جيل «الملاحم» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

جيل «الملاحم»

محركات ظاهرة الإرهابيين الصغار

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

* شاعت بشأن جيوش الإرهابيين الصغار الكثير من المشاهد الصادمة، مثل تفكيك حزام ناسف من حول جسد صبي لا يتجاوز عمره 12 عاماً.
* تم إدخال أكثر من 120 طفلاً ومراهقاً يزيدياً إلى معسكرات في شمال العراق، لتدريبهم على أعمال وحشية.
* المرصد السوري لحقوق الإنسان: هناك أكثر من 1100 طفل انتموا إلى ما يعرف بـ«أشبال الخلافة»، منذ مطلع 2015، بعد تجنيدهم عبر مكاتب افتتحت في مناطق سيطرة تنظيم داعش.
* لجنة مكافحة الإرهاب في هولندا: تنظيم داعش قام بإنشاء معسكرات لتدريب الأطفال، وتهيئتهم نفسياً وجسدياً لخوض غمار المواجهات العسكرية.
* هناك نحو مليوني طفل خضعوا لنفوذ تنظيم داعش في المناطق التي كان يديرها في سوريا والعراق.

مشاهد دراماتيكية تتجاوز قدرة الصياغات السياسية والكتابات الأدبية على التعبير عن حجم المأساة الإنسانية التي ترتبط بدراما انخراط الأشبال الصغار داخل صفوف الجماعات الإرهابية والتيارات الجهادية. فقد تناثرت القصص وتصاعدت الارتدادات الناتجة عن شيوع ظاهرة استقطاب التنظيمات الراديكالية للأطفال والمراهقين في المناطق التي خضعت لسيطرتها، واتخذتها منطلقاً لتأسيس جيوش من صغار السن بعدما «غسلت عقولهم» وغذت نفوسهم بأفكار متشددة وأفعال متطرفة. وفي هذا السياق تنطلق الروايات، عبر الكثير من الكتابات الغربية والأدبيات العربية بشأن العمليات المنظمة التي استهدفت تجنيد الآلاف من حديثي السن، وتكليفهم بعمليات قتل وتفخيخ وتفجير، ليتحولوا تدريجياً إلى «مسخ بشري» يفتقد للبراءة تحت وطأة التفكير بالكراهية بدعوى «الجهاد»، الذي لا يفقه أيا منهم معناه الحقيقي أو سياقه التاريخي.
