حسابات ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, قضايا

حسابات ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي

تداعيات وارتدادات إقليمية

يخرج حسن روحاني، الرئيس الإيراني، بعد أن تحدث في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى 39 للثورة الإسلامية في طهران - 6 فبراير 2018 (غيتي)
يخرج حسن روحاني، الرئيس الإيراني، بعد أن تحدث في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى 39 للثورة الإسلامية في طهران - 6 فبراير 2018 (غيتي)
يخرج حسن روحاني، الرئيس الإيراني، بعد أن تحدث في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى 39 للثورة الإسلامية في طهران – 6 فبراير 2018 (غيتي)

أنقرة – محمد عبد القادر خليل*

* الموقف الأميركي ارتبط بالتعهدات التي كان قد تعهد بها الرئيس، دونالد ترمب، إبان حملته الانتخابية وأكد عليها طيلة الشهور الماضية.
* حسابات الإقليم ليست واحدة وتقديرات صانعي سياساته حيال النزوع لدعم مظاهر استقرار دول الجوار لم تشكل أولوية لدى كافة الدول.
* بدا الموقف القطري أقرب إلى الموقف الإيراني منه إلى مواقف دول عربية أخرى رأت أن الاتفاق النووي يعد بمثابة شرعنة لسياسات لم تحقق سوى مصالح إيران في نزع الاستقرار.
* الموقف القطري ربما لا يعكس تأييداً صريحاً للمواقف الأميركية، وإنما يصوغ موقفاً ليناً ومرناً يجسد نمط الروابط المتنامية بين الدوحة وطهران.
* عكس بيان الخارجية المصرية رؤية القاهرة حيال التشوهات التي شابت اتفاق مجموعة «5+1».
* الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي قد يكون بداية لمواجهات تستهدف إحباط مشاريع إيران النووية، وتحجيم تهديداتها للأمن والاستقرار الإقليميين.

تعددت الاتجاهات وتباينات بشأن الارتدادات الإقليمية للقرار الأميركي الخاص بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي تم إبرامه في عام 2015. وبينما أشارت اتجاهات إلى أن ثمة ارتدادات محتملة قد تفضي إلى تصاعد مظاهر التوتر والصراع في الشرق الأوسط، فثمة تقديرات أخرى اتجهت إلى أن القرار الأميركي يمثل تطورا مهما لصالح قوى الاعتدال العربي، بحسبان الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، إنما يؤكد صدقية وواقعية سياسات هذه الدول، التي تبنت مواقف واتخذت اقترابات محافظة حيال الاتفاق النووي مع إيران، لما أغفله من جوانب تتعلق ببرامج طهران الصاروخية، وسياساتها حيال الكثير من مناطق التوتر والصراع التي تؤججها اقتراباتها السياسية وانحيازاتها الطائفية.
الموقف الأميركي على ما يبدو ارتبط بالتعهدات التي كان قد تعهد بها الرئيس، دونالد ترمب، إبان حملته الانتخابية وأكد عليها طيلة الشهور الماضية، كما لم ينفصل هذا الموقف، في مضمونه، عن نمط الانسجام الذي باتت تتصف به سياسات وتحركات الإدارة الأميركية بعد التغيرات الأخيرة عقب تعيين كل من مايك بومبيو، وزيرا للخارجية، وجون بولتون، مستشارا للأمن القومي.
تبدو التطورات على صعيد طريقة عمل الإدارة الأميركية «المعدلة»، ومواقفها حيال قضايا الصراع الإقليمي مقلقة لكثير من القوى الإقليمية التي انحازت لطهران وخياراتها من ناحية، وراهنت، من ناحية أخرى، على تصاعد أوجه الصراع داخل الإدارة الأميركية قبل رحيل الوزير، ريكس تيلرسون، عن الخارجية الأميركية. وربما يفسر ذلك تناقض مواقف الفواعل الإقليمية حيال قضية الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، خاصة أن القرار الأميركي لم يأت معزولا عن التحذيرات بشأن إمكانية أن تطول العقوبات التي ستفرض على إيران دولا أخرى، إذا ما انتهجت ما من شأنه مساعدة طهران على تحقيق طموحها النووي أو خرق العقوبات التي ستفرض على مؤسساتها، وقياداتها.

