تركيا و «الدولة الإردوغانية» - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, قضايا

تركيا و «الدولة الإردوغانية»

نهاية ديمقراطية برلمانية عمرها قرن من الزمن والانتقال إلى مرحلة «الرئاسة التنفيذية»

حصل إردوغان على نسبة 52.6 في المائة من الأصوات في انتخابات شارك فيها أكثر من 42.5 مليون شخص (غيتي
حصل إردوغان على نسبة 52.6 في المائة من الأصوات في انتخابات شارك فيها أكثر من 42.5 مليون شخص (غيتي

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

* يلدريم: تركيا ستواصل التقدم نحو آفاق جديدة، مصحوبة بالاستقرار والثقة مع النظام الرئاسي.
* المتحدث باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ: من الوارد إلغاء حالة الطوارئ المستمرة منذ نحو عامين.
* كشفت نتائج الانتخابات عن معاناة قيادات المعارضة من مظاهر ضعف سياسي، وتراجع حاد في الحضور الجماهيري.
* الاقتصاد التركي سيشهد تغييرات من خلال خفض عدد الوزارات ذات الصلة من 6 إلى 3 وزارات وسيستند إلى الإنتاج، والتمويل، والتجارة.
* يسعى الرئيس التركي إلى التوسع التقني في استخدام الفحم، الذي تنتجه تركيا، لمواجهة ازدياد اختلال التوازن التجاري بسبب اعتماد تركيا على استيراد الطاقة.
* قد تشكل نتائج الانتخابات نقطة تحول في سياسات تركيا الخارجية، بحسبانها أوضحت اتساع نطاق التأييد الذي يحظى به الرئيس التركي، والتماسك النسبي للجبهة الداخلية.
* الانتخابات قد تشكل ترسيخاً لقاعدة حكم الرئيس التركي، وتوطيداً للحالة الإردوغانية التي جددت شبابها.

كسب الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الرهان، من الجولة الأولى، في الانتخابات الرئاسية، واستطاع أن يعيد تجديد شباب الحقبة الإردوغانية في جمهورية أتاتورك. فقد حصل الزعيم الأكثر شعبية على نسبة 52.6 في المائة من الأصوات، متجاوزا أقرب منافسيه، مرشح حزب الشعب الجمهوري، محرم إنجه، الذي حل في المرتبة الثانية، بحصوله على نسبة 30.7 في المائة، لتفشل المعارضة التركية في إجبار الرئيس التركي على خوض جولة إعادة، وبذلك لم يستطع إردوغان، وحسب، تمديد فترة حكمه، وإنما استطاع أيضا توسيع صلاحياته، على نحو لم تشهده الدولة التركية منذ تحولها لنظام الحكم الديمقراطي.
وقد دخلت تركيا بمقتضى نتائج الانتخابات مرحلة «الرئاسة التنفيذية»، التي عبر عنها الرئيس التركية بحسبانها تحققت بعدما أعطت تركيا العالم «درساً في الديمقراطية». وقال في أول تصريحاته عقب ظهور النتائج إنه «حان الوقت لترك حالة التوتر خلال فترة الانتخابات والتركيز على المستقبل».
هذا فيما عبّر، بن على يلدريم، والذي يُعد آخر رؤساء الوزراء في تركيا، بعد تطبيق النظام الرئاسي، عن أمله في أن تجلب نتائج الانتخابات الهدوء والسلام. وقال يلدريم إن تركيا ستواصل التقدم نحو آفاق جديدة، مصحوبة بالاستقرار والثقة مع النظام الرئاسي. وفي كلمته من قصر «هوبر» الرئاسي في إسطنبول، في أول ظهور له عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات، قال إردوغان إن «المشاركة الشعبية في الانتخابات وصلت إلى نسبة تقترب من 90 في المائة»، مؤكداً أن «هذا يعد انتصاراً كبيراً للديمقراطية، إذ لم تتحقق مثل هذه النسبة على مستوى العالم».
وأضاف: «على مدى 16 عاماً تصارعنا مع الانقلابيين وقوى الوصاية، ولن نترك تركيا مرة أخرى لتقع في براثن هذه القوى، وسنواصل مسيرتنا من أجل التخلص من هذه الحقبة، ولن نسمح بتضييق الحريات أو إقصاء على أي أساس عرقي أو ديني»، مشيراً إلى أن الشعب التركي صوّت لصالح إقرار النظام الرئاسي، وسنعمل في الفترة المقبلة على إقرار حزمة واسعة من القوانين، وإنجاز المشروعات التي وعدنا بها، سواء فيما يتعلق بشق قناة إسطنبول أو إنتاج السيارة الوطنية أو تعزيز الصناعات الدفاعية».

