ليبيون يتطلعون لانتخابات دون عنف

مخاوف من رفض جماعات مسلحة لنتائجها

طرابلس: سالم أبو ظهير

* السائح: سيف الإسلام القذافي مواطن ليبي له كافة الحقوق السياسية، ومن حيث المبدأ له حق الترشح والانتخاب، لأنه حصل على عفو عام.

* فوزي المصباحي: الدعوة إلى إجراء انتخابات في ليبيا قد تحرك الساكن في المشهد السياسي الليبي وتنجح في زلزلة الأجسام السياسية المتصدرة لمواقع صناعة القرار.

* وائل الناجح: لا بد من التعاطي مع الانتخابات ببالغ الأهمية، بغض النظر عن فرص النجاح من عدمه فإنه لا خيار في ذلك سوى التعجيل بصناديق الاقتراع.

* العربي الورفلي: الأمور ليست واضحة الآن في ظل غياب قانون انتخابات يضمن تنظيمها... من يضمن احترام نتائج الانتخابات في ظل انتشار السلاح والميليشيات؟

في السادس من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017 أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، عن انطلاق عملية تسجيل الناخبين وتحديث السجل الانتخابي، الذي قرر أن تستمر لمدة ستين يوما من تاريخ الإعلان قابلة للتمديد، مشيرة إلى أن الجاليات الليبية في الخارج يمكنها التسجيل أيضا وفق ترتيبات أعلنت عنها المفوضية في وقت لاحق.

التجربة الليبية بشكل عام فيما يخص الانتخابات وممارسة الديمقراطية فقيرة ومحتشمة فقد كان من نتائج أول انتخابات ليبية قبل ما يقارب من نصف قرن وتحديدا في الحادي عشر من فبراير (شباط) 1952. تدخل الإنجليز دون نجاح بشير السعداوي قائد حزب المؤتمر الوطني لأنه كان ينادي علانية برفض التبعية والقواعد الأجنبية في البلاد. كما رافق هذه الانتخابات أعمال شغب دموية أدت لمقتل عشرة أشخاص وجرح نحو 110 من المواطنين على يد البوليس، مما أدى لاحقا إلى إصدار مجلس الوزراء لقرار يقضي بـحل وإلغاء جميع الأحزاب السياسية في ليبيا.

بعدها بسنوات قليلة عرفت طرابلس مظاهرات عارمة، انطلقت في العاشر من مايو (أيار) 1965 منددة بشدة بتدخل الحكومة واتهامها بتزوير الانتخابات، وعقب المظاهرات بيومين دخلت طرابلس في إضراب عام بسبب هذا التزوير، وتطور الأمر بأن قام مائة مرشح في هذه الانتخابات بتقديم مذكرة للملك إدريس السنوسي يعلنون فيها صراحة عن تذمرهم وعدم رضاهم عن تدخل الحكومة في سير الانتخابات.

عز الدين كشلاف

طوال فترة حكم معمر القذافي كان مجرد التفكير في تكوين حزب يعتبر جريمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، فقد أعلن بعد أسبوعين فقط من وصوله للسلطة أنه «لا حزبية بعد اليوم ومن تحزب خان»، لتتحول بعدها (من تحزب خان) لمقولة في الكتاب الأخضر الذي كان بمثابة الدستور للنظام الجماهيري الذي حكم به معمر البلاد لعدة عقود ولا مكان فيه لما يعرف بالانتخابات أو التعددية، بل كان ما يعرف بالتصعيد الجماهيري الذي يشرف عليه الحزب الحاكم الواحد – إن صحت التسمية - وهو حزب اللجان الثورية.

بعد انتهاء حكم النظام الجماهيري، ونجاح ثورة السابع عشر من فبراير 2011 في إزاحة النظام السابق ورغم تدهور الوضع الأمني وانتشار السلاح بشكل عشوائي وعدم وجود ثقافة الانتخابات، ومعارضة ومحاربة بعض الحركات الإسلامية المتطرفة سرا وعلانية لهذه الانتخابات، فقد توجه الليبيون بمئات الآلاف إلى صناديق الاقتراع رغم القطيعة التي امتدت لأكثر من ستة عقود للإدلاء بأصواتهم وممارسة حقوقهم السياسية يحدوهم الأمل في أن يشرع وبشكل مستعجل أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في ليبيا الذين سيتم انتخابهم في بناء مقومات الدولة الجديدة القائمة على سيادة القانون والمؤسسات.

