ليبيا... وجه آخر للحياة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

ليبيا… وجه آخر للحياة

شبان وفتيات يفتحون طريقاً جديدة للمستقبل وسط الفوضى

بنغازي: عبد الستار حتيتة

* يخطو كثير من المواطنين فوق الظروف الصعبة التي تعاني منها ليبيا، ويغضون الطرف عن مظاهر الفوضى العارمة التي تعاني منها البلاد.
* لم تعد الأولوية لدى كثير من الليبيين لقنوات الأخبار الزاعقة بآراء الفرق المتصارعة حول السلطة. وحلّ بدلا من ذلك سهرات متابعة منافسات كرة القدم الأوروبية.
* يحاول مسؤولو الفرق توجيه الجمهور إلى التشجيع بعيداً عن خلط الرياضة بالسياسة.
* القلاقل الأمنية والخوف من الاختطاف والقتل بالقذائف الطائشة، يجعل الدليفري نجدة من السماء.

يرسم شبان وفتيات في ليبيا طريقاً جديدة للمستقبل، ويفتحون آفاقاً للتغلب على الواقع المرير. ويحدث هذا بعيداً عن الجدل السياسي والتكهنات التي لا تنتهي بشأن الانتخابات العامة، ومستقبل رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ومصير المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني، مع المرض والعلاج، والتكهنات عن عودة سيف الإسلام نجل القذافي لواجهة المسرح مرة أخرى.
ويخطو كثير من المواطنين فوق الظروف الصعبة التي تعاني منها ليبيا، ويغضون الطرف عن مظاهر الفوضى العارمة التي تعاني منها البلاد منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في 2011. وقد يعتقد البعض أن الليبيين ما زالوا مشغولين بالجدل السياسي وبحروب الميليشيات وأطماع جماعة الإخوان والمجموعات المتطرفة. لقد تركوا كل ذلك في الغالب، وبدأوا في ممارسة الحياة حتى لو كانت على أرض تغطيها الأشواك.
وسواء جرت انتخابات عامة هذه السنة أم لم تجر، وسواء أعلن سيف الإسلام عن نيته للترشح لرئاسة ليبيا أم لم يعلن، فإن الأيام تمر ولا يمكن أن يقضي المرء عمره في انتظار أشياء لا تريد أن تأتي. ففي كثير من المدن، تمت تنحية الجدل العقيم المستمر منذ نحو سبع سنوات، جانباً.

وفي المقابل أصبحت كرة القدم ومنظومات «الدليفري» التي تقدم خدمات توصيل الطلبات للمنازل، أهم من السياسة، بالنسبة لأجيال جديدة أصابها السأم من الاحتراب الأهلي، بمن في ذلك ربات البيوت وطالبات الجامعة، حيث تجد أخبار أدوات الزينة «المكياج» وآخر صيحات الموضة في الملابس، تأخذ الأولوية في اللقاءات العائلية. وأصبحت هناك حدود مفتوحة بين زوجات وأسر زعماء من النظام السابق، وزوجات وأسر قادة من الحكام الجدد. وهذا لم يكن معتادا في السنوات الماضية. وحلت مشتركات جديدة تتعلق بتفاصيل أخرى بعيداً عن الخلافات السياسية.
يمكن أن تلاحظ تراجع الاهتمام بمتابعة أنباء الجهود التي يقوم بها المبعوث الأممي الدكتور غسان سلامة للحل في ليبيا. ولم يكن هناك من يتوقع الكثير من الحكومات الثلاث التي لا تريد أن تأتلف في حكومة واحدة. فالدولة فيها، منذ ثلاث سنوات، حكومة الوفاق برئاسة السراج، وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل، والحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. لقد بدأ سلامة مهمته كمبعوث جديد منذ نحو ثمانية أشهر، دون أن يتحقق أي شيء يذكر.
كما لم تعد الأولوية لدى كثير من الليبيين لقنوات الأخبار الزاعقة بآراء الفرق المتصارعة حول السلطة. كل هذا يبدو أنه أصبح من الماضي. وحل بدلا من ذلك سهرات متابعة منافسات كرة القدم الأوروبية، مع تطلعات وآمال لبناء فرق ليبية قوية، وإفراز نجم ليبي دولي، مثل محمد صلاح المصري.

