معتقلات الحرس الثوري... وأساليب التعذيب في «العصر الأسود» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

غير مصنف

معتقلات الحرس الثوري… وأساليب التعذيب في «العصر الأسود»

السجناء السیاسیون في إیران من عهد الشاه إلى الجمهورية الإسلامية

لندن – یوسف عزیزي

* مؤرخون إيرانیون: كان الیساریون والماركسیون هم الأكثر عدداً في السجون الإيرانیة قاطبة في تلك الفترة التي انتهت بقیام ثورة فبرایر 1979.
* أتذكر عندما كنت معتقلا بسبب نشاطي القومي في سبتمبر 1981 في سجن الحرس الثوري بالأهواز، كان المعتقلون مزیجا من نشطاء الیسار ومجاهدي خلق والقومیین العرب.
* بلغت الإعدامات ذروتها في صیف 1988 عندما قرر الخمیني وباقتراح من رفسنجاني التخلص من السجناء السیاسیین المنتسبین لمجاهدي خلق والأحزاب الیساریة.
* تحولت غرف مدرسة العلوي، مقر إقامة الخمیني منذ الیوم الأول بعد قیام الثورة إلى سجون لاعتقال رموز نظام الشاه.

شهدت إيران ظاهرة ما یوصف بالسجین السیاسي في العهد الحدیث لأول مرة في عهد الشاه ناصر الدین القاجاري (1830 – 1896) حیث یمكن أن نعتبر میرزه رضا الكرماني أبرز سجین سیاسي بعد اغتیاله لهذا الشاه الذي حكم الإمبراطوریة الفارسیة لمدة أربعین عاما. وبما أن الإمبراطوریة القاجاریة كانت تتسم بنوع من اللامركزیة وتنقسم إلى عدة ممالك وإمارات، فقد كان لكل حاكم لهذه الإمارات سجون خاصة به. على سبیل المثال، كان الشیخ خزعل حاكم إمارة عربستان یملك سجنا في عاصمته المحمرة یرزح فیه معارضوه من الشیوخ وغیرهم، أبرزهم الشیخ عاصي الشرهان أحد شیوخ قبیلة بني طرف. في الحقیقة ترتبط هذه الظاهرة ارتباطا وثیقا بالظروف السیاسیة والاجتماعیة التي عاشتها الشعوب الإيرانیة ولذلك یتمیز كل عهد بل وكل فترة من ذلك العهد بمیزات للاتجاهات الفكریة والسیاسیة التي یتبناها السجناء السیاسیون في تلك الفترة، وهذا ما سنبینه في هذا المقال. في الأعوام التي تلت ثورة الدستور (1906 – 1909) في إيران، انخفض عدد السجناء السیاسیین إثر الفوضى الناجمة عن تلك الثورة. وقد اتسم عهد الشاه رضا بهلوي (1925 – 1941) بانبثاق قطاع صناعي یضم طبقة عاملة في طور التكوین وتعاظم دور الحركة البلشفیة في الجارة الشمالیة روسیا وتأسیس الحزب الشیوعي الإيراني ونشاطه السري بین العمال وخاصة عمال مصفاة عبادان التي كانت تُعد أكبر مصفاة في الشرق الأوسط في زمانه. فلذا كان معظم السجناء السیاسیین من الشیوعیین، یضاف إلیهم قادة سابقون لثورة الدستور، أراد الشاه رضا الانتقام منهم لعدائه المبطن لتلك الثورة ومن أجل توطید سلطته بوصفه دیكتاتورا أوحد للبلاد.
وقد ألهم العدد (53) العدید من الشعراء والروائیین الإيرانیین للكتابة عن 53 سجینا سیاسیا بارزا قضوا على مدى فترات عدیدة في سجون الشاه رضا بهلوي، منهم من قضى نحبه إثر تزریق السم في السجن وبواسطة إبر خاصة مثل تقي اراني – من أبرز منظري الحركة الشیوعیة في إيران – وسجناء آخرین. ولا ننسى اغتیال الشیخ خزعل، آخر حاكم عربي لإقلیم عربستان في عام 1935 على ید أجهزة الشرطة عندما كان سجینا في الإقامة الجبریة بطهران. لكن وبعد سقوط الشاه رضا في عام 1941 ونفیه إلى خارج البلاد، خرج الذین نجوا من بطش أزلام الشاه ومنهم الروائي الإيراني المعروف بزرك علوي الذي ألف روایة سماها «53 شخصا» حول الحیاة المأساویة لأولئك السجناء الذین كانوا من المثقفین والنخب الدارسة للمجتمع الإيراني آنذاك.

