتخذته اللجنة المركزية للانتخابات من إجراءات لضمان النزاهة، حيث يجلس مندوبو أو وكلاء المرشحين داخل مراكز الاقتراع لمراقبة عملية التصويت.

وعليه، يصبح على اللجنة المركزية للانتخابات اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتحقيق في كل هذه الخروقات والتجاوزات حرصا على المصداقية التي اتسمت بها العملية الانتخابية بصفة عامة، وتعزيزا للشفافية، لأنه في حالة تقاعس اللجنة عن ذلك تصبح كل تلك الإجراءات والتدابير عديمة الجدوى طالما لم تؤت ثمارها في منع ارتكاب مخالفات، أو معاقبة من يرتكب مثل هذه المخالفات، وهذا هو الهدف المرجو من اتخاذ مثل هذه التدابير.
كما أن ثمة ملاحظة جديرة بالتسجيل تتعلق بتعزيز دور المراقبين الدوليين، صحيح أن بعض أعضاء هذه الوفود يتحدثون الروسية، كما وفرت اللجنة المركزية للانتخابات المترجمين المصاحبين للمراقبين، إلا أنه كان من الأفضل أن يتم وضع إرشادات وضوابط العملية التصويتية في مراكز الاقتراع باللغة الإنجليزية إلى جانب اللغة الروسية؛ حتى يتمكن المراقبون من الاطلاع على هذه الإرشادات والتعليمات بما يسهل مهامهم.

المحور الثالث: روسيا ما بعد الانتخابات الرئاسية… لا تزال التحديات قائمة

بعيدا عن نتيجة الانتخابات وما أثير بشأنها، يبقى الأهم هو روسيا ما بعد فوز بوتين بولاية رابعة، إذ لا تزال روسيا تواجه العديد من التحديات الداخلية والخارجية. والتي تتطلب رؤية مغايرة في كيفية التعامل معها. صحيح أن بوتين في خطابه قبل الانتخابات والذي كشف فيه عن برنامجه الانتخابي قد أشار إلى كثير من هذه التحديات وما تقوم به الدولة في مواجهتها وما هو منتظر القيام به في المستقبل، مؤكدًا على صلاحية هذا البرنامج بقوله: «الرئيس متأكد من صواب البرنامج الانتخابى الذي اقترحه على البلاد». إلا أنه من الأهمية بمكان إعادة التأكيد على أبرز التحديات التي لا تزال تواجه الدولة الروسية. فعلى المستوى الداخلي لا تزال للعقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب ضد روسيا جراء ضم جزيرة القرم ذات أثر سلبي على مستويات معيشة المواطنين، ومما عزز من هذا الأثر تراجع أسعار النفط عالميا الأمر الذي أفقد روسيا واحدة من الأدوات المهمة التي اعتمد عليها بوتين في إعادة بناء الدولة، وهو ما يتطلب البحث عن سبل غير تقليدية سواء من خلال تنوع الاقتصاد الروسي بعيدا عن الاعتماد شبة الكلي على النفط والغاز، أو من خلال فتح مسارات تعاون جديدة، ومنها على سبيل المثال تعزيز الدور الروسي في القارة الأفريقية لاستعادة الدور الذي افتقدته منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ من الأهمية بمكان أن يكون لروسيا وجود في هذه القارة الواعدة بما يفتح أسواقا جديدة للصادرات الروسية وبصفة خاصة السلاح الروسي إذ تعد روسيا الدولة الثانية عالميا من حيث حجم تصدير السلاح، خاصة أن هناك أسواقا كانت تتعامل مسبقا مع النظام السوفياتي قبل انهياره، فضلا عن ذلك يمكن لروسيا تصدير منتجاتها الصناعية إلى الأسواق الأفريقية التي تقل فيها اشتراطات الجودة المطلوبة مقارنة بأسواق بلدان أخرى متقدمة. كما يواجه بوتين داخليا أيضا قضية الإرهاب والتنظيمات الإرهابية وتزايد مخاطرها، صحيح أن نسبة وقوع تفجيرات إرهابية انخفضت إلى درجة عالية إلا أن الخطر لم ينته بعد، وهو ما يستوجب مزيدا من التنسيق المعلوماتي والاستخباراتي مع مختلف البلدان المحيطة لإحباط أية محاولات مسبقة وتفكيك أية خلايا يتم تشكيلها. أما على المستوى الخارجي، فلا تزال العلاقات الروسية الأوروبية تزداد توترا وتباعدا، وهو ما يمثل عبئا على الدولة الروسية في تعزيز قدراتها العسكرية والاستراتيجية حتى تستطيع الوقوف بندية في مواجهة التدخلات المتزايدة في الشؤون الروسية، وكذلك مواجهة حالات التمدد سواء من حلف الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي للاقتراب من الجوار الروسي على غرار ما حدث في أوكرانيا ودفع بوتين إلى التدخل بضم جزيرة القرم الاستراتيجية لمنع تقدم حلف شمال الأطلسي على الحدود الروسية. كما يتطلب الأمر كذلك إعادة النظر في بعض توجهات السياسة الروسية حيال الصراعات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الأوضاع المتوترة في سوريا وانعكاساتها على مصالح مختلف الأطراف إقليميا ودوليا، إذ يخشى الجميع من أن تصبح سوريا نقطة اشتعال لحرب عالمية لا أحد يعرف مداها، وهو ما يفرض على روسيا تقديم مزيد من التسهيلات لاحتواء تداعيات الأزمة على الأمن والاستقرار العالمي والإقليمي. صحيح أن ثمة جهودا سياسية قامت بها موسكو من خلال حوار سوتشي بين الأطراف السورية إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهود لإقناع الأطراف كافة بضرورة التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، مع التأكيد على أن مسؤولية حل الأزمة السورية لا تقع على عاتق موسكو بمفردها وإنما تتحمل الأطراف المنغمسة في الأزمة ما قبل تدخل روسيا عسكريا العبء الأكبر في حلحلة مواقف مختلف الأطراف السورية التابعة لها.

خلاصة القول إن روسيا ما بعد انتخابات بوتين لولاية رئاسية رابعة تحتاج إلى مقاربات غير تقليدية داخليا وخارجيا كي يتمكن الرئيس بوتين من أن يعيد مكانة دولته إقليميا وعالميا وإلا ستدخل في نفق مظلم من الأزمات الداخلية والصراعات الدولية التي تنهك الدولة وتعيدها إلى نقطة البداية، وهو ما أشار إليه الرئيس بوتين بصراحة في مؤتمره عقب إعلان النتائج، إذ ذكر أنه: «من الضروري جدا توحيد جهود جميع الناس، بغض النظر عن نوع المرشح الذي صوتوا لصالحه، لأننا نواجه مهام معقدة وصعبة للغاية، ونحن لا نحتاج فقط إلى حلها كالعادة وفق النظام الحالي، وإنما أيضا إلى تحقيق اختراقات وقفزات نوعية في إنجاز هذه المهام»، فهل تستطيع روسيا تحقيق ذلك؟.

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.