الاحتجاجات العارمة في إيران... إلى أين؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

الاحتجاجات العارمة في إيران… إلى أين؟

بعد ثلاثة أشهر من انطلاق شرارتها من «معقل المتشددين» في مدينة مشهد

-  تجمع الناس للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة في طهران، إيران في 30 ديسمبر 2017.
تجمع الناس للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة في طهران، إيران في 30 ديسمبر 2017.

لندن – حنان عزيزي

الأزمات الاقتصادية والبطالة والفقر والفساد وغياب العدالة وتجاهل حقوق الأقليات شكلت أهم أسباب اندلاع الاحتجاجات

انطلقت شرارة الاحتجاجات الأخيرة في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2017 من مدينة مشهد – معقل المتشددين – بهتافات منددة لنظام الحكم على غرار «الموت للديكتاتور» و«الموت لروحاني» و«حولتم الإسلام إلى السلم فأذللتم الشعب» وانتقلت الموجة الاحتجاجية بسرعة إلى بقية المدن الإيرانية. بغض النظر عن الخلافات بشأن الجهة أو التيار الذي كان يقف وراء الاحتجاجات في بدايتها وما أهدافها لقد أثارت الانتشار السريع لهذه الانتفاضة في مناطق مختلفة دهشة واستغراب المراقبين والمحللين. وزعم بعض التيارات الإصلاحية أن هذه الاحتجاجات نظمها التيار الأصولي المتشدد بهدف تضعيف حكومة روحاني، ويرى بعض المحللين أن لجوء الإصلاحيين لمثل هذا الاستنتاج لتفسير الاحتجاجات يظهر فشل الحركة الإصلاحية ووصول الإصلاحيين إلى طريق مسدود.

لقد شهدت إيران بعد قيام الثورة في 1979 انتفاضات عديدة من أبرزها الحركة الطلابية (1999) والحركة الخضراء (2009). تعود أسباب الاحتجاجات العارمة الأخيرة إلى عدم كفاءة وفعالية الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية في إيران، حيث وصل الفشل ذروته في الوقت الراهن. تعاني شرائح كبيرة في المجتمع من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة ووصلت إلى نتيجة مفادها بأن اللعبة الانتخابية بين الإصلاحيين والأصوليين المتشددين خلال العقدين الأخيرين والتي بدأت بفوز محمد خاتمي بانتخابات الرئاسة (1997) واستمرت بوصول المتشددين إلى الرئاسة وانتهت بفوز المعتدلين (بقيادة حسن روحاني) لم تؤد إلى تحسين الأوضاع المعيشية والسياسية وبالتالي أخذت هذه الشرائح تفكر ببديل ثالث لا علاقة له بنظام الحكم الحالي نهائيا.

يمكن القول بأن الأزمات الاقتصادية والبطالة والفقر والفساد وغياب العدالة وتجاهل حقوق الطبقات المختلفة في المجتمع على غرار النساء والعمال والمعلمين والمتقاعدين والشعوب غير الفارسية شكلت أهم أسباب اندلاع الاحتجاجات. تكشف العديد من الشعارات والمطالبات التي رفعت خلال الاحتجاجات عن الاختناق السياسي الناجم عن غياب الحريات السياسية وحرية التعبير فيما تظهر المطالب الأخرى عن الظلم المضاعف والتمييز الذي تتعرض له الشعوب غير الفارسية وانتهاك حقوقها. كما أنه علينا ألا ننسى المشاكل التي تواجهها النساء من انتهاكات لحقوقهن وغياب الحد الأدنى من الحريات على غرار حق ارتداء الزي وإلزامهن بما يسمى الحجاب الإسلامي. وهناك شق آخر من الأزمات ذات الطابع الاقتصادي التي نتجت عنها الفقر والفساد وانتشار مدن الصفيح والتمييز وزيادة الفوارق الطبقية وغيرها.

