الثروة الخفية... الأموال العابرة للبحار - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

الثروة الخفية… الأموال العابرة للبحار

12 تريليون دولار... استثمارات لشركات وهمية حول العالم

صورة أرشيفية لبحار أميركي يطارد وأعضاء من قوات حرس السواحل الأميركية، سفينة تجارية يشتبه في تهريبها نفطاً من العراق في بحر العرب (غيتي).
صورة أرشيفية لبحار أميركي يطارد وأعضاء من قوات حرس السواحل الأميركية، سفينة تجارية يشتبه في تهريبها نفطاً من العراق في بحر العرب (غيتي).
صورة أرشيفية لبحار أميركي يطارد وأعضاء من قوات حرس السواحل الأميركية، سفينة تجارية يشتبه في تهريبها نفطاً من العراق في بحر العرب (غيتي).

القاهرة: حسين البطراوي

* يمتلك الأفراد 7 تريليونات دولار في الملاذات الضريبية. والثروة المالية العابرة للبحار في النمو بمعدّل سنوي 5%.
* الدول الغنية أبرز الملاذات الضريبية عالمياً… وأكثرها «ازدواجية».
* الولايات المتحدة ترفض الانضمام إلى اتفاقية تبادل المعلومات مع دول منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية. وقانون «فاتكا» يجبر كل دول العالم على التعاون مع أميركا.
* سويسرا أكبر مركز مالي لإدارة الثروات الأجنبية بـ2.3 تريليون فرنك سويسري.
وهونغ كونغ تدير 1.1 تريليون دولار… وسنغافورة 900 مليار دولار.
* الاتحاد الأوروبي: 8 دول على القائمة الرمادية… و9 في القائمة السوداء.
* اقتصادات الانتقال الرئيسية الثمانية تستضيف أكثر من 85% من استثمارات العالم في كيانات ذات غرض خاص.
* يمر من 50 إلى 90% من الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي من خلال كيان أجنبي لا يمتلك أي جوهر اقتصادي خلال الهند والصين والبرازيل… وبنسبة تتراوح بين 50 إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
* ازدهار تعاملات سوق الأوراق المالية عزز ثروة الأشخاص في جميع أنحاء العالم بنسبة 12 % العام الماضي.
* 50 منطقة ملاذات ضريبية في العالم… تضم أكثر من 450 مؤسسة مصرفية ونحو ثلثي صناديق الاستثمار.

الثروة المخبأة في الملاذات الضريبية في تزايد مستمر، وتعدت حاجز 12 تريليون دولار، في هيئة استثمارات وهمية لشركات متعددة الجنسيات حول العالم بحسب أحدث البيانات المالية، ويمتلك الأفراد نحو 7 تريليونات دولار، أي ما يعادل تقريباً 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، في هذه الملاذات الضريبية، تكشف البيانات أن اقتصادات الانتقال الرئيسية الثمانية تستضيف أكثر من 85 في المائة من استثمارات العالم في كيانات ذات غرض خاص، ويمر من 50 في المائة إلى 90 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي من خلال كيان أجنبي لا يمتلك أي جوهر اقتصادي خلال الهند والصين والبرازيل، وبنسبة تتراوح بين 50 إلى ٦٠ في المائة في الاقتصادات المتقدمة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