وقد شاعت بشأن جيوش الإرهابيين الصغار الكثير من المشاهد الصادمة، مثل تفكيك حزام ناسف من حول جسد صبي لا يتجاوز عمره 12 عاماً، وذلك قبل دقائق معدودة من انفجاره في مدينة كركوك العراقية، في عملية إجرامية وقف وراءها عناصر تنظيم داعش الإرهابي. كما صدم الجميع – كذلك – الحزام الناسف الذي شغّله صبي تركي في حفل زفاف كردي، وأودى بحياة نحو 50 شخصا، في عملية وقف وراءها أيضا تنظيم داعش، الذي عمد إلى تأسيس ما أطلق عليه «جيل الملاحم» أو «أشبال الخلافة»، والذي تعود فكرته إلى المحاولات الأولى لاحتلال قرى الأقلية اليزيدية في شمال العراق، وما نتج عنها من قتل الرجال والشيوخ، و«سبي النساء»، بل وفرض اعتناق الإسلام على الأطفال وتوجيههم إلى «معسكرات التأهيل»، ليصبحوا أشبالا في طور الانفجار.
تشير تقديرات متنوعة، في هذا السياق، إلى أنه تم إدخال أكثر من 120 طفلا ومراهقا يزيديا إلى معسكرات في شمال العراق، لتدريبهم على أفعال وحشية، مثل مشاهدة مقاطع مصورة لقطع رؤوس ضحايا التنظيم ورهائنه، وتدريبهم على القيام بذلك بأنفسهم، من خلال خطوات تدريجية. ففي البداية يحصل كل طفل على دمية ويقوم بقطع رأسها، كمقدمة لامتهان قطع رؤوس البشر. ترتب على ذلك الاستخدام الأول للكتيبة المسماة بـ«جيل الملاحم»، والتي ظهرت للمرة الأولى في مايو (أيار) 2016 حين أصدر تنظيم داعش في منطقة آسيا فيديو لمجموعة من الأطفال الآسيويين، وهم يتدربون على عمليات القتل، في إصدار مرئي حمل اسم «جيل الملاحم».
سبق ذلك فيديو كان قد نشره التنظيم يحتوى مشاهد عنيفة لكتيبة أطلق عليها «أشبال الخلافة»، وهي تضم مجموعات من الأطفال تقوم بإعدام نحو 9 أشخاص. وربما الفيديو الأكثر وحشية كان لطفل ظهر في سوريا عام 2017 من مدينة الحسكة، والذي حمل عنوان «أحياني بدمه»، والذي يظهر فيه 3 أطفال ينفذون إعدامات ميدانية لثلاثة من المواطنين السوريين.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016 أٌعلن عن تفجير قسم «شرطة الميدان» في مدينة دمشق، وأشارت تقارير إعلامية في حينها إلى أن منفذة العملية فتاة يبلغ عمرها 16 عاما، وبعد 10 أيام ادعت «جبهة النصرة» مسؤوليتها عن العملية عبر نشر فيديو لأب يجهز ابنتيه البالغتين من العمر 8 و9 سنوات، لعملية تفجير في قسم الشرطة، وهو ما وصفه بأنه يمثل «غزوة دمشق».

