القفزة الصاروخية لقيمة العملة في إيران... أزمة سياسة أم اقتصادية ؟ - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد, قصة الغلاف

القفزة الصاروخية لقيمة العملة في إيران… أزمة سياسة أم اقتصادية ؟

الأداء السيئ لحكومة روحاني أدى إلى زيادة حجم الفساد المالي والبطالة وغلاء الأسعار

تاجرة إيرانية تتفحص هاتفها الجوال بجانب شاشات حركة سوق الأسهم في البورصة في العاصمة طهران في 27 يوليو 2015 (غيتي)
تاجرة إيرانية تتفحص هاتفها الجوال بجانب شاشات حركة سوق الأسهم في البورصة في العاصمة طهران في 27 يوليو 2015 (غيتي)
تاجرة إيرانية تتفحص هاتفها الجوال بجانب شاشات حركة سوق الأسهم في البورصة في العاصمة طهران في 27 يوليو 2015 (غيتي)

لندن – فاطمة صبحي

* يؤدي ارتفاع أسعار العملة والقلق من التوترات السياسية إلى ارتفاع التضخم واحتكار العملة الصعبة والسلع الأساسية وخروج رؤوس الأموال من المصارف

بدأ العام الإيراني الجديد منذ 20 مارس (آذار)، الذي أطلق عليه مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي اسم «دعم المنتج الوطني» في الوقت الذي شهدت فيه قيمة العملة الوطنية هبوطا حادا أمام الدولار. وكانت أسعار الدولار السعر المرجعي في إيران حتى شهر أبريل (نيسان) 2018 حيث شهدت استقرارا نسبيا في الفترة الرئاسية الأولى لحسن روحاني الإصلاحي منذ 2013. لكن أسعار العملة الصعبة سجلت ارتفاعاً كبيراً وغير متوقع في الفترة الرئاسية الثانية لحسن روحاني خاصة في ديسمبر (كانون الأول) 2017 ويناير (كانون الثاني) 2018 وبلغت ذروتها في مارس 2018. وسجّل سعر الدولار ارتفاعا في ديسمبر 2016 بنسبة 20% لأسباب مختلفة، منها ارتفاع الطلب على العملة الصعبة من قبل المواطنين من أجل السفر إلى الخارج في شهري ديسمبر ويناير وارتفاع أسعار الدولار عالميا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وتدهور الأوضاع السياسية في المنطقة بسبب السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

شهدت أسعار العملة الصعبة في عام 2017 حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار بشكل كبير، مما انعكس بشكل سلبي على بقية القطاعات في إيران. ارتفع سعر الدولار الواحد من 44000 ريال في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 إلى 63000 ريال في مارس 2018. وأفادت إذاعة «فردا» الإيرانية بأن أسعار الدولار سجلت قفزة غير مسبوقة في 7 أبريل 2018 حيث ارتفعت بنحو 9000 ريال في غضون 3 أيام فقط. لم تعتمد حكومة روحاني سياسة واضحة لاحتواء ارتفاع أسعار العملة الصعبة مما أدى إلى ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات حتى قطاعي النقل والسكن.
ويضغط ارتفاع الأسعار بشكل كبير على العائلات الإيرانية، خاصة أصحاب الدخل المتوسط والمحدود. وقد وصلت الاحتجاجات الشعبية على الفقر وتدني مستوى المعيشة إلى ذروتها في ديسمبر (كانون الأول) 2017 وطالت المدن الكبرى مثل خراسان والأهواز وأصفهان وطهران وغيرها تحت شعار «لا للغلاء».

وكانت الاحتجاجات العارمة الأخيرة مزيجا من الاحتجاجات المناهضة لحكومة روحاني والسلطة الحاكمة على الأداء السيئ لحكومة روحاني والذي أدى إلى زيادة حجم الفساد المالي والاختلاس والبطالة وغلاء الأسعار وغيره. صحيح أن الاحتجاجات خمدت بشكل مؤقت ولكن أسعار العملة لا تزال غير مستقرة وأسعار السلع تشهد ارتفاعا فيما يعرض البلاد للمزيد من حالة عدم الاستقرار.

ولكن مشكلة عدم الاستقرار في أسعار العملة في إيران ليست وليدة اللحظة ولا تقتصر على حكومة روحاني. وقد نشرت مجلة «اقتصاد أونلاين» الإلكترونية تقريرا قالت فيه إن إيران شهدت فترة استقرار في سوق العملة في بدايات فترة رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني (أبريل 1993) وبدايات فترة رئاسة محمد خاتمي (أبريل 2002). ورغم حالة الاستقرار النسبي التي شهدتها أسواق العملة في السنوات الأولى من التسعينات وعام 2000 فإن التضاد بين السياسة الخارجية وسياسة تحديد السعر الموحد للعملة أدى إلى عدم استقرار سوق العملة بشكل تدريجي.