سويسرا ملاذ آمن

عزز ازدهار تعاملات سوق الأوراق المالية ثروة الأشخاص في جميع أنحاء العالم بنسبة 12 في المائة خلال العام الماضي، لصالح سويسرا التي لا تزال أكبر مركز في العالم لإدارة الثروة العابرة للبحار بقيمة 2.3 تريليون فرنك سويسري.
وأظهرت الأرقام التي كشف عنها تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية، أن سويسرا تظل متقدّمة على هونغ كونغ (1.1 تريليون دولار)، وعلى سنغافورة (900 مليار دولار). وتمثّل قيمة الثروة التي تديرها المراكز المالية في سويسرا ما يعادل ثلث الثروة العالمية في الخارج.
ونما المركزان الآسيويان السابقان بمعدلات سنوية تجاوزت 11 في المائة و10 في المائة على التوالي خلال السنوات الخمس الماضية، مقارنة بسويسرا التي حققت معدّل نمو يصل إلى 3 في المائة خلال الفترة نفسها.
وذكر التقرير أنه «على مدار السنوات الخمس المقبلة، من المرجّح أن تستمرّ الثروة المالية العابرة للبحار في النمو بمعدّل سنوي شامل يعادل نحو 5 في المائة.
ويتطلّع مديرو الثروات الكبار، بما في ذلك البنوك السويسرية مثل اتحاد المصارف السويسرية وكريدي سويس بشكل متزايد لتطوير أنشطتهم في السوق الآسيوية، خاصة بعد أن ضُيّق الخناق في سويسرا على السرية المصرفية.
وتوقّع الخبراء أن اعتماد المزيد من قواعد الشفافية والتبادل التلقائي للمعلومات من شأنه أن يحد من تدفق الثروات العابرة للبحار إلى سويسرا.
واستفادت سويسرا من حالة عدم الاستقرار الجيوسياسية الحالية، بحسب ماتياس نومان، من مجموعة بوسطن الاستشارية. وأضاف: «في هذه الأوقات، يبحث الأثرياء في العالم عن ملاذات الاستقرار لاستثمار ثرواتهم». وتوفّر سويسرا الاستقرار المالي والسياسي، وكذلك ثبات القوانين وحماية الخصوصية ويسر الوصول إلى الأسواق المالية. وبرأي ناومان: «أداء سويسرا جيّد على هذه المستويات جميعها». ويتأتى الجزء الأكبر من الثروات الأجنبية التي تدار في سويسرا من ألمانيا وفرنسا ودول الخليج».

الضبابية المالية

تصدرت الدول الغنية قائمة الملاذات الضريبية في العالم، بحسب تقرير منظمة «تاكس جاستيس نتوورك» الدولية، المتخصصة في إصدار تقارير كل سنتين عن التهرب الضريبي، والمفاجأة في التقرير أن الجنات الضريبية الكبيرة ليست كما يعتقد كثيرون، إذ أتت في المرتبتين الأولى والثانية سويسرا والولايات المتحدة الأميركية، وفي الثالثة جزر الكايمان.
وتصنف المؤسسة الدول وفقاً لمفهوم «الضبابية المالية»، الذي أعدت له منهجية بحث خاصة، واعتمدت أيضاً على بيانات وإحصاءات صادرة عن صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 34 بلداً صناعياً ومتقدماً.
وظهرت عدة دول أوروبية من بين أبرز 10 «جنات»، مثل لوكسمبورغ في المرتبة السادسة، وألمانيا في السابعة، أما فرنسا فأتت في المرتبة الخامسة والعشرين، وقبلها بريطانيا في الثالثة والعشرين، فضلا عن احتلال مقاطعات أو مستعمرات تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للمملكة المتحدة، مستقلة أو شبه مستقلة، مثل الجزر البريطانية العذراء وجيرسي التي احتلت مراتب متقدمة في القائمة السوداء.

بنك في منطقة قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ بالصين (غيتي)
بنك في منطقة قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ بالصين (غيتي)