لكن الفرحة لم تتم؛ فقد خيب من تم انتخابهم أمل الليبيين فيهم وفشلوا عن قصد أو جهل أو طمع في الخروج بليبيا من مستنقع الأزمات والتطاحن والحروب الأهلية والفساد.

عز الدين الزين

في فبراير 2013 أجريت انتخابات أخرى لاختيار ستين عضوا لصياغة دستور البلاد الجديد وقاطع هذه الانتخابات مكون الأمازيغ، والذين خصص لهم مقعدان فقط. وفي يونيو (حزيران) 2014 ووسط أجواء مشحونة بالترقب والقلق من جانب الليبيين والعالم بسبب استمرار القتال بين الميليشيات المتصارعة في أنحاء متفرقة من البلاد دعمت الأمم المتحدة انطلاق انتخابات ثالثة لانتخاب مجلس النواب، ولأسباب عدة شهدت هذه الانتخابات إقبالا ضعيفا، وشابتها أعمال عنف، وحصل تنازع بشأن نتائجها، أدى إلى تعميق هوة الانقسامات التي ظهرت بعد 2011. لتتعثر ليبيا من جديد في سبيل وصولها لتطبيق الديمقراطية التي من أجلها أطاحت بنظام معمر القذافي.

وزاد الأمر تعقيدًا وعدم ثقة الليبيين في جدوى هذه الانتخابات حين لم يقدم مجلس النواب المنتخب لهم شيئا ملموسا يبين أنهم حققوا إنجازات للبلاد في مجال البناء والتنمية والاستقرار والرخاء. ومؤخرا وفي منتصف شهر يوليو (تموز) 2017 اقترحت حكومة الوفاق الوطني خريطة طريق للخروج من الأزمات التي تعصف بالبلاد، تضمن المقترح تسع نقاط أولها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مشتركة في مارس (آذار) 2018. حظي هذا المقترح بتأييد قوي وغير مسبوق من مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، الذي نجح في جمع السراج وخليفة حفتر على طاولة اجتماع واحدة في باريس وتعهد كلاهما بالموافقة والعمل على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن تدعمها وتشرف عليها الأمم المتحدة. ولتكون هذه الانتخابات كبديل للمفاوضات التي فشلت في إيجاد تسوية شاملة، لكن خليفة حفتر الذي أيد إجراءها هدد ضمنيا بتولي السلطة إذا لم تنجح.

وقد تنافست كثير من حكومات الدول المتقدمة على تقديم الدعم لهذه الانتخابات تشجيعا لليبيين وحثا لهم على تجاوز خلافاتهم، والتوجه بجدية لصنيسهم ونوابهم بطريقة ديمقراطية وحضارية ونزيهة وشفافة.

فوزي المصباحي

فتعهدت هولندا بدفع 1.65 مليون دولار، لصندوق المشروع الانتخابي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فيما خصصت الحكومة الفرنسية، مبلغ 200 ألف يورو لدعم مشروع الأمم المتحدة الانتخابي في ليبيا. إيطاليا من جانبها ساهمت بمبلغ 275 ألف يورو قدمته لدعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا. كما تلقت الحكومة الليبية دعما معنويا وتأييدا لحكومة الوفاق من الأمم المتحدة لتسير في اتجاه إنجاح الانتخابات المقبلة والوصول بليبيا لبر الأمان.

ووسط مخاوف وقلق من عدم نجاح هذه الانتخابات الليبية المرتقبة التي يدعمها العالم قال غسان سلامة إنه لكي تنجح لا بد من تأمين المقار الانتخابية، وتأمين إشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في العملية الانتخابية، ولا بد من قبول الأطراف اللبيبة كافة مسبقًا بنتائج الانتخابات بعد ضمان الالتزام بالتشريعات القانونية المتعارف عليها لإنجازها بنجاح.

