ورقة سيف الإسلام القذافي

بعض القوى المحلية والدولية تضعها على الطاولة عند الطب

سيف الإسلام القذافي ، ابن الزعيم الليبي معمر القذافي ، يلوح خلال لقاء مع الشباب يوم 10 مارس 2011 في طرابلس


* يبدو أن الأوضاع في ليبيا لم تمكن سيف من الاستفادة من العفو. وهذا يفسر عدم ظهوره علانية منذ إعلان كتيبة العتيري إطلاق سراحه.

* تتسبب الأخبار التي تصدر بين حين وآخر عن سيف في إرباك الكثير من الجهات بمن في ذلك المحسوبون على نظام معمر القذافي.

* تصادف قيام السلطات الليبية بإصدار نظام حديث لبطاقات الرقم القومي، مع أخبار عن عزم سيف الإسلام الترشح، فتدخل بعض خصومه لعرقلة صرف القيد والرقم الوطني له.

القاهرة: عبد الستار حتيتة

بمجرد أن أعلنت مجموعة من الليبيين، أثناء اجتماع صغير في تونس الشهر الماضي، عن نية سيف الإسلام، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، الترشح لانتخابات الرئاسة في ليبيا، تضاربت كثير من التوجهات بين أفرقاء ليبيين ومراقبين دوليين. وكان السؤال: هل مثل هذه القصص التي تثار كل بضعة أشهر حول نجل القذافي، حقيقية أم مجرد بالونات اختبار وأدوات ضغط. ويقول العقيد العجمي العتيري، الذي تتولى فرقته العسكرية تأمين المقر الذي يوجد فيه سيف الإسلام في مكان ما من منطقة الزنتان، إن نجل القذافي لا علاقة له بما يقال عن رغبته في الترشح للانتخابات.

ومن جانبه أعرب الدكتور محمد الورفلي، المسؤول السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية، عن اعتقاده بأن السبب في اللغط الدائر حول ترشح سيف الإسلام، يعبر عن المشهد المربك في عموم البلاد، وتساءل الورفلي قائلا: «أولا، هؤلاء الأشخاص الذين يتحدثون باسم سيف، من تلقاء أنفسهم، كمتطوعين، حتى لو طرحوا برنامجا باسمه للمستقبل، فهذا تعد على حرية سيف الإسلام وأفكاره وتوجهاته. أعتقد أن هذا الأمر ربما وراءه أغراض وغايات لتوريطه في موضوع معين».

وتقع الزنتان إلى الجنوب الغربي من العاصمة الليبية وتضم نحو أربعين ألف نسمة. وألقت ميليشيات من تلك المنطقة القبض على سيف في أواخر عام 2011. أي بعد أقل من شهرين من مقتل والده في مدينة سرت تحت ضربات حلف شمال الأطلسي الناتو. وتعرض ابن القذافي للمحاكمة التي قضت بإعدامه، إلا أن البرلمان الليبي أصدر عفوا عنه، لكن المتشددين في ليبيا يرفضون تنفيذ العفو، كما أن محكمة الجنايات الدولية تطالب بتسليمه لها لمحاكمته بتهم ارتكاب جرائم حرب أثناء الانتفاضة التي أطاحت حكم القذافي.

ويبدو أن الأوضاع في ليبيا لم تمكن سيف من الاستفادة من العفو. وهذا يفسر عدم ظهوره علانية منذ إعلان كتيبة العتيري، العام الماضي، إطلاق سراحه. ويعتقد أن سيف موجود تحت حماية هذه الكتيبة وعائلات من قبيلة الزنتان في نفس المكان الذي كان محتجزا فيه. ويقول مصدر قبلي إن نجل القذافي غير مسجون الآن، لكنه يفضل البقاء في المكان الموجود فيه، بعيدا عن الأضواء والمخاطر، وتحت حماية قوات العتيري، حفاظا على حياته، وانتظارا لتغير الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

ويبدو أن بعض القوى المحلية والدولية تضع ورقة سيف الإسلام على الطاولة عند الطلب، من أجل تحقيق مكاسب، أو إخافة الخصوم، أو غيرها من ألاعيب السياسة. فيكفي أن تقول في طرابلس إن سيف سيترشح للرئاسة، وحينها ترى الاجتماعات والاتصالات التي تعكس قلق كثير من حكام الدولة الذين جاءوا بعد القذافي. كما أن سيف يعتقد أن لديه الكثير من الأسرار التي تخص دولا عربية وأجنبية، سواء ما يتعلق بدعم حملات للرئاسة، أو التعاون في مجال مكافحة الإرهاب أو تسديد أموال تسوية قضايا كانت عالقة بين ليبيا ودول الغرب، ومنها فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية.

