الأزواج في أماكن العمل... منحة أم محنة؟

جدة: معتصم الفلو

* ليس للعواطف مكان محدد، وقد يكون العمل فرصة للقاء والحصول على «النصيب»، وبخاصة أن الاحتكاك في أماكن العمل يكون أكثر تلقائية.

* في سبيل جذب المزيد من النساء العاملات، بدأت بعض أماكن العمل في السعودية بتوفير حضانة للأطفال أثناء أوقات الدوام.

بينما كان سمير مشغولاً في مكتبه، دخل عليه زميله فراس في المكتب المجاور، وقال له بلهجة جادة: «أنت صديق مشترك لي ولزوجتي، لكن الأمور وصلت إلى النهاية، وأرجو أن تأتي غداً معي إلى المحكمة لتشهد على إجراءات الطلاق. القرار نهائي ولا مجال للتراجع».

لم يشعر سمير بالصدمة، فهو يعرف عن قرب عمق الخلافات بين صديقه العربي فراس وزوجته الأوروبية جوليا، التي تعمل معه في المكتب نفسه بإحدى الشركات الخاصة في جدة، لكنه كان على اطلاع عن ظروف نشأة العلاقة بين فراس وجوليا في مكان العمل، وصولاً إلى إنجاب الأطفال، ثم الاختلاف والفراق بالطلاق.

من جانب آخر، يقول مدير سابق لإحدى المدارس العالمية في جدة إنه كان يمنح أولوية الوظائف للأزواج، فمدرسته فيها أقسام للبنين وأخرى للبنات ضمن مقر موحد، لكنه يوضح أن «وجود الأزواج في مكان العمل نفسه، يعزز الولاء ويأتي بنتائج أفضل ويعمق علاقة الأزواج».

ويضيف: «كنت أشجع إقامة اجتماعات رسمية أو مناسبات احتفالية، يحضرها المعلمون والمعلمات، مع الحرص على دعوة العازبين والعازبات، لعل الله يفتح القلوب! نعم، الأزواج ثروة لأماكن العمل، وقد أثبت أسلوبي نجاحه في تحقيق أعلى نسب الاحتفاظ بالموظفين».

مثل الكثير من الأمور في حياتنا، تبدو هذه القصص متناقضة بين زوجين فشلت حياتهما بسبب عملهما معاً وآخرين تعززت علاقتهم أكثر. «المجلة» التقت أزواجاً حقيقيين، عايشوا التجربة، وتعرفوا على بعضهم البعض في أماكن العمل، وآخرين عملوا معهم عن قرب (كلهم منحوا أسماء وهمية)، فماذا يقولون؟

رومانسية «حذرة» في العمل

ليس للعواطف مكان محدد، وقد يكون العمل، وبخاصة في المجتمعات المحافظة كالسعودية أو حتى في المجتمعات الأكثر انفتاحاً، فرصة للقاء والحصول على «النصيب»، وبخاصة أن الاحتكاك في أماكن العمل يكون أكثر تلقائية؛ دون حاجة إلى ابتكار أساليب للتعارف وتبادل أرقام الهواتف والمواعدة.

كما أن طول ساعات العمل وامتزاجها ببعض التفاعل الاجتماعي مثل تشارك وجبات الغداء أو أعياد الميلاد أو عيادة المرضى من الزملاء، يفسح المجال لهامش من الرومانسية، قد يتطور إلى علاقات الحب والمواعدة والزواج وغيرها.

يقول رياض، الذي يعمل في شركة للعلاقات العامة، إنه تعرف إلى زوجته بعد أن بدأت عملها كمتدربة، ونشأت بينهما عاطفة ومواعدة وخطبة، انتهت بالزواج. لم يكن يتوقع حصول ذلك، وتطور الأمر بينهما إلى الزواج، لكنه اشتكى من كثرة همس الزملاء وانتشار النميمة حول علاقتهما قبل إعلان الخطوبة. هذا أمر متوقع مع أشخاص تعيش معهم ثلث يومك، إنك لا تعمل معهم فقط، بل تعيش معهم. وهكذا، يصبح تداول الأمر موضوعاً لأحاديث استراحات التدخين والغداء وآخر ساعات العمل.

