الرياضة والعلاقات الدولية

أداة للتقارب أم للصراع؟

إريك سولهايم ، وزير التنمية الدولية في النرويج، عيسى حياتو، نائب رئيس الفيفا والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، فيليب دوست بلازي، وزير الشؤون الخارجية لفرنسا في المؤتمر الصحفي لليونيتيد في الأمم المتحدة في 2 يونيو 2006. (غيتي)

إريك سولهايم ، وزير التنمية الدولية في النرويج، عيسى حياتو، نائب رئيس الفيفا والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، فيليب دوست بلازي، وزير الشؤون الخارجية لفرنسا في المؤتمر الصحفي لليونيتيد في الأمم المتحدة في 2 يونيو 2006. (غيتي)

باكو (جمهورية أذربيجان): أحمد طاهر*

* اللافت أن كل المؤسسات العالمية للرياضة تؤكد رفضها القاطع والتام للتداخل بين السياسة والرياضة، وذلك رغم قدم هذه العلاقة التبادلية بينهما.

* الواقع يؤكد عدم وجود إمكانية للفصل الكامل بين الألعاب الرياضية والعلاقات الدولية. وفي الوقت ذاته، لا يمكن إبقاء الحال بينهما على ما هو عليه بصورة مطلقة.

* الرياضة سفير سلام ومحبة وتلاحم وليس العكس، والمطلوب أن يلتزم الجميع بقاعدة «ترييض السياسة وليس تسييس الرياضة».

* كوفي أنان: أتمنى أن تقوم قواعد العلاقات السياسية الدولية على العدل الذي يعد العنوان الأبرز في الألعاب الرياضية؛ حيث تطبق قواعد تلك الألعاب دون استثناء أو تمييز.

تتراوح أدوات القوة التي تعتمد عليها الدولة في تنفيذ سياستها الخارجية؛ بين أدوات خشنة أو صلبة وأخرى ناعمة وثالثة ذكية ورابعة حادة. وإذا كان معلوما للجميع الأدوات الخشنة أو الصلبة والمتمثلة في القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، فإن الأدوات الناعمة تتعدد بين جوانب فنية وثقافية وكذلك رياضية، في حين تجمع الأدتان الذكية والحادة بين النوعين السابقين من القوة وإن تباينت نسبها، حيث تتجه الدولة في تنفيذ سياستها سواء تجاه دولة أو قضية ما إلى الاعتماد على مجموعة من الأدوات الخشنة وأخرى ناعمة.

وإذا كان صحيحا أن كثيراً من الكتابات التي تناولت القوة الناعمة ودورها في تنفيذ السياسات الخارجية للدول، لم تول اهتماما كبيرا للرياضة كأحد الإبعاد الرئيسية التي يمكن أن تعتمد عليها الدول في توجهاتها الخارجية وتعزيز مكانتها الدولية، إذ انصب جُل الاهتمام عند الحديث عن هذا النوع من القوة على الجوانب الثقافية والفنية والأدبية. في حين تمثل الرياضة أهمية كبرى يجب الالتفات إليها، نظرا لدورها في تعزيز السلام والاستقرار في العلاقات الدولية، إذ أمامها تتلاشى الحدود الجغرافية، وتغيب الفوارق الاجتماعية، ويتعزز التكامل المجتمعي، وتزداد وتيرة التنمية الاقتصادية، وهو ما يؤكد على وجود علاقة تبادلية بين الرياضة والسياسة، حيث يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به، وهي علاقة ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب، وإنما تضرب بجذورها في قديم الحضارات الإنسانية، فالمدقق في سجلات التاريخ وصفحاته، يكتشف أن المؤسسات الرياضية والشبابية التي أنشأها الإغريق كانت قاصرة على الشباب الإغريقي فقط، إذ كانت تنظر إلى الألعاب الرياضية على أنها إحدى أدوات الاحتفاظ بالسيادة السياسية.