رغم وجود مؤشرات نجاح تمثلت في أن مؤشر تسجيل الناخبين داخل البلاد حقّق رقمًا قياسيا مميزًا وصل إلى ما يقارب مليوني ناخب وذلك في منتصف فبراير 2018 بحسب بيان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي أعلنت أيضا إقفال منظومة التسجيل بسجل الناخبين بالخارج يوم 31 مارس 2018، والتي سجل فيها 6.630 ناخبًا. إلا أن الليبيين تباينت آراؤهم واختلفت حول هذه الانتخابات وجدواها وأسبابهم في الرهان عليها أو في عدم الوثوق بها. خاصة أنه من الضروري أن يكون هناك دستور للبلاد يحظى باتفاق الجميع، ليتم الاستفتاء عليه وهذا ما لا يوجد حاليا، كما أن الإعلان الدستوري يحتاج لتعديل في المادة الثلاثين منه للذهاب لمرحلة انتقالية رابعة في البلاد وإجراء انتخابات.

وبحسب تصريحات الدكتور عماد السائح رئيس المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا لعدد من وكالات الأنباء فإن هذه الانتخابات تبدو مختلفة عن سابقتها ففيها سيقوم الليبيون «وللمرة الأولى في تاريخ البلاد بانتخاب رئيس للشعب الليبي، وذلك بمشاركة أنصار النظام السابق الذين سيشاركون بقوة، وكذلك أنصار خليفة حفتر، لذا يجب التحضير للانتخابات بشكل جيد كي تنجح هذه الانتخابات».

العربي الورفلي

ويضيف السائح: «رصدنا 66 مليون دينار ليبي لإجراء ثلاث عمليات انتخابية، أولها الاستفتاء، ثم الانتخابات الرئاسية، ثم البرلمانية، ولكن لم نتحصل سوى على مليون ونصف المليون دينار ليبي فقط».

وفي سياق آخر أكد السائح على أن «سيف الإسلام القذافي مواطن ليبي له كافة الحقوق السياسية، ومن حيث المبدأ له كافة الحقوق، منها حق الترشح والانتخاب، ويحق لسيف الإسلام الترشح لأنه حصل على عفو عام، وفقا للعفو العام الذي صدر عن مجلس النواب، وقوانين الانتخاب في ليبيا تشترط أن لا يكون المرشح محكوما عليه في عقوبة أو جناية مخلة بالشرف، ولا توجد عقوبة على سيف الإسلام القذافي، ويحق له الترشح على منصب رئاسة ليبيا في الانتخابات المقبلة».

المهندس عز الدين كشلاف أصيل مدينة طرابلس قال إنه عايش انتخابات 1964. وما دار حولها، وكان متابعًا لها لأن والده كانت لديه الرغبة ليترشح، كما عايش انتخابات عام 1968، وحل البرلمان، وعن انتخابات عام 2018 المرتقبة يرى أن لا جدوى منها في الوقت الحالي، ورغم ذلك يتوقع كشلاف أن تجرى هذه الانتخابات «وليس بالضرورة أن تكون انتخابات فعالة فالحاضر خير شاهد على ذلك».

ويمضي كشلاف موضحًا في نفس السياق: «متطلبات الحكم تفرض ذلك، وإلا سندخل في نغمة الديكتاتورية، فللديكتاتورية أشكال، مثل ما يقال على حكم العسكر، فليبيا لم يحكمها العسكر لا سابقا ولا لاحقا، لأنه لا وجود لعسكر بمفهوم الجنرالات في ليبيا الذين سيقررون سياسات البلاد، مثل ما كان في تركيا والجزائر فالمؤسسة العسكرية كانت صاحبة السلطة ولأن معمر القذافي كان (عسكريا) فالكل يقول لا لحكم العسكر من جديد».

حسين المصراتي

ويستردك كشلاف موضحا: «هذه مجرد مقارنة للمفاهيم وليست دعوة لحكم العسكر» ثم يختم عز الدين كشلاف مشاركته بتأكيده على أن «الأمر سيكون للقوة الدولية لتحديد معالم ليبيا بالشكل الذي تراه وبالشكل الذي سيخدم مصالحها».

