واشنطن وأنقرة ... يصعدان الخلافات ويتبادلان التهديدات والتغريدات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان (غيتي)

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان (غيتي)

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

* وفد أميركي زار تركيا منذ أيام حذر من «تكرار أنقرة لأخطائها ومخالفة العقوبات المفروضة على إيران» بمجرد دخولها حيز النفاذ بحلول نوفمبر 2018.

* ترمب: « الولايات المتحدة ستفرض عقوبات قاسية على تركيا بسبب اعتقالها القس أندرو برانسون»... إردوغان: «الصداقة بين الولايات المتحدة وتركيا على المحك في هذا الخلاف».

* المحلل السياسي التركي إلهان تنير: قضية برانسون كارثية بالنسبة إلى العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة.

* ثمة اتجاهات يتسع تدريجياً نطاق تأثيرها في تركيا تعتقد أن واشنطن تصر على إضعاف التحالف الأميركي - التركي.

* السياسات التركية حيال إيران من أهم القضايا التي تدفع بتصاعد حدة التوتر في العلاقات التركية – الأميركية.

* صحيفة «بيلد» الألمانية: الرئيس التركي سيقوم بزيارة رسمية إلى ألمانيا، أواخر سبتمبر المقبل. وهذه الزيارة ستكون أول زيارة رسمية له إلى ألمانيا منذ 2014. والأولى أيضا منذ توليه رئاسة تركيا.

اختبار جديد تجابهه العلاقات بين واشنطن وأنقرة بعدما هدد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تركيا بفرض «عقوبات قاسية»، ما لم تنتهج سياسات مغايرة حيال قضية القس، أندرو برانسون، الذي يخضع للمحاكمة في تركيا بدعوى التورط في المحاولة الانقلابية، والارتباط بعلاقات مع عناصر من حركة فتح الله غولن. هذه القضية أفضت إلى تداعيات دراماتيكية على العلاقات التركية – الأميركية، سيما أنها لم تأت بمعزل عن التوترات المتصاعدة بين الجانبين بسبب سياسات تركيا حيال كل من روسيا وإيران، ذلك أن واشنطن تعترض، من جانب، على إقدام أنقرة على شراء منظومة S-400 الروسية، وتتشكك، من جانب آخر، في طبيعة التوجهات التركية المحتملة بشأن العقوبات الأميركية ضد إيران، والتي من المفترض أن تدخل حيز النفاذ في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

كتب ترمب، في هذا الإطار، تغريدة على «تويتر» قال فيها إن «الولايات المتحدة ستتجه إلى فرض عقوبات قاسية على تركيا بسبب اعتقالها لشهور طويلة القس أندرو برانسون، وهو مسيحي رائع ورب عائلة. إنه يعاني كثيرا. هذا الإنسان المؤمن البريء ينبغي الإفراج عنه فورا». وقبل ذلك، أعلن نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على تركيا، ما لم تتخذ «تدابير فورية للإفراج» عن برانسون.

الموقف الأميركي الصادم للأتراك، والمتناقض مع طبيعة العلاقات بين الدولتين الحليفتين في حلف الناتو، لم تفوته تركيا من دون الإعلان عن رفض التصريحات الأميركية، حيث ردت أنقرة على تغريدة ترمب، عبر تغريدة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، على «تويتر»، والتي قال فيها: «لا أحد يمكنه إصدار أمر لتركيا. لن نقبل أبداً التهديدات مهما كان مصدرها. إن دولة القانون تنطبق على الجميع، من دون أي استثناء». كما قال متحدث باسم الرئيس التركي، إبراهيم كالين، إن الولايات المتحدة لن تحقق الأهداف التي ترجوها بتهديد أنقره. ودعا واشنطن إلى «إعادة تقييم مقاربتها».

القس الأميركي أندرو برانسون متهم بمساعدة جماعة غولن في محاولة الانقلاب العسكري في 2016.

القس الأميركي أندرو برانسون متهم بمساعدة جماعة غولن في محاولة الانقلاب العسكري في 2016.