منير العاقوري، أحد المنخرطين في عمل الدليفري في بنغازي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
منير العاقوري، أحد المنخرطين في عمل الدليفري في بنغازي (تصوير: عبد الستار حتيتة)

وفي اليوم التالي كانت هناك رحلة إلى مدينة مصراتة التي تنتسب إليها كثير من الميليشيات من مختلف الأنواع، وينتسب إليها أيضا مجموعة من الضباط المعروفين، كونها خاضت حروبا مدمرة خلال السنوات الأخيرة في طرابلس وفي سرت، وخسرت عدة آلاف من أبنائها بين قتيل ومصاب إصابات دائمة، كبتر الأطراف أو الحرق أو غيرهما. ولهذا يبدو أن الناس هنا قد ملوا كل هذه الفوضى.
ولم تشغل مصراتة نفسها كثيرا بعمليات التصفية والمؤامرات، منذ أن تعرض عميد بلديتها الرجل الخلوق والمحبوب، العميد محمد اشتيوي، للاغتيال في أحد شوارع المدينة قبل شهور قليلة. كما أن الشبان المقاتلين الذين طردوا تنظيم داعش من سرت، منذ نحو 17 شهرا، لم يحصلوا على العوائد التي كانوا يتوقعونها، وأقل هذه العوائد شراء أطراف صناعية لمن فقد رجله أو ذراعه، وسداد رواتب الخدمة.
وبدلا من الاستغراق في اجترار الهموم والجدل العقيم، توجه عدة مئات من شباب المدينة، وقاموا بالمشاركة في تنظيف ملعب كرة القدم الشهير، وترتيب المدرجات، والانخراط في التدريبات، وهو أمر فتح شهية نادي مصراتة الكبير والمعروف، وهو نادي السويحلي. ويقول أحد ضباط المدينة: «ترك كثير من المواطنين هموم السياسة والمنافسة والصراع على السلطة، واختاروا دروباً جديدة بحثاً عن الأمل في حياة خالية من الدماء ومن الخيانات».
لقد انقلبت الأمور في مصراتة رأساً على عقب منذ تعرض اشتيوي للاغتيال. وما يثير الشعور بالمرارة في منتديات المدينة، أن المسؤولين لم يحققوا في القضية بالطريقة المطلوبة، بحثاً عمن كان يقف وراء قتل اشتيوي. ويبدو أن كل هذه المجريات تأتي في سياقات عامة من صراع إقليمي ودولي لا يريد أن ينتهي، كما يقول هذا الضابط. فقد زحفت مجموعات موالية لتركيا وقطر على مقاليد السلطة في المدينة. ويجري مع هذا التطور الحديث عن عملية إفراج عن قيادات متطرفة كانت تقاتل مع «داعش» في سرت، وتسببت في مقتل أبناء مصراتة.

إدريس العمامي المدير الإداري لقطاع كرة القدم بالنادي الأهلي في بنغازي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
إدريس العمامي المدير الإداري لقطاع كرة القدم بالنادي الأهلي في بنغازي (تصوير: عبد الستار حتيتة)

ويقول أحد المتطوعين ممن كان يقاتل مع عملية البيان المرصوص ضد تنظيم داعش في سرت، ويدعى نور الدين، حيث تعرض لقذيفة بترت قدمه اليمنى، إن المخيف ليس أنه غير قادر على استكمال علاجه والحصول على جهاز تعويضي من الدولة، بل هو تدخل بعض المسؤولين للإفراج عن زعماء من «داعش» من المحبوسين في سجن القاعدة الجوية في مصراتة.
وتتحدث عدة مصادر عن أنه أصبح يوجد في مصراتة تحالف غريب تكون خلال الشهور الستة الأخيرة يضم متطرفين من جماعة الإخوان ومن الجماعة الإسلامية المقاتلة ومن «داعش». ويشعر كل هؤلاء بالنشوة من هيمنة أحد القادة المتشددين من جماعة الإخوان على رئاسة مجلس الدولة، وهو مجلس جاء ضمن اتفاق الصخيرات المدعوم من الأمم المتحدة.
ومثل كثير من الشبان وأسرهم في مصراتة، يشعر نور الدين بالخذلان وعدم الجدية من الأطراف المعنية لحل المعضلة الليبية. ويقول: «لقد حاربنا داعش في سرت، لكن ما هي النتيجة. كأننا لم نفعل شيئا». ويقول كذلك إن اغتيال العميد اشتيوي كان مؤشرا على عودة التيار المتطرف إلى العمل بقوة في مصراتة وفي عموم ليبيا. ثم أشاح بوجه جانبا، وكأنه لا يريد الاسترسال في فتح الجراح. وبعد قليل دخل إلى ملعب السويحلي مجموعة من الصبية للتمرن وأخذوا يتقاذفون كرة القدم فوق النجيلة الخضراء.