نتائج الانتخابات… توسيع صلاحيات الرئيس

أظهرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، التي أجريت بالتزامن، أن الرئيس التركي يمكن أن يطلق عليه «محترف انتخابات»، كما أكدت أنه بارع في إدارة مشروعه السياسي، كونه يجيد تطبيق استراتيجيات إدارة الصراعات الانتخابية، وتكتيكات «تصفية الخصوم»، فقبل هذه الانتخابات وفي 16 أبريل (نيسان) 2017. أجرت تركيا استفتاء صوتت فيه أغلبية الناخبين لصالح مشروع تعديل دستوري شمل 18 مادة، واستهدف تغيير النظام السياسي التركي. وكان من المقرر في البداية إجراء الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. غير أن الرئيس التركي أعلن عن إجراء انتخابات مبكرة في أعقاب اجتماع مع زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي.
وبإعلان نتائج هذه الانتخابات تدخل تركيا حقبة جديدة تقضي بنهاية ديمقراطية برلمانية عمرها قرن من الزمن، والانتقال إلى نظام رئاسي تنفيذي يمنح إردوغان سلطات جديدة واسعة، طالما كان يطمح إليها. فبمقتضى النظام السياسي الجديد سيقوم إردوغان باختيار معاونيه من الوزراء. وقد قال بشأنهم إنهم لن يتجاوزوا الـ13 وزيراً، وهو أقل من العدد الحالي البالغ 26 وزيراً. كما سيحظى الرئيس التركي بصلاحيات تنفيذية، وسيضع أيضا الميزانية، ويمكنه إصدار المراسيم بقوانين.
وسيكون من حق الرئيس التركي، الذي يبلغ من العمر 64 عاما – ويعد أشهر سياسي في التاريخ التركي الحديث، رغم كونه أكثرهم إثارة للجدل – حرية الحركة في تنفيذ برامجه وأهدافه، وسيحق له أيضا تعيين كبار الموظفين الحكوميين، واختيار نائب أو أكثر، وكذلك تعيين أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموم الذي يتولى التعيينات والإقالات في السلك القضائي (سيعيّن الرئيس 6 أعضاء، والبرلمان 7 أعضاء).
ويحق للرئيس التركي إصدار المراسيم الرئاسية حول كل القضايا المتعلقة بصلاحياته التنفيذية، دون المسائل التي ينظمها القانون. وستكون ولاية الرئيس 5 سنوات، ويجوز له الترشح لفترة ثانية فقط، وولاية ثالثة حالة الدعوة لانتخابات مبكرة قبل انتهاء ولايته الأخيرة. ويحتفظ الرئيس بصلته بحزبه السياسي. هذا فيما يُمنح البرلمان سلطة إقرار وتعديل وإلغاء القوانين والتشريعات، والإشراف على أعمال الرئيس.
وقد ارتفع بعد الانتخابات عدد نواب الجمعية الوطنية التركية من 550 إلى 600 نائب، وذلك بعد أن تم خفض الحد الأدنى لسن الترشح للانتخاب من 25 إلى 18 عاماً. وإذا اُتهم الرئيس أو حامت حوله شبهات بارتكاب مخالفات قانوينة أو دستورية، فيجوز للبرلمان أن يطلب فتح تحقيق على أن يكون ذلك بأغلبية ثلاثة أخماس الأعضاء.
إضافة إلى ذلك فمن صلاحيات الرئيس إعلان حالة الطوارئ قبل عرضها على البرلمان، ولا يمكن فرض حالة الطوارئ لأكثر من 6 أشهر في المرة الأولى، لكن يمكن تمديدها لـ4 أشهر على الأكثر في كل مرة. وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الحكومة بكير بوزداغ إنه من الوارد إلغاء حالة الطوارئ المستمرة منذ نحو عامين. مشيرا إلى أن «الطوارئ» قد لا يتم تمديدها مرة أخرى في يوليو (تموز) 2018. وفي السياق ذاته، قال إردوغان: «إن رفع حالة الطوارئ سيكون مهمتنا الأولى في حال استمراري بمنصبي بعد 24 يونيو (حزيران) 2018».