هذا فيما أشار الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى أن بلاده لن تُعيد صياغة مواقفها، كما أن الصداقة بين الولايات المتحدة وتركيا على المحك في هذا الخلاف. ويتزايد في تركيا العداء للولايات المتحدة على وقع تباعد السياسات التي تتبعها أنقرة وواشنطن في المنطقة، وبسبب تعقد الكثير من قضايا العلاقات الثنائية. هذا وقد نفى مسؤول تركي ما تردد بشأن صفقة مع واشنطن للإفراج عن القس مقابل إطلاق السلطات الإسرائيلية سراح مواطنة تركية ألقي القبض عليها مؤخرا في إسرائيل.

من جانبه، قال رئيس البرلمان التركي، بن علي يلدريم إن «التهديد لا يفلح مع الشعب التركي، لذلك على الولايات المتحدة أن تكف عن هذه اللغة إذا كانت تريد تطوير علاقاتها مع تركيا على المدى الطويل». وأضاف أنه على واشنطن أن تحترم «الأحكام القضائية»، داعيا إلى التوقف عن «لغة التهديد الرخيصة».

تركيا... محاولات تحديد نطاق التوتر

بدا من ذلك أن تركيا تحاول التصعيد من حدة تصريحاتها في مواجهة مواقف واشنطن التي بدت متشددة، وفق الرؤية التركية، غير أنها، في ذات الوقت، حاولت تلجيم التوتر وتحجيمه عبر أدوات كثيرة، منها قيام وزير الخارجية التركي بالاتصال بنظيره الأميركي، لبحث سبل إدارة التوتر من أجل التوصل لصيغة يمكنها خفض منسوب الاهتزاز في العلاقات المشتركة، سيما بعدما تصاعدت قضية القس الأميركي، لتحظى بقدر متزايد من اهتمام الرأي العام الأميركي، بما أفضى إلى قيام نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس بالتحدث مع القس أندرو برانسون، وقال أمام ابنته التي شاركت في اجتماع في وزارة الدفاع: «أعدك كما وعدت والدك البارحة، بأن الرئيس ترمب وأنا معه، سنواصل العمل لضمان إطلاق سراح والدك».

اتصال بنس ببرانسون جاء بعد أن أمرت محكمة تركية، بنقل برانسون، الذي قضى في السجن 21 شهرا، ووضعه قيد الإقامة الجبرية. وقال بنس خلال اجتماع وزاري في واشنطن حول تعزيز الحرية الدينية إن الإقامة الجبرية «خطوة أولى مرحب بها لكنها غير كافية»، مضيفا أن القس برانسون الذي تتهمه تركيا بـ«الإرهاب والتجسس يستحق أن يكون حرا».

القرار التركي بإخراج أندور برانسون من السجن ووضعه قيد الإقامة الجبرية، جاء على خلفية بدء استعدادات الكونغرس لمناقشة مشروع قانون مقدم من ستة من أعضاء مجلس الشيوخ، لفرض عقوبات مالية على تركيا من خلال تقليص حجم القروض المقدمة من البنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، وصندوق النقد الدولي.

وكان الرئيس التركي، قد استقبل في 29 يونيو (حزيران) 2018. السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والسيناتورة الديمقراطية جين شاهين. وقالت شاهين إن الرئيس التركي كان متقبلاً لدواعي قلق الأميركيين بشأن احتجاز برانسون. وشاركت شاهين، إلى جانب السيناتورين، جيمس لانكفورد، وتوم تيليس، في إعداد مشروع قرار في مجلس الشيوخ يتضمن منع تركيا من تسلم مقاتلات f-35 الأميركية، بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 واعتقال مواطنين أميركيين. وفي هذا السياق، قال هوارد إيسنستات، الأستاذ في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سان لورانس: «تتوالي سلسلة من الأحداث التي تجسد سوء التفاهم بين البلدين، بما أضر بالثقة المتبادلة وأوصلها حتى نقطة الانهيار». وأضاف: «هذا يشبه الطلاق البغيض».