وفي الأيام التالية، وفي مدينة بنغازي، كانت هناك مجموعة من الشبان تقوم بتدريبات رياضية على شاطئ البحر، وهم في زي موحد. إنه فريق النادي الأهلي لكرة القدم أشهر نوادي المدينة. ويقول إدريس العمامي المدير الإداري لقطاع كرة القدم بالنادي، إنه يسعى للمشاركة في كل الفعاليات الرياضية، ليس في بنغازي فقط، ولكن في عموم ليبيا، وإنه يستعد للمشاركة في البطولات الأفريقية أيضا. وعلى الجانبين كان هناك جمهور متعطش يترقب تحركات الفريق من التدريبات إلى الفندق إلى الملعب المجاور.

وكانت مباريات الدوري الليبي لكرة القدم في العهد السابق «مناسبات محفوفة بالمخاطر». كان الجمهور يطلق في بعض الأحيان هتافات ذات طابع سياسي معاد للقذافي. وهذا تسبب في الغضب على بعض النوادي وبعض المشجعين من السلطات. وكان بعض المعارضين الذين يريدون إثارة غضب القذافي، يعلنون من المنافي أنهم مع هذا الفريق أو ذاك. لكن الأمور تغيرت بعد عام 2011.
ويقول أحد لاعبي فريق النادي الأهلي المخضرمين إن الأوضاع لم تتغير كثيرا في الحقيقة. ولم تهنأ الفرق الرياضية، بعد «ثورة فبراير (شباط)» إلا نحو عامين أو ثلاثة، حيث اندلعت أحداث العنف والاحتراب الأهلي على نطاق واسع، إلى جانب بدء الجيش الوطني بقيادة حفتر في شن حملة على الجماعات المتطرفة في بنغازي، وأدت كل تلك الظروف إلى عرقلة الدوري بحلول عام 2014.
وكان الفريق الأول للنادي الأهلي يشارك في بطولة الدوري الليبي الممتاز. وتمكن الجيش من فرض الأمن والاستقرار في بنغازي إلى حد كبير. ويقول العمامي: الوضع الآن أفضل بكثير من السابق. وبدأ العمامي عمله مع النادي الأهلي منذ نهاية أغسطس (آب) العام الماضي. وخاض أولى مباريات ناديه مع فريق النجمة العريق والقديم في بنغازي.

فريق النادي الأهلي لمدينة بنغازي يستعد لمواصلة تدريباته في ملعب المدينة وذلك بعد استراحة قصيرة في الفندق (تصوير: عبد الستار حتيتة)
فريق النادي الأهلي لمدينة بنغازي يستعد لمواصلة تدريباته في ملعب المدينة وذلك بعد استراحة قصيرة في الفندق (تصوير: عبد الستار حتيتة)

ومثل فتيان وفتيات الدليفري، ومثل أرباب أعمال البزنس الصغيرة، تغلبت كثير من الفرق بمن فيها من شباب، على الظروف الصعبة التي تمر بها ليبيا، وبدأت في ممارسة الحياة كما ينبغي. وظهرت فرق كرة القدم مجددا، من نوادي السويحلي في مصراتة، إلى نوادي التعاون، وإجدابيا، والقرضابية، وسبها، بالإضافة إلى فريق دارنيس في درنة، والأنوار من منطقة الأبيار، والاتحاد في طرابلس.
ويحاول مسؤولو الفرق توجيه الجمهور إلى التشجيع بعيداً عن خلط الرياضة بالسياسة. وجرب جمهور لفريق دارنيس الهتاف ضد أحد القادة العسكريين، بسبب الحصار الذي يفرضه الجيش على درنة، إلا أن جمهور فريق النادي الأهلي، الذي كان يستضيف دارنيس، تمكن من تجاوز الأمر، وهتف من المدرجات لتهدئة مشجعي الفريق الخصم. وتدخل قادة من الفريقين لتمر المباراة بسلام.
ومع ذلك، لا تخلو لقاءات فرق كرة القدم وجلسات المنتديات، من الزخم عن الشؤون السياسية والتطورات التي تمر بها البلاد، حتى ولو كان البعض لا يريد أن يتطرق إلى هذه القصص، ويسعى بدلا من ذلك إلى الاهتمام بتفاصيل الحياة الجديدة. فقد ارتبطت فرق لكرة القدم مثل السويحلي في مصراتة والاتحاد في طرابلس والأهلي في بنغازي، بأحداث سياسية كبرى في الماضي البعيد، وكذلك في خضم الانتفاضة ضد حكم معمر القذافي. ومن الحكم المتداولة في طرابلس أن من يريد الهيمنة السياسية على العاصمة، عليه أن يقف مع فريق الاتحاد ذي الجماهيرية الكبيرة.