السياسات الداخلية… المآلات والإجراءات

تبدو قدرة الرئيس التركي على وضع سياساته موضع التنفيذ وتبني برامجه على نحو كامل سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، ترتبط ليس بمحض مكاسبه الانتخابية، وإنما أيضا بخسائر منافسيه السياسية، فعلى سبيل المثال كشفت نتائج الانتخابات عن معاناة قيادات المعارضة من مظاهر ضعف سياسي، وتراجع حاد في الحضور الجماهيري، فعلى سبيل المثال حصلت ميرال أكشنار، زعيمة حزب الخير على 7.35 في المائة من الأصوات، أما صلاح الدين ديمرتاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، الذي خاض الانتخابات من محبسه، فقد حصل على المركز الثالث بنسبة 8.3 في المائة، وذلك في انتخابات شارك فيها أكثر من 42.5 مليون شخص، وهو رقم قياسي بلغ نحو 87.5 في المائة ممن يحق لهم التصويت.
وقد سلط الرئيس التركي الضوء على ملامح سياساته في المرحلة المقبلة، من خلال التأكيد على توجه إدارته الجديدة لتأسيس مديريات تتبعه مباشرة، وهي مديريات هيئة الأركان العامة، والاستخبارات الوطنية، وصناعة الدفاع، والأمن الوطني، والشؤون الدينية، والإشراف على الدولة، والاتصالات، ومديرية الميزانية.
كما ذكر تسعة مجالس سيتم إنشاؤها لتقديم مقترحات للسياسات. ومن بينها مجلس السياسات الاجتماعية، ومجلس سياسات الصحة والغذاء، ومجلس سياسات الثقافة والفن، مشيرا إلى أن الهدف من ذلك إزالة كافة المعوقات التي اعترضت سبيل النظام البرلماني السابق، وحدَّت، على نحو مباشر، من إمكانية التمتع بالمرونة والكفاءة والفاعلية. وقال إردوغان، في هذا السياق، إن تباطؤ هياكل النظام الحالي (النظام البرلماني)، والذي أطلق عليه باستمرار «الأوليغارشية البيروقراطية»، تحتاج إلى التعاطي على نحو جاد لتجاوز كل المعوقات، في إطار إجراءات بناء النظام السياسي الرئاسي.

حصلت ميرال أكشنار، زعيمة حزب الخير على 7.35 في المائة من الأصوات (غيتي
حصلت ميرال أكشنار، زعيمة حزب الخير على 7.35 في المائة من الأصوات (غيتي

