قرارات ترمب... والاقتصاد العالمي

مشاة يمرون أمام كشك صرافة في هونغ كونغ (غيتي).

مشاة يمرون أمام كشك صرافة في هونغ كونغ (غيتي).

القاهرة: حسين البطراوي

* فرنسا: لا مفاوضات تجارية مع أميركا قبل سحب التعريفات الجمركية.

* ميركل: الرسوم على السيارات تهدد رخاء الكثيرين حول العالم.

* وزير الخزانة الأميركي: نراقب اليوان الصيني... وترمب مستعد لفرض رسوم جديدة.

* المستثمرون سحبوا 14 مليار دولار أميركي من الأسواق الصاعدة في شهري مايو ويونيو.

* ارتفاع سعر الدولار الأميركي بنحو 5 في المائة في الأسابيع الأخيرة... والصين تخفض اليوان.

* زيادة أسعار الوقود رفعت التضخم الكلي في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة.

* «المركزي الأوروبي» يبدأ تخفيض عمليات شراء الأصول الشهرية من 30 مليار يورو حالياً إلى 15 ملياراً في أكتوبر المقبل.

* مخاطر الحرب التجارية وخطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتغاضي حكومات منطقة اليورو عن الإصلاحات... قد تؤدي لتباطؤ منطقة اليورو.

* عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ترتفع... والسندات الألمانية تنخفض.

اختتم وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية لأكبر 20 اقتصادا في العالم اجتماعهم في بوينس أيرس، داعين إلى مزيد من الحوار للحيلولة دون تضرر النمو جراء التوترات التجارية والجيوسياسية، وسط تقارير تفيد ببداية تأثر الاقتصاد العالمي بالإجراءات الأميركية الحمائية، كما بدأت حرب للعملات بين الدولار واليوان الصيني، وفي الوقت نفسه سارعت الدول برفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، وتدخلت بعض الدول بصورة مباشرة لدعم العملة المحلية. بينما أبدى المستثمرون تخوفاتهم من الحرب التجارية الدائرة، وسحب المستثمرون نحو 14 مليار دولار أميركي من الأسواق الصاعدة خلال شهرين فقط.

ابتزاز أوروبا

ومن جانبها، قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إن الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على وارداتها من السيارات ستمثل مخالفة لقواعد منظمة التجارة الألمانية، وتهدد رخاء الكثير من الناس. وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يعمل على إجراءات مضادة لكنها ستكون الحل الأسوأ.

علامة اليورو كبيرة خارج الموقع السابق للبنك المركزي الأوروبي (غيتي).

علامة اليورو كبيرة خارج الموقع السابق للبنك المركزي الأوروبي (غيتي).

وحذرت جماعات الصناعة في ألمانيا من أن التعريفات التي فرضتها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة أو هددت بفرضها تخاطر بإلحاق الضرر بالولايات المتحدة نفسها. جاء هذا التحذير قبل اجتماع مقرر بين جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية والرئيس الأميركي دونالد ترمب لبحث مسائل تجارية. فيما قال ديتر كمبف، رئيس اتحاد الصناعات الألمانية، إن من الحكمة أن يواصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة محادثاتهما.

وأضاف أن التعريفات التي يتم فرضها تحت اسم الأمن القومي لا بد من إلغائها. وقال إن على رئيس المفوضية الأوروبية أن يوضح لترمب أن الولايات المتحدة ستضر نفسها بفرض رسوم على السيارات وقطع غيارها.

وأشار إلى أن صناعة السيارات الألمانية توظف أكثر من 118 ألف شخص في الولايات المتحدة، وأن 60 في المائة مما ينتجونه يتم تصديره لدول أخرى من الولايات المتحدة. وأكد أنه يجب على أوروبا عدم السماح بأن يتم ابتزازها ويجب أن تظهر بشكل فيه ثقة في الولايات المتحدة.