تفتقر الحكومة في هذه الظروف إلى برامج وخطط طويلة الأمد ومتوسطة الأمد لتوفير فرص العمل. لم يجد الشباب العاطلون عن العمل والطبقات المسحوقة التي ضاقت ذرعا بهذه الظروف وبالانتخابات غير الديمقراطية المحصورة بين التيارين داخل نظام الحكم فرصة للتعبير عن رأيهم وإيصال صوت غضبهم واستيائهم إلا عبر النزول إلى الشارع. صب المحتجون خلال الاحتجاجات الأخيرة عبر شعارات على غرار «الموت لخامنئي» و«الموت لمبدأ ولاية الفقيه» و«جعلتم من الإسلام سلما فأهنتم الشعب» و«اخجلوا يا رجال الدين واتركوا الحكم» و«الشعب يلجأ إلى الاستجداء والسيد (خامنئي) يعيش كالملوك» و«أين تذهب أموالنا… العراق واليمن وسوريا» جام غضبهم على المرشد وسياساته الداخلية والخارجية مما يدل على يأس المحتجين من إهمال أوضاعهم المعيشية وعدم التمتع بالحد المقبول من الرفاه العمومي وتمكين المؤسسات الدينية والآيديولوجية على غرار الحرس الثوري وإرسال القوات والأسلحة إلى دول مثل العراق وسوريا واليمن والمساهمة في زيادة الصراعات الطائفية في المنطقة. يشير تنوع الشعارات السياسية وتلك المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وحتى الشعارات المؤيدة لأسرة البهلوي (حكم الشاه) إلى وجود طاقة هائلة للمحتجين خلال الاحتجاجات الأخيرة.

طلاب إيرانيون يحتجون في جامعة طهران خلال مظاهرة يقودها الغضب من المشاكل الاقتصادية، في العاصمة طهران في 30 ديسمبر 2017 .
طلاب إيرانيون يحتجون في جامعة طهران خلال مظاهرة يقودها الغضب من المشاكل الاقتصادية، في العاصمة طهران في 30 ديسمبر 2017 .

تفيد الإحصائيات بأن معدل الانتحار وصل إلى أكثر من 13 شخصا يوميا أكثرهم من الفئة العمرية بين 15 و35 عاما، وتشير الدراسات إلى أن أكثر من 6 أشخاص فقدوا حياتهم بسبب الانتحار من بين كل 100 ألف إيراني في 2013 حسب موقع اقتصاد أونلاين الإيراني. هذا يعني أن هناك على الأقل 13 شخصا يبلغون يوميا مستوى من اليأس والانهيار يقدمون فيه على الانتحار. لماذا يبلغ هؤلاء هذه النقطة؟ إن عوامل على غرار عدم الحصول إلى الوظيفة والبطالة والفقر والإدمان والطلاق والدعارة والمبيت في الكراتين ومشاكل متشابهة قد توصل الفرد إلى أن يضع نهايته بنفسه.

يمتنع النظام الإيراني منذ عقد من الزمن عن إعلام خط الفقر الرسمي. قال رئيس منظمة الشؤون الاجتماعية في إيران تقي رستم واندي في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 إن عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر يتراوح بين 10 إلى 12 مليون شخص. هذا ونشر موقع اقتصاد أونلاين في تاريخ 22 نوفمبر 2017 تقريرا نقل فيه عن المحلل الاقتصادي الإيراني حسين راغ فر قوله بأن 40 في المائة من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر. وأضاف راغ فر بأن عدد الفقراء في تزايد مستمر. بلغ عدد السكان في 2015 نحو 77 مليون شخصا، ويمكن من هذا المنطلق أن نقول بأن أكثر من 30 مليون إيراني يعيشون اليوم تحت خط الفقر. هذا ولم تعتمد الحكومة أي خطة للقضاء على الفقر وبالتالي يمكن أن نتوقع تزايد الفقر.