احتجاج الإيرانيين الأميركيين على جرائم ضد الإنسانية والديمقراطية ترتكبها الحكومة الإيرانية في رد فعلها على الاحتجاجات اليومية الضخمة في أعقاب نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية المتنازع عليها، في 21 يونيو (حزيران) 2009 في لوس أنجليس، كاليفورنيا.

عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1953 – 1964)

خلف الشاه محمد رضا، أباه الشاه رضا بعد أن قام الحلفاء – الإنجلیز والأمیركان والروس – بخلع الأخیر من العرش الملكي بسبب تقربه من ألمانیا الهتلریة، إذ شهدت إيران في الفترة الأولى لحكم الشاه الشاب، حالة تشبه الدیمقراطیة، أدت إلى انبثاق أحزاب ليبرالیة وقومیة وكذلك حزب توده الشیوعي بدل الحزب الشیوعي الإيراني السابق وتعاظم الحركة العمالیة خاصة في صناعة النفط في عبادان والأهواز، وبزوغ الحركة الإسلامیة المتمثلة بحركة «فدائیي الإسلام» المتأثرة بأفكار الإخوان المسلمین وحسن البنا بالتحدید، وتشكیل الجبهة الوطنیة – ذات الاتجاه القومي الإيراني – بقیادة الدكتور محمد مصدق، وكذلك إقامة جمهوریة مهاباد الكردیة وسلطة الحكم الذاتي في ولایة أذربیجان الإيرانیة وحراك أبناء الشیخ خزعل في عربستان. إذ تتسم هذه الفترة (1941 – 1953) بوجود سجناء من القومیات العربیة والكردیة والتركیة الأذریة، بل وتم إعدام القاضي محمد، قائد جمهوریة مهاباد الكردیة وعدد من رفاقه وكذلك وزیر الصحة لسلطة الحكم الذاتي في أذربیجان وعدد من كوادر الحركتین القومیتین. غیر أن السجون الإيرانیة امتلأت بعد الانقلاب الذي قام به الشاه ضد مصدق بدعم من لندن وواشنطن. فقد تم اعتقال عدد من كوادر الجبهة الوطنیة وعلى رأسهم الدكتور مصدق الذي حوكم في محكمة عسكریة وتم وضعه تحت الإقامة الجبریة حتى وفاته في عام 1967، كما تم إعدام وزیر خارجیته الدكتور حسین فاطمي. لكن أكثر المعتقلین في هذه الفترة كانوا من قادة وكوادر وأعضاء حزب توده بما فیهم ضباط شیوعیون ینتمون للحزب. ومن اللافت أن أحد هؤلاء الضباط ویدعى علي عموئي سجن لمدة 25 عاما في عهد الشاه وأطلق سراحه عشیة الثورة في عام 1978 مع المئات من السجناء السیاسیین. لكن وبعد أن هیمن رجال الدین على الجمهوریة الولیدة أعادوا زمیلهم في سجون الشاه علي عموئي لیقضي 12 عاما ویكمل 37 عاما في سجون الشاه والجمهوریة الإسلامیة وهي أطول من الفترة التي قضاها نیلسون مانديلا في سجون جنوب أفریقیا كما قال لي عموئي الذي لا یزال یقیم في طهران. وقد تحدث مؤخرا عن حالات تعذیب في الجمهوریة الإسلامیة فاقت ما شهدها في سجون الشاه والسافاك، ومنها تعذیب خاص بسبب اتهامه بإقامة علاقات غیر شرعیة مع السیدة خدیجة ثقفي زوجة آیة الله الخمیني، فیما لم يكن لدیه أي اتصال أو علاقة ببیت الخمیني لا من قریب ولا من بعید.

سجينة إيرانية محجبة تعمل على آلة الخياطة الخاصة بها في القسم النسائي من سجن إيفين السيئ السمعة، شمال طهران، 13 يونيو (حزيران) 2006.