وظهر اسم سيف الإسلام بقوة مجددا منذ أعلن المبعوث الأممي لليبيا، غسان سلامة، أنه يعتزم فتح الباب لانتخابات عامة، رغم أن هذا الأمر ما زال بعيد المنال. وقبل نحو ثلاثة أسابيع، وفي خطوة مفاجئة في تونس، أعلن أيمن أبو راس، الذي قدم نفسه للرأي العام باعتباره متحدثا باسم سيف الإسلام، أن نجل القذافي يعتزم الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية في ليبيا، وأنه موجود في البلاد ويتمتع بصحة جيدة. كما تحدث أبو راس بعد ذلك، لوسائل إعلام مختلفة، عما قال إنها رؤية سيف الإسلام للحل في ليبيا، مشيرا إلى أن سيف سيظهر للعلن عندما تعلن مفوضية الانتخابات الموعد الرسمي لانتخابات البرلمان والانتخابات الرئاسية.

صحفيون يشاهدون محاكمة سيف الدين الاسلام ابن الرئيس السابق معمر القذافي على الهواء مباشرة، من مدينة الزنتان في غرب ليبيا أثناء محاكمته في 25 مايو ، 2014 في محكمة في طرابلس.

ويوجد خصوم محليون كثيرون لسيف الإسلام خاصة في غرب ليبيا، وبالتحديد في أوساط الميليشيات الجهوية والمذهبية المتشددة، وفي أروقة كل من مجلس الدولة والمجلس الرئاسي وهما مجلسان انبثقا عن اتفاق الصخيرات المدعوم من الأمم المتحدة، ويضمان شخصيات محسوبة على المتطرفين المعادين لنجل القذافي والرافضين لأي محاولة لظهوره على المسرح السياسي.

وينطبق الأمر نفسه على عدد من أنصار النظام السابق ممن تم إصدار أحكام بإعدامهم في طرابلس، مثل البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد القذافي، وعبد الله السنوسي، رئيس المخابرات العسكرية في العهد السابق، وأبو زيد دوردة، رئيس المخابرات السابق.

وتتسبب الأخبار التي تصدر بين حين وآخر عن سيف في إرباك الكثير من الجهات بمن في ذلك المحسوبون على نظام معمر القذافي. ويعيش عدد كبير من قيادات وأنصار نظام القذافي في دول مجاورة لليبيا مثل الجزائر وتونس ومصر. ويقول أحمد بن نايل، رئيس منظمة شهداء براك الشاطئ الليبية: «موضوع سيف موضوع محرج».

ويصنف كارهو حكم معمر القذافي، كل من يرفض «ثورة فبراير» 2011، بأنه من أنصار النظام السابق ومن أتباع القذافي. وأدى نشر أنباء عن عزم سيف الترشح إلى تكشير الكثير من المتحفزين لأنيابهم. وجرى لبعض الوقت، وحتى أيام قليلة مضت، عرقلة صرف القيد والرقم الوطني لعائلة القذافي، وهو أمر اقترن بأنباء عن سحب الجنسية الليبية من سيف الإسلام لمنعه من الترشح.

ويقول الدكتور الورفلي إن إجراءات سحب الجنسية صعبة ومعقدة وتحتاج إلى مراحل قانونية طويلة، ولا تنطبق على سيف الإسلام، مشيرا إلى أن اللغط الذي ارتبط بقصص عن سحب الجنسية من سيف، لا أساس له، وإنما كل ما كان يدور يتعلق في الحقيقة بموضوع الرقم الوطني، و«هو مشروع إداري مستحدث، وليس له علاقة بالجنسية».

ويضيف أن فتح الباب للحديث عن نية سيف في الترشح، تسبب في منح الفرصة لقادة الميليشيات المتجمعين في المجلس الأعلى للدولة، أن تبحث إصدار قانون للانتخابات يحول دون ترشح سيف أو سواه من المحسوبين على النظام السابق لهذا المنصب.

وحتى الآن لم يصدر قانون لتنظيم العملية الانتخابية، حيث إن الجهة الدستورية المخول لها إجراء هذا الأمر هو مجلس النواب الذي يعقد جلساته في شرق البلاد بسبب سطوة الميليشيات في العاصمة. ويرى الورفلي أن بث قصص عن نوايا سيف في الترشح فتح الباب لخصومه لكي يضعوا الشروط التعجيزية، مثل القول بأن كل من خدم مع القذافي لا يحق له خوض الانتخابات، وأن كل من صدر حكم قضائي بحقه، لا يحق له الترشح، حتى وإن تم العفو عنه.

ومن جانبه يوضح بن نايل قائلا إن الأجواء العامة في ليبيا لا توحي بأنه ستكون هناك انتخابات في وقت قريب. ويضيف: «لا توجد انتخابات... المؤشرات تقول ذلك. لكن ربما انتخابات برلمانية، لا رئاسية». أما بخصوص مجموعة تونس التي أعلنت عزم سيف نزول الانتخابات، فقد أعقبها تصريح العقيد العتيري الذي قال فيه إن نجل القذافي ينفي نفيا تاما أن تكون له علاقة بهذه المجموعة، وفقا لبن نايل.