إلا أن اللافت أكثر هو تقدم الولايات المتحدة إلى المرتبة الثانية بعد سويسرا، وهو الصعود الثاني لها بعدما كانت عام 2013 في المرتبة السادسة، وفي 2015 في الثالثة. وتعتبر المنظمة أن الولايات المتحدة تجذب المستثمرين والمتمولين الأجانب وتوفر لهم «مناخات آمنة» سرية تسمح لهم بالتهرب الضريبي من بلدانهم.
واحتلال الولايات المتحدة لهذا الترتيب المتقدم جداً في هذه القائمة المثيرة للجدل، تفسره المنظمة بالارتفاع الكبير للحصة الأميركية في سوق الخدمات المالية الدولية (أوفشور). وقفزت الحصة من نسبة 19.3 في المائة، إلى 22.3 في المائة في 3 سنوات.
لكن التقرير يشير إلى أن الولايات المتحدة تبذل «جهوداً جبارة» في اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة التهرب الضريبي لمواطنيها خارج البلاد، مقابل تهاونها أو تساهلها مع تهرب الأجانب على أراضيها من ضرائب بلدانهم الأصلية، لجذب الاستثمارات. فقانون «فاتكا» الذي أقر في عام 2010 وبدأ تنفيذه في 2014 يجبر الأميركيين المقيمين في الخارج على الإفصاح عن أموالهم بغية فرض ضرائب عليها، اعتباراً من أرقام معينة. وتفرض السلطات الأميركية على المؤسسات المالية الأجنبية عقوبات صارمة إذا تخلفت عن التعاون الفوري في الإبلاغ والإفصاح عن أموال الأميركيين فيها.
في المقابل، تلاحظ المنظمة في تقريرها أن الأميركيين لا يتبادلون المعلومات الضريبية كما يجب مع البلدان الأخرى، الساعية أيضاً لمكافحة تهرب مواطنيها من الضرائب.
وكشف التقرير أن ولايات مثل ديلاوير ونيفادا، ترد في قوائم مناطق جاذبة للشركات الوهمية، وتسجل فيها كيانات سرية تخفي الأسماء الحقيقية لملاكها والمستفيدين الحقيقيين منها.
وتشير المنظمة إلى أن الولايات المتحدة ترفض الانضمام إلى اتفاقية التبادل الفوري للمعلومات مع دول منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية؛ لكنها اعتماداً على قانون «فاتكا» تجبر كل دول العالم على التعاون معها تحت طائلة التهديد بعقوبات تطال مؤسساتها المالية إذا لم تتعاون.
كما أن التقرير يشير أيضاً إلى دول أخرى مثل ألمانيا التي يظهر موقفها متردداً في المفوضية الأوروبية، فهي لا تستعجل وضع قائمة المستفيدين الحقيقيين من المنتجات المالية المهيكلة، كما تتردد في التوقيع مع الدول الناشئة على اتفاقيات تبادل للمعلومات.
أما بريطانيا فيمكن أن تكون بين الأسوأ في هذا المجال، إذا درست حالتها كوحدة كاملة تضم مقاطعات تابعة مثل الجزر العذراء وجيرسي، وغيرها من الملاذات الضريبية المشهورة بأنظمتها المالية والضريبية السرية جداً.

القائمة الرمادية

رفع الاتحاد الأوروبي كلا من الإمارات وتونس والبحرين وبنما ومنغوليا وماكاو وغرينادا وبربادوس من القائمة السوداء، التي وضعها وزراء المالية الأوروبيون، في خطوة تأتي بعد أسابيع قليلة من الكشف عن قائمته الأساسية، التي تتضمن 17 دولة من خارج الاتحاد الأوروبي.
وغرّد برونو لومير، وزير المالية الفرنسي، على «تويتر» قائلا: «الضغط الأوروبي أتى بنتائجه الأولى». وستكون الدول الـ8 الآن على «قائمة رمادية» للدول، التي قدمت تعهدات غير محددة للاتحاد الأوروبي بشأن إصلاح قوانينها الضريبية.
وتشمل القائمة السوداء الآن تسع دول هي: ساموا الأميركية، والبحرين، وغوام، وجزر مارشال، وناميبيا، وبالاو، وسانت لوسيا، وجزر ترينيداد، وتوباغو.
واتفق الوزراء على أن «الشطب من القائمة مبرر في ضوء تقييم خبراء العهود التي التزمت بها تلك الكيانات القضائية للتصدي لمواطن الخلل المحددة من الاتحاد الأوروبي». وذكروا أنه «في كل حالة، كانت الالتزامات مدعمة برسائل موقعة على مستوى سياسي عال».
واتهم مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، بيار موسكوفيسي، الكثير من الدول الأوروبية ومنها آيرلندا وهولندا ولوكسمبورغ ومالطة وقبرص بأنها «ثقوب سوداء» ضريبية ووعد بممارسة الضغط عليها لتغيير أساليبها.

50 ملاذاً ضريبياً

تحولت الملاذات الضريبية، وعددها نحو 50 منطقة في العالم حالياً، إلى حاضنات لنحو 12 تريليون دولار من الأصول المالية. بحسب منظمة الشفافية الدولية في فرنسا، فإن الملاذات الـ50 في العالم فيها أكثر من 450 مؤسسة مصرفية، ونحو ثلثي صناديق الاستثمار، ونحو مليوني شركة في العالم.
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن أول ملاذ ضريبي حقيقي هو سويسرا، وتليها مباشرة ليختنشتاين. وخلال الجزء المبكر من القرن العشرين، كانت البنوك السويسرية منذ فترة طويلة ملاذا لرؤوس الأموال الهاربة من الاضطرابات الاجتماعية في روسيا، وألمانيا، وأميركا الجنوبية ومناطق أخرى. ولكن في السنوات التي أعقبت مباشرة الحرب العالمية الأولى، طرح الكثير من الحكومات الأوروبية ضرورة فرض الضرائب للمساعدة في دفع الجهود المبذولة لإعادة الإعمار بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى. لكن سويسرا، وعلى وجه العموم وبعد أن بقيت على الحياد خلال الحرب العظمى، تجنبت هذه التكاليف الإضافية الخاصة بإصلاح البنية التحتية وبالتالي كانت قادرة على الحفاظ على مستوى منخفض من الضرائب. ونتيجة لذلك، كان هناك قدر كبير من تدفق الرساميل إلى البلاد لأسباب تتعلق بالضرائب.