1969 – 1979

في عام 1975 قام الشاه محمد رضا بهلوي بتأسیس جهاز الاستخبارات المعروف باسم «السافاك» بعد أن حل كل الأحزاب السیاسیة وعزز سلطته الفردیة، غیر أن الأزمات الاقتصادیة أجبرته على فتح الأجواء السیاسیة بعض الشيء في عام 1961، لكن هذا الوضع لم یدم أكثر من سنتین، فلم یتحمل الشاه حتى نشاط الجبهة الوطنیة وقائدها السجین محمد مصدق فارضاً حكماً دیكتاتوریاً على البلاد. وقد تم القضاء آنذاك على حركة قومیة تطالب باستقلال إقلیم عربستان وتم اعتقال المئات من كوادرها وأعضائها. وفي عام 1964 تم إعدام 3 من قادة هذه الحركة المعروفة باسم «اللجنة القومیة العلیا» وهم: محیي الدین آل ناصر، عیسى المذخور ودهراب شمیل. وقد أدى الاحتقان وانغلاق الأجواء السیاسیة إلى توجه عدد من النخبة الإيرانیة من الإسلامیین والیساریین إلى العمل المسلح الذي تبلور بشكل حرب عصابات في المدن وخاصة في العاصمة طهران. وقد انبثقت منظمتا «فدائیي الشعب» ذات التوجه الیساري و«مجاهدي خلق» ذات التوجه الدیني التقدمي في عامي 1969 و1970 وانتهجا سبیل الكفاح المسلح ضد نطام الشاه وذلك إلى جانب مجموعة «فدائیي الإسلام» ذات التوجه الإسلامي التقلیدي التي أشرنا إلیها آنفا. یضاف إلى ذلك مجموعات أخرى كمجموعة «فلسطین» الیساریة ومجموعة «أبو ذر» الدینیة ومجموعة حركة تحریر الأحواز (عربستان) ومجموعة تابعة للحزب الدیمقراطي الكردستاني الإيراني وفصائل صغیرة أخرى تبنت الكفاح المسلح منهجا لها وخاضته في الفترة 1969 – 1979. فوفقا لهذه الخلفیة السیاسیة رزح المئات من قادة وأعضاء هذه الفصائل في سجون البلاد. وفي عام 1975 قام «السافاك» باغتیال أحد أبرز زعماء الحركة الیساریة بیجن جزني و8 سجناء آخرین ینتمون إلى منظمتي فدائیي الشعب – التي كان یقودها جزني – ومجاهدي خلق، بحجة محاولتهم للهروب من سجن ایفین، فیما فند عناصر من «السافاك» بعد سقوط نظام الشاه هذه المزاعم معتبرین أنها فبركة من أجل تبریر عملیة اغتیالهم والتخلص منهم. فیمكن أن نرسم الخریطة التالیة لاتجاهات وقومیات المعتقلین في تلك الفترة: أولا ووفق ما كتبه مؤرخون إيرانیون كان الیساریون والماركسیون هم الأكثر عددا في السجون الإيرانیة قاطبة في تلك الفترة التي انتهت بقیام ثورة فبرایر 1979، یلیهم الإسلامیون من كل الاتجاهات بما فیهم أعضاء منظمة مجاهدي خلق ورجال الدین مثل الطالقاني وحجتي كرماني وخامنئي ومنتظري ومشكیني وآخرین. وقد أصبح هؤلاء على رأس النظام الجدید الإسلامي بعد قیام الثورة. وبعد هؤلاء یقع السجناء السیاسیون الأذریون والكرد والعرب الأهوازیون والتركمان والبلوش في المرتبة الثالثة، یلیهم بعض العناصر من التابعین لحركة حریة إيران ذات الاتجاه القومي – الدیني.

عهد الجمهوریة الإسلامیة (1979 – 1988)