تنظيم داعش ومصير «أشبال الخلافة»

عرض الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، على مجلس الأمن، في عام 2016. تقريرا حول الأطفال في النزاعات المسلحة، لافتاً إلى أن تجنيد الأطفال للقتال في سوريا صار أمرا شائعا، مشيرا إلى أن تجنيد الأطفال مُحرم دوليا استناداً إلى القانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ويُعدّ جريمة حرب. وعلى الرغم من تعدد وتنوع التقديرات العلمية والأكاديمية بشأن انخراط الأطفال في العمليات القتالية، فإن الأمر يزداد تعقيدا في حالة الجماعات الإرهابية. فالأمم المتحدة ذاتها ليس لديها أرقام واضحة في هذا السياق، وبحسب نيك سكاربورو، المسؤول الإداري للمنظمة الدولية المعنية بقضايا الأطفال المجندين، فإن «كل الأرقام التي تُذكر ليست إلا مجرد تقديرات، بل إن التقديرات ليست متاحة في جميع حالات الصراع».
وقد برز في هذا السياق بعض المجهودات النوعية؛ فعلى سبيل المثال، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أن هناك أكثر من 1100 طفل انتموا إلى ما يعرف بـ«أشبال الخلافة»، منذ مطلع العام 2015، بعد تجنيدهم عبر مكاتب افتتحت في مناطق سيطرة تنظيم داعش. هذا في حين كشف معهد أبحاث التطرف (كيليام) في لندن، أن ثمة 31 ألف سيدة حملت، داخل مناطق سيطرة تنظيم داعش في العراق، وسوريا، وليبيا، خلال الفترة 2015 – 2016. وأفاد المعهد بأن عدد «أطفال داعش» من ذوي الجنسية البريطانية قد بلغ نحو 50 طفلا.
على جانب آخر، أشارت بعض التقديرات إلى أن الاستخبارات الفرنسية رصدت ما يزيد على 450 طفلا، وُلدوا من آباء فرنسيين، في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ويُقدّر عدد آبائهم بنحو 750 مقاتلا. كما أوضح تقرير أمني صادر عن مركز مكافحة في ويست بوينت أن نحو 89 طفلا وصبيا، تتراوح أعمارهم بين 8 و18 سنة لقوا حتفهم في معارك لتنظيم داعش في عام 2016. وقد وثقت دراسة لمركز مكافحة الإرهاب مشاركة 16 جنسية لأطفال في عمليات انتحارية، من دول سوريا، والعراق، واليمن، والمغرب، إضافة إلى جنسيات أخرى.