المقايضة المرفوضة بين فتح الله غولن وبرانسون

تدرك واشنطن أن تركيا تحاول ممارسة ضغوط عبر اعتقال برانسون من أجل دفع الإدارة الأميركية إلى الاستجابة إلى المطالب الخاصة بتسليم فتح الله غولن. وقد سبق للرئيس التركي القول: «إنهم يقولون لنا أعطونا القس، لكن أنتم عندكم رجل دين أيضاً، سلموه لنا وسنحاكم القس ونعيده إليكم». وفي هذا الإطار قالت مصادر أميركية: «هناك حالتان متباينتان ضمن منظومة قانونية مختلفة. إن المسألة ليست بهذه البساطة مثل القول: خذوا رجل دين وأعطونا رجل دين آخر».

وأشارت تقديرات إلى أن واشنطن ترفض الربط بين الإفراج عن القس الأميركي المسجون في تركيا وتسليم الداعية، فتح الله غولن، المتهم من جانب أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة. وتصل العقوبات في الاتهامات الموجهة إلى برانسون، الذي ولد عام 1968، وهو والد طفلين ولدا في تركيا، وكان يتأهب للتقدم بطلب إقامة دائمة في تركيا، إلى السجن لمدة 35 عاماً حال إدانته. وعمقت قضيته من التوتر بين واشنطن وأنقرة، وأصبحت محل مساومات لمقايضته بغولن المقيم في بنسلفانيا منذ العام 1999. وفي إطار سعيها لإعادة برانسون إلى وطنه، أسقطت السلطات الأميركية جميع الاتهامات التي وجهتها إلى 11 حارساً من الحراس الشخصيين لإردوغان اتهموا بمهاجمة محتجين خلال زيارة الرئيس التركي لواشنطن في عام 2017.

وورد في لائحة الاتهام ضد برانسون أنه كان يعرف الأسماء المستعارة لقياديين من حركة غولن والتقاهم، وألقى خطابات تحرض على الانفصالية، وتتضمن ثناءً على حزب العمال الكردستاني وحركة غولن في كنيسة ديريلش بإزمير. كما وُجهت له اتهامات بـ«إجراء دراسات ممنهجة في المناطق التي يقطن فيها الأكراد»، وتأسيس «كنيسة المسيح الكردية» التي استقبلت مواطنين من أصول كردية فقط في إزمير.

وقد أشارت لائحة الاتهام إلى العثور على صور ضمن مواد رقمية تخص برانسون، تظهر حضوره اجتماعات لحركة غولن، وأخرى فيها رايات ترمز إلى «العمال الكردستاني»، كما توجه مراراً إلى مدينة كوباني شمال سوريا، التي تنشط فيها «وحدات حماية الشعب» الكردية، وقضاء سوروج في شانلي أورفا المحاذي لتلك المدينة السورية، وذلك في إطار الاستراتيجية العامة لحزب العمال الكردستاني.

واحتوت «اللائحة» على رسالة بعثها برانسون إلى أحد المسؤولين العسكريين الأميركيين، يعرب فيها عن حزنه لفشل محاولة الانقلاب في تركيا. وينفي برانسون الاتهامات التركية. وقد أشارت اتجاهات إعلامية غربية إلى أن التصعيد الأميركي ضد أنقرة على خلفية استمرارها في اعتقال القس برانسون يعكس وجود أزمة ثقة كبيرة بين البلدين، وأن الأمر نتاج لتراكم من الخلافات حول ملفات مختلفة، لافتين إلى أن ما هو واضح أن العلاقات الأميركية التركية في أسوأ أحوالها، وأن إردوغان يراكم الأزمات التي تهدد مصالح بلاده. كما أنه يخلق رأيا عاما أميركيا يتشكك في صداقته للولايات المتحدة.