ولم يقتصر الأمر على الإغريق فحسب، بل استخدم الرومان الرياضة للأغراض السياسية سواء بإقامة الألعاب لاسترضاء الجماهير وكسب تأييدهم، أو لرفع لياقة الجحافل الرومانية لاحتراف الحروب والغزوات.

الأمر ذاته كان له صدى في المنطقة العربية، إذ أدركت القبائل العربية قيمة الرياضة في تنمية العلاقات فيما بينها، حيث استخدمت الرياضة بمقاييس ذلك الزمان والتي شملت فعاليات الصيد والفروسية في حل المشكلات والخلافات بين هذه القبائل.

ولكن ما يلفت النظر أن كل المؤسسات العالمية للرياضة كاللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم، تؤكد على رفضها القاطع والتام للتداخل بين السياسة والرياضة، وذلك رغم قدم هذه العلاقة التبادلية بينهما، ورغم الطبيعة المشتركة لكل منهما بما يجعل من تقاربهما واقعا قائما، حيث يسعى كل مجال إلى الاستفادة من المجال الآخر، سواء على المستوى الداخلى أو الخارجي. فعلى المستوى الداخلي، يقوم كل مجال على حشد أكبر عدد من الجماهير لتحقيق أهدافه، بما يجعل كل منهما يحاول أن يستفيد من الآخر في هذا الحشد، فرجال السياسة ينظرون إلى الرياضة كساحة مهمة لكسب الجماهير وتأييدها لهم في حلبة صراعهم مع الخصوم والمنافسين، إذ إنه في كثير من الحالات يحاول بعض الحكام استغلال الرياضة كأحد مصادر التعبئة الوطنية والاجتماعية من خلال الترويج لشعبيتهم ومحاولة وقف تدهورها في بعض الأحيان، مستفيدين في ذلك من النجاح المتزايد والمؤثر للحركة الرياضية في الجماهير الشعبية في جميع دول العالم، باعتبارها مقياساً لحضارة ورقي الدول، بل وحتى وسائل للتعبير عن صلاحية نظام سياسي معين. الأمر ذاته تحاول المؤسسات والأجهزة الرياضية وفي مقدمتها النوادي الرياضية استغلال مشاركة رجال السياسة في فعاليتهم لكسب تأييد المزيد من الجماهير.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث مع المهاجم الفرنسي أنطوان جريزمان لدى وصوله للقاء لاعبي المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم في 5 يونيو 2018 ، في كليرفونتين-إن-ايفلين - فرنسا. (غيتي)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث مع المهاجم الفرنسي أنطوان جريزمان لدى وصوله للقاء لاعبي المنتخب الوطني
الفرنسي لكرة القدم في 5 يونيو 2018 ، في كليرفونتين-إن-ايفلين - فرنسا. (غيتي)

أما على المستوى الخارجي، فتتأكد العلاقة المتبادلة بينهما كذلك من خلال سعي كل طرف للاعتماد على الآخر في تحقيق أهدافه على مستوى التفاعلات الخارجية، فحينما تعجز السياسة عن تحقيق هدف ما، تبادر بعض الدول إلى إجراء مباريات ودية تلطيفا للأجواء المتوترة وإعادة العلاقات إلى مجراها، أو على الجانب الآخر تتبنى موقفاً متشدداً تجاه الطرف الآخر، كرفض مصافحة فريق الخصم أو مقاطعة دورة أولمبية أو مونديال منظم في تلك الدولة كتعبير عن رفضها لسياسة تنتهجها هذه الدولة سواء داخليا أو خارجيا.