أدوات تجنيد «أشبال الإرهابيين»

تتنوع أدوات تجنيد ووسائل استقطاب الأطفال للانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، غير أن السبب الرئيسي الذي يجعل قصص هؤلاء أكثر درامية أن الآباء والأمهات أنفسهم يعدون المحرك الأساسي لانتشار هذه الظاهرة، فقد قامت إحدى الأمهات باصطحاب ابنيها إلى إحدى الكنائس حيث فجرت نفسها وطفليها، في حين فجر اثنان آخران من أفراد الأسرة نفسيهما في كنيستين أخريين.
وتشير بعض الاتجاهات إلى أن قيام الآباء باصطحاب أطفالهم معهم إلى ميادين الصراع يعد أحد محركات هذه الظاهرة الخطيرة. وربما يعكس ذلك قضية الطفل التونسي «سيف» الذي اصطحبه والده للانضمام إلى كتيبة «أشبال الخلافة»، مجبراً إياه على حضور عمليات إعدام، لتنتهي قصة سيف بقيام التنظيم بتسليمه بندقية كلاشينكوف وأربع خزنات رصاص، وإرساله إلى القتال في محور حي الدولار في مدينة سرت ليصاب بطلقة قناص ما أدى إلى بتر ساقه، بما خلق مأساة مركبة دفعت صاحبها إلى القول: «لم يضحِ بي التنظيم ضحى بي أبي».
وتحدد الكثير من الدراسات الآليات التي تتم بواسطتها عمليات التنظيمات الإرهابية لتجنيد الأطفال، وتتمثل بعض مصادر ذلك في أبناء الإرهابيين، وأبناء أسرى التنظيم الإرهابي، والأطفال المشردين واليتامى الذين يفتقرون إلى المأوى، حيث يتم تجنيدهم من خلال توفير مأوى بديل وإغرائهم بالهدايا، وإشباع احتياجاتهم المختلفة، إضافة إلى شراء الأطفال من ذويهم بمقابل مادي، بسبب انتشار الأسر التي تفتقر إلى المال وسُبل المعيشة في ميادين الحروب والصراعات.
مسارات تأهيل «الإرهابيين الصغار» ترتبط أيضا بمحاولة تدريبهم على الأمور العقائدية إضافة إلى المناهج التعليمية التي ترسخ لديهم أفكار التنظيمات الإرهابية، وفيها يتم تحضير الأطفال نفسياً، من خلال عمليات التأثير النفسي للسيطرة عليهم. ثم تأتي مرحلة التأهيل والتجنيد العسكري، حيث يتم تدريب الأطفال عسكرياً على استعمال الأسلحة وخوض المعارك والاشتباكات، وتصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة.
وقد أفادت تقارير لجنة مكافحة الإرهاب في هولندا؛ أن تنظيم داعش قام بإنشاء معسكرات لتدريب الأطفال، وتهيئتهم نفسياً وجسدياً لخوض غمار المواجهات العسكرية. ويتمتع الأطفال بحماسة كبيرة مقارنة بالبالغين، ولذلك يستغل التنظيم هذا العامل لتجنيدهم للقتال. كما يستخدم التنظيم نظاماً كاملاً من المكافآت؛ لتحفيز الأطفال وتشجيعهم على مواصلة التدريب. وفي هذا الإطار؛ صرح أحد «أشبال الخلافة» بأنه كان «يتم تنظيم مسابقات داخل المعسكرات، يشارك فيها الأطفال، وتكون جائزة الفائز إعداده لكي يصبح انتحارياً».
من ناحية أخرى، أولى التنظيم اهتماماً كبيراً بالجانب العسكري من خلال عملية تشكيل وتكوين شخصية «الجهادي الصغير»، فالقنص وتفكيك السلاح وتركيبه والاقتحام بالرصاص الحي والبحث عن «العملاء» لتصفيتهم دون رحمة ولا شفقة، شكل أبرز محاور تدريب صغار السن.
ولا تُخرج معسكرات التدريب بالضرورة مقاتلين، إذ إن كثيرا من أولئك الصغار يتولون مهمات استخباراتية لمصلحة التنظيمات الإرهابية، ويُطلق عليهم اسم «العيون»، وفي سوريا، يُستخدم «الأطفال – الجنود» أيضا لحراسة نقاط التفتيش التابعة للإرهابيين. وتوظف دور العبادة والمدارس من قبل الجماعات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عيها من أجل تربية الأطفال على أفكار التنظيم ومعتقداته، ويقول بعض الأطفال الذين أقاموا في معسكرات تدريب «داعش» ونجحوا في الفرار: إن التدريب الروتيني يشمل بين 8 – 10 ساعات يوميا. ويتضمن البرنامج اليومي تدريبات لياقة، وتكتيكات استخدام السلاح، ودروساً لحفظ القرآن.
ولا يقتصر ذلك على تنظيم داعش، وإنما الكثير من التنظيمات الإرهابية الأخرى باتت تنتهج ذات السياسات، ويعد تنظيم بوكو حرام الأكثر استخداما للأطفال. فحسب تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة. تم اختطاف نحو ألف طفل في نيجيريا منذ عام 2013 وحتى فبراير (شباط) 2018، وفي الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى يناير 2018، فإن 83 طفلا تم استخدامهم كانتحاريين، منهم 55 فتاة، أما الحادث الأكثر دموية على الإطلاق فكان رضيعا تم ربطه بجسد فتاة وإحاطته بالمتفجرات.