الوضع الاقتصادي… مهام الرئيس الأولى

أشار إردوغان إلى أن ثمة تغييرات سيشهدها الاقتصاد التركي في ظل النظام الجديد، حيث «سيتم تبسيط إدارة الاقتصاد وستنخفض عدد الوزارات ذات الصلة بالشأن الاقتصادي والقطاع المالي، من 6 وزارات الآن، إلى 3 وزارات. وقال إردوغان إن إدارة الاقتصاد ستستند إلى الإنتاج، والتمويل، والتجارة. وفي الثالث من يونيو (حزيران) 2018، أكد الرئيس التركي على سعيه إلى إحكام قبضته على السياسة النقدية والاقتصاد بعد تطبيق النظام الرئاسي، وفوزه في انتخابات الرئاسة.
ويسعى إردوغان إلى مواجهة الكثير من التحديات التي ترتبط بالمرحلة السابقة، سيما فيما يخص ارتفاع معدل البطالة، وتدهور قيمة العملة التركية، وتزايد مستويات التضخم. وربما يتعلق التحدي الأكبر بتراجع سعر صرف الليرة، التي انخفضت خلال الشهور الأخيرة، على نحو متوالٍ، بما ضاعف من معوقات تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا، سيما مع تصاعد قلق قطاعات من المستثمرين بشأن هيمنة الرئيس التركي على السياسات النقدية، والتخوف من توسيع هذا الاتجاه عقب الانتخابات، وهو ما أكدته وكالات التصنيف الائتماني.
فقد حذر الكثير من هذه الوكالات من استمرار سياسات التدخل في عمل البنك المركزي، وخفضت تصنيفاتها للديون السيادية والبنوك التركية وتوقعات النمو الاقتصادي، ما يشكل إلى جانب العجز الكبير في الحساب الجاري عامل ضغط إضافي على العملة التركية، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة صعوبة بالغة في كبح التضخم، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي تسبب العامل الرئيسي في ارتفاع التضخم الإجمالي.
وقد أظهرت معطيات رسمية صادرة عن بنك التسويات الدولية أن البنوك الأوروبية أقرضت تركيا نحو 200 مليار يورو (240 مليار دولار)، وسجلت البنوك الدائنة خسائر في أسواق الأسهم بنسب وصلت إلى 15 في المائة، عقب التدهور القياسي لليرة التركية لأدنى مستوياتها، لتسجل أسوأ أداء في الأسواق الناشئة. ويبلغ إجمالي قروض البنوك الإسبانية لتركيا نحو 62 مليار جنيه إسترليني (82.3 مليار دولار)، متقدمة على فرنسا (30 مليار دولار)، فيما بلغ إجمالي ديون بنوك إيطاليا، التي تشهد توتراً سياسيا واقتصاديا، نحو 18 مليار دولار، وألمانيا 13.3 مليار دولار. واعتبر إردوغان وحكومته أن تركيا تتعرض لمؤامرة، ودعا المواطنين إلى المشاركة في إفساد ما سماها «المؤامرة الاقتصادية»، التي تحاك ضد تركيا، من خلال تحويل ما بحوزتهم من عملات أجنبية إلى الليرة التركية.
وعلى جانب آخر، يسعى الرئيس التركي إلى التوسع التقني في استخدام الفحم، الذي تنتجه تركيا، لمواجهة ازدياد اختلال التوازن التجاري بسبب اعتماد تركيا على استيراد الطاقة، حيث تستورد البلاد ما يقرب من 75 في المائة من إجمالي استهلاكها للطاقة، وهو ما يمثل نحو نصف العجز التجاري الإجمالي لتركيا. سيما أن استخدام تركيا للطاقة قد تضاعف تقريباً خلال العقدين الماضيين تماشياً مع نموها الاقتصادي المرتفع.