طرق مختلفة

هناك طرق مختلفة تؤدي إلى وصف بلد أو ولاية أو إقليم ما بأنه ملاذ ضريبي، ويمكن أن يكون ذلك عبر النظر للضرائب، فبعض الملاذات تكتسب صفتها من كونها لا تفرض قوانينها ضرائب على الميراث أو الدخل، أو تفرض ضرائب منخفضة للغاية. وهناك ملاذات تكتسب صفتها بسبب فرضها نظام «السرية المالية»، وهو ما يمكّن الأفراد من إخفاء الأصول أو الدخل لتجنب الضرائب أو خفضها في بلادهم الأصلية. إذ كثيراً ما يجد الأفراد والشركات أن أمامهم فرص الانتقال إلى مناطق تنخفض فيها معدلات الضرائب، أو تمنح إعفاءات لجذب الأموال والاستثمارات والمدخرات إليها، نظراً لأن الملاذات الضريبية توفر حماية من محققي الضرائب الدوليين والوطنيين في بلادهم الأصلية.
ويعتبر اقتصاديون مختصون أن أي بلد يعدل قوانينه الضريبية لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية يمكن أن يعتبر ملاذاً ضريبياً. وتدافع سلطات البلاد التي توصف بالملاذات الضريبية عن سياستها بالقول إنها تساعد في الضغط على الدول المتقدمة لتخفيض الضرائب في مناطق سيادتها.

عدد من البنوك في شارع رئيسي بزيوريخ - سويسرا (غيتي)
عدد من البنوك في شارع رئيسي بزيوريخ – سويسرا (غيتي)

وتسهل الملاذات الضريبية أيضاً الإجراءات القانونية لفتح الحسابات وتأسيس الشركات وشراء العقارات، ولا تفرض قيوداً على حركة الأموال إليها ومنها، وتسمح للأجانب بفتح حسابات بعملات مختلفة، فضلاً عن كونها لا تكشف هوية العملاء والشركات المسجلة فيها، ولا تتعاون مع السلطات القضائية التي تطلب منها معلومات مصرفية ومالية. وفي ظل التزايد المرجح لمعدلات ضريبة الدخل للأفراد والشركات في الكثير من الدول المثقلة بالديون، نجد الكثير من الأفراد والشركات يسعون إلى تخفيف هذا العبء فيما يسمى «الملاذات الضريبية». في كثير من الأحيان، السعي وراء ضريبة مخففة في مثل هذه الأماكن هو أمر قانوني تماماً، اعتماداً على قوانين ولوائح الضرائب المحلية للأفراد والشركات.

استفادة… ولكن

وتستفيد سلطات البلاد التي تعتبر ملاذات ضريبية من تدفق السيولة المالية وحركة الأموال والاستثمارات إليها، وكذلك السياحة وقطاع الخدمات التي تنتعش من وراء حركة الأموال والأفراد فيها، ويستفيد الأفراد والشركات من الإعفاءات أو انخفاض الضرائب في البلاد التي تعد ملاذات. ويستفيد من الملاذات الضريبية كذلك شبكات الجريمة والتهريب والتجارة غير المشروعة، والمسؤولون الملاحقون في قضايا فساد واختلاس، مثلما كشفت وثائق بنما الشهيرة، ورجال الأعمال والشخصيات العامة الذين يرغبون في إخفاء أرصدتهم، وعدم الكشف عنها للعامة، أو للسلطات التي تقوم باستقطاع الضرائب منهم. بينما تعد حكومات البلاد الأصلية التي أتى منها الأفراد والشركات أبرز الخاسرين من تسرب رؤوس الأموال للخارج، وعدم استقطاع الضرائب منها.
وتعد جزر الكايمان من بين المواقع الأكثر شهرة في العالم لمصارف الأوفشور. هذه الأراضي البريطانية في الخارج تحظى بشعبية بين الشركات بسبب سهولة إنشاء وتشغيل شركات الأعمال التجارية الدولي. الكثير من كبرى الشركات العالمية، بما في ذلك كوكاكولا، وإنتل، وتايكو، تحافظ على مكاتب لها في جزر كايمان.