ويسود اعتقاد بين عدد من قادة وأنصار النظام السابق أن هناك مجموعات تحاول أن تسوق لسيف، وتسعى للدفع به لكي يكون على الواجهة عند الحديث عن أي انتخابات في ليبيا. وهو موضوع يبدو أنه أصاب المحسوبين على النظام السابق بأضرار كبيرة.

سيف الإسلام القذافي ، ابن الزعيم الليبي معمر القذافي ، يلمع علامة النصر خلال لقاء مع الشباب يوم 10 مارس 2011 في طرابلس

ويقول أحد قادة النظام السابق: «من حق سيف أن يترشح، فهو مواطن ليبي. نعم صدر بحقه حكم، لكن صدر أيضا عفو عام. أما فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية فالقرار في النهاية قرار ليبي. إذا التف الليبيون حول سيف فلا مجال للحديث عن أي طرف خارجي بما في لك المحكمة الدولية».

لكن هذا القيادي الذي يعيش في القاهرة يضيف: «على كل حال موضوع الترشح سابق لأوانه، وبعد انتهاء كل هذه الموضوعات، سيكون الباقي أمرا سهلا. الآن الأوضاع معقدة».

ويعتقد الدكتور الورفلي أن سيف لا يمكن أن يكون قد أقدم على خطوة الإعلان عن ترشحه... ويقول إن ما صدر عن بعض الشباب بشأن ترشح سيف «حركة غير موفقة، بصراحة»، مشيرا إلى أن كلام العقيد العتيري «هو الأرجح بأن سيف لم يعلن ترشحه، وأن أولئك الشبان بحماسهم، واندفاعهم، ورطوا المهندس سيف، وورطوا كل من هم من أنصار النظام السابق، والذين هم ضد فبراير».

وتساءل الورفلي: «كيف يترشح سيف لمنصب غير موجود، مشيرا إلى أن منصب رئيس الدولة لم يتم النص عليه بعد في الإعلان الدستوري المعمول به في الدولة كدستور».

ومن المعروف أن مجلس النواب (البرلمان) يقوم بمقام رئيس الدولة، حيث إن منصب الرئيس ما زال شاغرا. ويتطلب سن قانون لانتخاب الرئيس، النص على ذلك في الدستور المقترح، والذي قد يُقبل من البرلمان وفي الاستفتاء العام، أو لا يقبل.

ويقول المسؤول السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية: «الترشح للانتخابات، سواء انتخابات نيابية أو انتخابات رئاسية، تتم وفقا لآليات، مثل الإعلان عن فتح باب الترشح، ووجود قانون للانتخابات فيه شروط، وهل تنطبق هذه الشروط على هذا الشخص أم لا... وبالتالي الحديث عن عملية انتخابية أمر ما زال مبكرا».

ومن جانبه يعتقد بن نايل أن الجهات الغربية، التي تروج كل حين وآخر لقصص تتعلق بسيف ومستقبله السياسي، تسعى، على ما يبدو، في هذا التوقيت، لتوحيد صفوف أخرى، بذكر اسم سيف وقدرته على المنافسة. أو أن الغرب يمارس أوراق ضغط على مجموعات أخرى لتقريب صفوفهم أو ما أشبه ذلك، من خلال تخويفهم بورقة سيف.

وتصادف قيام السلطات الليبية في طرابلس بإصدار نظام حديث لبطاقات الرقم القومي، بإشاعة أخبار عن عزم سيف الإسلام الترشح، ما تسبب في تدخل بعض خصومه لعرقلة صرف القيد والرقم الوطني من مصلحة السجل المدني الليبية.

ولفت هذا الأمر انتباه بعض كبار المحامين والقضاة في العاصمة، ودار جدل عن سبب تأخير إصدار القيد والرقم، حيث اضطر فريق محامين تابع لعائلة القذافي إلى مخاطبة مصلحة السجل المدني في طرابلس ثلاث مرات على الأقل، عن طريق نيابة العاصمة. ويقول مصدر من فريق المحامين: «النيابة مشكورة كان لها موقف محايد، واعتبرت تأخير صرف الأوراق الجديدة الخاصة بسيف وعائلة القذافي، نوعا من المماطلة غير المقبولة من جانب مسؤولين في المصلحة.

وعن الرأي القانون وعما إذا كان يحق لأي جهة في الدولة سحب بطاقة الهوية أو الجنسية من أي مواطن ليبي. يقول الدكتور الورفلي: «سحب الجنسية مصطلح قانوني للمتجنس، وليس لصاحب الجنسية الأصلية. وإسقاط الجنسية وفقا لقانون الجنسية الليبي، له إجراءات، وأن تثبت مثلا تهمة الخيانة العظمى وغيرها، على المطلوب سحب الجنسية عنه. وهذا لا يكون إلا بحكم قضائي بات، والموضوع برمته لا ينطبق على سيف الإسلام».


اشترك في النقاش