رحلة فنان تشكيلي بين الصمت ونبض الحياة

أمير وهيب قال في حوار مع «المجلة» إن أهم محطاته بدأت في نيويورك

الفنان التشكيلي أمير وهيب

الفنان التشكيلي أمير وهيب

القاهرة: بدرية سيد

* وهيب: مصطلح «صنايعي» الذي يرفضه البعض، هو قمة الفن والإبداع والموهبة.

من أهم ما يلفت النظر في رحلة الفنان التشكيلي المصري، الطويلة، أمير وهيب، الافتتان بنقيضين هما الصمت، ونبض الحياة. يستلهم في أعماله صمت الجدران في المدن، ونقيضها الدائب الحركة، والمتمثل في نبض عقارب الساعة.

وهيب مع جانب من لوحاته الزيتية في أحد المعارض

وهيب مع جانب من لوحاته الزيتية في أحد المعارض

لقد جرى تطويع هذه اللغة في أعمال فنية تدخل في تركيبة أثاث البيوت. لديك مقعد ومنضدة، لكن وجودهما في الصالون في غرفة الاستقبال، ليس مجرد ديكور. إنها لوحة فنية قائمة بذاتها وتكاد تتحدث عن نفسها من خلال اللمسات الفنية الدقيقة.

ووقف وهيب طويلا في الشوارع الأميركية وهو يتأمل التداخل بين عالم الحجارة الثابت، وما فيه، كذلك، من حركة لا تتوقف. ويقول في حوار مع «المجلة» إن أهم محطاته بدأت في نيويورك. وعموما يبدو مفتونا بالأشكال المعمارية، القديم منها والحديث، حتى في أعماله الزيتية.

ويعمل وهيب بطريقة مختلفة في ورشته في القاهرة. ويضع كثيرٌ من الفنانين العالميين إنتاجه في ميزان خاص، باعتباره متأثرا بخلفيته المستمدة من الآثار الفرعونية، وقدرته على توظيف التفاصيل المعاصرة. وهو لا يكتفي برسم لوحة ملونة تعلق على الجدار، ولكنه يحول العمل الفني إلى قطعة قابلة للاستخدام. أرفف.. واجهة مطبخ.. أريكة.. وهكذا.

وربما لهذا السبب ظهرت أعماله على أغلفة مجلات وصحف عالمية. لقد اختار لون وملامح وأصالة الفن الفرعوني في أعماله، وحملها معه، بما فيها من خطوط مميزة، في كل محطاته، ما بين مصر، ونيويورك، وبيروت، وروما، وروسيا، وهونغ كونغ، وغيرها.

وشارك في عشرات المعارض الجماعية، وأقام تسعة معارض فردية، كما شارك في الكثير من المعارض الخارجية. وتخرج وهيب من كلية الفنون الجميلة بالزمالك بالقاهرة قسم عمارة داخلية، لتأثره بالفن المعماري المصري القديم، ويرى أنه من أهم أنواع الفنون التشكيلية.

مقعد ومنضدة من الخشب من تصميم وهيب

مقعد ومنضدة من الخشب من تصميم وهيب

ويقول وهيب إن الفن التشكيلي ليس كما يعتقد البعض «شخابيط» بالألوان، لكن الفن هو من وجهة نظرة واهتماماته، التصميم الذي يتحول إلى منتج في بعض الأحيان بجانب نقل صور للطبيعة أو مبان أو أشخاص.

يركز وهيب في لوحاته على فن الأثاث، حيث ابتكر وأبدع فيه، وحول القطع التي تدخل في فرش البيت إلى قطع فنية ذات قيمة خاصة. وفتح ورشة بالعاصمة المصرية لتنفيذ تصميماته. كما يؤكد على أن الفنان «صنايعي»، وأن مصطلح «صنايعي»، الذي يرفضه البعض، هو قمة الفن والإبداع والموهبة.