الشركات متعدية الجنسيات

كشف بحث جديد أن الشركات متعددة الجنسيات استثمرت 12 تريليون دولار حول العالم في شركات صورية، وأن مواطني بعض البلدان غير المستقرة مالياً والدول المنتجة للنفط يمتلكون حصة كبيرة منها لا تتناسب مع ثروتهم الشخصية التي تبلغ 7 تريليونات دولار مخبأة في الملاذات الضريبية.
ورغم أن تسريبات سويس ووثائق بنما، وعمليات الإفصاح الأخيرة الصادرة عن هذه الصناعة الخارجية، قد كشفت بعض الطرق المعقدة التي تستخدمها الشركات متعددة الجنسيات والأفراد الأثرياء في الملاذات الضريبية للهروب من دفع حصتهم العادلة، فإن العالم المالي الخارجي لا يزال شديد الغموض. بحسب دراسة يانيك دامغارد، وتوماس إلكيير، ونيلز جوهانسن، المنشورة في مجلة التمويل والتنمية، الصادرة عن صندوق النقد الدولي، بعنوان «كشف النقاب».
وأشارت الدراسة إلى أن السرية التي ترتكز عليها الخدمات التي تقدمها المصارف الخارجية، والمحامون وشركات التوطين، أدت إلى صعوبة معرفة الأموال التي يتم توجيهها من خلال الملاذات الضريبية، فيما يتعلق بـ«من أين تأتي؟ وإلى أين تذهب؟». وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في البلدان التي تكثر فيها المبادرات السياسية الرامية إلى الحد من الاستخدام الضار للملاذات الضريبية.

بلاغات اقتصادية

السياسات التي تعرف باختصاراتها، مثل «فاتكا» القانون الأميركي للامتثال الضريبي المعني بالحسابات الخارجية، و«سي آر إس» معيار الإبلاغ الموحد، و«بي إي بي إس» تآكل القواعد الضريبية ونقل الأرباح، تقدم مجموعة متنوعة من متطلبات البلاغات الجديدة تشمل قيام الشركات متعددة الجنسيات بإبلاغ بلد تلو الآخر بمعلومات حول نشاطها الاقتصادي.
كما يجب على المصارف إجراء عمليات تحقق شاملة عن خلفيات العملاء لتحديد الحسابات المملوكة لأجانب وإبلاغ السلطات الضريبية بالمعلومات التفصيلية عن تلك الحسابات؛ وبالتالي يجب على السلطات الضريبية تبادل المعلومات ذات الصلة بالضرائب مع نظيراتها الأجنبية بموجب اتفاقيات تبادل شامل للمعلومات.

موجة ضرائب

تشير الدراسة إلى أن هذه الموجة الجديدة من سياسات فرض الضرائب تثير جدلا، فبينما يرحب البعض بالمحاولات الطموحة لإصلاح ما يُنظر إليه على أنه نظام ضرائب دولي غير صالح، حيث يطبق على النخب في العالم معدلات ضريبية فعالة منخفضة، يرى آخرون أن تكلفة إنفاذ هذه السياسات يمكن أن تقلل من فوائدها.
ومن الصعب تحديد أي وجهة نظر أقرب إلى الحقيقة دون اتخاذ تدابير موثوقة تتناسب مع نطاق هذا التحدي الخارجي. وسمحت الإحصاءات الصادرة مؤخراً عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبنك التسويات الدولية بشأن المراكز المالية العابرة للحدود للباحثين بالشروع في اختراق غطاء السرية الخارجية.