سياسات الأحزاب بعد الانتخابات

على الرغم من فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، بحسبانه أنهى السباق البرلماني في المركز الأول، فإنه حُرم من المقاعد اللازمة لتشكيله الأغلبية، وذلك بعد أن تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد «عتبة» الـ10 في المائة المطلوبة لدخول البرلمان.
ومع ذلك، فقد فاجأ شريك حزب العدالة والتنمية، حزب العمل القومي، الجميع بفوزه بنسبة 11 في المائة من الأصوات، بما يمثل ضعف النسبة التي مُنحت له بواسطة استطلاعات الرأي. وقد يزيد ذلك من أهمية التحالف بين «العدالة» و«الحركة القومية»، بحسبانه يعني سيطرة قوى اليمين السياسي على السلطة التشريعية. ذلك أن «تحالف الشعب» الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، حصد 53.62 في المائة من الأصوات، فيما حصل «تحالف الأمة» الذي يضم أحزاب الشعب الجمهوري، وحزب الخير، وحزب والسعادة على نحو 34.04 في المائة، وحزب الشعوب الديمقراطي على 11.61 في المائة.
وحصل حزب العدالة والتنمية على نحو 42.5 في المائة، أي أقل بنسبة 7 في المائة عن الانتخابات السابقة، وأصبح «العدالة» مضطرا إلى الاستمرار في استمالة القوميين على نحو قد يجعلهم في موضع يسمح باستخراج تنازلات مهمة. هذا يعني استمرار التحالف بين الحزبين، بما يشير إليه ذلك من أنه لن يكون هناك أي مراجعة للسياسات التركية تجاه القوى الكردية، محليا أو إقليميا.
وهذه النتيجة تكشف، على جانب آخر، تصاعد حضور التيارات القومية في تركيا، ذلك أن أحزاب العدالة والتنمية، والحركة القومية، والخير، كلها أحزاب قومية، وكذلك حزب الشعب الجمهوري، بدرجة ما. وبالتالي، تبقى التيارات القومية واحدة من أكثر القوى ديناميكية في السياسة التركية.
ولطالما كانت الانقسامات العرقية، والطائفية، والهوية، ديناميكية مهمة في الانتخابات التركية، ففيما كان حزب الشعب الجمهوري يهيمن على الأصوات العلوية – وإلى حد ما حزب الشعوب الديمقراطي – في آخر انتخابين، فقد تم تقاسم الأصوات الكردية في الغالب من قبل حزب الشعب الديمقراطي وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، هذا بينما واجهت بقية الأحزاب الأخرى صعوبة في مغازلة الصوت الكردي.
وينقسم القوميون الأتراك المحافظون تقليديا بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، في حين أن القوميين العلمانيين والكماليين يدعمون حزب الشعب الجمهوري. وفي هذه الانتخابات، يجب أن يؤخذ «الوافد السياسي الجديد»، حيث حزب الخير في «المعادلة القومية».
وقد حاول المرشح الرئاسي لحزب السعادة، تيمل كارامول أوغلو، استعادة دعم بعض المحافظين الذين يشعرون أنهم مستبعدون أو مستاءون خلال 16 سنة من حكومة حزب العدالة والتنمية، غير أنه فشل على نحو كامل. وقد ينظر إلى التحالف الانتخابي بين حزب الشعب الجمهوري والسعادة، بحسبانه شكّل منذ البداية محاول يائسة من «الشعب الجمهوري» لمغازلة الناخبين المحافظين في تركيا. هذا فيما حاول المرشح الرئاسي عن «الجمهوري»، توسيع نطاق قدرته على جذب جمهور محافظ، غير أنه أيضا لم ينجح في ذلك، بسبب سجل حزبه وسياساته السابقة.

مرشح حزب الشعب الجمهوري، محرم إنجه، الذي حل في المرتبة الثانية بعد الرئيس التركي، بحصوله على نسبة 30.7 في المائة (غيتي)
مرشح حزب الشعب الجمهوري، محرم إنجه، الذي حل في المرتبة الثانية بعد الرئيس التركي، بحصوله على نسبة 30.7 في المائة (غيتي)

