تريليونات الخدمات اللوجستية

بوابة إلى العالم.. ميناء الحاويات في هامبورغ - ألمانيا (غيتي).

بوابة إلى العالم.. ميناء الحاويات في هامبورغ - ألمانيا (غيتي).

القاهرة: حسين البطراوي

* الفجوة لا تزال قائمة بين البلاد المتقدمة النمو والدول النامية... والسعودية وضعت خطة لتحويل المملكة لمنصة لوجستية ضمن أهداف «رؤية 2030».

* تتكبد البلاد النامية خسائر كبيرة في محاولاتها التنافس في السوق العالمية... وثلاثة عوامل حوّلت سنغافورة إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية.

* تهديدات الأمن الإلكتروني تشكل خطراً على الخدمات اللوجستية... و78 % من البلاد مرتفعة الدخل وضعت خططاً للمواجهة.

يصل حجم صناعة الخدمات اللوجستية نحو 4.3 تريليون دولار، تؤثر على كل بلاد العالم تقريباً، واحتلت ألمانيا المرتبة الأولى في تصنيف البنك الدولي، فيما حلت الإمارات في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً، والأولى عربياً، وأدى تراجع الاهتمام بالخدمات اللوجستية إلى تأخر التجارة الإلكترونية في الوطن العربي، وتكبدت الدول النامية خسائر كبيرة في محاولة منافستها في السوق العالمية.

غير أن بعض الدول وضعت خططاً طموحة لتطوير الخدمات اللوجستية، منها المملكة العربية السعودية في إطار «رؤية 2030». والتي تأمل من خلالها في الوصول إلى المراكز العشرين الأولى عالمياً.

العمود الفقري

وتشير كارولين فرويند، مدير الاقتصاد الكلي والتجارة العالمية والاستثمار في مجموعة البنك الدولي، إلى أن الخدمات اللوجستية تمثل العمود الفقري للتجارة العالمية... وفي ظل زيادة انتشار سلاسل التوريد على مستوى العالم، فإن جودة الخدمات اللوجستية في بلد ما تمكنه من تحديد إمكانية مشاركته في الاقتصاد العالمي من عدمها.

والخدمات اللوجستية هي شبكة الخدمات التي تدعم الحركة المادية للبضائع داخل الحدود وعبرها. وتضم مجموعة من الأنشطة من بينها النقل والتخزين والوساطة والتسليم السريع وعمليات المحطات النهائية وحتى إدارة البيانات والمعلومات. وتعد درجة كفاءة نقل السلع عبر هذه الأنظمة إلى وجهاتها النهائية عنصراً رئيسيّاً في إتاحة الفرص التجارية للبلد.

وتقول كريستينا فيديرير، وهي خبيرة اقتصادية بقطاع الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والتجارة والاستثمار بمجموعة البنك الدولي: «في ظل ما تشهده التجارة الدولية من تشتت أكبر عبر سلاسل القيمة العالمية، تصبح الخدمات اللوجستية الجيدة أكثر أهمية من أي وقت مضى. إذ يمكن لاضطرابات بسيطة في إحدى سلاسل التوريد أن تنتشر بسرعة إلى بلاد ومناطق أخرى. إن تقرير إقامة روابط من أجل التنافس ومؤشر أداء الخدمات اللوجستية الخاص به يساعد الحكومات على فهم الارتباط بين الخدمات اللوجستية والتجارة والنمو، والسياسات التي يجب تفعيلها لتحقيق هدا النمو».

وتظهر البلاد مرتفعة الدخل، وخاصة في أوروبا الغربية، بشكل دائب كزعماء عالميين في مجال الخدمات اللوجستية. وسجلت البلاد مرتفعة الدخل في المتوسط درجات أفضل بنسبة 48 في المائة على مؤشر أداء الخدمات اللوجستية من البلاد منخفضة الدخل. فمن بين الثلاثين بلداً ذات الأداء الأعلى، هناك 24 بلداً أعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