أَفِيش الفيلم المصري (مراتي مدير عام) الذي تم إنتاجه عام 1966، من إخراج فطين عبد الوهاب وبطولة شادية وصلاح ذو الفقار.وقد نال الفيلم جائزة المركز الكاثوليكي لأحسن فيلم في عام 1966 . يعرض الفيلم قصة زوج يعمل مهندسا بإحدى شركات المقاولات، وتصادف أن زوجته التي تعمل بالإدارة أصبحت مديرته في العمل، وينبع من هذا العديد من المفارقات من زملائه في العمل واختلاف طباع زوجته في التعامل معه في العمل عن المنزل.

أَفِيش الفيلم المصري (مراتي مدير عام) الذي تم إنتاجه عام 1966، من إخراج فطين عبد الوهاب وبطولة شادية وصلاح ذو الفقار.وقد نال الفيلم جائزة المركز الكاثوليكي لأحسن فيلم في عام 1966 .
يعرض الفيلم قصة زوج يعمل مهندسا بإحدى شركات المقاولات، وتصادف أن زوجته التي تعمل بالإدارة أصبحت مديرته في العمل، وينبع من هذا العديد من المفارقات من زملائه في العمل واختلاف طباع زوجته في التعامل معه في العمل عن المنزل.

لماذا تصرخ في وجه زوجتي؟

يروي محمد، مدير الموارد البشرية، قصة عن موظفين زوجين، ارتبطا وهما يعملان في الشركة نفسها، وكيف أن معدل الإبلاغ عن المشكلات ارتفع بعد زواجهما، إذ صار خلاف أو اختلاف أحد الزوجين مع زميل لأسباب تتعلق بالعمل اليومي، ينعكس تلقائياً على الزوج الآخر. وقد يتدخل أحد الزوجين لمساندة الآخر عند نشوب خلاف مع طرف ثالث؛ رغم أن الموضوع لا يعنيه!

وذكر في هذا السياق أن الزوجة اختلفت مع أحد زملائها، فتعالت الأصوات، فتدخل الزوج دون أن يسأل عن السبب وتدخل قائلاً: «لماذا تصرخ في وجه زوجتي؟ أنا لا أصرخ في وجهها مهما كان الأمر»!

وقد تزيد الغيرة بشكل أكبر عند اقتراب زميل أو زميلة ما من أحد الزوجين، مما يؤدي إلى بعض الخلافات، وبخاصة إذا لم يكن هناك تفاهم عميق حول تغير طبيعة العلاقة مع زملاء العمل لتكون أكثر رسمية أو بقائها على حالها.

ولعل أكثر ما يضايق الأزواج العاملين في مكان واحد هو أن يكون أحدهما وجهة السؤال عن مكان الآخر. وتكثر ترداد عبارة: «هو زوجي في المنزل، وليس هنا. ابحث عنه كما تبحث عن أي موظف آخر».

موظفون أم أزواج؟

إن ذوبان الحدود بين الهوية الزوجية والأخرى العملية، قد يكون سببا في الخلط بينهما، الأمر الذي يقود إلى بعض المشكلات والانتقادات. فقد تنتقل خلافات المنزل إلى أروقة المكتب والعكس، مما يضيف عاملاً مساعداً على سكب الزيت على النار.

ويتذكر سمير كيف أن صديقيه فراس وجوليا كانا يتشاجران في المكتب حول أمور تخص علاقتهما الخاصة؛ حتى إن الكثير من قصصهما تسرب إلى الموظفين، ودار الكثير من القيل والقال، وصولاً إلى الانفصال المروع.

من جانب آخر، هناك أزواج يتمكنون من الفصل بين الهويتين بكل سهولة، فهم يخلعون قناع الزوجية عند أبواب المكاتب لتعود روح الزمالة والرغبة في الإنجاز هي السائدة.

يوضح سليم، مدير سابق لمدرسة عالمية، إن تجربة توظيفه للأزواج تفوقت في جمع الأهداف الزوجية بالمهنية، فوجود الزوجين يحفز المنافسة للحصول على أعلى التقييمات والزيادات والترقيات. كما أن توحد مجال العمل - التعليم في هذه الحالة - يحفز التدفق السلس للخبرات بحكم العيش تحت سقف واحد، سواء في البيت أو العمل.