إن البطالة والفقر والتشرد والمبيت في الكراتين والقبور وعدم التمكن من تشكيل الأسرة والطلاق هي حلقات من السلسلة التي تجر الفرد إلى مشكلة أخرى وهي الإدمان وتعاطي المخدرات. ونقلت وکالة إيسنا للطلبة عن وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي علي ربيعي قوله في تاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017 «إن عدد القوى العاملة خلال العام الماضي (٢٠١٦) بلغ نحو ٢٢ مليون و٥٨٨ ألف شخص ووصل هذا الرقم إلى ٢٣ مليون و٨٧٣ ألف شخص خلال العام ٢٠١٧، وبلغ عدد العاطلين عن العمل خلال ٢٠١٦ نحو ٣ ملايين و٢٠٠ ألف شخص ووصل هذا الرقم إلى ٣ ملايين و١٠٠ ألف شخص مما يشير إلى عدم تغيير ملموس بهذا الشأن». ولکن یبدو أن الإحصائيات الرسمية لا تتطابق مع الرقم الحقيقي لعدد العاطلين عن العمل. وه‍ذا ما أكد عليه محسن إيزاد خواه الباحث الاقتصادي والمعاون السابق لمنظمة الضمان الاجتماعي لوكالة إيسنا للأنباء في ٢ أغسطس (آب) ٢٠١٧ بقوله: «تفيد الإحصائيات الرسمية بوجود ٣ ملايين و٢٠٠ ألف عاطل عن العمل ولكن العدد الواقعي للعاطلين عن العمل يفوق ٦ ملايين شخص».

وعلى صعيد آخر صرح المتحدث باسم لجنة مكافحة المخدرات برفيز أفشار في مؤتمر صحافي في ٢٦ يونيو (حزيران) ٢٠١٧ بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات بأن «تفيد الإحصاءات الجديدة بأن عدد المدمنين على المخدرات والذين يتعاطونها بالاستمرار بلغ مليونين و٨٠٨ آلاف شخص».

تجدر الإشارة إلى أن هذه الإحصائيات والأرقام كلها صادرة عن منظمات رسمية حكومية في إيران. وبغض النظر عن هذه الأرقام فإن نظرة خاطفة إلى الصراع والمناوشات السياسية ورصد الاحتجاجات العمالية والتجمعات الاحتجاجية شبه اليومية للذين خسروا أموالهم بعد إفلاس العديد من المؤسسات المالية وأوضاع الأسواق والعملة الصعبة وأرقام الجرائم من القتل والاعتداء الجنسي وأمثالها تشير بسهولة إلى حجم الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها إيران.

ولذلك يمكن القول بأن الاحتجاجات التي عمت إيران أخيرا ما هي إلا ردة فعل على هذه الأزمات الهيكلية. فالشعب بات مرهقا من سوء الإدارة وعدم جدارة السلطة على كافة المستويات. ويرى المحللون أن هذه الانتفاضة تملك هذه الإمكانية للاستمرارية لأنها ليست هبة شعبية مؤقتة بل إنها جزء من عملية طويلة الأمد قد تؤدي إلى التغيير. ما يبدو واضحا أن المطالبات المطروحة تجاوزت الإصلاحيين والمتشددين على حد سواء، وأن هذين التيارين الرئيسيين يعجزون عن اتخاذ خطوات عملية للتجاوب مع المحتجين ويكتفون فقط بتقديم الوعود المكررة وبالتالي ليس بوسعهم إيجاد مخرج للأزمات الكبيرة مثل البطالة وتحسين الوضع المعيشي وحتى السياسة الخارجية والعمل على الحد من التدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة ووقف نشاطاته لزعزعة الأمن في المنطقة.

وحسب الكثير من المراقبين في الشأن الإيراني فإن النظام الإيراني قد يتمكن من قمع الاحتجاجات في المدى القصير ولكن إخماد الاحتجاجات وقمعه بشكل نهائي قد يبدو صعبا، وذلك بسبب مدى انتشار رقعة الاحتجاجات الأخيرة وذلك خلافا للحركة الخضراء في ٢٠٠٩، وأيضا بسبب الصراع بين التيارات السياسية في السلطة. لقد بلغت الأزمة الراهنة في إيران مستويات خطيرة وبالتالي فإن أبسط الخطوات للتخفيف من حدتها يستلزم إيجاد هيكلية جديدة والانتقال من الهيكلية الفاسدة الراهنة. هذا ونلاحظ بأن السلطة تعجز عن تقليص المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وحتى المشاكل البيئية لا بل تم تخصيص نحو ٦٠٨ ملايين دولار في الميزانية العامة للحكومة في ٢٠١٧ إلى فيلق القدس (الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني) وزيادة القدرات الصاروخية الإيرانية. وفي النهاية يمكن اعتبار الاحتجاجات العارمة التي شهدتها المدن الإيرانية مؤخرا بأنها جزء من مسيرة طويلة للانتقال إلى الديمقراطية.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.