ومن الجدير بالذكر أن أشكال هذه العلاقة واتجاهاتها ومستوياتها قد تباينت من دولة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى في الدول ذاتها، وإن شهد الربع الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي تزايدا ملحوظا في دور الرياضة كعنصر مؤثر في العلاقات الدولية، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء عاملين: الأول، تطور تكنولوجيا الاتصال الدولي مما أتاح للجمهور فرصة متابعة الأنشطة الرياضية في مختلف أنحاء العالم في الوقت ذاته. الثاني، تطور ورسوخ التنظيمات الدولية العاملة في ميدان الرياضة، ونجاح هذه التنظيمات في وضع قواعد محددة لممارسة أنواع الرياضة كافة في مختلف دول العالم، مما أدى إلى بروز ظاهرة وحدة النشاط الرياضي عبر الحدود السياسية الدولية.

وفي ضوء ما سبق، يستعرض هذا التقرير العلاقة بين الرياضة والعلاقات الدولية من خلال محورين، الأول يشرح طبيعة هذه العلاقة، في حين يناقش المحور الثاني مستقبل علاقاتهما فهل نحن في حاجة إلى الفصل بينهما أم استمرار علاقاتهما؟

أولاً: الرياضة... سلاح ذو حدين في مجال العلاقات الدولية

في ضوء الأهمية التي كانت ولا تزال تكتسبها الرياضة في المجال الدولي، جعلها عرضة لمجموعة من العوامل والمتغيرات، التي تؤثر على طبيعة دور الرياضة في مجال العلاقات الدولية، إذ إنه في الوقت الذي أتاحت فيه التقنيات المعاصرة في مجالي الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات كما سبق الإشارة للجماهير في مختلف بقاع الأرض من المشاهدة المباشرة للأحداث الرياضية محل الاهتمام، وهو ما أتاح للمشاهد التعرف على الكثير من الفنون الرياضية والبطولات العالمية، الأمر الذي دفع الدول إلى الاهتمام بالأحداث الرياضية بل والتسابق من أجل احتضانها بهدف الربحية من جانب، وإظهار ما وصلت إليه هذه الدول من تقدم في جميع المجالات من جانب آخر، بما يشجع بدوره على جذب المزيد من حركة السياحة العالمية، فضلا عن زيادة حجم المبيعات وتشجيع الصناعات المرتبطة بالرياضة وأدواتها. كما يسهم احتضان هذه الأحداث في كسب الدولة لصورة ذهنية تجذب عواطف الجماهير، حيث تصبح الدولة المضيفة في بؤرة الاهتمام العالمي، فتتصدر الأخبار العالمية طوال الأيام ما قبل وأثناء وبعد الحدث الرياضي والذي يمتد لأشهر عدة على غرار ما يحدث اليوم مع روسيا في استضافتها لمونديال كأس العالم 2018.

وارتباطا بما سبق، واتساقا مع ما هو متصور من أن يؤدي تعاظم الاهتمام بالرياضة إلى اتسام العلاقات الدولية بطابع أكثر تعاونية وأقل صراعية وذلك طبقا للمفهوم الأصلي للرياضة كما حدده «كوبرتان» مؤسس الحركة الأولمبية الدولية، بأنها أداة لتحقيق السلام الدولي من خلال التعارف بين الشعوب، وهو الدور الذي يجب أن يكون منوطا بالرياضة للقيام به على غرار ما جرى في العلاقات الأميركية الصينية بما عرف باسم «دبلوماسية البنغ بونغ» إذ لعبت الرياضة دورا في تعزيز علاقاتهما بعد الاثر الذي تركته دعوة الفريق القومي لرياضة البنغ بونغ في بكين لخوض مباراة بين الفريقين انتهت بزيارة وفد مكون من 15 لاعبا ولاعبة وثلاثين صحافيا أميركيا في أبريل (نيسان) 1971. ليعلن «شو أون لاي» رئيس الوزراء الصيني أنها بداية عهد جديد من الصداقة أمام عشرين ألف مشاهد. وهو الأمر الذي تكرر في كثير الحالات، حينما قادت الرياضة تطوير العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية من خلال الاستضافة المشتركة للبلدين لكأس العالم 2002. وكذلك ما جرى في مايو (أيار) 2008 حينما قرر الرئيس الصيني السابق «هو جينتاو» الخوض بنفسه مباراة تنس الطاولة في جامعة أوكوما اليابانية بطوكيو، والتي اعتبرت بداية جديدة لعلاقات أفضل بين اليابان والصين.