ويعتبر المحلل السياسي التركي، إلهان تنير، أن قضية برانسون كانت كارثية بالنسبة إلى العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، قائلا: «صار الملايين من الأميركيين المتدينين، وغالبيتهم من الجمهوريين والمحافظين الذين لا يولون الكثير من الاهتمام للشؤون الخارجية، يؤمنون الآن إيمانا راسخا بأن إردوغان ديكتاتور إسلامي يحتجز أحد قساوستهم رهينة». مضيفاً أن برانسون قد يحصل على البراءة بحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018، لكن «الضرر الذي ألحقته القضية بالعلاقات التركية - الأميركية سيكون من الصعب إصلاحه»، وأن «إردوغان سيصبح معروفا في أذهان الكثير من الأميركيين من الآن فصاعداً بحسبانه شخصاً يحتجز رهائن».

ملفات التوتر مع تركيا... تباينات الإدارة الأميركية

ثمة تباين واضح داخل واشنطن بشأن الإجراءات الواجب تبنيها في إطار إدارة الخلاف مع القيادة التركية، ففيما يتشدد الكونغرس، تبدي الخارجية ووزارة الدفاع حرصا على الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية المشتركة مع أنقرة، وكان الكونغرس قد وافق على حظر توريد مقاتلات f-35 إلى تركيا، بسبب إقدامها على شراء منظومات S-400 الروسية للدفاع الجوي، حتى يقدم البنتاغون تقريرا يقيّم فيه العقد الروسي - التركي. ومن المقرر أن يتلقى الكونغرس من البنتاغون في غضون 90 يوماً تقريراً بشأن الارتدادات المحتملة على العلاقات الأميركية - التركية إثر إقصاء أنقرة من برنامج إنتاج مقاتلات f-35.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن نظيره الأميركي، دونالد ترمب، أطلعه على تصريحه الخطي المتعلق بتسليم واشنطن المقاتلات لتركيا، وأن تركيا ليس لديها قلق بهذا الخصوص. وأضاف أن تركيا تسلمت مقاتلتين من الطراز المذكور وستظلان في الولايات المتحدة حتى عام 2020 لتدريب الطيارين الأتراك في إطار الدفعة الأولى. وفي سياق متصل، أبدى وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، معارضته مقترح الكونغرس، إبعاد تركيا من برنامج تصنيع مقاتلات من طراز f-35.

ترمب ونائبه مايك بنس يهددان بفرض عقوبات على تركيا دونالد ترمب: «ستفرض الولايات المتحدة عقوبات كبيرة على تركيا بسبب اعتقالها القس أندرو برونسون لوقت طويل، وهو رجل مسيحي عظيم ورجل عائلي وإنسان رائع. إنه يعاني كثيراً. يجب إطلاق سراح رجل الدين البريء على الفور».

ترمب ونائبه مايك بنس يهددان بفرض عقوبات على تركيا
دونالد ترمب: «ستفرض الولايات المتحدة عقوبات كبيرة على تركيا بسبب اعتقالها القس أندرو برونسون لوقت طويل، وهو رجل مسيحي عظيم ورجل عائلي وإنسان رائع. إنه يعاني كثيراً. يجب إطلاق سراح رجل الدين البريء على الفور».

مايك بنس: «فرضت الحكومة الأميركية عقوبات اقتصادية قاسية على تركيا وستستمر إلى أن يفرج الرئيس إردوغان والحكومة التركية عن القس برونسون ويعيدان رجل الدين البريء إلى الولايات المتحدة».

مايك بنس: «فرضت الحكومة الأميركية عقوبات اقتصادية قاسية على تركيا وستستمر إلى أن يفرج الرئيس إردوغان والحكومة التركية عن القس برونسون ويعيدان رجل الدين البريء إلى الولايات المتحدة».

مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية يقوم بالرد على التهديدات الأميركية مولود أوغلو: «لا أحد يملي على تركيا. لن نتقبل التهديدات مطلقاً مع من أي شخص. يطبَّق القانون على الجميع ودون استثناء».

مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية يقوم بالرد على التهديدات الأميركية
مولود أوغلو: «لا أحد يملي على تركيا. لن نتقبل التهديدات مطلقاً مع من أي شخص. يطبَّق القانون على الجميع ودون استثناء».

وكشفت وسائل إعلام تركية، رسالة بعث بها في 7 يوليو (تموز) 2018 إلى لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب، بخصوص موازنة الدفاع، قال فيها ماتيس: «في هذه المرحلة، أنا ضد استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات f-35. تأسيسا على أن ذلك سيؤدي إلى تخريب سلسلة الإمداد الدولي لتصنيع المقاتلات». وأضاف أن تركيا استثمرت في البرنامج المذكور 1.2 مليار دولار، وتسهم في سلسلة الإمداد به، وتخطط لشراء 100 مقاتلة، لافتاً إلى أنه في حال ما تم تخريب سلسلة الإمداد الدولي للتصنيع من خلال إبعاد تركيا عن البرنامج، فإن تصنيع المقاتلات سيتوقف، وهذا سيؤخر تسليم من 50 إلى 75 مقاتلة، وسيستغرق تعديل الوضع وتوفير إمدادات القطع التي تصنعها تركيا من 18 إلى 24 شهراً. وتسلمت تركيا في 21 يونيو 2018 أول مقاتلة من طراز f-35، التي تصنعها شركة «لوكهيد مارتن»، في مشروع تشارك فيه تركيا. وقال ماتيس إنه «يجب أن لا نفرض العقوبات على الدول التي تميل لاقتناء أسلحة روسية لتجنب دفع تلك البلدان إلى فلك روسيا بشكل نهائي».

وثمة اتجاهات يتسع تدريجيا نطاق تأثيرها في تركيا تعتقد أن واشنطن تصر على إضعاف التحالف الأميركي - التركي. عبَّر عن ذلك أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم الاجتماعية بأنقرة، رسول ياتشين، حول تأثير صفقة S-400. على مسار روابط واشنطن بأنقرة، حيث قال إن «ثقة أنقرة بالولايات المتحدة اليوم، أقل مما كانت عليه من عدة سنوات. تركيا، عازمة على شراء منظومة S-400، وموجة استياء الولايات المتحدة من تركيا على هذه الخلفية لن تهدأ».

وأضاف أنه قبل اللجوء إلى روسيا لشراء منظومة S-400، تواصلت أنقرة مع الدول الأعضاء في الناتو مثل فرنسا وإيطاليا، لإنشاء نظام دفاع صاروخي، ولكن، كما قال الرئيس إردوغان: «تركيا فشلت في الحصول على دعم من حلف شمال الأطلسي لاقتناء نظام دفاع صاروخي» لذلك، اتجهت إلى شراء منظومة دفاع صاروخي من خارج إطار دول حلف الناتو.

القلق الأميركي من سياسات تركيا حيال إيران

تمثل السياسات التركية حيال إيران إحدى أهم القضايا التي تدفع بتصاعد حدة التوتر في العلاقات التركية – الأميركية، وذلك في ظل القناعة الأميركية بأن تركيا قد تعيد استنساخ سياسات الماضي، والتي ارتبطت بالقيام بأنشطة تجارية استهدفت تخفيف حدة العقوبات على طهران عبر «بنك الشعب» التركي، من أجل تحقيق مكاسب تجارية مؤقتة، وهي القضية التي تشكل مسارا آخر للتوتر بسبب محاكمة رجل الأعمال، رضا ذراب، ونائب مدير بنك الشعب التركي، محمد هاكان آتيللا، في واشنطن، لدورهما في خرق العقوبات الأميركية السابقة على إيران.