سحب القرارات أولا

أشار وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، إن الاتحاد الأوروبي قد لا يفكر في التفاوض على اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، قبل أن تسحب واشنطن أولا التعريفات التي فرضتها على واردات الصلب والألومنيوم. وأضاف أنه لا يوجد خلاف بين فرنسا وألمانيا حول كيفية وتوقيت بدء محادثات تجارية مع الولايات المتحدة. ومضى يقول إن البلدين اتفقا على ضرورة أن تتخذ واشنطن الخطوة الأولى بإلغاء التعريفات الجمركية

اليوان الصيني

وعلى الجانب الآخر، واستمراراً للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وجه وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، تحذيرا إلى الصين بشأن ضعف عملتها اليوان مؤخرا، قائلا إن وزارته تراقب عن كثب اليوان بحثا عن أي علامات على تلاعب بالعملة. وأضاف أن ضعف اليوان سيجري مراجعته في إطار أحدث تقرير نصف سنوي لوزارة الخزانة بشأن التلاعب بالعملة، والذي سيصدر في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) على أساس النشاط في الأشهر الستة الأولى من 2018. ومن جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه مستعد لفرض رسوم جمركية على واردات من الصين بقيمة 500 مليار دولار، وهدد بتصعيد الخلاف التجاري الحالي مع بكين.

وفي أحدث مسح بشأن الاقتصاد العالمي، قال 75 في المائة من بين أكثر من 250 مختصا اقتصادياً: «إنهم قلقون من أن تلحق حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين أضرارا كبيرة بالاقتصاد العالمي»، فيما يرى 23 في المائة من المشاركين أن هذا الأمر يثير قلقهم بشدة.

على الجانب الآخر فإن تصاعد الحماية التجارية هو أكبر مأزق يواجه الاقتصاد العالمي حاليا. والأهم هو تزايد المخاوف بشأن الحماية التجارية بشكل كبير خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة».

تحذيرات صندوق النقد

وحذرت كريستين لاغارد، رئيس صندوق النقد الدولي، من أن التوترات التجارية بدأت تترك أثرا بالفعل على الاقتصاد العالمي، لكن مدى الضرر يتوقف على ما يقوم به صناع السياسات فيما بعد.

وقالت في أبريل (نيسان)، إن الصندوق حذر من الجراح التي تُلحِقها البلدان باقتصاداتها من خلال الإجراءات الحمائية. ولسوء الحظ، تحولت الكلمات الطنانة إلى حقيقة واقعة، وتم الشهر الماضي تفعيل سلسلة من التعريفات الجمركية والتعريفات الجمركية المضادة. وتشير البيانات القادمة مؤخرا من أوروبا وآسيا إلى انخفاض طلبات التصدير الجديدة واهتزاز الثقة بين بعض البلدان المصدرة للسيارات، بما فيها ألمانيا.

عرض أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرات التركية في شارع الاستقلال (أ.ف.ب).

عرض أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرات التركية في شارع الاستقلال (أ.ف.ب).

وتتضمن مذكرة الرقابة المقدمة لمجموعة العشرين، محاكاة لأربعة سيناريوهات تجارية افتراضية للاقتصاد العالمي. وفي ظل السيناريو الأول، إذا تم تفعيل كل التعريفات الجمركية المعلنة حاليا، يمكن أن ينخفض الناتج العالمي بنسبة 0.1 في المائة في 2020. وإذا اهتزت ثقة المستثمرين بسبب هذه التعريفات، توضح نماذج المحاكاة التي وضعناها أن إجمالي الناتج المحلي العالمي قد ينخفض بنسبة 0.5 في المائة، أو نحو 430 مليار دولار أميركي، عن المستوى المتوقع حاليا لعام 2020؛ فكل البلدان سينتهي بها الأمر إلى حال أسوأ إذا ما حدث صراع تجاري، لكن الاقتصاد الأميركي معرض للخطر بوجه خاص لأن كثيرا من تجارته العالمية سيخضع لإجراءات انتقامية. ولن تكون الخسارة في إجمالي الناتج المحلي هي التكلفة الوحيدة.

