دراسة عن دور «صدام الحضارات» في بناء نظام دولي متعدد الأقطاب

قالت: إن التطور التكنولوجي أعطى وسائل جديدة للسيطرة الثقافية على الآخر

 غلاف الدراسة الصادرة في القاهرة عن دار «كتابي للنشر والتوزيع»

غلاف الدراسة الصادرة في القاهرة عن دار «كتابي للنشر والتوزيع»

القاهرة: خالد أبو الروس

* يمكن ترجيح وجهة نظر «هانتنغتون» حول أهمية الدين في بناء الثقافات الإنسانية، ولكن يرجح أن الدين ليس السبب الرئيسي أو المباشر للصدام بين الإسلام والغرب.

* الأحداث والتغيرات المهمة الحاصلة في الوسط الدولي فرضت على المهتمين والباحثين في مجال العلاقات الدولية تكثيف جهودهم البحثية لاستنباط أطر مفاهيمية جديدة تفسر تلك التغيرات وتعللها.

* يتم إبراز الكثير من التعليقات السلبية الصادرة عن الشخصيات العامة في المجتمع الغربي، وبالتالي يتم تشكيل صورة نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، يتم تداولها وتسويقها للرأي العام الغربي والعالمي.

«توازن القوى النسبي... دور نظرية صدام الحضارات في بناء عالم متعدد الأقطاب»، دراسة جديدة صدرت مؤخرا في القاهرة للباحث محمد إسماعيل مرعي، يستجلي فيها دور نظرية صدام الحضارات في بناء نظام دولي قائم على الأقطاب المتعددة، وليس على القطب الأوحد، كما ادعت كثير من الدراسات والأطروحات التي ظهرت في بداية تسعينات القرن العشرين؛ أي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وفي سبيل ذلك أثيرت أسئلة كثيرة، أبرزها: ما تعريف كل من الثقافة، والحضارة؟ وما العلاقة بينهما؟ ما أهم فرضياتِ نظرية صِدام الحضارات؟ ولماذا ظهرت هذه النظرية في حقبة ما بعد الحرب الباردة؟

وطرحت الدراسة الصادرة عن دار «كتابي للنشر والتوزيع» عددا من الأسئلة بعد مضي أكثر من عقدين على ظهور نظرية صدام الحضارات، أهمها، هل أثبت واقع السياسة الدولية صحة فروض تلك النظرية من حيث: هِراركية النظام الدولي؛ منذ سقوط الشيوعية حتى الآن؟ وهل يشهد العالم، في هذه الآونة، انبثاق نظام دولي متعدد الأقطاب، بعد أن تسيدت الولايات المتحدة الأميركية العالم لبعض الوقت؟ ما معنى الحوار بشكلٍ عام؟ وما معنى حِوار الحضارات بشكلٍ خاص؟ ما تأثير نظريتي صِدام الحضارات، وحوار الحضارات في العلاقات الدوْلية؟ هل يوجد تأثير متبادل بين كلتا النظريتين من جهة، وبين ظاهرتيْ: العولمة، والإسلاموفوبيا من جهة ثانية؟

وأكد الباحث خلال الدراسة أنه وأثناء عمليات البحث، لوحظ وجود لبس بين مصطلحي «الثقافة» و«الحضارة»، واستخدامهما في غير مواضعهما في بعض الأحيان. لذلك تم تخصيص مبحث تمهيدي في بداية الدراسة لمناقشة أهم وأبرز الآراء العربية والغربية، التي تناولت هذين المصطلحين، وتم في النهاية ترجيح الرأي الذي يقول إن الحضارة الإنسانية واحدة، ولكن الثقافات متعددة؛ فالحضارة تجسد ذروة التفاعل بين ثقافات وجماعات مختلفة، دون أن تنتمي إلى ثقافة واحدة، كما أن وحدة الانتماء الحضاري، لا تعني نفي التعددية الثقافية بقدر ما تغنيها وتغذيها بقنوات ووسائل جديدة بهدف التفاعل والتواصل، وصياغة القواسم والأهداف والمصالح المشتركة.

واستكمالا لتحقيق الهدف، ناقشت الدراسة في الفصل الأول، من الباب الأول، أهم محرضات ولادة نظرية «صدام الحضارات»، ومن ثم التركيز على الفرضية الأساسية التي بنيت عليها تلك النظرية، والمتمثلة في أن الثقافة أو الهوية الثقافية «والتي هي في أوسع معانيها الهوية الحضارية»، هي التي تشكل نماذج التفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة.