الكاتب الصحافي الليبي فوزي المصباحي يرى أن «الدعوة إلى إجراء انتخابات في ليبيا قد تحرك الساكن في المشهد السياسي الليبي وستنجح في زلزلة الأجسام السياسية المتصدرة لمواقع صناعة القرار على الساحة الليبية». كما يعتقد أن «الانتخابات ستكون فرصة ومخرجا من الأزمة السياسية والاقتصادية». ويضيف موضحًا أن «المواطن الليبي اليوم يرى أن الانتخابات ربما تزيح القوى التي تمترست خلف الكراسي منذ توقيع الصخيرات حتى يومنا هذا وفشلت في إخراج الوطن من أزماته المتتالية. كما أرى أن الانتخابات ستنجح في توحيد الليبيين وإخراج البلاد من النفق المظلم».

فتحي عريبي

عبد العاطي الرقيبي تاجر ليبي يرى أن «إجراء انتخابات في هذه الفترة مضيعة للوقت وأمر لا فائدة منه، طالما لم يستفت على الدستور، لأنه ليس من الممكن إجراء انتخابات من غير دستور ينظم شكل ونظام الدولة المرتقب». ويؤكد الرقيبي: «إن من يتصدر المشهد الآن لن يسمح للدستور أن يخرج ولا للانتخابات أن تحدث».

الصحافي عز الدين الزين يختلف مع الرقيبي ويرى أن «هناك فرصة لنجاح الانتخابات القادمة، إذا أشرفت عليها الأمم المتحدة، وفي وجود دستور يضع حدا لكل العشوائية». ويوضح الزين: «أنا أعتقد ذلك لأن قيام الانتخابات أصبح الحل الوحيد للبلاد في ظل الميليشيات والفوضى».

بينما يعتقد حسين المصراتي الدبلوماسي السابق بالسفارة الليبية في الصين أنه «لا جدوى من أي انتخابات إذا لم يسبقها تصويت على دستور للدولة يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم وشكل الحكومة وينظم السلطات العامة فيها». ثم يضيف: «لا جدوى من الدستور من دون مصالحة وطنية واتفاق سياسي بين الأطراف السياسية المتنازعة على السلطة نحاول بها كحد أدنى أن نضمن نجاح هذه الانتخابات. إن إجراء انتخابات قبل سحب السلاح أو إيجاد طريقة لإبعاد حامليه من التدخل في العملية الانتخابية، وكذلك حد أدنى من التوازن الاقتصادي لدى الناس، هو مخاطرة عالية».

وائل الناجح

ويدلل حسين على قوله السابق بأنه «من خلال تجاربنا السابقة أثبتنا أن من لا تعجبه نتائج الانتخابات يرفع السلاح ونشهد مزيدًا من الفوضى ومزيدا من التشظي، وكذلك الظروف الاقتصادية والحياة المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطن والتي ستجعل عملية شراء الأصوات متاحة بسهولة وفي نطاق واسع وهو ما يؤثر بشكل سلبي على النتائج».

الدكتور فتحي عريبي رئيس قسم الإعلام بجامعة غريان قال إنه «لا لمرحلة انتقالية جديدة وإنه لا بد لجميع الوجوه الحالية المتصدرة للمشهد السياسي الحالي أن تختفي». فيما يؤكد عريبي أنه مع الانتخابات للخروج من هذا المأزق شرط أن تكون هذه الانتخابات بعد الاستفتاء على الدستور».

المدون وائل الناجح يرى أنه بالنظر للوضع الحالي للبلاد فلا بد من التعاطي مع الانتخابات ببالغ الأهمية، بغض النظر عن فرص النجاح من عدمه فإنه لا خيار في ذلك سوى التعجيل بصناديق الاقتراع.

عبد العاطي الرقيبي

الدكتور العربي الورفلي قال: إن الأمور ليست واضحة الآن في ظل غياب قانون انتخابات يضمن تنظيمها. وتساءل الورفلي: «من يضمن احترام نتائج الانتخابات في ظل انتشار السلاح والميليشيات؟ ولنا مثل في ذلك وهو انتخابات مجلس النواب حيت تم الانقلاب على النتائج»، لكنه يستطرد في ختام مداخلته بقوله «أخيرًا أستطيع القول إن الانتخابات لا مفر منها وهي حل على الأقل يساهم في حلحلة الأزمة ولكن نحن بحاجة إلى ضمان نزاهتها وضمان نتائجها».


اشترك في النقاش