وأضافت أنه «في خضم التوترات التجارية، أصبحنا معرضين للخطر، فمستقبل التجارة هو مستقبل البيانات، فمناقشاتنا التجارية ينبغي أن يتصدرها تحديث قواعد التجارة لمراعاة حقوق الملكية الفكرية واعتماد اتفاقيات مبتكرة بشأن التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية».

الأسواق الصاعدة

تتسبب الصراعات المتعلقة بالتجارة في تفاقم الوضع المعقد بالفعل في الأسواق الصاعدة. فقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى فرض ضغوط على كثير من الاقتصادات النامية، ومنها البرازيل وتركيا. ومن هنا قام المستثمرون بسحب مبلغ كلي تجاوز 14 مليار دولار أميركي من الأسواق الصاعدة في شهري مايو ويونيو من هذا العام. وفي مواجهة هذه التطورات، قام صناع السياسات في عدة أسواق صاعدة برفع أسعار الفائدة وتدخل بعضهم بصورة مباشرة لدعم العملة المحلية. غير أن أسعار الفائدة الأميركية تواصل ارتفاعها وهناك خطر بأن يزداد عدد البلدان التي تواجه ضغوطا أكبر.

أسعار الصرف

وتقترح لاغارد عدداً من الإجراءات للأسواق الصاعدة، فينبغي أن تظل أسعار الصرف مرنة وأن تعمل كأداة لامتصاص الصدمات حتى تساعد البلدان على التغلب على مشكلة خروج أموال المستثمرين. والتنسيق بين الأجهزة التنظيمية للحيلولة دون أن يتحول النمو الائتماني المفرط إلى أزمة أخرى، وهو ما يشمل التأكد من سيولة الأسواق المالية.

ومع ارتفاع مستويات الدين في كثير من البلدان، ينبغي استخدام سياسة المالية العامة للحفاظ على هوامش الأمان وإعادة بنائها حيثما اقتضت الحاجة.

ستيفن منوشين، وزير الخزانة الأميركية (يسار) وتوني صايغ، المتحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية، في مؤتمر صحافي خلال اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية «مجموعة العشرين» في بوينس آيرس، الأرجنتين، 22 يوليو (تموز)، 2018 (غيتي).

ستيفن منوشين، وزير الخزانة الأميركية (يسار) وتوني صايغ، المتحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية، في مؤتمر صحافي خلال اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية «مجموعة العشرين» في بوينس آيرس، الأرجنتين، 22 يوليو (تموز)، 2018 (غيتي).

مخاطر تهدد نمو منطقة اليورو

وتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو في منطقة اليورو، وأضاف الصندوق أنه مع استمرار اتجاه صعودي للاستثمارات والاستهلاك وخلق الوظائف، فإن هناك مجالا لأن يستمر النمو للعامين المقبلين على الأقل لكن المخاطر الخارجية والداخلية تتزايد، مشيرا إلى أن المخاطر جدية بشكل واضح في هذا الوقت. فالأحداث الأخيرة غيرت ميزان المخاطر نزولا، بما يعكس العوامل المحلية والعالمية.

وإذا تحققت هذه المخاطر، فإن الاقتصاد قد ينزلق إلى تباطؤ، محذرا من مخاطر حرب تجارية عالمية شاملة وخطر خروج خشن لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتغاضي حكومات منطقة اليورو عن الإصلاحات.

وتباطأ النمو بحدة في الربع الأول، لكن أحدث قراءات لمؤشرات، مثل الناتج الصناعي والمعنويات، تشير فيما يبدو إلى أن النمو استقر عند معدل ما زال دون قدرات المنطقة، رغم أنه دون معدلات استثنائية سجلها في بداية العام.