وفي السياق ذاته، يأتي ما أعلنته كوريا الشمالية في أوائل يناير (كانون الثاني) 2018 عن مشاركتها في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المزمع تنظيمها في كوريا الجنوبية، وهو ما أدى إلى حدوث تطورات لافتة في مسار العلاقة بين البلدين بعد عقود من التوتر ظلت مخيمة على علاقاتهما.

ولكن رغم هذه الأهمية والدور الإيجابي الذي تقوم به الرياضة في المجال الدولي، فإنه على الجانب الآخر تحمل مخاطر عدة من أبرزها:

- توظيف الرياضة في صراعات القوة بين الأطراف، ولعل ما جرى خلال فترة الحرب الباردة (1945 - 1991) مؤشر على هذا التوظيف، إذ أولت كل من الولايات المتحدة وروسيا اهتماما كبيرا بتعزيز قدراتهما الرياضية كنوع من الدعاية لقوة بلديهما، وكانت من أبرز حالات التنافس هي مقاطعة الولايات المتحدة وعدة دول غربية لدورة الألعاب الأولمبية بموسكو عام 1980 احتجاجا على غزو الاتحاد السوفياتي السابق لأفغانستان، وفي المقابل قاطعت موسكو دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجليس عام 1984.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (وسط) مع لاعبي فريق كرة القدم الألماني في فندق وينغ خلال زيارتها في 3 يونيو 2018 في إيبان بإيطاليا. (غيتي)

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (وسط) مع لاعبي فريق كرة القدم الألماني في فندق وينغ خلال زيارتها في 3 يونيو 2018 في إيبان،إيطاليا. (غيتي)

- التخوف من أن يؤدي عدم الدقة في استخدام بعض المصطلحات في المجال الرياضي إلى حدوث أزمات في العلاقات بين الدول، وذلك على غرار ما حدث في أوائل القرن العشرين، حينما صرخ المعلق الرياضي في مبارة كرة القدم بين هندوراس والسلفادور، قائلا: «إنهم يقتلون أولادنا» بعد حالة صدام من دون كرة بين الفريقين، وهذه العبارة كانت كافية لنشوب حرب بين البلدين دامت عدة سنوات عرفت بحرب «كرة القدم»، خلفت نحو ألفي قتيل من الجانبين في أواخر ستينات القرن العشرين. وهناك أيضا المباراة بين الأرجنتين والمنتخب الإنجليزي في كأس العام بالمكسيك عام 1986 والتي كان ينظر إليها الجمهور الأرجنتيني على أنها معركة للانتقام بعد حرب جزر الفوكلاند بين الطرفين قبل ذلك الوقت بأربع سنوات.

مما سبق يتضح لنا أن الرياضة يمكنها أن تلعب دوراً خطيراً في مجال العلاقات الدولية، أخذا في الحسبان أن طبيعة هذا الدور تحدده مجموعة من المتغيرات الوسيطة في مسار العلاقة بينهما، من أبرزها ما يأتي:

- الإعلام الرياضي ودوره في تغطية الفعاليات الرياضية، فكما يلعب هذا الإعلام دورا إيجابيا في تغطية الفعاليات الرياضية، فإنه في بعض الحالات يلعب دورا سلبيا في ظل إطلاق أبواق إعلامية تشعل فتيل أي أزمة، بما يؤجج مشاعر الغضب والكراهية بين الشعوب. ولذا، إذا ما لم يدرك القائمون على هذا الإعلام حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، حيث تعمل هذه الوسائل في كثير من الأحيان دون رقابة على محتوى الرسالة الإعلامية بما قد يؤدي إلى شحن زائد للفريق المتنافس أو الجمهور، وهو ما يؤدي بدوره إلى حدوث أزمات دبلوماسية قد تتطور إلى صراعات عسكرية على غرار ما حدث في الأزمة المصرية الجزائرية عام 2009 في المباراة التي جرت بينهما في مدينة أم درمان بالسودان في التأهل لخوض كأس العالم.