بعد الانتخابات… علاقات تركيا الإقليمية

قد تشكل نتائج الانتخابات نقطة تحول في سياسات تركيا الخارجية، بحسبانها أوضحت اتساع نطاق التأييد الذي يحظى به الرئيس التركي، والتماسك النسبي للجبهة الداخلية، وقدرة الرئيس على حشد مؤيديه وأنصاره لخدمة مشروعه السياسي، وفي هذا الإطار من المرجح استمرار العمليات العسكرية التركية في كل من سوريا والعراق. فقد كانت القوات المسلحة التركية قد أطلقت منذ أواسط شهر مارس (آذار) 2018 عملية عسكرية، لـ«تطهير» جبال قنديل من عناصر تنظيم العمال الكردستاني، وتدمير مواقعه ومخازنه ومراكزه ومعسكراته المنتشرة في هذه الجبال التي تقع في مثلث حدودي تركي عراقي إيراني.
وقد ارتبط ذلك بالقرار الاستراتيجي لمجلس الأمن القومي التركي، والذي كان قد أطلق من قبل عمليتي «درع الفرات»، و«غصن الزيتون» في شمال سوريا، حيث المناطق الحدودية غرب نهر الفرات. هذا فيما أشارت القيادة المركزية الأميركية إلى أن التحالف الدولي والجيش التركي يخططان معا لتسيير دوريات مشتركة في مدينة منبج، في إطار الاتفاق الموقع بين الدولتين في يونيو 2018. وأضاف البيان أن الجيش التركي وقوات التحالف الدولي بدأوا في تسيير دوريات منفصلة على طول حدود منبج.
وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قد أعلن أن الجيش التركي سيسيّر دوريات بين منطقة «درع الفرات» التي يسيطر عليها «الجيش السوري الحر» المدعوم من تركيا، وبين منبج الخاضعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تشكل «وحدات حماية الشعب» قوامها الأبرز.
في غضون ذلك، نشرت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء تفاصيل اتفاق أبرمته تركيا وروسيا في شأن التعاطي مع ملف مدينة تل رفعت، وذلك على نحو يشير إلى قبول طهران بالانسحاب من المدينة بعد ضغوط مارستها موسكو. واعتبرت الوكالة أن اتفاق تسليم تل رفعت إلى تركيا «غير مسبوق في تاريخ الثماني سنوات من عمر الأزمة السورية، ويشكل نقطة انطلاق لعهد جديد من التعاون الروسي – التركي في سوريا». وأوضحت أن الاتفاق يقضي بتعهد روسيا إخراج القوات النظامية والقوات الموالية لها، والميليشيات الكردية من تل رفعت. على أن تتولى قوات عسكرية روسية وتركية مسؤولية الدفاع عن المدينة وإرساء دعائم الأمن فيها بشكل مؤقت.

بين التعاون والصراع… تركيا والفواعل الإقليمية

فيما يخص العلاقات التركية – الخليجية، فقد تستمر العلاقات التركية مع المملكة العربية السعودية في نهجها الوسطي، الذي حددته المملكة منذ البداية، انطلاقا من أسس وثوابت سياساتها الخارجية، بصرف النظر عن طبيعة الحكم والمعادلة السياسية داخل تركيا، تأسيساً على قاعدة دبلوماسية سعودية تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وقد هنأت المملكة إردوغان بإعادة انتخابه رئيسا لتركيا. هذا كما أرسل أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، برقية تهنئة لإردوغان عقب فوز حزبه بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وذكرت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) أن الأمير أشاد بالعلاقات المتميزة والتاريخية بين البلدين، معربا عن أمله في أن تغدو هذه العلاقات أعمق في الأيام القادمة. وقد قامت الإمارات بدورها بتهنئة الرئيس إردوغان بمناسبة فوزه في الانتخابات.
وعلى جانب آخر، فإن الشراكة التركية – القطرية ستكسب زخماً كبيراً بفوز إردوغان، بحسبانه أحد محركي السياسات التركية حيال دولة قطر، التي حرص أميرها في اتصال هاتفي، على تهنئة إردوغان على نجاحه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وفيما يخص العلاقات التركية – المصرية، فمن غير المرجح أن تشهد تهدئة نسبية، بالنظر إلى سياسات تركيا الداعمة لجماعة الإخوان، واستمرار القنوات الإعلامية التي تهاجم الدولة المصرية، انطلاقا من الأراضي التركية. وربما تتجه ملفات وقضايا العلاقات المصرية – التركية نحو مزيد من التعقيد بسبب تصاعد أوجه الصراع حول الطاقة في شرق المتوسط، وتباين رؤى الدولتين حيال الكثير من التطورات في هذا السياق.
وتشير بعض التقديرات إلى أن محاولة تعديل مسار العلاقات المصرية – التركية عبر المدخل الاقتصادي لم تحقق أي اختراق في جدار العلاقات الصلب، هذا على الرغم من أن الشركات التركية العاملة في مصر فقدت فرصاً استثمارية قُدرت بنحو ثلاثة مليارات دولار، حسب تقديرات مصرية، بعد تجميد العلاقات بين البلدين. وكانت جمعية المستثمرين الأتراك في مصر تخطط لتعزيز الاستثمارات التركية لترتفع من ملياري دولار إلى 5 مليارات بنهاية عام 2018.
وفيما يخص العلاقات مع إسرائيل، فقد وصف وزير الاتصالات الإسرائيلي، أيوب كارا، فوز إردوغان بأنه «فرصة لتحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل». وذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية، أن احتفاظ إردوغان برئاسة تركيا يمثل الخيار الأمثل، مشيرة إلى أن الرئيس التركي يؤيد تحسن العلاقات المشتركة، كما أنه لم يتخذ رد فعل عمليا ضد إسرائيل بعد قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس.
وقد أجمعت الصحف الإسرائيلية على أن صعود أي قيادة بديلة في هذه الانتخابات كان من شأنه أن يمثل تهديدا للعلاقات التركية – الإسرائيلية، سيما بعدما تعهد كل منافسي إردوغان بتجميد تنفيذ اتفاق «مافي مرمرة»، الذي أعاد تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2016، بعد ست سنوات من التوترات، على المستوى السياسي.
وكانت المعارضة التركية قد قدمت اقتراحا برلمانيا قبل إجراء الانتخابات في 24 يونيو 2018، تطلب فيه إلغاء جميع الاتفاقيات التجارية والثقافية والأمنية مع إسرائيل، وهو ما عارضه نواب حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.