وتلقى النمو في منطقة اليورو على مدار خمس سنوات دعما من سياسة نقدية شديدة التيسير، وحذر صندوق النقد البنك المركزي الأوروبي من إلغاء هذا التحفيز على نحو متسرع، لأن الأسواق قد تتحرك سريعا على نحو يلحق الضرر بالدول الأضعف في منطقة اليورو، مما سيجبر الحكومات على القيام بتخفيضات في الإنفاق. وأكد أن التزام البنك المركزي الأوروبي بالإبقاء على سياسة أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، الشديدة الانخفاض على نحو استثنائي حتى الصيف القادم على الأقل هو شيء حيوي. مؤكدا أن التسرع في زيادة أسعار الفائدة قد يكون خطأ باهظ التكلفة، لمنطقة اليورو ولبقية العالم.

النمو العالمي

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو العالمي 3.9 في المائة في عامي 2018 و2019، لكن التوسع أصبح أقل توازناً والمخاطر على الآفاق المتوقعة في ازدياد. ويبدو أن معدل التوسع بلغ ذروته في بعض الاقتصادات الكبرى وأن النمو أصبح أقل تزامنا.

الأوراق النقدية لليوان، والين الياباني والدولار الأميركي (غيتي).

الأوراق النقدية لليوان، والين الياباني والدولار الأميركي (غيتي).

ففي الولايات المتحدة، هناك زخم متزايد على المدى القصير، وارتفع سعر الدولار الأميركي بنحو 5 في المائة في الأسابيع الأخيرة. وتم تخفيض توقعات النمو لمنطقة اليورو واليابان والمملكة المتحدة، انعكاسا للمفاجآت السلبية التي شهدها النشاط الاقتصادي في مطلع 2018.

وفي مجموعة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، بدأت آفاق النمو تزداد تفاوتا أيضا، في سياق ارتفاع أسعار النفط، وزيادة عائدات السندات في الولايات المتحدة، وتصاعد التوترات التجارية، وضغوط السوق على عملات بعض الاقتصادات ذات الأساسيات الاقتصادية الأضعف. وتم تخفيض توقعات النمو للأرجنتين والبرازيل والهند، بينما تحسنت الآفاق المتوقعة لبعض البلدان المصدرة للنفط.

وزاد ترجيح كفة التطورات السلبية في ميزان المخاطر، بما في ذلك مخاطر المدى القصير. فقد زاد احتمال تصاعد واستمرار الإجراءات التجارية بعد التطورات المتوقعة التي بدأت بإعلان الولايات المتحدة رفع رسومها الجمركية مؤخرا، ثم الإجراءات الانتقامية التي أعقبتها من جانب شركائها التجاريين.

ويمكن أن تتسبب هذه الإجراءات في انحراف مسار التعافي وانخفاض آفاق النمو على المدى المتوسط من خلال أثرها المباشر على الإنتاجية وتخصيص الموارد وما تُحْدِثه من زيادة في عدم اليقين والتأثير على الاستثمار.

ولا تزال أوضاع الأسواق المالية تيسيرية بالنسبة للاقتصادات المتقدمة - مع فوارق عائد ضيقة وتقييمات مفرطة في بعض الأسواق ودرجة تقلب منخفضة - لكن ذلك قد يتغير بسرعة لأسباب منها ارتفاع التوترات والصراعات التجارية، والقضايا الجغرافية - السياسية، وعدم اليقين السياسي المتزايد.

وقد يتجه المستثمرون أيضا وبشكل مفاجئ إلى إعادة تقييم أساسيات الاقتصاد والمخاطر المتوقعة بسبب ارتفاع قراءات التضخم في الولايات المتحدة، حيث تبلغ البطالة أقل من 4 في المائة، لكن الأسواق تقوم بالتسعير في حدود المسار شديد الضحالة الذي تتحرك فيه ارتفاعات أسعار الفائدة، مقارنة بالمسار الذي وُضِعت في ضوئه توقعات لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي.

ومن المحتمل أن يتسبب تضييق الأوضاع المالية إلى تعديلات مربكة في المحافظ الاستثمارية، وتحركات حادة في أسعار الصرف، ومزيد من التخفيضات في التدفقات الرأسمالية الداخلة إلى الأسواق الصاعدة، وخاصة ذات الأساسيات الاقتصادية الأضعف أو المخاطر السياسية الأعلى.