وفي الفصل الثاني، من الباب الأول، تشير الدراسة إلى أنه حصل التعريف بحوار الحضارات، واستعراض أهم الروافد التي شكلته، وأهم شروط نجاحه. وكذلك تحديد أبرز المعوقات التي تعترض تحقيق شروط الحوار الحضاري الناجح، وعلى رأسها العوائق الثقافية، والعوائق السياسية. وتم في الفصل ذاته، أيضًا، إيجاز أهم ما ذهبت إليه بعض الأطروحات والنظريات التي نمت في البيئة الفكرية التي شكلتها نظريتا «حوار الحضارات» و«صدام الحضارات»، مثل: «حوار الأديان»، و«تعارف الحضارات».

الباحث محمد إسماعيل مرعي

الباحث محمد إسماعيل مرعي

وأبرزت الدراسة أهم التأثيرات التي خلفتها تلك الرؤى والتصورات في منظومة العلاقات الدولية في حقبة «ما بعد الحرب الباردة»، كذلك تم إبراز تأثير تغيرات السياسة الدولية في البيئة التنظيرية لعلم العلاقات الدولية، وكيف حرضت الأحداث الجسام، مثل الحربين العالميتين، على ولادة منظورات جديدة تهدف إلى تحليل تلك الأحداث وتعليلها ومحاولة التنبؤ بمستقبل الوضع الجديد الذي خلفته تلك الأحداث. وأعقب ذلك، تبيان دور منظور «صدام الحضارات» في ترسيخ «البعد الثقافي لعلم العلاقات الدولية» وتغيير طبيعة مفهوم «القوة»؛ فجعل من «الثقافة» «وهي في أوسع معانيها «الحضارة» العنصر الفاعل والأهم في منظومة العلاقات الدولية الجديدة.

ورجحت الدراسة، الرؤى والتصورات، عن أن الحديث عن الحضارة الإغريقية، أو الحضارة الإسلامية، أو الحضارة الغربية، يعني أن تلك الثقافات، قد بلغت مرحلة الذروة من مراحل تطورها، واستطاعت بما تمتلك من عناصر القوة رسم الحضارة الإنسانية في تلك المرحلة بسماتها الخاصة، بحيث أصبحت هي الثقافات الرائدة للحضارة الإنسانية في تلك الفترات. ولكن ذلك لا ينكر تأثر تلك الثقافة الرائدة بالثقافات السابقة، أو المعاصرة لها، ويمكن ترجيح وجهة نظر «هانتنغتون» حول أهمية الدين في بناء الثقافات الإنسانية، ولكن يرجح بأن الدين ليس السبب الرئيسي أو المباشر للصدام بين الإسلام والغرب، بشكل خاص، وبين المجتمعات الإنسانية بشكل عام.

وكشفت الدراسة عن أن أحد أهم التأثيرات التي أحدثتها نظرية «صدام الحضارات» في العلاقات الدولية المعاصرة يتمثل في تغير معطى «القوة»؛ فقد مثلت كل من القدرة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، أساس قوة الدولة في المنظورات الكلاسيكية؛ ولكن «صامويل هانتنغتون» - في نظرية «صدام الحضارات» – أدرك مبكرًا أهمية التطور التكنولوجي الذي يعطي وسائل جديدة وفعالة للسيطرة الثقافية على «الآخر»، فبدلاً من شن حرب عسكرية باهظة التكلفة، أو حصار اقتصادي قد لا يحقق الغرض المرجو منه، يتم إضعاف الدولة عن طريق تدمير مجتمعها ثقافيا وتوجيه الرأي العام فيها إلى ما تريده الدول الأخرى. وأبرز الوسائل المستخدمة في إحداث التغيرات في مجتمعات وثقافات (الغير) تتمثل في المؤسسات المصدرة للتدفقات الثقافية عبر العالم، من قبيل «فيسبوك» (Face Book) وتويتر (Tweeter)، وغوغل (Google)، ويوتيوب (YouTube).