مايك بومبيو ومولود جاويش أوغلو

مايك بومبيو ومولود جاويش أوغلو

وعلى الرغم من إعلان الرئيس ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ودعوته إلى فرض عقوبات على طهران، فإن تركيا، التي تعتمد في تلبية جزء من احتياجاتها من الطاقة على شراء النفط من إيران، تعتبر أن واشنطن لا يجب أن تملي شروطها فيما يتعلق بالتجارة مع الدول الأخرى. وأشار الرئيس التركي في هذا الإطار إلى أن «واشنطن لا يمكن أن تجعل تركيا تتراجع، من خلال فرض عقوبات. فعلى الولايات المتحدة أن لا تنسى أنها يمكن أن تخسر شريكاً قوياً ومخلصاً، مثل تركيا، إن لم تغير موقفها. تبديل الموقف مشكلة ترمب، لا مشكلتي». ووصف التهديدات الأميركية بأنها ليست أكثر من «حرب نفسية».

وقال إردوغان إن تركيا أكّدت سياساتها الثابتة حيال طهران بشكل واضح في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما. وتابع: «إننا نأسف حيال إقحام تركيا في المنافسات السياسية المتعلقة بهذه القضية، سواء داخل مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب، ولكن الرئيس ترمب أبدى موقفاً جيداً في هذه القضايا حتى الآن، وأنا واثق من أن هذا الموقف سيستمر في المرحلة القادمة».

وكان المسؤولون الأتراك قد التقوا مؤخرا وفدا أميركيا زار أنقرة لإجراء مباحثات مع المسؤولين بخصوص الملف الإيراني، وفي هذا الإطار قال مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي، في مؤتمر صحافي في تركيا، عقب انتهاء المباحثات المشتركة إنه بحث مع المسؤولين الأتراك عدداً من الملفات بينها مكافحة تمويل الإرهاب، والعقوبات الأميركية على إيران وانعكاساتها على الاقتصاد التركي. وأوضح أن تركيا دولة جارة لإيران، وملف التجارة مع إيران يمثل أحد الملفات التي يجب أن نبحثها مع تركيا. وقال: «نحن نبدي حساسية تجاه انعكاسات ذلك على الاقتصاد التركي، لذا نبحث، بأدق التفاصيل، مخاوف البلدين».

وحذر وفد أميركي زار تركيا منذ أيام من تكرار أنقرة لأخطائها ومخالفة العقوبات المفروضة على إيران بمجرد دخولها حيز النفاذ بحلول نوفمبر 2018. وقال مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة الأميركي لمكافحة تمويل الإرهاب خلال زيارة الوفد إلى تركيا، إن على الشركات التركية أن تختار بين التجارة مع إيران والتجارة مع الولايات المتحدة. ويمثل تصريح بيلينغسلي تحذيرا للشركات والمؤسسات المالية التركية، ومنها بنك الشعب المملوك للدولة، الذي أدين بتورطه في مخطط للالتفاف على جولة العقوبات الأميركية السابقة على إيران في عام 2011.

وأضاف: «من المؤكد أننا سنشعر بالقلق للغاية بشأن محاولة التجارة في الذهب مع إيران... إننا نتعقب مشتريات كبيرة من الذهب في تركيا هذه الأيام، ونحن نحاول أن نفهم لماذا يحدث هذا؟». وتابع قائلا: «لكنني أعتقد أن بعضا من ذلك يتعلق بقضايا العملات وغيرها من الأمور، لكن من المؤكد أنها ستكون فكرة سيئة للغاية أن نعتقد أن شخصا ما سيتاجر مع إيران في الذهب ويتجنب الإجراءات الأميركية إذا حدث ذلك».

ووفق بعض التقديرات الغربية، فإن لجوء الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات جادة على تركيا سيدفع بالرئيس التركي إلى مراجعة خطابه التصعيدي تماما مثلما حصل مع روسيا في نوفمبر 2015 على خلفية إسقاط أنقرة مقاتلة روسية، وذلك حين اضطر إردوغان، لتجنب التصعيد، إلى الاعتذار العلني لنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وربما يرتبط ذلك بتراجع الأداء الاقتصادي التركي.

وحسب بعض الاتجاهات الرائجة، فإن العقوبات التي لوح بها ترمب قد تصيب القطاعين المصرفي والعسكري بشكل أساسي. لذلك، فلم تمر ساعات عقب تهديد ترمب إلا وسجلت الليرة التركية تراجعا، أمام الدولار الأميركي. وتعاني تركيا منذ شهور من تراجع حاد في سعر العملة المحلية.