ويمكن لصوت الجمهور الموحد في الاستاد أن يعبر بقوة عن اتجاهات الريح فيما يتعلق بالسياسيين. وكان القذافي يدرك هذه الحقيقة في الزمن الغابر. وعلى كل حال يبدو أن الوضع تغير الآن. فحتى الجمهور في كثير من المباريات، نأى بنفسه عن إطلاق الهتافات المعبرة عن المواقف العامة. وربما يعود هذا إلى سطوة بعض الميليشيات خاصة في طرابلس، ووجود زخم موالٍ للجيش بقوة في المنطقة الشرقية.
وعلى كل حال لم يعد العقاب كما كان أيام القذافي يقتصر على حرمان فريق من الفرق من مميزات بعينها، ولكن أصبح مسلحو ميليشيات لا يجدون غضاضة في فتح النار على من يبدي معارضة لقادتهم.
وفي بنغازي، ومنذ بداية عملية الكرامة التي أطلقها الجيش ضد المتطرفين في 2014. وقف جمهور النادي الأهلي في المدينة مع المشير حفتر. ويقول العمامي: «قدم جمهور النادي شهداء… نحن أول نادي يخرج لمساندة الجيش والمشير خليفة حفتر الذي فتح لنا طريقاً في العتمة. المشير كان يقاتل وكان يبني. والآن الأوضاع أصبحت أفضل. وكل بنغازي مع الجيش. وهي مدينة ليست غريبة على اتخاذ المواقف الوطنية».
وفي بعض البيوت في طرابلس وبنغازي يتقابل الأقارب في جلسات مع متسوقين ومتسوقات في غرف الضيافة في منازل عدة. وتروّج طالبة في كلية الطب لأدوات (كريمات) تعنى بالبشرة الدهنية والجافة، وترطيب الجلد وإخفاء التجاعيد. وتحتفظ في مخزن ملحق ببيت عائلتها، بعدة مئات من علب وأنابيب من ماركات مختلفة، بالإضافة إلى قناني للعطور من ماركات عالمية.
ولدى فتيات كثيرات طرق وفنون في التواصل مع سيدات المجتمع ممن يخشين الخروج للشوارع غير الآمنة في العاصمة. ومعظم الطلبات مثل الملابس والعطور والكريمات يتم جلبها إلى العائلة واختيار المناسب لأفراد الأسرة. وتقول الطالبة دينا إن هذا أمر متعب لأنها في بعض الأحيان تضطر لحمل كمية كبيرة من هذه الأدوات، فبعض الأسر لا تعرف ماذا تريد في حينه على وجه الدقة، وعموما تحب النساء المفاضلة من بين أكثر من غرض.
ومثلما هو الحال على الصعيد السياسي، حيث يبدو أن البلاد منقسمة إلى غرب وشرق، انعكس ذلك على المنتجات الشائعة في عموم ليبيا. فالجانب الغربي، أي طرابلس وما حولها، تجلب البضائع من تركيا وإيطاليا ومالطة، وبعض البلدان الأوروبية الأخرى، أما الشطر الشرقي، أي بنغازي وطبرق وغيرهما، فيعتمد على المنتجات التي تأتي من مصر، ومعظمها إما إنتاج محلي مصري، أو من المنتجات المستوردة من الصين عبر موانئ قناة السويس. وينطبق الأمر كذلك على أنواع قناني مياه الشرب ومعلبات العصير ومعجون الطماطم وأكياس الرز والطحين.

لوحة دعائية لتوصيل الطلبات للمنازل (صورة أرشيفية)
لوحة دعائية لتوصيل الطلبات للمنازل (صورة أرشيفية)