التسلسل الهرمي للنظام الدولي

واستعرضت الدراسة التسلسل الهرمي(Hierarchy) للنظام الدوْلي وفْق منظور صدام الحضارات، ومقارنة ذلك مع الواقع العالمي الملاحظ منذ استحداثه وحتى الوقت الحالي حيث إن هانتنغتون في «صدام الحضارات» يفرد مكانة للقوة العظمى الوحيدة في هذا النظام، ذاتِ التفوقِ في سائر مجالاتِ القوة، ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية، وفي المرتبة الثانية، تأتي القوى الإقليمية الكبرى المتفوقة، في إقليمها، دون القدرة على توسيع مجال مصالحها، وتفعيل قدراتها عالميا، كما هو الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهذه القوى تضم: ألمانيا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين، وربما اليابان، والهند، وتركيا، بحكم اقتصادها المتنامي، وموقعها الجيو-سياسي، والبرازيل، وجنوب أفريقيا.

وفي المرتبة الثالثة تظهر قوى إقليمية ثانوية، جل ما يميزها هو تصارع مصالحِها مع مصالح الدول الإقليمية الكبرى. وهذه الفئة تتضمن، أوكرانيا في مواجهة روسيا، واليابان في علاقتها مع الصين، وكوريا الجنوبية قبالة اليابان، والأرجنتين بالنسبة إلى البرازيل، ويرى هانتنغتون أن فعالية هذا النظام ستمر بمرحلتيْنِ: مرحلة مؤقتة تتصدر فيها الولايات المتحدة الأميركية النظام الدوْلي، ثم مرحلة التحولِ إلى نظامٍ دوْلِي متعددِ الأقطابِ.

وتوضح الدراسة أن الولاياتِ المتحدة تفضل تحقيق نظام أحادي القطبية، وهي منْ يرأسه، أما القوى الكبرى، فتفضل نظامًا متعدد الأقطاب، تضمن فيه تحقيق مصالحها، فرادى أو مجتمعة، من دون أنْ تعترضها عقبات.

وهكذا فإن السياسة العالمية المرتكزة على نظام ثنائي القطبية – في مرحلة الحرب الباردة – قد زالت مع انهيار الشيوعية، وإثر ذلك تمحورت السياسة الدوْلية حول نظام أحادي القطبية، وهي الآن تقوم على نظامٍ مختلِطٍ بين أحادي، ومتعدد الأقطاب. ويرجح بقاء هذا النظام عقدًا آخر إلى أنْ يستقر في شكل نظام متعدد الأقطابِ.

وكشفت الدراسة عن أنه حتى يتجنب الأقطاب الدوْليون صِدامًا فيما بينهم، يؤدي إلى نفقٍ لا يمكن التكهن بما يفضي إليه، وما تكتنِف دياجيره من مخبآت الأقدارِ، فإنهم يسعون لإقامة التوازنات فيما بينهم مستخدِمين وسائل كثيرة، أهمها: التحالفات الخارجية مع ما يماثلها، أو يشابهها ثقافيا؛ أيْ، تحالف قطب مع آخر. والتوحد داخليا، على مستوى القطب الواحد عبْر اتخاذِ الأواصِرِ الثقافية لحْمة وسداة يمد نسغها مختلف أعضاءِ ذلك القطب بالقوة، وينفخ فيها الروح المتوقدة بالحيوية والنشاط. ويمكن أيضًا – بالتوازي مع ما سبق – إقامة التوازناتِ فيما بين الأقطاب المختلفة، وربطها بوشائج المصلحة؛ من خلال اعترافِ كل منها بالآخر، وبمصالح وحقوق ذلك الآخر. ولكن، مع الأولوية الدائمة لمصالح وحقوق (الغرب)، فهي في المقام الأول، لأنه الأقوى والأكثر تطورًا، ولأنه هو الذي يقود العالم (حضاريا). وهذا ما يجسده جوهر نظرية صِدام الحضارات.

وأكدت الدراسة أن الأحداث والتغيرات المهمة الحاصلة في الوسط الدولي فرضت على المهتمين والباحثين في مجال العلاقات الدولية تكثيف جهودهم البحثية لاستنباط أطر مفاهيمية جديدة تفسر تلك التغيرات وتعللها، حتى إن استحداث علم العلاقات الدولية - كعلم منفصل يدرس في الجامعات - جاء استجابة لـ(حدث) الحرب العالمية الأولى، للحيلولة دون حدوث مأساة أخرى مشابهة لتلك الحرب الكارثية، وذلك من خلال دراسة وتحليل دوافع الدول والأفراد (القائمين على شؤون تلك الدول)، وبالتالي إيجاد سبل ووسائل تفاهم سلمية - توفيقية ترضي تلك الدول.