ما بعد الانسحاب الأميركي… قلق حلفاء طهران

حسابات الإقليم ليست واحدة وتقديرات صانعي سياساته حيال النزوع لدعم مظاهر استقرار دول الجوار لم تشكل أولوية لدى كافة الدول، فثمة من تبنى مقاربات تؤسس أدوارا إقليمية بناء على انتهاج سياسات عدم الاستقرار ودعم القوى التي تساند جماعات وتنظيمات إرهابية ذات صيغة طائفية. وقد بدا واضحا في هذا الإطار أن هناك دولا ارتبطت بعلاقات وثيقة مع طهران على مستويات سياسية واقتصادية وأمنية، بما دفعها إلى إبداء تحفظات، مباشرة أو غير مباشرة، على القرار الأميركي، انطلاقا من حسابات المصالح الذاتية مع الجانب الإيراني.

رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني (إلى اليسار) ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يحضران اجتماعا مع كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومسؤولين أميركيين ومسؤولين إيرانيين في المحادثات النووية مع إيران في فندق بوريفاج بالاس في لوزان. 30 مارس 2015. (غيتي)
رئيسة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني (إلى اليسار) ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يحضران اجتماعا مع كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومسؤولين أميركيين ومسؤولين إيرانيين في المحادثات النووية مع إيران في فندق بوريفاج بالاس في لوزان. 30 مارس 2015. (غيتي)

وفي هذا السياق، بدا الموقف القطري أقرب إلى الموقف الإيراني منه إلى مواقف دول عربية أخرى رأت أن الاتفاق النووي يعد بمثابة شرعنة لسياسات لم تحقق سوى مصالح إيران في نزع الاستقرار وترسيخ التوتر في ساحات الصراعات العربية. وقد أصدرت الخارجية القطرية بيانا دعت فيه جميع الدول والقوى الفاعلة وشركاء الاتفاق النووي الإيراني إلى ضبط النفس وتسوية الخلافات بالحوار. وقالت الخارجية في بيانها إن «قطر لم تكن طرفا في هذا الاتفاق ولكنها بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية والتاريخية مع أطراف الاتفاق، معنية بشكل مباشر بأي تداعيات للقرارات التي تتخذها هذه الأطراف». وتابعت: «وعليه فإن قطر تؤكد أن الأولوية الأساسية تتمثل في إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي وتجنيب دخول القوى الإقليمية في سباق تسلح نووي لا تحمد عقباه». وبحسب البيان: «تذكر قطر أن التحرك الجماعي في إطار المجتمع الدولي هو الضمان الأساسي لإيقاف سباق التسلح النووي المحتمل في حال دخلت الأطراف المختلفة في هذا السباق كنتيجة لفقدان الثقة بينها».
الموقف القطري ربما لا يعكس تأييدا صريحا للمواقف الأميركية، وإنما يصوغ موقفا لينا ومرنا يجسد نمط الروابط المتنامية بين الدوحة وطهران، سيما أن سياسات التنسيق بين الجانبين لا ترتبط، وحسب، بحسابات العلاقات الثنائية التي تصاعدت على نحو دراماتيكي بعد الأزمة الخليجية – القطرية، وإنما تتعلق أيضا بمساحات التنسيق المتصاعد بين الدولتين حيال أكثر من ملف إقليمي، وفي إطار دعم الجانبين لتنظيمات راديكالية على مسرح عمليات الشرق الأوسط، على النحو الذي كان قد أسهم في تصاعد الأزمة القطرية مع نظيرتها الخليجية على خلفية رفض الدوحة تنفيذ المطالب العربية بشأن إعادة النظر في العلاقات مع طهران، لما تشكله من تهديد مباشر على أمن الخليج والمنطقة العربية واستقرار دولها.