- المال الرياضي، حيث ساهم هذا المال في إثارة مشاعر الغضب والاحتقان في العلاقات بين الدول، من خلال منح بعض الدول رياضيين من دول أخرى الكثير من الامتيازات المالية، فضلا عن تجنيس المتميزين منهم للعب لصالحهم في البطولات الدولية تحت غطاء الاحتراف.

ثانياً: الرياضة والعلاقات الدولية... مسارات المستقبل

في خضم ما تحمله الرياضة من مخاطر عدة رغم تعددية مردوداتها الإيجابية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، برزت بعض الرؤى المطالبة بضرورة الفصل الكامل بين الألعاب الرياضية والسياسة بشقيها الداخلي والدولي، وهو ما قوبل برفض من جانب البعض الآخر الذي رأى إبقاء الوضع على ما هو عليه، ومن ثم ظهرت وجهتا نظر يمكن أن نجملهما فيما يأتي:

يتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إلى اليمين) مع المهاجم الفرنسي أنطوان جريزمان (ل) أثناء وصوله للقاء لاعبي المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم في 5 يونيو 2018، في كليرفونتان إن إيفلين، فرنسا.(غيتي)

يتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إلى اليمين) مع المهاجم الفرنسي أنطوان جريزمان (ل) أثناء وصوله للقاء لاعبي المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم في 5 يونيو 2018، في كليرفونتان إن إيفلين، فرنسا.(غيتي)

الرأى الأول: يطالب بضرورة الفصل الكامل بين الرياضة والسياسة

ويعبر عن هذا الرأى عدد من الرياضيين والقائمين على تنظيم الفعاليات الرياضية، حيث طالبوا بأن لا تقوم الدول باستعمال وتوظيف الألعاب الرياضية في خدمة سياستها الداخلية والخارجية. وقد تقدموا ببعض المقترحات في هذا الشأن؛ منها:

- عدم رفع الأعلام الخاصة للدول المشاركة في الأولمبياد أو المونديالات، ولا تعزف الأناشيد الوطنية سواء في الافتتاح أو عند تسليم الجوائز.

- إعطاء الجوائز في المنافسات الرياضية والدورات الأولمبية باسم اللاعبين الرياضيين وليس بأسماء الدول.

- تخلي اللجان الأولمبية والحركة الرياضية على وجه العموم عن أهدافها السياسية، وتقتصر مهمتها على الشؤون التنظيمية والمالية فقط بعيداً عن السياسة.

الرأي الثاني: الإبقاء على العلاقة بين الرياضة والسياسة

يتبنى هذا الرأي عدد من القادة والسياسيين والحكام، حيث يعتبرون أن الألعاب الرياضية أداة من أدوات تنفيذ سياسة دولهم الداخلية والخارجية، مدللين على صحة رأيهم بالدلائل التالية:

- أثبت التاريح أن الدول لا تستغني عن الألعاب الرياضية كأداة من أدواتها السياسية.

- أن المشكلات التي تترافق مع عملية توظيف الرياضة في العلاقات الدولية هي مشكلات في أساسها سياسية وليست رياضية، وأن الرياضة قد تسهم في حل كثير من هذه المشكلات.

- تأثير الأزمات والصراعات الدولية على المجالات الحياتية كافة، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ورياضيا، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان فصل الألعاب الرياضية عن العلاقات الدولية، حيث تتدخل السياسة في هذه المجالات كافة.