الإجراءات الحمائية

يعمل موظف أمام شاشة رقمية تظهر أحدث أسعار النفط في مركز بانوراما للقيادة في مقر شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة (غيتي).

يعمل موظف أمام شاشة رقمية تظهر أحدث أسعار النفط في مركز بانوراما للقيادة في مقر شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة (غيتي).

وللحفاظ على التوسع العالمي، لا يزال من الضروري تجنب الإجراءات الحمائية والتوصل إلى حلول تعاونية تشجع استمرار النمو في تجارة السلع والخدمات. وينبغي أن تهدف السياسات والإصلاحات إلى الحفاظ على النشاط الاقتصادي، ورفع النمو متوسط الأجل، وتعزيز طابعه الاحتوائي. ولكن مع انخفاض الطاقة الاقتصادية المعطلة وتصاعد مخاطر التطورات السلبية، ينبغي لكثير من البلدان أن تعمل على إعادة بناء هوامش الأمان في ماليتها العامة بما يتيح للسياسة حيزا كافيا للتصرف في مواجهة الهبوط الاقتصادي القادم وتعزيز الصلابة المالية في مواجهة بيئة قد تتسم بتقلبات أعلى في الأسواق.

وتيرة أقل توازناً

مع اقتراب مرحلة الصعود الدوري العالمي من عامه الثاني، يبدو أن وتيرة التوسع في بعض الاقتصادات قد بلغت ذروتها وأن النمو أصبح أقل تزامنا عبر البلدان. ففي الاقتصادات المتقدمة، يُلاحَظ الاتساع المستمر في فجوة النمو بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا واليابان من ناحية أخرى. كذلك يزداد عدم توازن النمو بين اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، انعكاسا لاقتران آثار ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع عوائد السندات الأميركية، والتحولات في المزاج السائد عقب تصاعد التوترات التجارية، وعدم اليقين المحلي بشأن الأوضاع السياسية والسياسات المزمعة.

ورغم أن الأوضاع المالية لا تزال بعيدة عن الخطر بوجه عام، فقد أسفرت هذه العوامل عن انخفاض في التدفقات الرأسمالية الداخلة، وارتفاع في تكاليف التمويل، وضغوط على أسعار الصرف، وهو ما يبدو أكثر حدة في البلدان ذات الأساسيات الاقتصادية الأضعف أو المخاطر السياسية الأعلى. وتقدم البيانات عالية التواتر صورة مختلطة للنشاط العالمي على المدى القصير. فيبدو أن أحجام مبيعات التجزئة تعافت في الربع الثاني من العام ولا تزال بيانات مسوح مديري المشتريات في قطاع الخدمات قوية بشكل عام. غير أن الإنتاج الصناعي يبدو أكثر انخفاضا، وبيانات مسوح مديري المشتريات تشير إلى تراجع طلبات التصدير الجديدة في قطاع الصناعة التحويلية.

أسعار النفط

ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 16 في المائة بين فبراير (شباط) 2018. ويونيو الماضي، اتفق الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) مع البلدان المنتجة للنفط غير الأعضاء في المنظمة على زيادة الإنتاج بنحو مليون برميل يوميا عن المستويات الحالية، تصحيحاً للقصور الذي حدث مؤخرا في الحفاظ على المستوى الجماعي المستهدف في اتفاقية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. وتشير توقعات السوق إلى أن تراجع الطاقة الإنتاجية في فنزويلا والعقوبات الأميركية على إيران قد تنشئ مصاعب أمام المجموعة في سعيها لتحقيق زيادة الإنتاج المتفق عليها بصورة متسقة. غير أن أسواق العقود الآجلة ترجِّح انخفاض الأسعار على مدار 4 - 5 سنوات قادمة، فيما يرجع جزئيا إلى زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، علما بأن سعر البرميل في العقود الآجلة يبلغ نحو 59 دولارا على المدى المتوسط اعتبارا من نهاية يونيو، أي أقل من المستويات الحالية بنسبة 20 في المائة.