محركات التحفظ التركي على «الانسحاب الأميركي»

تمثل تركيا واحدة من القوى الإقليمية التي تحتفظ بعلاقات مستقرة مع إيران سمحت لها بتأسيس روابط وثيقة بين الجانبين على مستويات مختلفة. وعلى الرغم من ملفات التنافس الإقليمي بين الجانبين، خلال السنوات الماضية، فإن تطورات مغايرة شهدتها علاقات البلدين على مدى العامين الأخيرين، سيما في مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب في تركيا. وتخشى السلطات التركية، في هذا السياق، من تبعات الانسحاب الأميركي، وما قد يستجلبه من عقوبات ضد النظام الإيراني، بما قد يفضي إلى تصاعد مظاهر التوتر الداخلي في إيران – في ظل هشاشة الوضع الإيراني من الداخل – لما لذلك من تبعات على هيكل السلطة المعقد في إيران، وتأسيساً على ما قد يلقيه ذلك، على جانب آخر، من تداعيات وارتدادات عكسية على الوضع الداخلي في تركيا.
وقد عبرت تركيا عن تحفظها بوضوح حيال القرار الأميركي، وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في مقابلة مع قناة «سي إن إن ترك»، ضرورة الإيفاء بالاتفاق النووي. وأضاف: «أعتقد أن إيران لن تتنازل عن اتفاق أبرمته وستبقى وفيّة له، ولكن الخاسر هنا هي الولايات المتحدة الأميركية، لأنها لم تبق وفيّة لاتفاق أبرمته». وفي هذا الصدد، قال متحدث الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، من جانب واحد، أمر مثير للقلق. وأشار كالين إلى أن إلغاء اتفاقية أبرمت نتيجة مباحثات مطولة ومبادرات دبلوماسية، من جانب واحد، يزعزع مصداقية الولايات المتحدة.
وشدّد متحدث الرئاسة التركية على أن بلاده لا تريد لأي دولة في المنطقة أن تمتلك السلاح النووي، وأولوياتها تتمثل في تطهير المنطقة برمتها من هذا السلاح. واعتبر كالين أيضا أن قرار انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي يحمل معه خطر حدوث عدم الاستقرار ونشوب توترات وصراعات جديدة في المنطقة. هذا فيما اعتبر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، خلال اتصال تليفوني، أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني «خاطئ» وشددا على ضرورة الحفاظ عليه، واتفقا معا، حسب الصحف التركية، على أن «الاتفاق يشكل نجاحا دبلوماسيا يجب الحفاظ عليه».
الموقف التركي في جوهره لا يرتبط وحسب بالحسابات السياسية، وإنما يتعلق أيضا بالمحركات الاقتصادية التي تشغل صانع السياسات التركية أكثر من غيرها، ذلك في وقت تتصاعد فيه مظاهر ضعف الأداء الاقتصادي التركي. يفسر ذلك ما أكّده إبراهيم كالين، مراقبة بلاده العقوبات الأميركية على إيران، عن كثب، مبيناً أنّ قرار ترمب يؤثر على الشركات التركية. وأضاف أن تركيا ستواصل بذل المزيد من الجهد، لتخفيض حدة التوترات الحاصلة في المنطقة، مؤكدا أن إيران تعد من أهم شركاء تركيا في المجال الاقتصادي.

على صعيد آخر، قال وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، إن بلاده ستمضي قدما في تجارتها مع إيران، بقدر المستطاع، ولن نكون خاضعين لمحاسبة أي طرف آخر. وقال زيبكجي في مقابلة مع شبكة «سي إن إن ترك»: «من الآن فصاعدا، سنتعامل في تجارتنا مع إيران في الإطار الممكن حتى النهاية ولن نقدم كشف حساب لأحد عن هذا».
وتعتبر تركيا أن العلاقات الاقتصادية مع طهران إحدى ركائز تحركاتها الخارجية، لذلك تخشي خسائر تجارية ضخمة، حال ما فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على إيران. ففي الشهر الماضي، قام وزير الاقتصاد التركي ووفد تجاري كبير بزيارة طهران، وتحدث خلال الزيارة عن الفرص التي يتيحها الاتفاق النووي. وأكد الجانب التركي، في هذا الإطار، على أنه حال ما بدأت أنقرة الاستفادة من الفرص التي تقدمها السوق الإيرانية في مجالات الطاقة، والبتروكيماويات، والتعدين، والبناء، وتجارة التجزئة، والسياحة، يمكن أن يصل حجم تجارتها السنوي مع إيران نحو30 مليار دولار.
لذلك، يمثل القرار الأميركي في 8 مايو (أيار) 2018. بالانسحاب من الاتفاق النووي بمثابة ضربة موجعة لقطاع الأعمال التركي، ذلك أن حجم التبادل التجاري السنوي بين الجانبين قد انخفض بشكل مطرد منذ عام 2012 – عندما بلغ ذروته عند 22 ملياراً بسبب تجارة الذهب مع إيران – ليبلغ نحو 9.8 مليار دولار في عام 2015، ونحو 9.7 مليار دولار في عام 2016. ولم يتجاوز 10.7 مليار دولار في عام 2017.
وعلى الرغم من أن بعض التقديرات تشير إلى أن العقوبات الأميركية قد لا تؤثر على التجارة مع إيران، فثمة اتجاهات أكاديمية ترى مزيدا من التحديات والإشكاليات المتصاعدة على صعيد الوضع الاقتصادي بالنسبة للجانب التركي أيضا. فبعد أن كانت أنقرة قد استفادت من فترة العقوبات السابقة، عبر خرق هذه العقوبات من خلال «بنك هالك» (بنك الشعب) المملوك للدولة التركية، وذلك في قضية أثارت، ولا تزال، توترات غير مسبوقة بين الجانبين، بسبب استمرار محاكمة رجل الأعمال، رضا زاراب، وكذلك هاكان أتيلا، نائب المدير العام لـ«بنك هالك»، في الولايات المتحدة الأميركية، لهذا السبب.