رئيس المكسيك إنريكي بينا نييتو، يقف مع قميص المكسيك المختوم باسمه خلال حفل وداع الفريق الوطني للمكسيك قبل مشاركته في كأس العالم روسيا 2018 في 31 مايو 2018 في مكسيكو سيتي، المكسيك. (غيتي)

رئيس المكسيك إنريكي بينا نييتو، يقف مع قميص المكسيك المختوم باسمه خلال حفل وداع الفريق الوطني للمكسيك قبل مشاركته في كأس العالم روسيا 2018 في 31 مايو 2018 في مكسيكو سيتي، المكسيك. (غيتي)

وعلى الرغم من محاولة كل تيار تبرير وجهة نظره سواء بالفصل أو الإبقاء على العلاقة بين الرياضة والسياسة، فإن الواقع يؤكد على عدم وجود إمكانية للفصل الكامل بين الألعاب الرياضية والعلاقات الدولية. وفي الوقت ذاته، لا يمكن إبقاء الحال بينهما على ما هو عليه بصورة مطلقة.

ولذا، فإنه من الأفضل محاول الوصول إلى حل توافقي بين هذين الرأيين، إذ من الصعوبة بمكان تقبلهما كما هما، وإنما يمكن الجمع بينهما بما يحقق المعادلة المطلوبة بين الأهداف النبيلة للألعاب الرياضية، والأهداف السياسية التي تفرض نفسها على تلك الألعاب، وذلك من خلال العمل على ما يأتي:

1- التقليل من دور الدولة وصورتها وأعلامها في الدورات والبطولات الدولية والإقليمية.

2- إعادة إصلاح اللجنة الأولمبية الدولية وأن تكون خاضعة لإدارة رياضية فقط، بما يضمن عدم اتخاذ أي قرارات يمكن أن تنعكس سلبا على السياسة وإيجاد مشكلات وتوترات كثيرة.

3- الاهتمام في وسائل الإعلام الرياضي كافة (قنوات فضائية متخصصة، صحف مكتوبة، مواقع إلكترونية) باللغة المستخدمة وانتقاء العبارات السليمة التي لا تجرح الآخرين في التعليق على المباريات أو البرامج بشكل عام.

4- الاهتمام بالكوادر العاملة في البرامج الرياضية وتأهيلهم بالعلم والمعرفة، ليدركوا إمكانيات الرياضة في توجيه العلاقات الدولية نحو السلم.

5- التزام الجماهير بروح وأدب الرياضة الدولية في إطارها الأخلاقي من دون النظر إلى المكاسب والخسائر، واحتراما لما تنص عليه الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن.

لرياضة سفير سلام عالمي

خلاصة القول إن الرياضة هي سفير سلام ومحبة وتلاحم وليس العكس، فقد شهد الواقع كثيراً من الأحداث الإقليمية والدولية كانت الرياضة عنصر جذب وتشجيع للتقارب بين الدول والشعوب، وهو ما يتطلب أن يلتزم الجميع بقاعدة «ترييض السياسة وليس تسييس الرياضة»، وهو ما تناوله بالشرح والتوضيح الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة «كوفي أنان» في كلمته التي وجهها عشية مونديال 2006 الذي استضافته ألمانيا، إذ عبر فيها عن غيرته من الرياضة، خاصة لعبة كرة القدم التي وحدت شعوب الكون، أغنياء وفقراء، دولا متقدمة وصاعدة، وأخرى لا تزال أسيرة التخلف، إذ تمنى أن تقوم قواعد العلاقات السياسية الدولية والثقافية السائدة في النظام الدولي على العدل الذي يعد العنوان الأبرز في الألعاب الرياضية عموما، حيث تطبق قواعد تلك الألعاب على من يمارسونها دون استثناء أو تمييز على أساس عرق، أو جنس، أو لون، أو موقع جغرافي، تلك هي الصورة المبتغاة في مجال العلاقات الدولية تحقيقا للسلم والأمن، وترسيخا للتعاون والتقارب بين الشعوب كافة.

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان


اشترك في النقاش