وقد أدت زيادة أسعار الوقود إلى رفع التضخم الكلي في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة. وزاد التضخم الأساسي في الولايات المتحدة مع زيادة تضييق الأوضاع في سوق العمل، وسجل ارتفاعا طفيفا في منطقة اليورو. كذلك زاد التضخم الأساسي في الأسواق الصاعدة، نتيجة لتمرير آثار خفض العملة في بعض الحالات والآثار الثانوية لارتفاع أسعار الوقود في البعض الآخر. وحدثت زيادة هامشية في أسعار السلع الزراعية، انعكاسا لتناقص العرض المفرط.

الأوضاع المالية

مع زيادة قراءات التضخم وقوة الأداء في مجال خلق الوظائف، واصل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مساره لإعادة السياسة النقدية إلى أوضاعها العادية بالتدريج. فقام في شهر يونيو برفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة على القروض الفيدرالية بمقدار 25 نقطة أساس، مع الإشارة إلى عزمه رفع هذا السعر مرتين إضافيتين في 2018 وثلاث مرات في 2019. وهو جدول زمني أكثر تسارعا مما أشار إليه في مارس (آذار).

وأعلن البنك المركزي الأوروبي أنه سيبدأ في تخفيض عمليات شراء الأصول الشهرية من مستواها البالغ 30 مليار يورو حاليا إلى 15 مليارا في أكتوبر، على أن يوقف البرنامج بالكامل في 31 ديسمبر (كانون الأول) القادم. كذلك أشار البنك إلى أنه سيحتفظ بالمستويات الحالية لأسعار الفائدة الأساسية على الأقل حتى نهاية صيف 2019. فيما يمثل توجيهات استشرافية أكثر تيسيرا مما توقعت الأسواق.

وسجلت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ارتفاعا متواضعا عن فبراير الماضي لتبلغ نحو 2.85 في المائة في مطلع يوليو (تموز)، بينما انخفضت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات بنحو 30 نقطة أساس على مدار نفس الفترة.

وفي الاقتصادات المتقدمة الأخرى، اتسعت فروق العائد على السندات السيادية الإيطالية في أواخر مايو بنسبة هي الأعلى منذ عام 2012 عقب المصاعب التي واكبت تشكيل الحكومة الجديدة، ثم عادت إلى الانخفاض وإن ظلت حول 240 نقطة أساس اعتبارا من أوائل يوليو نتيجة للقلق بشأن السياسات المستقبلية.

وكانت التداعيات إلى أسواق السندات في الاقتصادات المتقدمة الأخرى محدودة في معظمها، حيث استمرت فروق العائد الضيقة للسندات الأخرى في منطقة اليورو. أما أسعار الأسهم في الاقتصادات المتقدمة فهي أعلى بوجه عام من مستوياتها السابقة في شهري فبراير ومارس. وبعد التقلب الحاد في فبراير الماضي، تراجعت حدته وزاد الإقبال على تحمل المخاطر. وبالتالي، لا تزال الأوضاع المالية في الاقتصادات المتقدمة تيسيرية على وجه العموم.

الأسواق الصاعدة

رفعت البنوك المركزية أسعار الفائدة الأساسية في اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبرى – بما فيها الأرجنتين والهند وإندونيسيا والمكسيك وتركيا – وذلك لمواجهة ضغوط التضخم وأسعار الصرف (التي اقترنت بتحول مسار التدفقات الرأسمالية في بعض الحالات). كذلك زادت العائدات طويلة الأجل في الشهور الأخيرة، واتسعت فروق العائد بوجه عام. وحدث انخفاض محدود في معظم مؤشرات أسهم الأسواق الصاعدة، مما يعكس القلق بشأن الاختلالات في بعض الحالات (كالأرجنتين وتركيا)، وتصاعد مخاطر التطورات السلبية التي تهدد الآفاق المتوقعة بصورة أعم.