التحرك النشط… قوى «الاعتدال العربي»

تبنت الدول العربية الرئيسية مواقف واضحة حيال تأييد السياسات الأميركية التي تستهدف إعادة ضبط وتوجيه السياسات الإيرانية، التي استغلت الاتفاق النووي، لتوسيع نطاق نفوذها داخل الكثير من الدول العربية، عبر دعم جماعات إرهابية طائفية في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن. وقد تأسس على ذلك الموقف الذي اتخذته دول الاعتدال العربي، حيث سارعت السعودية، والإمارات، والبحرين للإعلان عن تأييدها لقرار الرئيس ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي. وقد أثبتت هذه التطورات صدق رؤية المملكة العربية السعودية ومقارباتها السياسية، بحسبانها كانت من الدول الرئيسية التي لم تخف صراحة، ومنذ البداية، تحفظاتها على الاتفاق المبرم في عام 2015 بين إيران والقوى الست الكبرى (مجموعة 5+1).
وأبدت المملكة تحفظات واضحة على الاتفاق، الذي استغلته طهران واستخدمته للاستمرار في أنشطتها المزعزعة لاستقرار المنطقة، خصوصا من خلال تطوير صواريخها الباليستية، ودعمها للجماعات الإرهابية، بما في ذلك «حزب الله» في لبنان، وميليشيات الحوثي في اليمن.
ولقد كشفت ردود الفعل الرسمية من جانب كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، على القرار الأميركي عن دعم واضح للسياسات الأميركية فيما يخص الاتفاق النووي، ومجابهة إيران، وتهديداتها للأمن الإقليمي. هذا فيما قالت الكويت عبر بيان للخارجية إن الاتفاق يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة، وقالت الخارجية العمانية، إن خيار المواجهة ليس في مصلحة أي طرف. هذا فيما قال الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في تصريح على هامش افتتاح أعمال المؤتمر العام لمنظمة «الألكسو» في تونس، تعليقاً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، إن «الاتفاق الذي أبرم في 2015 كان يتناول بشكل حصري الشق النووي في الأداء الإيراني… ولطالما قلنا إن هذا العنصر على أهميته ليس العنصر الوحيد الذي يجب متابعته مع إيران؛ لأنها تنفذ سياسات في المنطقة تفضي إلى عدم الاستقرار… وهي حتى من دون البعد النووي تتبع سياسات نعترض عليها؛ لأنها تستند إلى الإمساك بأوراق عربية في مواجهتها مع الغرب».
الإمارات من جانبها، كان موقفها واضح، فقد كتب وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، على «تويتر» يقول: «إيران فسرت خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) على أنها موافقة على هيمنتها الإقليمية. إيران المعتدية تشجعت نتيجة لذلك وبرنامجها للصواريخ الباليستية أصبح هجوميا ويمكن تصديره».
وقد تأثر الموقف الخليجي بما أثبتته مرحلة ما بعد عام 2015 من أن إيران تفتقد واقعيا خبرة العيش في سلام مع جوارها الجغرافي، لذلك تُقدم باستمرار على تعبئة ميليشياتها المحلية ووكلائها في الإقليم من ميليشيات وجماعات إرهابية لاستهداف أمن واستقرار دول الجوار الجغرافي، وذلك على نحو يجعل خطر إيران على المنطقة لا ينحصر، وحسب، في برنامجها النووي، وإنما يتعلق أيضا بنزعتها العدوانية. فقد فسرت الاتفاق النووي ليس بحسبانه اتفاقاً يقيد قدراتها النووية، وإنما اتفاق يقضي بإطلاق يدها في المنطقة، ونظرت إليه بحسبانه بمثابة مكافأة لدولة لا تخفي دعمها ومساعدتها لجماعات محلية في دول عربية…
ربما لم تكن هذه المبررات غائبة أيضا عن محركات الموقف المصري، الذي عبرت عنه وزارة الخارجية، عبر بيان أكدت فيه على أنها تقدر الحرص الأميركي والدولي على معالجة الشواغل الإقليمية والدولية المرتبطة بالاتفاق النووي، والتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية. وأكد بيان القاهرة على أنها ترى ضرورة وفاء إيران بالتزاماتها الكاملة، وفقا لمعاهدة عدم الانتشار النووي، واتفاق الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن استمرار وضعيتها كدولة غير حائزة للسلاح النووي، ويُعزز من فرص إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، وذلك على نحو يُعضد الاستقرار والسلام بالمنطقة.
جاء في بيان مصر تذكير بموقفها الداعي إلى ضرورة الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها، وأعربت فيه عن قلقها من أي سياسات تستهدف منها طهران توسيع رقعة النفوذ في المحيط العربي، والتأثير السلبي على الأمن القومي العربي، مشددة في الوقت نفسه على أهمية مشاركة الأطراف العربية المعنية في أي حوار حول مستقبل الأوضاع في المنطقة، وبصفة خاصة المرتبط باحتمالات تعديل الاتفاق النووي مع إيران.
عكس بيان الخارجية المصرية رؤية القاهرة حيال التشوهات التي شابت اتفاق مجموعة «5+1»، والتي كان أحد أسبابها غياب الدول العربية الرئيسية عن المشاركة في صناعة هذا الاتفاق أو صياغته أو أي حوار بشأنه. كما أن الموقف المصري يجسد، نمط العلاقة الاستراتيجية التي تجمع القاهرة بدول مجلس التعاون الخليجي، وبحسبانها ترفض التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية.