وكانت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي مررت مؤخرا مشروع قانون يدعو المدير التنفيذي للبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي إلى تجميد جميع القروض المقدمة إلى تركيا إلى حين توقفها عن احتجاز المواطنين الأميركيين. ويقول كبير الاستراتيجيين بشركة «بي إتش إتش» للاستشارات الاقتصادية بنيويورك، وين ثين، إن العقوبات ستطول على الأرجح القطاع المصرفي التركي، خاصة البنوك الحكومية. ويضيف ثين أن العقوبات «قد تشمل تعليق الولايات المتحدة لبعض الصفقات العسكرية لتركيا، لكن ليس من الواضح إذا ما كانت ستقوم الولايات المتحدة بهذا أم لا، فالوقت ما زال مبكرا لاتخاذ مثل تلك القرارات».

تجمع عدد من الاتراك المؤيدين للرئيس اردوغان وحاملين لمجسم كارتوني لفتح الله غولن في ساحة كيزلاي في أنقرة مطالبين بتنفيذ حكم الإعدام عليه (غيتي)

تجمع عدد من الاتراك المؤيدين للرئيس اردوغان وحاملين لمجسم كارتوني لفتح الله غولن في ساحة كيزلاي في أنقرة مطالبين بتنفيذ حكم الإعدام عليه (غيتي)

يأتي ذلك وسط تحذيرات من مواجهة تركيا أزمة عملة بعد أن هوت الليرة إلى أدنى مستوياتها وفقدت نحو 25 في المائة من قيمتها منذ مطلع العام الجاري، مع ارتفاع التضخم إلى 15.4 في المائة، وزيادة العجز في الميزانية إلى 6 مليارات دولار خلال شهر يونيو 2018، واستمرار اتساع العجز التجاري. ويقدر صندوق النقد الدولي الدين الخارجي لتركيا بـ53 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو ثلث القروض المصرفية المقدمة للمستثمرين الأتراك هي بالعملة الأجنبية.

وحسب تقديرات، فإن الشركات التركية المعتمدة على واردات أميركية قد تكون المتضرر من فرض العقوبات الأميركية، مثل شركات السيارات، وبعض المنتجات البتروكيماوية، والمعدات الآلية، والفحم، والورق، والمكسرات، والأرز. يذكر أن العلاقات التجارية بين تركيا والولايات المتحدة في عهد ترمب شهدت زيادة بمعدل 16.6 في المائة. وبلغت صادرات الولايات المتحدة إلى تركيا في العام الماضي نحو 9.7 مليار دولار، فيما قدرت الصادرات التركية إلى أميركا بـ9.4 مليار دولار. ويبدو أن العقوبات الأميركية لن تكون ذات تأثير كبير «إلا إذا لجأت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات تؤثر على الشراكات التجارية التركية مع دول أخرى».

مسارات العلاقات التركية - الأميركية

قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إن العلاقات التركية الأميركية يمكن إنقاذها وتحسينها، شريطة أن «تأخذ الإدارة الأميركية مخاوف تركيا الأمنية على محمل الجد». وفي مقال بعنوان «القاعدة الأساسية للعلاقات التركية الأميركية: الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة»، نُشر في صحيفة «ديلي صباح» التركية، قال كالين إن الولايات المتحدة اتخذت سلسلة من الخطوات في السنوات الأخيرة لتقويض شراكتها الاستراتيجية مع تركيا وإضعاف علاقات كانت قوية ومثمرة للجانبين». وأضاف: «تركيا لديها ما يبرر توقع فك الارتباط الأميركي مع مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، الذين يجرون حالياً محادثات مع نظام الأسد، دون تأخير».

وقال كالين إن «عدم رغبة إدارة ترمب في اتخاذ خطوات ملموسة للتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها منظمة فتح الله الإرهابية على الأراضي الأميركية وملاحقتها قضائياً كانت مخيبة للآمال، على أقل تقدير، بالنسبة لتركيا».