مؤيدون للرئيس المنتخب يعبرون عن فرحتهم بفوز إردوغان بالانتخابات الرئاسية (غيتي)
مؤيدون للرئيس المنتخب يعبرون عن فرحتهم بفوز إردوغان بالانتخابات الرئاسية (غيتي)

بعد الانتخابات… سياسات تركيا الدولية

من المرجح أن تتصاعد أوجه التعاون بين تركيا والكثير من الفواعل الدولية، فقد هنأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره التركي رجب طيب إردوغان، بفوزه في الانتخابات الرئاسية. واتفق ترمب وإردوغان في اتصال هاتفي بينهما على تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين في مجال الأمن والدفاع. كما شدد الرئيسان على ضرورة تطبيق الخطة الخاصة بمدينة منبج السورية التي تقضي بانسحاب عناصر قوات حماية الشعب الكردية. ومن المقرر أن يلتقي ترمب وإردوغان في بروكسل على هامش قمة حلف الناتو التي تنعقد في 11 و12 يوليو 2018.
وكانت الولايات المتحدة قد سلمت تركيا أول طائرة حربية من نوع إف-35. رغم معارضة مجلس الشيوخ الأميركي، وخلال احتفال أقيم في فورت وورث بولاية تكساس، قامت المجموعة الدفاعية الأميركية، لوكهيد مارتن، المصنعة للطائرة، بتسليم المقاتلة لمسؤولين أتراك، هذا على الرغم من معارضة الكونغرس الأميركي لذلك، بسبب إعلان أنقرة رغبتها في شراء منظومة دفاع جوي روسية من نوع إس-400 يفترض أن تكون طائرات إف-35 قادرة على الإفلات منها.
وفي مشروع القانون الذي أقره مجلس الشيوخ الأميركي، ورد أن بيع هذه الطائرات سيلغى في حال مضت أنقرة قدماً في شراء منظومة إس-400 التي تم التوقيع على عقد شرائها في 12 من سبتمبر (أيلول) 2017. ونص مشروع القانون على أن «أي جهد تقوم به تركيا لتعزيز علاقاتها مع روسيا سيمس بأمن حلف الناتو وبأمن الدول الأعضاء في الحلف».
وفي حال وافق مجلس النواب أيضا على مشروع القانون هذا، سيتوجب على الإدارة الأميركية استبعاد تركيا عن برنامج إف-35، وسحب القطع المصنعة في تركيا من الطائرة، ومنع خروج الطائرات من نوع إف-35 التركية من الأراضي الأميركية. وفي هذه الحالة، فإن الطائرة التي تسلمتها تركيا في احتفال ستبقى في أريزونا خلال تدريب الطيارين الأتراك على قيادتها، وهي عملية قد تستغرق «عاماً أو عامين»، حسب ما أفاد مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية.
وفيما يخص العلاقات التركية – الروسية، فتشهد بدورها تطورات إيجابية بفعل الانسجام الثنائي بين الرئيس التركي ونظيره الروسي، الذي اتصل بالرئيس إردوغان وهنأه على إعادة انتخابه، قائلا إن نتيجة الانتخابات تمثل دليلا على «شخصية إردوغان القوية وعلى السند الشعبي الذي يحظى به»، وعبر الرئيس الروسي عن استعداده لمواصلة «العمل المشترك والحوار مع إردوغان».