لم تبق السجون الإيرانیة فارغة بعد أن تم الإفراج عن آخر دفعة من السجناء السیاسیین لعهد الشاه في ینایر (كانون الثاني) 1979، إلا لمدة شهر فقط، أي قبل شهر من قیام الثورة في ١١ فبرایر (شباط) 1979، ولم یتم تطبیق كلام آیة الله محمود الطالقاني – أحد أعضاء مجلس قیادة الثورة – بضرورة تحویل سجن إیفین – أهم وأكبر سجن في طهران – إلى متحف، بعد سقوط النظام الشاهنشاهي في 11 فبرایر 1979. وقد تحولت غرف مدرسة العلوي، مقر إقامة الخمیني في أیامه الأولى بطهران، ومنذ الیوم الأول بعد قیام الثورة، إلى سجون لاعتقال رموز النظام الملكي البائد، من سیاسیین وعسكریین، مثل أمیر عباس هویدا، أهم رئیس وزراء في عهد الشاه، والسیدة فرخرو بارسا، وزیرته للتعلیم والتربیة، والقادة الكبار للقوات المسلحة وجهاز الاستخبارات (السافاك). وقد تحول سطح مبنى المدرسة إلى ساحة لإعدام هؤلاء. وقد تم فتح السجون في كل إيران رویدا رویدا بعد اعتقال العشرات من منتسبي الاستخبارات الملكیة، أضیف إلیهم في مارس (آذار) 1979 وما بعده، معتقلون من القومیات غیر الفارسیة التي أخذت تطالب بحقوقها القومیة. على سبیل المثال تم اعتقال المئات من الكرد بعد الصدامات العسكریة بین الثوار الكرد المطالبین بحقوقهم القومیة خلال ربیع وصیف 1979 وكذلك تم إغلاق المراكز السیاسیة والثقافیة للعرب في إقلیم عربستان وتم اعتقال وإعدام المئات منهم في مدینة المحمرة ومدن أخرى في هذا الإقلیم خلال تلك الفترة وفي أعقاب مظاهرات سلمیة تطالب بحقوق الشعب العربي الأهوازي. تمت نفس عملیات الإعدام والسجن والقمع في شتاء 1979 في منطقة تركمان صحراء الواقعة في شمال إيران والتي تقطنها أغلبیة تركمانیة. فبعد أن حصدت الإعدامات أرواح العشرات من رموز النظام السابق وفي أعقاب القمع الدامي للقومیات غیر الفارسیة، اتجه النظام الدیني إلى قمع الأحزاب والمنظمات الیساریة والمعارضة الإسلامیة كمنظمة مجاهدي خلق.

ومنذ صیف 1981 امتلأت السجون في طهران والمدن الأخرى بالألوف من السجناء التابعین لتلك المنظمات. فأتذكر عندما كنت معتقلا بسبب نشاطي القومي في سبتمبر (أيلول) 1981 في سجن الحرس الثوري بالأهواز، كان المعتقلون مزیجا من نشطاء الیسار ومجاهدي خلق والقومیین العرب. وقد بلغت الإعدامات ذروتها في صیف 1988 عندما قرر آیة الله الخمیني وباقتراح من رفسنجاني – رئیس البرلمان وقائد القوات المسلحة آنذاك – التخلص من السجناء السیاسیین المنتسبین لمجاهدي خلق والأحزاب الیساریة كحزب توده وفدائیي الشعب وطریق العامل ومجموعات قومیة ویساریة أخرى، كانوا یقضون فترة سجنهم. فأول ما كشف عن هذه المذبحة هو آیة الله حسین علي المنتظري – القائمقام السابق للخمیني – مخمنا عدد المعدومین خلال أشهر یولیو (تموز) وأغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 1988 بنحو 3 آلاف شخص. فیما یتحدث البعض عن تصفیة 5 آلاف سجین سیاسي في تلك الفترة، غیر أن منظمة مجاهدي خلق تدعي أن العدد بلغ 30 ألف شخص. فلم تتضح حتى الآن كل أبعاد تلك المجزرة الرهیبة التي تمت في سریة تامة بسبب تعتیم حكام الجمهوریة الإسلامیة على حیثیاتها وأبعادها.

سجن إيفين في إيران.
سجن إيفين في إيران.

1988 – 2005

تزامنت هذه الفترة مع عهدي الرئیسین هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي واستتباب الأوضاع بعد قلاقل واضطرابات عقد الثمانینات الدامي للسجون الإيرانیة، فرغم أنها لم تخل من السجناء لكن لم یبق فیها من الجیل السابق للسجناء إلا القلیل من سجناء مجاهدي خلق وعناصر من المعارضة العلنیة التي توصف بالقوى القومیة – الدینیة، والعشرات من القومیات غیر الفارسیة بما فیهم العرب والأكراد الذین كانوا یقومون بعملیات مسلحة انطلاقا من عراق صدام حسین، منها تفجیرات في أنابیب النفط بإقلیم عربستان. لكن وبالمجموع شهد عهد الرئیس محمد خاتمي تحسنا في وضع السجون قیاسا بفترة الثمانینات وانخفاضا في عدد السجناء السیاسیین. هذا ما شعرت به أنا حیث ُسجنت في 1981، فترة الإعدامات الجماعیة، وفي 2005 المصادف لأواخر عهد خاتمي.