وتضيف الدراسة أنه وتطبيقًا لذلك استنبط الباحثون منظورات متعددة، حيث كانت البداية مع المنظور المثالي الذي خاطب الجانب الخير عند البشر، وعده المحفز الأهم في سبيل الوصول إلى حلول سلمية للمشكلات الدولية، وبالتالي منع حدوث الحرب، ومع إدراك الكثير من الباحثين عدم نجاح ذلك المنظور، لذلك ظهر ما يعرف بالمنظور الواقعي الذي عد القوة (العسكرية منها على وجه الخصوص) الرادع الأهم لمنع حدوث الحروب، ولكن مع ظهور فواعل جديدة على مسرح السياسة العالمية من قبيل المنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات، برزت الحاجة إلى منظور جديد يأخذ تلك الفواعل الجديدة بعين الاعتبار، وهذا ما أدى إلى ظهور منظورات متعددة، وقد حاول أنصار المنظورات القديمة تحديث رؤاهم، ومنهم، على سبيل المثال، فِعْل أنصار المدرسة الواقعية الذين استنبطوا الواقعية الجديدة من الواقعية الكلاسيكية.

ولمواكبة التطورات الحاصلة في البيئة الدولية، والتغيرات الحاصلة في مفهوم القوة، حيث لم تعد القدرة العسكرية–الاقتصادية مصدر القوة الأساسي ووحدة التحليل الأهم في العلاقات الدولية، يلاحظ أن العنصر الثقافي قد زاحمها وتحول من مجرد عنصر في معادلة القوة إلى واحد من أهم عناصر القوة، إن لم يكن أهمها، وقد وفرت التكنولوجيا، لمن يمتلكها، عناصر ووسائل سيطرة ثقافية لم تتوافر في السابق لأي إمبراطورية عبر التاريخ. وهذا ما أدركه هانتنغتون في منظوره الحضاري بشكل مبكر عندما عد الحضارة وحدة التحليل الأساسية (والجديدة) في منظومة السياسة العالمية المعاصرة.

الإسلامو- فوبيا

وتكشف الدراسة عن أن هناك عملين فكريين مهمين لهما تأثير كبير في تصوير المواجهة بين الإسلام والغرب على أنها صِدام الحضاراتِ، وهذان العملان هما: «جذور الهياج المسلم»، تأليف: برنارد لويس، و«صِدام الحضارات»، تأليف هانتنغتون. وكلاهما كان جوهريا في التعريف بمدى حجم الجدل الذي أمسك بتلابيب الدبلوماسيين وصناع السياسة والصحافيين والمحللين والأكاديميين؛ ففي العمل الأول قدم لويس صورة صادمة عن الإسلام والمسلمين باعتبارهم أصوليين مقاتلين خطرين، بينما عزز هانتنغتون (في العمل الثاني) من التقسيمات الثنائية النمطية، التي تحجب وراءها الحقائق المركبة؛ وأوجد ثنائيات مثل: الإسلام ضد الغرب، والأصولية في مواجهة الحداثة، والتراث الجامد في مقابل التغيير الحيوي، والرغبة في العودة إلى الماضي، أو الحفاظ عليه، في وجه الأخذ بالحياة العصرية.

ورافق هذين العمليْنِ - كما تقول الدراسة - الكثير من الأعمال الفكرية، والمواقف السياسية لبعض الزعماء الأوروبيين، وحتى بعض أهل الفن. وبكلمة أخرى، فقد خط الأكاديميون بأعمالهم الأكاديمية أساسًا أو منهجًا، بنى عليه الزعماء والمحللون السياسيون آراءهم ومواقفهم السياسية تجاه الإسلام والمسلمين. ورافق ذلك توجه إعلامِي مركز نحو أي عملٍ سلبي يصْدر عن أي جماعة إسلامية متشددة، حيث يتم إبراز الكثير من التعليقات السلبية الصادرة عن الشخصيات العامة في المجتمع الغربي، وبالتالي يتم تشكيل صورة نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، يتم تداولها وتسويقها للرأي العام الغربي والعالمي.


اشترك في النقاش