ألمانيا الأولى عالمياً

وتسجل ألمانيا أعلى معدل إجمالي يمنحها المرتبة الأولى في أداء الخدمات اللوجستية للتجارة. فيما احتلت البلاد المرتفعة الدخل، التي تعد أطرافا فاعلة مهيمنة في سلاسل توريد المراتب الأعلى في أداء الخدمات اللوجستية. كما برزت من بين مجموعة البلاد المنخفضة والمتوسطة الدخل دول كبرى مثل الهند وإندونيسيا، وبلاد الأسواق الناشئة مثل فيتنام وساحل العاج، مسجلة أحسن أداءٍ في مجموعتها. أما البلاد التي احتلت الترتيب الأكثر انخفاضا فهي البلاد المنخفضة الدخل أو المعزولة أو الهشة أو التي تواجه صراعات أو اضطرابات.

أما بالنسبة للدول العربية، فقد حصدت الإمارات المركز الرابع عشر عالمياً، والأول عربياً، فيما جاءت قطر في المركز الثلاثين، وعمان 46. والسعودية 52، والكويت 59. ومصر 60، ولبنان 82، وتونس 104، والجزائر 107، والسودان 130، وأخيرا العراق في المركز 159.

استثمارات البنية التحتية

ويقول رانسوا - أرفيس، الخبير الاقتصادي في مجموعة البنك الدولي: «معظم البلاد تستثمر في الإصلاحات الخاصة بالخدمات اللوجستية، خاصة في مجالات بناء البنية التحتية وتيسير التبادل التجاري، بيد أنه رغم الجهد المبذول لتحديث الخدمات، ما زالت البلاد النامية تواجه الكثير من الصعوبات. وهذا يفسر استمرار الفجوة بين البلاد مرتفعة الدخل والأخرى منخفضة الدخل على مستوى أداء الخدمات اللوجستية».

غير أن الدخل لا يشكل وحده العنصر المحدد للدرجات المسجلة على مؤشر أداء الخدمات اللوجستية لبلد ما. فقد تفوق أداء كل من فيتنام وتايلاند ورواندا والصين والهند مقارنة بغيرها من فئات الدخل التي تتبعها. فهذه البلاد تتمتع بقدرة على الوصول إلى الموانئ البحرية أو مراكز النقل الدولية الكبيرة.

خسائر كبيرة

يعد أداء الخدمات اللوجستية عاملاً أساسياً للنمو الاقتصادي لكل بلد على حدة وقدرته التنافسية. ويؤدي عدم كفاءة الخدمات اللوجستية إلى زيادة تكلفة ممارسة أنشطة الأعمال وتقليص إمكانية التكامل مع سلاسل القيمة العالمية. وربما تتكبد البلاد النامية خسائر كبيرة للغاية في محاولاتها التنافس في السوق العالمية.

تقف مركبات «فولكسفاغن» قبل الشحن خارج المصنع في ميناء إمدن - ألمانيا (غيتي)

تقف مركبات «فولكسفاغن» قبل الشحن خارج المصنع في ميناء إمدن - ألمانيا (غيتي)

تفاوت على منحنى المؤشر

ظلت البلاد العشرة الأعلى أداءً محافظة على أداء ثابت نسبيّاً على مدار بضع سنوات مضت وهي في العادة بلاد مرتفعة الدخل في أوروبا. فمن بين الثلاثين بلداً ذات الأداء الأعلى، هناك 24 بلداً أعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

البلاد العشرة التي جاءت في ذيل قائمة الترتيب هي ذات دخل منخفض وأقل دخلاً في المتوسط. وهي إما بلاد هشة متأثرة بصراعات مسلحة أو كوارث طبيعية أو اضطرابات سياسية أو بلاد غير ساحلية تواجه بطبيعتها تحديات من جانب الجغرافيا أو وفورات الحجم عند التواصل مع سلاسل التوريد العالمية.

من بين البلاد ذات الدخل المنخفض والمتوسط، تتميز البلاد ذات الاقتصاد الضخم مثل الهند وإندونيسيا وبلاد الأسواق الناشئة مثل فيتنام وساحل العاج بأعلى أداء. ويحظى معظم هذه البلاد بفرص وصول إلى البحر أو تقع بالقرب من مراكز نقل رئيسية.