ويرى معارضو فكرة تحديد السعر الموحد أن استقرار سعر العملة في بلد مثل إيران التي تواجه التضخم، يوجه ضربة إلى الإنتاج المحلي ويشجع الشركات والمستثمرين على استيراد السلع المطلوبة. ويقول محسن احتشام وهو رئيس غرفة التجارة والصناعة في مدينة بيرجند وعضو اتحاد مصدري الزعفران إنه إذا انخفض سعر الدولار إلى ما دون 4 آلاف تومان فذلك سيعرض الإنتاج المحلي إلى خسائر كبيرة لأنه إذا كانت أسعار السلع الأجنبية أرخص من السلع المحلية المشابهة، فإن المنافسة بين السلع المحلية والأجنبية أمر مستحيل.

إن سياسة السلطات الإيرانية خلال الأعوام الأخيرة قائمة على تشجيع المواطنين على شراء المنتجات المحلية، ولكن هذا لم يمنع الشعب من شراء السلع الأجنبية حتى لو كانت هناك حالة غلاء في الأسعار وعدم الاستقرار في العملة. طبعا لا يمكن المقارنة بين جودة السلع المحلية والسلع الأجنبية مما يدفع الناس إلى شراء السلع الأجنبية. كما أن هناك الكثير من المنتجات منها السيارات التي تم تركيبها في داخل البلاد ولكن كل قطعها مستوردة من الخارج. تباع هذه السلع باسم الصناعة الوطنية.

وفي إطار الحد من الطلب على السلع الأجنبية ودعم المنتج المحلي قامت الحكومة بإغلاق المعابر غير الرسمية لاستيراد السلع على غرار معبر بانة الحدودي في غربي إيران. وأعلنت الحكومة أن عمليات بيع وشراء العملة ستتم فقط من خلال المصارف ومحلات الصرافة التي تشرف عليها الحكومة كما أنها حظرت امتلاك ما يزيد على 10 آلاف يورو أو ما يعادلها من عملات أجنبية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألم يكن المسؤولون الذين أطلقوا شعار «دعم المنتج الإيراني» على العام الجديد يعلمون حقا بحقيقة جودة المنتجات الوطنية أم أنهم يعتبرون أن الإنتاج الداخلي يقتصر على عدد من المنتجات الزراعية فحسب؟ والسؤال الآخر: هل يهدف إطلاق شعار دعم المنتج الإيراني إلى تحسين جودة المنتج المحلي وتشجيع الصناعات المحلية حقا أم أنه أداة لفرض قيود على استيراد السلع الأجنبية واحتكار عمليات الاستيراد على فئة خاصة فقط؟

وما يعطي القفزة الأخيرة لأسعار العملة الصعبة في إيران أهمية هو صلتها بالسياسات والأحداث الأخيرة في المنطقة وإيران. كما أنه يجب أن لا ننسى دور العوامل الخارجية التي تؤثر سلبا وبشكل كبير على تدهور الأوضاع في إيران، منها الغارات الجوية المشتركة التي قامت بها أميركا وبريطانيا وفرنسا ضد مواقع سوريا في 13 أبريل 2018 والانسحاب الأميركي المحتمل من الاتفاق النووي، وبالتالي ترجيح التصعيد في المنطقة. يؤدي ارتفاع أسعار العملة وحالة القلق من المزيد من التوترات السياسية في المنطقة بشكل مباشر إلى ارتفاع التضخم في البلاد واحتكار العملة الصعبة والسلع الأساسية وخروج رؤوس الأموال من المصارف. وقد قال محافظ المصرف المركزي الإيراني بأنه على المواطنين فتح حسابات العملة الصعبة بدلا من شراء العملة الصعبة. ولكن الشعب لم يرحب بمثل هذه التصريحات لأنه فقد ثقته بسياسات الحكومة.

وفي النهاية ينبغي القول إنه لم يمض إلا نحو شهرين من العام الإيراني الجديد الذي أطلق عليه المرشد اسم «دعم المنتج الإيراني» ولكن هناك حالة من الترقب والقلق واليأس تخيم على المجتمع. تشير هذه التسمية إلى تأكد النظام الإيراني من إعادة فرض الولايات المتحدة العقوبات على إيران. يجب أن ننتظر ونرى ما هي السياسات التي ستتخذها الحكومة لأنها ستؤثر بشكل مباشر على الحالة المعيشية للشعب وخيارات الحكومة المقبلة.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.