هذا فيما قالت المفوضية الأوروبية إنها «تأمل أن تبقى تركيا بزعامة إردوغان شريكا للاتحاد الأوروبي ملتزما في القضايا الكبرى من بينها الهجرة والأمن والاستقرار في المنطقة ومحاربة الإرهاب». كما هنأت الخارجية الصينية إردوغان بالفوز بفترة رئاسية جديدة، وقال المتحدث باسم الوزارة، غانغ شوانغ، إن «الصين تريد العمل مع تركيا من أجل دفع التعاون الاستراتيجي بينهما قدما خدمة لمصلحة الشعبين والبلدين».
وعبر الرئيس الإيراني، حسن روحاني، عن «تهانيه الحارة» للرئيس إردوغان، وقال إنه «يأمل أن تتطور العلاقات الثنائية بين البلدين المبنية على أسس تاريخية ودينية وحسن الجوار والاحترام المتبادل». ودعا روحاني إلى التعاون بين تركيا وإيران «للتعامل مع التطورات في المنطقة وفي العالم الإسلامي، وتحسين الظروف لحل الأزمات ودعم السلم والاستقرار ورفاهية شعوب المنطقة».
بيد أن ما أثار الانتباه، الدعوة المقدمة من المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل لإردوغان، لزيارة ألمانيا بعد الانتخابات، هذا على الرغم من أن ألمانيا ظلت على خلاف مع قيادة إردوغان على جملة من المواضيع الدولية والإقليمية، بما أنذر، في بعض الأحيان، بالمقاطعة التامة في علاقات الدولتين.

وفيما يخص العلاقات مع بريطانيا، فمن المرجح أن تتصاعد أوجه التعاون في العلاقات بين الجانبين على نحو ملحوظ بعد الانتخابات، سيما بعدما قام الرئيس التركي قبيل الانتخابات بزيارة إلى بريطانيا التقى خلالها رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، وذلك من أجل إجراء محادثات حول قضايا العلاقات الثنائية. وتعمل تركيا وبريطانيا حاليا على تطوير أول طائرة مقاتلة تركية مع شركة BAE Systems، التي ستقوم بتطوير طائرات مقاتلة للجيش التركي كجزء من عقد طويل الأمد بين الجانبين، والذي سيشمل أيضاً نقل التكنولوجيا إلى تركيا.
وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين تركيا وبريطانيا نحو 17 مليار دولار في عام 2016. مما ساهم في زيادة بنسبة 6.3 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع الآمال بأن يصل الرقم إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2020. واعتبارا من عام 2016، عملت 2998 شركة بريطانية في تركيا، في مجموعة واسعة من القطاعات، وبلغت الاستثمارات المباشرة في تركيا بين عامي 2002 و2016 أكثر من 9 مليارات دولار.
وتعد تركيا ثاني أكبر سوق للتصدير بالنسبة لبريطانيا، ذلك أنها تصدر إلى تركيا أكثر مما تصدر للهند أو روسيا أو البرازيل أو المكسيك. وقد أكدت الحكومتان البريطانية والتركية عزمهما على توسيع علاقاتهما التجارية والاستثمارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما يتيح فرصاً جديدة لتحسين العلاقات الاقتصادية بين الدولتين.
مما سبق يتضح أن الانتخابات قد تشكل ترسيخا لقاعدة حكم الرئيس التركي، وتوطيدا للحالة الإردوغانية التي جددت شبابها، وباتت تدفع القوى الغربية للتعاطي مع تركيا وفق سياسات الأمر الواقع القائم على ضرورات تعظيم المصالح المشتركة، والتجميد النسبي لملفات التوتر والصراع، في ظل تفهم متبادل لخصوصية العلاقات على المستويات المحتلفة.

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.