الأهداف من وراء تجنيد الإرهابيين الصغار

يُعد البعد النفسي أحد المحركات الرئيسية لدى التنظيمات الجهادية، التي تحاول تعبئة كل من حولها، وما تصل إليه عناصرها في إطار الحرب الإعلامية التي تشنها على خصومها. إن توظيف الأطفال في هذا الإطار، إنما يرمز وفق، أدبيات هذه الجماعات، إلى معارك المستقبل وليس محض الحاضر. فقد نشر تنظيم داعش إصداراً دعائياً يظهر جانباً من حياة «أشبال الخلافة» وطريقة تدربهم في معسكرات أعدت خصيصاً لاستقبال أبناء «المجاهدين» الذين قتلوا في المعارك التي يخوضها التنظيم.
الإصدار الدعائي حمل عشرات الرسائل، واستهدف مضمونه التأكيد على أن حرب الجماعات الجهادية، إنما تمثل صراعاً ممتداً لأجيال قادمة، وليس محض سنوات خالية. ربما يشير ذلك إلى أن التراجع الميداني، حسب النمط الإدراكي للجماعات الإرهابية في سوريا والعراق، هو محض تراجع مؤقت، وأن ثمة معارك مستقبلية أكثر عنفا. من ناحية أخرى، فإن معارك المستقبل لا ترتبط بتأهيل الأشبال على حمل السلاح من خلال التدريبات العسكرية وحسب، وإنما ثمة تركيز على «الإعداد الفكري» و«التكوين العقائدي» لتشكيل شخصية الجهادي الصغير.
وقد أظهر إصدار «حدثني أبي» الذي نشره تنظيم داعش، أطفالاً يقرأون آيات الجهاد في القرآن الكريم، ويؤكدون على الرضا بقدر الله على مقتل آبائهم. ولكن في ذات السياق، أكد هؤلاء أنهم سيثأرون لوالديهم، حيث ذكر أحد الأطفال، وكان اسمه عبد العزيز القرغيزي أن والده أوصاه بأن يكون مجاهداً ويتعلم أن يصنع المتفجرات حتى يقتل كفاراً كثيرين، في حين قال طفل آخر «أنا أريد أن أتدرب كثيراً حتى أكون انغماسياً مثل أبي»، وقال ثالث «الكفار قتلوا أبي وأنا سأقتل الكفار».
وقبل نهاية الإصدار الدعائي، بث التنظيم رسالة جماعية للمتدرّبين، جاء فيها «آباؤنا قتلوا وهم يدافعون عن الإسلام لكنهم زرعوا التوحيد في قلوبنا، وعلمونا أن نحمل هماً لا يحمله كثير من الذكور، همّ الدين ونصرة المستضعفين، وسنكون بإذن الله سيف الأمة ودرعها، فيا أمة الكفر لسنا تنظيماً ولا شعارات نحن أحفاد الصحابة وسنظل باقين إلى قيام الساعة وسنغزوكم في دياركم بإذن الله فانتظروا وتحسسوا رقابكم فإن الهزيمة لكم ورب محمد»، لتبدأ بعدها عملية اقتحام لبناية مهجورة، بمسدسات أعقبتها عملية إعدام لـ6 رهائن لدى التنظيم.
يمكن القول، بناء على ذلك، إن إصدار «حدثني أبي» يعتبر أحد أخطر الفيديوهات التي نشرها تنظيم الدولة، سيما من ناحية الأساليب التقنية والرسائل الضمنية التي أراد إيصالها، ومفادها أن الثأر مع التدريب العسكري والتكوين العقائدي، يجعل من «أشبال الخلافة» قنابل موقوتة ومشاريع انتحارية محتملة.
وقد امتدت عمليات التجنيد والتفخيخ لعقول الأطفال قبل أجسادهم خارج الميدانين السوري والعراقي، لتشمل الكثير من الميادين الأخرى، فقد تعددت انتهاكات وجرائم جماعة الحوثي وحلفاؤها حيال أطفال اليمن، ويشكل الاستخدام العسكري للأطفال أولى هذه الجرائم، إذ يُجند الأطفال من سن العاشرة وما فوق كمقاتلين رئيسيين في صفوفها الأمامية داخل ساحات المعارك وجبهات القتال، وذلك في مخالفة لكل المعاهدات الدولية المعنية بحقوق الأطفال.
وقد قدرت الأمم المتحدة نسبة «الأطفال الجنود» بثلث المقاتلين في اليمن، وهم دون سن الثامنة عشرة. وعلى جانب آخر، فقد ضمّن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الحوثيين والميليشيات المساندة لها و«القاعدة في جزيرة العرب» في قائمة تعمل على دعم انخراط الأطفال في الصراعات المسلحة.
وتحرص جماعة الحوثي على تجنيد المقاتلين الأطفال أكثر من أي فئة عمرية أخرى، وذلك لتغذية جبهات القتال باستمرار، بالنظر إلى تدني كلفتهم المادية، مقارنة بالمقاتلين المدربين، كما أن البيئة الصراعية في اليمن شكلت عاملاً مساعداً لاستدراج هؤلاء الأطفال. ويذكر أن الولايات المتحدة وضعت اليمن على قائمة الدول التي تقيّد بيع الأسلحة لها بموجب «قانون منع تجنيد الأطفال» الأميركي، هذا على الرغم من أن الرئيس الأميركي السابق، أوباما، كان قد منح الخارجية، سلطة استئناف إرسال مساعدات مسلحة إلى السلطة الشرعية في اليمن.