ويضيف أن كل ما نملكه من أدوات ومنتجات ومبان وأثاث، هي في الأصل تصميم فني لفنان قام بتأليفه ورسمه بدقة شديدة، وساعده بعد ذلك آخرون حتى أصبح «خط إنتاج».

وينظر إلى الفن المعماري باعتباره مرآة للفنون، ويقول إن الدول تقاس من حيث مستواها وتحضرها بشكلها المعماري، فالمباني هي أهم الاختراعات الفنية، وهي تعتبر أهم الأشياء بالنسبة للإنسان. وتميز الدول سياحيا، مثل الأهرامات في مصر، وسور الصين العظيم، وبرج إيفل في فرنسا... «كل هذا فن معماري أبدعه فنان في الأصل».

ويعتبر وهيب أهم محطاته هي نيويورك «بلد الفن، والحركة، والبورصة، والبيع والشراء للوحات الفنية... وكانت بالنسبة لي انطلاقة في تاريخي الفني».

وبعينين حالمتين ظل ينظر إلى شوارع نيويورك والساعات الفنية المعلقة على الأعمدة... «إنها قمة الفن والدقة». ويقول كذلك إن من صمم الساعة التي نستخدمها هو مبدع، بما في الساعة من دقة العقارب وحركتها.

التأثر بالهندسة المعمارية يبدو واضحا في إحدى لوحات «وهيب»

التأثر بالهندسة المعمارية يبدو واضحا في إحدى لوحات «وهيب»

وظل يتأمل الساعات حتى اختار 24 ساعة، قام بتكبيرها ورسمها جميعا خلال ستة أشهر بشكل وذوق مصري قديم، ومن وحي الفن المعماري الفرعوني.

وشارك وهيب برسوم الساعات المبتكرة هذه في أكبر معرض فني يضم فنانين تشكيليين من كل دول العالم في منافسة شرسة، حصل خلالها على جائزة لتفوقه وإبداعه في رسم الساعة بشكل وذوق فرعوني، ويعتبر رحلته لنيويورك من 2001 إلى 2009 أهم مرحلة في تاريخه الفني، حيث يقول إن نيويورك بلد المعارض والفن.

ويضيف أنه يفضل استخدام الأكريلك الذي يشبه الزيت، حيث ييسر دمج الألوان قبل أن تجف ويجعلها مع ذلك قادرة على الاحتفاظ ببريقها.

عمل وهيب على تطويع الفن كجزء من أثاث المنزل

عمل وهيب على تطويع الفن كجزء من أثاث المنزل

وأنشا وهيب ورشة نجارة لينفذ فيها تصميماته ولوحاته التي رسمها، وأيضا أسس «غاليري» يعرض فيه هذه اللوحات، وجمع بين الفن والصنعة.

ويقول وهيب: «أصبحنا نستسهل في كل التصميمات المعمارية أو الصناعية، وحتى فن السينما والمسرح... أصبحنا ننقل من تصميمات أو روايات سابقة أجنبية، ولا نقوم بخلق تصميم يمثلنا ويشبهنا».

ويتابع: «في الأثاث نقوم بنقل التصميمات من كتالوغات من الخارج ويتم تنفيذها. وفي الفن التشكيلي نقوم بتقليد لوحات وإبداعات مستوردة. وحتى في السينما والمسرح، نعيد الروايات القديمة، دون أن نبحث عن الجديد».

كما يؤكد وهيب أن الفنان التشكيلي يعتمد على نفسه وعلى ذاته وأفكاره فقط، في إخراج ما بداخله من إبداع لكي يخلق لوحة أو قطعة نحت أو تصميم ما.

ويرى أن العالم العربي ينقصه الكثير حتى يصبح من الدول التي تتميز بإعداد معارض فنية بشكل جيد، ويقول: «لا بد من إنشاء مدارس تهتم بتنمية المواهب وخلق الإبداع الفني عند التلاميذ منذ الصغر، حتى يكون لدينا معماري مبدع، ومهندس مبدع، وفنان تشكيلي مبدع، وسينمائي مبدع أيضا».


اشترك في النقاش