أسعار الصرف

اعتبارا من مطلع يوليو 2018، ارتفع الدولار الأميركي بأكثر من 5 في المائة بالقيمة الفعلية الحقيقية مقارنة بشهر فبراير الماضي، بينما ظل اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني دون تغير يذكر. وفي المقابل، حدث انخفاض حاد في عملات بعض الأسواق الصاعدة. فقد هبط البيزو الأرجنتيني بأكثر من 20 في المائة والليرة التركية بنحو 10 في المائة، تأثراً بالمخاوف المتعلقة بالاختلالات المالية والاقتصادية الكلية. وانخفض سعر الريال البرازيلي بأكثر من 10 في المائة تأثراً بالتعافي الأضعف من المتوقع وأجواء عدم اليقين السياسي. وبالنسبة لجنوب أفريقيا، ساهمت البيانات الاقتصادية الكلية الأضعف من المتوقع في انخفاض سعر الراند بنسبة 7 في المائة، مما خفض جانبا من الارتفاع الحاد الذي حدث في أواخر 2017 وأوائل 2018.

المتظاهرون خلال احتجاج ضد الزيادة في أسعار تذاكر الحافلات والمترو والقطار في عاصمة ولاية بينهيروس في ساو باولو، البرازيل (غيتي).

المتظاهرون خلال احتجاج ضد الزيادة في أسعار تذاكر الحافلات والمترو والقطار في عاصمة ولاية بينهيروس في ساو باولو، البرازيل (غيتي).

وقد ظلت عملات اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبرى في آسيا متسقة مع مستوياتها المسجلة في فبراير بوجه عام، مع انخفاض محدود في سعر اليوان الصيني. ونتيجة لبوادر الإجهاد المالي في بعض البلدان الأكثر تعرضا للخطر وتزايد التوترات التجارية، ضعفت التدفقات الرأسمالية المتجهة إلى الاقتصادات الصاعدة في الربع الثاني من العام بعد بدايتها القوية في مطلع العام، مع انتعاش مبيعات غير المقيمين لاستثماراتهم غير المباشرة في سندات الدين.

تنبؤات النمو العالمي

تظل التنبؤات الأساسية للنمو العالمي دون تغيير يُذْكَر، لكن ميزان المخاطر تحول إلى الجانب السلبي على المدى القصير، ولا يزال يرجح كفة التطورات السلبية على المدى المتوسط. وقد توارت إلى حد ما إمكانية تحقيق نمو أقوى مما ورد في التنبؤات، نظرا لضعف النتائج في الربع الأول من العام في عدة اقتصادات كبرى، وتراجع المؤشرات الاقتصادية عالية التواتر، وتضييق الأوضاع المالية في بعض الاقتصادات المعرضة للمخاطر. ومن ناحية أخرى، أصبحت مخاطر التطورات السلبية أكثر بروزا، ولا سيما احتمالات تصاعد واستمرار الإجراءات التجارية وتضييق الأوضاع المالية العالمية.

التوترات المالية

جاءت نوبات التقلب الأخيرة لتسلط الضوء على إمكانية حدوث تحولات مفاجئة في الأوضاع المالية العالمية بسبب إعادة تقييم الأسواق للأساسيات الاقتصادية والمخاطر القائمة، بما في ذلك تغير التوقعات بشأن السياسة النقدية أو آثار احتدام التوترات التجارية، والزيادات المفاجئة في علاوات المخاطر أو علاوات الاستثمار طويل الأجل، وزيادة عدم اليقين السياسي، يمكن أن تؤدي بوادر ارتفاع التضخم عن المستوى المتوقع في الولايات المتحدة إلى تحول توقعات الأسواق بحدوث ارتفاعات كبيرة في أسعار الفائدة الأميركية. وإذا حدث تدهور مفاجئ في درجة الإقبال على تحمل المخاطر، يمكن أن تحدث تعديلات مربكة في المحافظ الاستثمارية، ويصبح خروج التدفقات الرأسمالية من الأسواق الصاعدة أكثر سرعة وأوسع نطاقا، ويحدث ارتفاع أكبر في سعر الدولار الأميركي، مما يفرض ضغوطا على الاقتصادات شديدة الاعتماد على الرفع المالي، أو التي تطبق أسعار صرف ثابتة، أو التي تعاني من عدم الاتساق في ميزانياتها العمومية.