إعادة تأهيل «أشبال داعش»… تجربة الإدارة الكردية

طُرحت الكثير من الأفكار من أجل صوغ مقاربات بشأن إعادة تأهيل الأطفال الذين تم استقطابهم من قبل التنظيمات الجهادية، سيما في سوريا والعراق، وذلك وفق برامج علمية وعملية تقوم على تحقيق الأمن الفكري، عبر استراتيجيات إعادة الإدماج بعد التأهيل، وقد بدأت تنتشر هذه المراكز في سوريا والعراق، إحدى هذه المراكز أسستها الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا، حيث تم افتتاح مركز «هورى» بهدف التأهيل الفكري والنفسي للأطفال، ويقوم على تشجيع الأطفال على ممارسة الرياضة ومتابعة دروس عدة من «الأخلاق» والانضباط إلى اللغات وتعلم بعض الحرف والمهن.
وقد تم اختيار «أشبال الخلافة» للانضمام إلى المركز بهدف منحهم فرصة ثانية ولتخفيف العبء عن السجون التي امتلأت بالإرهابيين، وقد جاء ذلك أيضا كبادرة حسن نية من الأكراد تجاه عشائر في المنطقة تقربت في السابق من التنظيم المتطرف. وقد واجه المركز في بداية عمله الكثير من الظواهر الغريبة التي استوجبت من عناصره التمتع بالخبرات اللازمة لتجاوزها والتعاطي معها بنضج علمي وتربوي.
فعلى غرار الكثير من «أشبال الخلافة»، وفق روايات مشرفي مركز هورى: «لم يكن بعض الأطفال يلقي التحية أو يسلم باليد، ولا حتى ينظر مباشرة إلى وجوه النساء». ويخضع «أشبال الخلافة» السابقون لبرنامج يومي مكثف، يمارسون الرياضة ويحضرون طعامهم بيدهم ويدرسون اللغتين العربية والكردية فضلاً عن التاريخ والجغرافيا، كما يحضرون ورشات عمل لتعلم مهن عدة بينها الخياطة والحلاقة. وقد عانى غالبية هؤلاء الأطفال من الفقر وقلة التعليم.
وثمة الكثير من مراكز إعادة التأهيل باتت تنتشر في المناطق التي تشهد استقراراً نسبياً في ساحات الصراع المختلفة، يقوم عليها مؤسسات حكومية وجمعيات أهلية، وعلى سبيل المثال غدا ينتشر في العراق بعض المخيمات التي تعمل على استقطاب عكسي للجنود الأطفال من أجل إعادة البراءة المسلوبة إليهم، عبر جعلهم يقصون حكاياتهم المأساوية بأساليب متنوعة تسهم في تفريغ مكنون الغضب النفسي الذي بداخلهم، كما يتم تعليمهم مهارات الرسم حتى يقصوا تجاربهم بأساليب غير تقليدية كنوع من العلاج النفسي.
ويمثل إتاحة الوقت للرسم والحديث عن التجارب الشخصية في وسط الجماعات الإرهابية جزءاً من برنامج العلاج لمساعدة هؤلاء الأطفال على مواصلة حياتهم. ويؤكد الطبيب النفسي، نايف جوردو قاسم، من منظمة «ياهاد إن أونوم»، والذي يعالج الأطفال في مخيم روانكة للاجئين بالقرب من دهوك أنهم «ضحايا لا مجرمون» ويجب التعامل معهم على هذا الأساس.