حسابات ما بعد الانسحاب الأميركي

تتعدد دوافع الدول المؤيدة لقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي، خاصة أن المبررات التي تبناها الرئيس، دونالد ترمب، لاتخاذ هذا القرار تكاد تتطابق نسبيّاً مع مواقف دول المنطقة، والتي كثيراً ما لفتت انتباه المجتمع الدولي لأنماط التهديدات الإيرانية منذ توقيع الاتفاق النووي بين الدول الغربية وإيران في عام 2015. وقد أوضحت تطورات ما بعد الاتفاق النووي عن صدقية ودقة التقديرات العربية حيال التهديدات الإيرانية، التي جاءت عبر محاور مختلفة، منها دعمها لجماعة الحوثي في اليمن، و«حزب الله» في لبنان، والحشد الشعبي في العراق.
لا يغيب عن محركات السياسات العربية أيضا أن الاتفاق النووي لم يفكك البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، وإنما أسهم في تحجيمها، حيث لا تزال إيران تملك 3 آلاف جهاز طرد مركزي قد تُشكل أساساً لبناء قوة نووية في المستقبل. ومع ما تُشير له بنود الاتفاق النووي من أن طهران يمكنها استعادة قدراتها النووية خلال 15 عاماً، فذلك يعني تهديداً حقيقياً لمستقبل الأمن في المنطقة. وعليه، فإن الاتفاق النووي لم يكن حاسماً في التعاطي مع التهديدات الإيرانية على كافة المستويات.
ويأتي الانسحاب من الاتفاق النووي مدفوعا بالرغبة الأميركية في مجابهة القدرات الاقتصادية التي اكتسبتها طهران في مرحلة ما بعد عام 2015، وربما يفسر ذلك ما يشهده الاقتصاد الإيراني من تراجعات حادة منذ قرار الرئيس ترمب في 8 مايو 2018، بما قد يؤجج الوضع الداخلي في طهران، سيما في ظل المخصصات المالية الضخمة التي توجه إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يلعب دوراً أساسياً في النشاطات التوسعية في مناطق النزاعات، أو من جراء ما تشهده مدن إيرانية من مظاهرات مستمرة اعتراضا على الأوضاع الاقتصادية المتردية.
معهد «كابيتال إيكونوميكس» أكد في تقرير له مؤخرا أن القرار الأميركي قد يؤدي إلى تباطؤ حاد للاقتصاد الإيراني. وقد أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني – لدى ترؤسه اجتماع فريقه الاقتصادي بحضور وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، ووزير النفط، بيجن زنغنة؛ لبحث تداعيات انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي – أنه كلف وزير الخارجية بمهمة دولية تبدأ من الصين، وتشمل موسكو وأوروبا لتحديد خيارات إيران، وعلى رأسها الاقتصادية لمواجهة تداعيات خروج الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي.