حيل شركات صورية خارجية

تقول الدراسة إنه يُنظر عادة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه استثمار استراتيجي مستقر طويل الأجل، يعكس القرارات الأساسية المتعلقة بالموقع الذي توجد به الشركات المتعددة الجنسيات. ومن المعتقد غالباً أن مثل هذا الاستثمار يجلب فرص العمل، والإنتاج، وبناء المصانع الجديدة، ونقل التكنولوجيا. إلا أن دراسة جديدة نشرتها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، تجمع بين الإحصاءات التفصيلية عن الاستثمار الأجنبي المباشر والتغطية الشاملة للمسح المنسق للاستثمار المباشر الذي أجراه صندوق النقد الدولي، تبين أن رقم 12 تريليون دولار، وهو ما يقارب 40 في المائة من جميع مراكز الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً، فهو يتكون من استثمار مالي يمر من خلال شركات صورية ليس لها أي نشاط حقيقي.

شركات صورية

هذه الاستثمارات في شركات صورية تكاد تمر دائما من خلال الملاذات الضريبية المعروفة جيدا. وتستضيف اقتصادات الانتقال الرئيسية الثمانية، وهي هولندا ولوكسمبرغ وهونغ كونغ، وجزر فرجن البريطانية، وبرمودا، وجزر كايمان، وآيرلندا، وسنغافورة، أكثر من 85 في المائة من استثمارات العالم في كيانات ذات غرض خاص، والتي غالباً ما تكون قد تأسست لأسباب متعلقة بالضرائب. تشمل خصائص هذه الكيانات تسجيلا قانونيا خاضعا للقانون الوطني، وملكية نهائية للأجانب، وعددا قليلا من الموظفين أو عدم وجود موظفين، وقلة الإنتاج أو عدم الإنتاج في الاقتصاد المضيف، ووجودا ماديا قليلا أو غير موجود على الإطلاق، ومعظمه من الأصول والخصوم الأجنبية، وتمويلا جماعيا أو أنشطة حيازة تمثل عمل هذه الكيانات الأساسي. إن مثل هذا الاستثمار الخارجي يزداد أهمية. وعلى عكس محفظة الاستثمار وغيرها من الاستثمارات، فقد أخذ الاستثمار الأجنبي المباشر في التوسع في أعقاب الأزمة المالية، مدفوعا أساسا بمواقفه تجاه المراكز المالية نتيجة للتعقيد المتنامي في هياكل الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة.

- أحبطت البحرية الإندونيسية عملية تهريب السلطعون عبر حدوده في منطقة المانجروف، ويعد سلطعون البحر من المخلوقات ذات الشعبية الكبيرة في عالم المأكولات البحرية غالية الثمن (غيتي).
أحبطت البحرية الإندونيسية عملية تهريب السلطعون عبر حدوده في منطقة المانجروف، ويعد سلطعون البحر من المخلوقات ذات الشعبية الكبيرة في عالم المأكولات البحرية غالية الثمن (غيتي).

إن استخدام الكيانات الناقلة في الملاذات الضريبية لا يعني في حد ذاته تجنب الضرائب، ولكنه يعني بالتأكيد توفير مزيد من الفرص لتجنب الضرائب وحتى التهرب الضريبي. تتطلب الكثير من الاستراتيجيات الأكثر تشددا للحد من الضرائب تنظيم الاستثمارات بهذه الطريقة على وجه التحديد، ومن الموثق جيداً أن الشركات متعددة الجنسيات ذات الوجود الاسمي في الملاذات الضريبية تدفع، في واقع الأمر، ضرائب أقل على أرباحها العالمية.

هندسة الضرائب المالية

وهذا النوع من هندسة الضرائب المالية يشكل ظاهرة عالمية تتقاطع مع الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة. ففي اقتصادات الأسواق الصاعدة، مثل الهند والصين والبرازيل، يمر من 50 في المائة إلى 90 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجي من خلال كيان أجنبي لا يمتلك أي جوهر اقتصادي؛ وذلك بنسبة تتراوح بين 50 في المائة إلى 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وعلى الصعيد العالمي، يقترب المتوسط من 40 في المائة. رغم أن حصة الكيان ذي الأغراض الخاصة منخفضة نسبياً في بعض بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، إلا أن التحدي الضريبي الذي يشكله لا يزال كبيراً، لأن الاستثمار الأجنبي المباشر المتجه إلى الخارج مرتفع نسبياً، بشكل عام، بالنسبة لحجم الكيان الاقتصادي.