2005 وما بعدها

تبدأ هذه الفترة من العام التالي لعهد خاتمي وتمتد حتى الفترة الأولى لعهد أحمدي نجاد (2005 – 2009) حیث تم اعتقال المئات من العرب والكرد والأذریین بعد انتفاضة 2005 للجماهیر العربیة في إقلیم عربستان واحتجاجات إقلیمي كردستان وأذربیجان خلال عامي 2005 و2006. وبما أن عملیات مسلحة أعقبت انتفاضة أبريل (نیسان) 2005 في عربستان، تم إعدام العشرات من الأهوازیین. كما أن العملیات المسلحة التي خاضتها مجموعات مسلحة في إقلیم بلوشستان في هذه الفترة أدت إلى اعتقال المئات وإعدام العشرات من البلوش. إذ اتسمت السجون في هذه الفترة بكثرة السجناء غیر الفرس – خاصة في أقالیمهم – قیاسا مع الفترات السابقة.

صورة تخيلية للنزلاء في زنزانة مشتركة في أحد سجون إيران خلال عهد بهلوي.
صورة تخيلية للنزلاء في زنزانة مشتركة في أحد سجون إيران خلال عهد بهلوي.

في عام 2009

وبعد التزویر في نتائج الانتخابات الرئاسیة لصالح أحمدي نجاد لفترة ثانیة (2009 – 2013) شهدت طهران وبعض المدن الفارسیة مظاهرات واسعة لصالح المرشحین المغبونین میر حسین موسوي ومهدي كروبي. وقد أدى ذلك إلى تدفق المئات من المتظاهرین إلى سجون طهران وأصفهان وشیراز. لكن وبالتدریج تم إطلاق جمیع هؤلاء الذین ینتمون إلى الإصلاحیین والحركة الخضراء الموالیة لرئیس الوزراء السابق میر حسین موسوي الذي یرزح هو وزوجته ومهدي كروبي في الإقامة الجبریة حتى اللحظة. وشهدت هذه الفترة أیضا إعدام العشرات من العرب والكرد، الذین یرزح المئات منهم حتى اللحظة في سجون الجمهوریة الإسلامیة؛ إذ یشكل حالیا سجناء القومیات غیر الفارسیة من كرد وعرب وبلوش وأتراك أذریین معظم السجناء السیاسیین في السجون والمعتقلات الإيرانیة. فخلال فترة رئاسة حسن روحاني الممتدة من عام 2013 حتى الآن، تعرفت السجون على ضیوف جدد هم مؤیدو الرئیس السابق محمود أحمدي نجاد المغضوب علیه حالیا من قبل المرشد الأعلى والسلطة القضائیة، والعمال الذین یتم اعتقالهم بسبب نضالهم من أجل مطالب مهنیة، والانتساب إلى نقابات عمالیة تعتبرها الحكومة غیر قانونیة.
أضف إلى ذلك الصحفیین والكتاب والنشطاء السیاسیین المنتقدین لنهج الحكومة والمرشد الأعلى. وقد تم اعتقال نحو 5 آلاف شخص بعد الانتفاضة التي شهدتها نحو 100 مدینة إيرانیة تم إطلاق البعض منهم، فیما یرزح المئات منهم حتى الساعة في المعتقلات المختلفة. كما تحدثت الأنباء عن اعتقال أكثر من 400 مواطن عربي في مدن إقلیم عربستان بعد احتجاجات ومظاهرات شهدها الإقلیم في أواخر مارس (آذار) وأوائل أبریل (نيسان) من العام الجاري ضد المحاولات الحكومیة الحثیثة لتغییر التركیبة السكانیة للإقلیم لصالح غیر العرب وضد التمییز والعنصریة المعادیة للعرب في إيران. الفروقات بین السجون في العهدین الملكي والجمهوري یؤكد العدید من الذین اعتقلوا في عهدي الشاه والجمهوریة الإسلامیة على وجود قواسم مشتركة فیما یخص الظروف الداخلیة والتعذیب في سجون الشاه والجمهوریة الإسلامیة، لكنهم یقولون إن بعض الأعمال التي شهدتها سجون الجمهوریة الإسلامیة لم تكن سائدة في سجون الشاه. وقد كان عناصر «السافاك» والمحققون في تلك السجون یستخدمون مناهج للتعذیب بعضها قدیم وخاص بالإيرانیین موروث من السلالات الحاكمة السابقة. لكن ما یمیز المحققين في سجون الجمهوریة الإسلامیة أنهم أولا لم یحترموا حتى الأحكام التي یصدرونها بحق السجناء السیاسیین، وهذا ما شاهدناه في عام 1988؛ حیث قامت لجنة عرفت بـ«لجنة الموت» وبأمر من الخمیني، بتصفیة الآلاف من الذین كانوا یقضون فترات حكمهم في السجون. كما أن الموت تحت التعذیب في سجون عهد الشاه كان ینحصر فقط بعناصر عسكریة معدودة تخوض حرب عصابات ضد النظام الملكي فیما مات المئات من السجناء الإيرانیین تحت التعذیب في سجون الجمهوریة الإسلامیة، إما بسبب كتابة تعلیقات في المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي تنتقد المرشد الأعلى، وإما المشاركة في المظاهرات، كما شاهدنا في أعقاب انتفاضة نهایة عام 2017 حیث مات حتى الآن 14 شخص تحت التعذیب في السجون الإيرانیة وفقا للمرصد الإيراني لحقوق الإنسان. الظاهرة الأخرى التي كانت سائدة كثیرا في الثمانینات من القرن المنصرم هي الإیهام بالإعدام أي أخذ السجین معصوب العین خارج زنزانته وإبلاغه بأنه سیعدم. لكن لم یتم ذلك، وكذلك الاعتداء الجنسي على النساء المحكومات بالإعدام بحجة ضرورة إزاحة غشاء البكارة منهن حتى لا یدخلن الجنة وهن عذراوات حسب اعتقاد رجال الدین المسؤولین في المحاكم الإيرانیة. كما شهدت بعض السجون كسجن كهریزك القریب من طهران عملیات اغتصاب للنساء والرجال المعتقلین ووفاة العدید منهم تحت التعذیب بعد احتجاجات الحركة الخضراء في عام 2009.