مسيرة احتجاجية مناهضة للصفقة النووية أمام مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة يوم 9 سبتمبر 2015. كان أبرز المشاركين في الاحتجاج تيد كروز، دونالد ترمب - الرئيس الحالي الذي انسحب من الاتفاق -، ساره بالين، فل روبرت داك ديناستي. (غيتي)
مسيرة احتجاجية مناهضة للصفقة النووية أمام مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة يوم 9 سبتمبر 2015. كان أبرز المشاركين في الاحتجاج تيد كروز، دونالد ترمب – الرئيس الحالي الذي انسحب من الاتفاق -، ساره بالين، فل روبرت داك ديناستي. (غيتي)

وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية في هذا الصدد، بأن روحاني شدد على متابعة تنفيذ السياسات الاقتصادية على ضوء نقاش أجراه كبار المسؤولين الاقتصاديين حول تداعيات التطورات الأخيرة في الاتفاق النووي. وشارك في الاجتماع وزراء الصناعة والمعادن، والتجارة والشؤون الاقتصادية والمالية، إضافة إلى رئيس البنك المركزي. وركز الاجتماع على مسار سوق العملة التي شهدت تدهوراً في خلال الشهور الأخيرة. وطالب روحاني في الاجتماع من جميع الأجهزة الاقتصادية والبنوك بتنفيذ السياسة الجديدة التي أعلنتها الحكومة منذ شهر لاحتواء سوق العملة.
ويبدو أن الضغوط التي تتعرض لها طهران لن تقتصر على مؤسساتها، وإنما قد تشمل شركاءها التجاريين في الخارج، ربما يفسر ذلك مدى القلق لدى القيادات السياسية في كل من أنقرة والدوحة، وقد يمثل ذلك ورقة ضغط مهمة تمتلكها دول الخليج العربي، ذلك أن طهران كانت أحد الفواعل الإقليمية التي ناورت بها قطر، عبر توطيد العلاقات معها، سيما على الصعيد الاقتصادي، ولم يعد ذلك يمثل نقطة خلاف خليجية – قطرية وحسب، وإنما أيضا أميركية – قطرية، كذلك الأمر بالنسبة لتركيا. ففي عام 2012. خفضت أنقرة واردات النفط من إيران، واستبدلته بالنفط من العراق والمملكة العربية السعودية. قد تحاول تركيا استنساخ النهج نفسه هذه المرة، لكن ذلك من شأنه أن يعزز أسعار النفط، التي تتجه للصعود بالفعل، كما أنه يجعل المملكة العربية السعودية أحد محركات السلوك التركي في مواجهة كل من قطر وإيران، في آن واحد.
يرتبط ذلك، على جانب آخر، بتنامي عناصر الضغط من قبل بعض الفاعلين المحليين في تركيا، والذين يمارسون ضغوطا على الحكم من أجل إعادة ضبط حركة الدبلوماسية التركية، على نحو يساهم في تحسين علاقات أنقرة مع الشركاء الغربيين، ويسمح، في الوقت نفسه بمواجهة التحديات والتهديدات الاقتصادية التي تواجهها تركيا.
وفيما يخص السلوك القطري في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وبعد أن كشفت جريدة «واشنطن بوست» عن مراسلات مسربة من قطر تثبت دفع الدوحة ما يربو على مليار دولار لميليشيات متطرفة في سوريا والعراق، أعلنت «الديلي تلغراف» عن دعوة إدارة الرئيس الأميركي الدوحة إلى وقف تمويل الميليشيات الموالية لإيران، على خلفية «كشف تعاملات تجمع القيادة القطرية بجماعات إرهابية في الشرق الأوسط». وعبّر مسؤولون أمنيون أميركيون عن قلقهم إزاء ارتباط قطر بعدد من الميليشيات التي ترعاها إيران، والتي تصنف واشنطن الكثير منها كإرهابية.
تأتي هذه الدعوة بعد الكشف عن عدد من رسائل البريد الإلكتروني من قبل مسؤولين في الحكومة القطرية إلى أعضاء قياديين في منظمات إرهابية مثل «حزب الله» في لبنان، وإلى كبار القادة في الحرس الثوري الإيراني. وفي إحدى رسائل البريد الإلكتروني يفيد مسؤول قطري بدفع 50 مليون جنيه إسترليني لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في أبريل (نيسان) عام 2017. ودفع 25 مليون جنيه إسترليني إلى مجموعة عراقية إرهابية متهمة بقتل عشرات الجنود الأميركيين في جنوب العراق.
قد يؤكد ذلك، أن أحد مكاسب مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي تتمثل في القطيعة مع «الإرث الإقليمي» لإدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، التي تساهلت مع دول ومنظمات تدعم الجماعات الإرهابية في ساحات الصراع العربية.