ويضيف أنه: «في حال تردد أحد الزوجين أو رغبته بترك العمل، فإن الطرف الآخر سيثنيه عن فكرته في الغالب، فمغادرة كلا الزوجين لمكان العمل وإيجاد عمل لكليهما أكثر صعوبة. إنه باختصار تعزيز الولاء أو الاحتفاظ بالموظفين، وكلاهما يصب في مصلحة العمل».

شركات عائلية

في السعودية، يضم المشهد التجاري وجود الكثير من الشركات والمنشآت العائلية. وعدا عن الملكية، يكون هناك انخراط في العمل اليومي من أفراد العائلة، أزواج وإخوة وأبناء عمومة، وهنا يكون الأمر مختلفاً لأن الأمر معتاد والكل يعرف الكل، وهنا تصبح علاقة الأزواج أقل خصوصية في هذا المحيط.

كما أن أصحاب المال الذين يديرون أعمالهم بأنفسهم بالتضامن والتعاضد مع أفراد العائلة الصغيرة والكبيرة، يجمعهم جو عائلي وهدف يتركز باتجاه تعزيز الأعمال. وهنا تصبح احتمالية حصول مشكلات أقل بكثير، كما يوضح ساري الذي يعمل مع إخوته وأقاربه وأزواجهم مع وجود موظفين قلة من خارج العائلة.

زوجة المدير!

قد يحصل في بعض الشركات أن يكون المدير العام أو أحد رؤساء الأقسام نافذاً إلى درجة أن يفرض توظيف زوجته، إما لتسليتها بأعمال بسيطة تخفف عليها وحدتها في المنزل أو لوجود شاغر أو لغرض وضع اسمها على جدول الرواتب لتستفيد ببعض المال؛ دون وجود حاجة حقيقية لها.

وهنا يختلط على البعض كيف يتعامل مع زوجة المدير، فهل هي موظفة «فوق عادية» أم أنها مثل أي أحد من زملاء العمل؟ وهل حصلت على وظيفتها بمؤهلاتها أم بسبب منصب زوجها؟ وهل سينتقل الخلاف المهني معها إلى خلاف مع زوجها المدير؟

لا يحتاج المرء إلى إظهار تعامل أو اهتمام خاص بأي شخص بحسب قربه أو بعده عن المدير. يبقى التعامل المهني هو الأكثر ملاءمة في جميع الأحوال. عالم الأعمال مليء بالمصالح الشخصية، التي قد تطغى أو تتراجع بحسب الظروف المتاحة. وكثيراً ما يكثر الهمس حول «تدليل» موظفة من هذا النوع، وهو ما ينطبق على أي من أقارب المديرين لو جرى توظيفه. أما بالنسبة للمشكلات والمزايا الإيجابية، فهي متقاربة إلى حد ما مع ما يحصل مع أي زوجين.

مزايا لا يغفل عنها

الأزواج الذين يعملون في الشركة نفسها لديهم ميزة اتفاق مواعيد العمل، وبالتالي لا تضيع مئات الساعات في الطرقات لتوصيل أحد الزوجين للآخر أو في استئجار سائق أو استخدام وسائل النقل العامة. هذا يعني توفيراً كبيراً في نفقات النقل والوقت أيضاً، وبخاصة في المدن كثيفة الازدحام كجدة والرياض.

ويضاف إلى ذلك سهولة ترتيب المواعيد والنشاطات الاجتماعية، فمواعيد العمل لا تتضارب أبداً، والكل يعرف الساعات التي يكون فيها الطرف الآخر مشغولاً أو في بحبوحة من الوقت والنشاط. سيصعب الاعتذار بداعي التعب لأن كل طرف يدرك حجم العمل الذي قام به الطرف الآخر، وبالتالي سيقدر حالته.

وفي سبيل جذب المزيد من النساء العاملات، بدأت بعض أماكن العمل والمدارس الخاصة والعالمية في السعودية بتوفير حضانة للأطفال أثناء أوقات الدوام، وهو ما يمنح الزوجين فرصة لإنجاز العمل؛ دون القلق على الأطفال، فهما قريبان منهم وبإمكانهما القيام بالمتابعة والاطمئنان بكل سهولة.

لكل منا رأي وتجربة خاصة وأمور يقبلها وأخرى لا يستسيغها، ووجود الأزواج في مكان واحد يحتمل النجاح، ولكن قد يشوبه الفشل. المهم أن يكون المرء سعيداً بعمله، سواء عمل معه نصفه الآخر أم لا.


اشترك في النقاش