وأضاف كالين: «ربما يكون لدى الرئيس ترمب نوايا حسنة تجاه العلاقات مع الرئيس إردوغان وتركيا. سيكون هناك رد على ذلك عندما تستند العلاقة إلى الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة». وأشار في مقاله إلى أن التهديدات الموجهة لتركيا لن تجدي، مشيرا إلى أنها ستضر العلاقات بين البلدين.

نائب الرئيس الأميركي مايك بنس

نائب الرئيس الأميركي مايك بنس

ومع ذلك، فإن أغلب المؤشرات تشير إلى أن العلاقات التركية – الأميركية قد تشهد المزيد من التوترات، غير أنها توترات لن تتحول إلى صدام مفتوح بين الجانبين. فعلى الرغم من تصاعد حدة التصريحات المتبادلة فإن إخراج برانسون من السجن ووضعه رهن الإقامة الجبرية، ربما يشير إلى أن أنقرة تعي جيدا مخاطر التصعيد ضد واشنطن، والتي تدرك، بدورها أن العلاقات بين البلدين تستند على ميراث تاريخي يسمح باستيعاب التوتر وتخفيض حدته، فمنذ عام 1947. تضطلع الولايات المتحدة بأدوار مباشرة في ضمان أمن الدولة التركية، كما تعتمد واشنطن في تحركاتها العسكرية في الشرق الأوسط على الكثير من القواعد العسكرية التركية، استنادا إلى الاتفاق المشترك الموقع عام 1980، والذي يسمح للولايات المتحدة باستخدام 26 منشأة عسكرية تركية، مقابل حصول أنقرة على معدّات عسكرية أميركية.

وتعي واشنطن أهمية تركيا كأحد المفاتيح الرئيسية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، والبلقان، وآسيا الوسطى. وتتزايد الهواجس الأميركية بسبب تصاعد مظاهر التقارب التركي – الروسي، والذي قد يأخذ دفعة جديدة حال تصاعد أوجه الخلافات التركية – الأميركية. ولا ينفصل ذلك عن التحسن الذي بدأت تشهده علاقات تركيا بالكثير من البلدان الأوروبية، فقد قررت هولندا إعادة سفيرها لأنقرة، وقابلتها أنقرة بالمثل، ثم جاءت تصريحات الأمين العام لحلف الناتو في الذكرى السنوية الثانية لمحاولة الانقلاب العسكري في تركيا على النحو الذي يرضي أنقرة. هذا فيما أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية، أن الرئيس التركي سيقوم بزيارة رسمية إلى ألمانيا، في أواخر سبتمبر (أيلول) المقبل. وذكرت الصحيفة أن هذه الزيارة ستكون أول زيارة رسمية له إلى ألمانيا منذ عام 2014. والأولى أيضا منذ توليه رئاسة تركيا.

ربما يعكس ذلك أن الدول الغربية في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطاً على تركيا، فإنها تفتح للعلاقات المشتركة معها مسارات جانبية لتبقى دون ضرر يصل بها حد القطيعة. قد يفسر ذلك عرض واشنطن بيع منظومة صواريخ باتريوت لأنقرة، رغم اشتراط الأخيرة شراء المنظومة مع تقنيات تصنيعها. هذا إضافة إلى مستجدات الموقف الأميركي حيال التعاون مع أنقرة في مدينة منبج السورية، وقبلها حيال عملية «غصن الزيتون» بمدينة عفرين السورية. وربما يرتبط ذلك أيضا بإدراك واشنطن والكثير من الدول الغربية الأخرى أن استقرار جبهة تركيا الداخلية، سيما بعد الانتخابات الأخيرة، يدفع إلى اتباع استراتيجية «التحالفات المرنة»، التي تسمح بإدارة الخلاف على نحو لا يجعله يؤثر سلبا على مصالح مختلف الأطراف.


اشترك في النقاش