مسارات مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي

يكتنف الغموض مسرح العمليات الإقليمي، ولكنه يشير بوضوح إلى مكاسب حققتها الدول العربية الرئيسية، كالمملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر. كما أن تطورات ما بعد الانسحاب الأميركي، تكشف، على جانب آخر، عن تصاعد أوجه الصراع بين إسرائيل، التي تمتلك سلاحاً نووياً، من جانب، وإيران التي تسعى لامتلاكه، من جانب آخر، وهو ما قد يحقق للدول العربية مكاسب استراتيجية ضخمة، سيما بعدما تصاعدت مظاهر الصراع المباشر بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني. فقد تعرضت مواقع إسرائيلية في منطقة الجولان المحتلة إلى قصف صاروخي، وقال الجيش الإسرائيلي إن القوات الإيرانية أطلقتها من سوريا. وردت إسرائيل باستهداف عشرات المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن إسرائيل استخدمت 28 طائرة وأطلقت 70 صاروخاً خلال ضرباتها على مواقع سورية وإيرانية في سوريا. يشير ذلك إلى أن رد الفعل الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة سيرتبط بتكثيف الضربات على تمركز القوات الإيرانية في سوريا وقد يمتد ذلك إلى مواقع «حزب الله».
مجمل القول، أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي قد يكون بداية لمواجهات تستهدف إحباط مشاريع إيران النووية، وتحجيم تهديداتها للأمن والاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من أن ذلك يمثِّل في جانب منه تحقيقا للسياسات العربية التي سعت إلى مجابهة التهديدات الإيرانية على أكثر من مسرح عمليات؛ فإن ذلك في الوقت نفسه يستدعي العمل من أجل الاستعداد لمجابهة احتمالات تصعيد إيران لنشاط وكلائها في المنطقة على الجبهات العراقية، واللبنانية، واليمنية. وكذلك محاولة مضاعفة أنشطتها التخريبية في بعض دول الخليج، بخلاف العمل على توسيع وتيرة الهجمات الإلكترونية ضد دول المنطقة.
هذه الاحتمالات والمسارات تشير في النهاية إلى أن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، إنما يمثل النهاية لمرحلة، والبداية لمرحلة مغايرة تفرض تداعيات وارتدادات، ومثلما تجلب فرصاً ومكاسب معنوية واستراتيجية، فإنها قد تثير أنماط تهديدات إيرانية جديدة تستدعي العمل بتناغم وبتنسيق بين القوى العربية الرئيسية مع القوى الدولية المعنية لمواجهة السياسات الإيرانية على مسارح إقليمية مضطربة يبدو أنها مقبلة على تحولات استراتيجية ليست هينة خلال المرحلة المقبلة.

Previous ArticleNext Article
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.