«الإرهابيون الصغار»… سبل المجابهة

تساؤلات كثيرة تُطرح حول مصير «الإرهابيين الصغار» أو الجنود الأطفال، سيما الأطفال الذين جندهم تنظيم داعش، وأُطلق عليهم «أشبال الخلافة»، بعد تراجع حضور تنظيم الدولة على الساحتين العراقية والسورية. أغلب الأدبيات الغربية تتبنى مقاربات تدعو إلى تبني سياسات التأهيل وإعادة الإدماج في المجتمع، هذا في وقت طالبت فيه اتجاهات إعلامية بإنشاء سجون خاصة للأطفال الجنود مثل «غوانتانامو للأشبال»، بيد أن خبرة التاريخ تشير إلى أن ذلك طالما حول السجون إلى أرض خصبة لتكاثر الأفكار المتطرفة، وأفضى إلى إعادة إنتاج شخصيات أكثر تشددا.
هذا إضافة إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر ذلك، حيث ينص بهذا الخصوص على أنه: «إذا حدث، في حالات استثنائية، أن اشترك الأطفال، ممن لم يبلغوا بعدُ سن الخامسة عشرة، في الأعمال العدائية بصورة مباشرة، ووقعوا في قبضة الخصم؛ فإنهم يظلون مستفيدين من الحماية الخاصة التي يكفلها القانون الدولي، سواء أكانوا أسرى حرب أم لم يكونوا». ولا يجب إدانة الأطفال المقاتلين دون الخامسة عشرة الذين اعتقلوا، لمجرد أنهم حملوا السلاح، بحسبانهم يتحملون مسؤولية نتيجة تورطهم في الأعمال العدائية، وتقع المسؤولية كاملة في هذه الحالة على عاتق الطرف المشارك في النزاع الذي جند هؤلاء الأطفال.
ومع ذلك، ثمة مقاربات تشير إلى أن الحماية القانونية للإرهابيين الأشبال، لا تمنع من تطبيق الأحكام الجنائية عن المخالفات لأحكام القانون الدولي الإنساني، سيّما جرائم الحرب، أو المخالفات التي تخل بالقانون الوطني للدولة «الحاجزة»؛ لكن مع تقدير مسؤولياتهم حسب أعمارهم. وثمة تفضيل لاتخاذ إجراءات تربوية، مع إمكانية فرض عقوبات جنائية، وفقاً لضمانات قضائية، أهمها عدم تطبيق حكم الإعدام بحق الأطفال دون الثامنة عشرة.
وتدعو اتجاهات قانونية إلى الالتزام بما أعربت عنه 78 دولة – من بينها عدد من البلدان التي تعاني من صراعات داخلية – بالتقيد بالمبادئ الاسترشادية بشأن حماية الأطفال المرتبطين بجماعات مسلحة. وقد قام الأمين العام السابق، بان كي مون، منذ عام 2012. بتعيين ممثل خاص معني بالأطفال والنزاعات المسلحة. ويقوم على تقديم تقرير سنوي بشأن الأطفال في النزاعات المسلحة. ويطلب مجلس الأمن من أطراف النزاعات التي ترد ضمن التقرير السنوي أن تضع خطط العمل اللازمة للتصدي للانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الأطفال.

وقد قامت منظمة اليونيسيف بدعم خطة عمل للتعامل مع ضحايا التجنيد من الأطفال في سوريا، وتتضمن عدداً من الأولويات، منها سد الثغرات القانونية لمنع جميع أشكال تجنيد الأطفال، وتنظيم عمليات تأهيل لضحايا «التجنيد الإرهابي». هذا إضافة إلى بناء قدرات العاملين في مجال رعاية وحماية الأطفال وتوحيد جهودهم من أجل إعادة تأهيل الأطفال الذين تم تجنيدهم وإشراكهم بالأعمال القتالية. كما تضمّن ذلك إتاحة التعليم والتدريب المهني، وتخصيص مراكز تمثل نموذجاً قابلا للمحاكاة والاستنساخ في إطار التعامل مع الأطفال الذين سبق تجنيدهم، والتوعية بمخاطر إشراكهم في الأعمال القتالية.
مما سبق يكتسب خيار التعاطي السلمي مع هذه الظاهرة ذات الارتدادات الأمنية أهمية ملحة، من أجل تجنب مخاطر اتساع الإرادات العكسية لظاهرة الأطفال الإرهابيين، سيما أن هناك نحو مليوني طفل خضعوا لنفوذ تنظيم داعش في المناطق التي كان يديرها في سوريا والعراق. وثمة اتجاهات علمية تشير، في هذا السياق، إلى ضرورة تجاوز البرامج التقليدية ذات الأبعاد النفسية والتعليمية العامة، سعياً إلى تبني إجراءات متخصصة تعنى بتركيز العمل على تقييم الوضع الفردي والاحتياجات الخاصة لكل طفل؛ بهدف إعادة الإدماج الآمن في المجتمع.

Previous ArticleNext Article
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.