وفي العقود الأخیرة، كانت ظاهرة الاغتصاب تنحصر في مدن نائیة وبعیدة عن العاصمة كمدن عربستان وكردستان وبلوشستان. فعلى سبیل المثال لم یكف المعذبون في سجن كهریزك عن تعذیب السجین السید بورامیني رغم إصابته بالعمى إثر التعذیب. كما كان یضع السجانون المعتقلین المصابین بجروح بلیغة إثر التعذیب في أكیاس بیضاء خاصة بنقل الجثث لنقلهم وهم أحیاء إلى الثلاجات الخاصة بالأموات. كما تم اغتیال الدكتور رامین بوراندرجاني – الذي كان یقضي خدمته العسكریة في سجن كهریزك – بعد أن أدلى بشهادته أمام لجنة شكلتها السلطة نفسها وذلك قبل أن یدلي بشهادة أخرى، ولم یسلموا جثته إلى أسرته كي یتم إخفاء طریقة الاغتیال؛ فهذا الطبیب الشاب كان شاهدا على قساوة سعید مرتضوي المدعي العام المشرف على أمور هذا السجن والمدعوم من قبل خامنئي، والعمید أحمد رضا رادان القائد العام المساعد لقوات الأمن الداخلي في إيران والمحققین الآخرین.
وفي عام 2015 كشف المعتقل السیاسي الإیراني الهارب من إيران، فرزاد مدادزید، كشف لموقع «مصر الیوم» عن تعرضه للضرب لمدة تصل إلى 16 ساعة یومیا في أحد السجون الإیرانیة فضلا عن صعقه بالكهرباء ولكمه من قبل ثلاثة حراس زنزانة انفرادیة صغیرة وذلك إثر اعتقاله بسبب مشاركته في احتجاجات عام 2009 وحدیثه علنا ضد النظام الإيراني. وأوضح فرزاد البالغ من العمر30 عاما:
«كنت أتعرض لكافة أنواع التعذیب النفسي والجسدي، فضلا عن استمرار التحقیق والضرب على مدار الساعة، كل لحظة أكون في انتظار حدوث شيء؛ إما جلسة تعذیب جدیدة وإما الإعدام، كنت معزولا تماما عن بقیة العالم، الصوت الوحید الذي كنت أسمعه هو صوت حراس السجن الذين أكد أنهم جلبوا المواد المخدرة بما في ذلك الهیروین للسجن للتشجیع على الإدمان مما یعطى الفرصة للمحققین بتعذیب السجناء جراء الموت».

أعراض سحب المخدر من الجسم

وهذا غیض من فیض، إذ لا یمكن لنا أن نسهب في الجرائم التي شهدتها السجون الإيرانیة، خاصة في عصرها الأسود وأعني الثمانینات من القرن الماضي.

Previous ArticleNext Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.