الثروة الخفية

في أجزاء كثيرة من العالم، يستخدم الأفراد أيضاً الملاذات الضريبية على نطاق واسع، كما يتضح من دراسة جديدة قيد الإصدار، فالإحصاءات التي أصدرها مؤخراً بنك التسويات الدولية حول الودائع المصرفية عبر الحدود، وتوثق الدراسة اختلافات واضحة بين الدول في مقدار الثروة التي يتم الاحتفاظ بها في حسابات خارجية شخصية. على الصعيد العالمي، يمتلك الأفراد نحو 7 تريليونات دولار، أي ما يعادل تقريبا 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، في الملاذات الضريبية.
ومع ذلك، يتراوح المخزون من الثروة الخارجية بين نحو 4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الدول الاسكندنافية إلى نحو 50 في المائة في بعض الدول المنتجة للنفط، مثل روسيا والمملكة العربية السعودية، وفي البلدان التي عانت حالات عدم استقرار مالي كبير، مثل الأرجنتين واليونان. تشير هذه الأنماط إلى أن الضرائب المرتفعة لا ترتبط بالضرورة بمستويات عالية من التهرب الضريبي في الخارج: فالبلدان الاسكندنافية تتمتع بأعلى معدلات ضرائب دخل في العالم، ولكن لديها القليل نسبيا من الثروات الشخصية في الخارج.
وتشير النتائج أيضا إلى أن الأفراد أحيانا يخبئون الأموال في حسابات خارجية لأسباب لا علاقة لها إطلاقا بالتهرب الضريبي، ولا سيما في سياق اقتصادات الأسواق الصاعدة. فعلى سبيل المثال، قد تعمل بنوك الملاذ الضريبي على التحايل على ضوابط رأس المال خلال أزمة العملة، كما قد توحي به المستويات العالية بشكل استثنائي للثروة الشخصية الخارجية في الأرجنتين، وغسل عائدات الفساد في صناعات استخراج الموارد، على النحو الذي تبديه إحصاءات دول مثل روسيا وفنزويلا.

ملاذات جديدة

تسلط الدراسة الضوء أيضا على التغيرات الجذرية في حصة الملاذات الضريبية في سوق إدارة الثروات العالمية: فقد انخفضت نسبة الثروات العالمية الخفية التي تديرها المصارف السويسرية من 50 في المائة تقريباً عشية الأزمة المالية إلى 25 في المائة اليوم، مع توسع الملاذات الضريبية الآسيوية مثل هونغ كونغ وماكاو وسنغافورة. قد يشير هذا التطور إلى أن التعاون الدولي في المسائل الضريبية من جانب سويسرا وغيرها من الملاذات الضريبية الأوروبية يعد رادعا للمتهربين من الضرائب. ولكنه قد يكون علامة على أن نسبة أكبر من الأكثر ثراءً في العالم هم من الآسيويين الذين يقومون بأعمال مصرفية خارجية في ملاذات ضريبية قريبة.
خارج دائرة الظل سيزداد التحدي الضريبي الدولي في السنوات القادمة بسبب زيادة رقمنة الأصول ونقلها، تسلط الدراسات الجديدة الضوء على الأموال التي تمر بالملاذات الضريبية وتكشف عن فروق صارخة بين البلاد في التعرض للتحدي الخارجي، لكن هذه التحديات تستند إلى أدلة غير كاملة، لأن الشركات متعددة الجنسيات والأفراد يمكن أن يستخدموا أساليب أخرى لتأمين الثروة في الخارج. ولهذا السبب، هناك حاجة إلى المزيد من البيانات لاختراق حجاب السرية المالية الخارجية بالكامل.
أولاً: ينبغي على المزيد من البلدان أن تبدأ الإبلاغ المنتظم عن البيانات المالية التفصيلية مقسمة حسب الأدوات والقطاع المحلي والقطاع المقابل والبلد والعملة وتاريخ الاستحقاق.
ثانياً: تتعرض الإحصاءات التقليدية للاقتصاد الكلي التي تستند إلى مفهوم الاقتصاد الوطني باعتباره الحد الوحيد ذا الصلة، إلى تحديات من العولمة المالية.
وينبغي استكمال هذه الإحصاءات ببيانات الترابط العالمي والتي تتعدى الاحتفاظ بالثروة المالية عبر الحدود للعثور على أصحابها النهائيين. هذه البيانات ستجعل تقييم تكاليف ومزايا المبادرات السياسية المختلفة ممكنا، ويجب أن تستند القرارات المستنيرة إلى أدلة غنية ومفصلة وموثوقة.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.