وفي بعض بلدان منطقة اليورو، يمكن أن تؤدي سلبية السياسات والصدمات السياسية على المستوى الوطني إلى توسيع فروق العائد على السندات السيادية، وتفاقم ديناميكية الدين العام، وضعف الميزانيات العمومية المصرفية.

وفي الصين، حيث تتخذ السلطات خطوات تستحق الترحيب لإبطاء نمو الائتمان، يمكن أن تسفر الإجراءات التنظيمية غير المنسقة في القطاع المالي وعلى مستوى الحكومات المحلية عن عواقب غير مقصودة تتسبب في إعادة تسعير الأصول المالية بصورة غير منظمة وزيادة مخاطر تمديد الدين، وتؤدي إلى آثار أكثر سلبية من المتوقع على النشاط الاقتصادي.

أم وطفلها يدخلان إلى منزلهما المؤقت بالقرب من مطمر «الجراماتشو» البائد في حي «جارديم جراماتشو» في ريو دي جانيرو، البرازيل (غيتي).

أم وطفلها يدخلان إلى منزلهما المؤقت بالقرب من مطمر «الجراماتشو» البائد في حي «جارديم جراماتشو» في ريو دي جانيرو، البرازيل (غيتي).

العوامل غير الاقتصادية

ويمكن أن يتراجع الاستثمار الخاص ويضعف النشاط الاقتصادي بسبب عدم اليقين السياسي، بما في ذلك ما يتعلق بالانتخابات القادمة أو عواقبها المباشرة في عدة بلدان، لأنه يزيد من احتمالات البطء في تنفيذ الإصلاحات أو احتمالات إجراء تغييرات كبيرة في أهداف السياسة. ففي أوروبا، أدى البيع البخس للسندات الإيطالية في أواخر مايو الماضي إلى تسليط الضوء من جديد على التحديات الهيكلية العميقة وهوامش الأمان الضئيلة على المستوى الوطني، مما يشكل مخاطر كبيرة على الآفاق المتوقعة. وتفرض المخاطر الجغرافية - السياسية والصراعات الداخلية عبئا ثقيلا على الآفاق المتوقعة في عدة اقتصادات، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال بلدان كثيرة معرضة للتكاليف الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية الأخرى، والتي يمكن أن يكون لها تداعيات كبيرة عابرة للحدود عن طريق تدفقات المهاجرين.

أولويات السياسة

وتشير التنبؤات الأساسية للاقتصاد العالمي إلى استمرار التوسع في 2018 - 2019. وإن كان أقل توازنا، لكن احتمالات الأداء المخيب للآمال زادت في المقابل. وعلى هذه الخلفية، تزداد الحاجة الملحة للتقدم في السياسات والإصلاحات التي تطيل أجل التوسع الجاري وتعزز صلابة الاقتصاد للحد من احتمالات انتهائها بشكل مربك. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال التوقعات الموضوعة لنصيب الفرد من النمو على المدى المتوسط أقل من المتوسطات السابقة في كثير من الاقتصادات. وبغير إجراءات شاملة لرفع الناتج الممكن وضمان توزيع الثمار على الجميع، يصبح الاحتمال كبيراً بأن تؤدي خيبة الأمل في الترتيبات الاقتصادية الحالية إلى توجيه مزيد من الدعم للسياسات الانغلاقية المقوضة للنمو. وفي إطار نظام تجاري مفتوح يرتكز على قواعد مستقرة، يساهم التعاون متعدد الأطراف بدور حيوي في الحفاظ على التوسع العالمي الجاري وتعزيز آفاقه على المدى المتوسط. ونظرا لتنوع مراكز البلدان في الدورة الاقتصادية، وقيودها الهيكلية، وحيز الحركة المتاح لسياساتها، فإن أولويات السياسة تختلف باختلاف البلدان.


اشترك في النقاش