وفي جلسة عائلية في طرابلس لترتيب إجراءات زفاف، في ضاحية سوق الجمعة، جاءت طالبة تبيع أدوات الزينة للنساء، وبدا أنها معروفة لدى كثير من الحضور منذ شهور. وشرعت تشرح للنسوة المتجمعات حولها في الزاوية، طريقة استخدام سائل جديد لتنظيف مكياج الرموش والجفون، وارد من تركيا. وكان معها في حقيبتها بودرة «بلاشر» لتوريد الخدود، وطلاء للشفاة بألوان مختلفة، و«ماسكارا» لتكثيف وإطالة الرموش، وعلب من كريمات البشرة من مختف الأنواع الواردة من إيطاليا.
وينشط بعض المتطلعين للانخراط في التجارة، في عمليات تبادل تجاري بين شرق البلاد وغربها. ويقول تاجر يدعى عبد الواحد، إنه يستخدم شاحنة صغيرة لجلب أدوات الزينة من بنغازي، لبيعها في المناطق الفقيرة في طرابلس لأنها أقل سعرا، وفي المقابل يقوم بنقل أدوات التجميل باهظة الثمن، من طرابلس إلى مدن الشرق الليبي، لبيعها في أوساط العائلات المقتدرة. وبسبب الطبيعة المحافظة للمجتمع، تسهل علاقات القرابة بين تجار التجزئة والزبائن مهمة الوصول إلى البيوت، والبيع، وتناول وجبة الغداء أيضا إذا حل موعدها والبائع في البيت.
حتى الوضع الأمني غير المستقر، ساهم في أن يكون كثير من الباعة على صلة قرابة بالزبائن أو يعرفونهم جيدا. فابن منطقة تاجوراء يعمل في تاجوراء، وابن منطقة الخمس يعمل في الخمس. وهكذا. وبسبب الظروف الأمنية أيضا انتشر بين مئات الشبان العمل في الدليفري باستخدام السيارات، والدراجات النارية، وهي تعني خدمة توصيل الطلبات للمنازل على كل شكل ولون. فهناك دليفري مخصص لتوصيل الطعام من المطاعم، وهو ليس كما هو معتاد… أي لا يعمل لدى مطعم معين، ولكنه دليفري حر، يمتلك أرقام هواتف، وما عليك غير أن تطلب رقمه وتبلغه بالمراد، ليأتي لك بما تشاء من حاجيات بما في ذلك الطعام من أي مطعم.
وهناك دليفري مختص بشراء ونقل كل ما تبتغيه من مكان إلى مكان. فمثلا إذا كان لدى الأسرة أغراض في مكان ما، تقوم بالاتصال بهذا النوع من الدليفري وتعطيه العنوان، ويقوم هو بالمهمة نظير مقابل مادي يتراوح بين عشرة دنانير وعشرين دينارا، لكن الرقم قد يزيد بحسب المسافة ووزن الغرض. وهذه الظاهرة موجودة في طرابلس وفي بنغازي، وفي مصراتة. وهي أكبر ثلاث مدن في ليبيا.
ويمتلك جمعة البالغ من العمر 23 عاما سيارة صغيرة كورية الصنع، وكان يقف أمام مطعم في منطقة جليانة في بنغازي، في انتظار شراء الطلبات وتوصيلها لزبائنه. وقال على عجل إن هذا عمله، وإن الوقت هو العامل الأساسي في النجاح أو الفشل. وسيجتاز جمعة ببضاعته وسيارته الزرقاء الطريق الدائري الأول للابتعاد عن منطقة مصنع الإسمنت الحيوية والتي أغلقها محتجون على احتجاز الجيش الذي يقوده المشير حفتر، للقائد في قوات الصاعقة، محمود الورفلي، المطلوب تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية بسبب تهم عن ارتكابه جرائم حرب.

ويوفر الدليفري الحر خيارات عدة للزبائن. فهناك أسرة واحدة قد تطلب طعاما منوعا من أكثر من مطعم. وتطلب أيضا صرف روشتة دواء. وهي ترسل بكل ذلك عبر وسائل التواصل مثل تطبيق واتساب وفايبر وغيرهما. وتسلم جمعة برقية تتضمن صورة لروشتة دواء. ولهذا، كما يقول، يخرج إلى عمله كل صباح، وفي جيبه ما يكفي من المال لشراء الطلبات ثم محاسبة الزبائن عليها بعد توصيلها مقابل نسبة تتراوح بين 2 في المائة و5 في المائة، حسب عدد الطلبات والمشاوير التي يتحتم عليه القيام بها لأجلهم.
حتى من يمتلكون سيارات يفضلون الاعتماد على الدليفري والتقليل من الخروج لأسباب عدة منها الابتعاد عن الزحام، لأن المدن الكبيرة ما زالت تغص بالحواجز الأمنية والطرق المغلقة، ما يضطر قادة السيارات إلى البحث عن طرق التفافية أو الانتظار لوقت طويل في الشارع. كما أن القلاقل الأمنية والخوف من الاختطاف والقتل بالقذائف الطائشة، يجعل الدليفري نجدة من السماء، كما يقول حسين، الموظف في مصرف طرابلس.
وانتشرت كذلك طلبات الشراء من على الإنترنت. وتبقى المشكلة في جلب السلعة إلى صاحبها، وهنا تكون هناك حاجة إلى عامل الدليفري. واشترى حسين، حذاء من فرع لماركة عالمية، بسعر 75 دينارا، وطلب سيارة الدليفري لجلبه له في ضاحية القرة بولي بالعاصمة.

Previous ArticleNext Article
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.