ويوجد حاليّاً نقص على مستوى المهنيين في مجال الخدمات اللوجستية في البلاد المتقدمة والنامية. وتحتاج البلاد المتقدمة إلى مزيد من العمال اليدويين، مثل سائقي الشاحنات، بينما تبحث البلاد النامية أكثر عن موظفين يشغلون مناصب إدارية.

تهديدات الأمن الإلكتروني

يرى عدد أكبر من البلاد أن تهديدات الأمن الإلكتروني تشكل خطراً على الخدمات اللوجستية. بيد أن 78 في المائة من البلاد مرتفعة الدخل عززت تأهبها، في الوقت الذي حذت حذوها 26 في المائة فقط من البلاد ذات الدخل المنخفض.

وﺑﺎﻟﻧظر إﻟﯽ أن 23 في المائة ﻣن ﺟﻣﯾﻊ اﻧﺑﻌﺎﺛﺎت ﺛﺎﻧﻲ أﮐﺳﯾد اﻟﮐرﺑون اﻟﻣرﺗﺑطﺔ ﺑﺎﻟطﺎﻗﺔ ﯾﻣﮐن أن ﺗﻌزى إﻟﯽ اﻟﻧﻘل، تعد اﻻﺳﺗداﻣﺔ اﻟﺑﯾﺋﯾﺔ ﻟﻟﺧدﻣﺎت اﻟﻟوجستية اتجاهاً ناشئاً مهمّاً. ومن الأرجح أن يبحث أصحاب الأداء القوي في مجال الخدمات اللوجستية عن خيارات شحن صديقة للبيئة. ففي البلاد الواقعة في الخُمْيس الأعلى على مؤشر أداء الخدمات اللوجستية، أشار 28 في المائة من المستجيبين إلى أن شركات الشحن غالباً ما تطلب خيارات شحن صديقة للبيئة. أما بالنسبة للخُمْيس الأدنى، فتنخفض هذه النسبة إلى 5 في المائة فقط.

امرأة في السوق في كيغالي - رواندا (غيتي).

امرأة في السوق في كيغالي - رواندا (غيتي).

تأخر الوطن العربي

وأرجع خبراء اقتصاديون تأخر التجارة الإلكترونية في الوطن العربي إلى غياب الاهتمام بالدعم اللوجستي، وغياب خطط تطوير هذه الخدمة بشكله الصحيح والتي تخدم قطاع التجارة الإلكتروني وكذلك تخدم القطاع التجاري بشكله العام التقليدي.

وأشاروا إلى قلة الاستثمار في هذا المجال من قبل رأس المال المحلي، وسيطرت الشركات الكبيرة العالمية التي تطبق سياستها الخاصة دون مراعاة خصوصية سوق الوطن العربي وخصوصية كل بلد ضمن نطاق الشرق الأوسط.

تواضع حجم السوق في الوطن العربي نسبياً لدى هذه الشركات العالمية مقارنة بأسواق أخرى، وبالتالي صرف النظر عن تطوير خدماتها في المنطقة العربية، وانعدام المنافسة بين الشركات مقدمة الخدمة سواء محلياً أو إقليمياً، وقد تنحصر في شركة واحدة، مما أدى لضعف التجارة الإلكترونية، وانحصر كثير من مواقع التجارة الإلكترونية ضمن حدود مدينة واحدة أو نطاق دولة واحدة، وهو ما يخالف مفهوم التجارة الإلكترونية وهو الوصول للعالمية وتخطي النطاقات الجغرافية.

سنغافورة مركز عالمي

أصبحت سنغافورة واحدة من أغنى بلاد آسيا، يعود هذا في جانب كبير منه إلى ظهورها كأعلى مراكز الخدمات اللوجستية أداءً في المنطقة. وأصبحت تلك المدينة الدولة الصغيرة حاضنة لأكبر ميناء للحاويات العابرة في العالم، حيث ترتبط بأكثر من 600 ميناء في العالم. وبلغت قيمة التجارة لتلك الدولة الجزيرة تعادل 3.5 مثل إجمالي ناتجها المحلي؛ فلم تكن الإنجازات التي حققتها سنغافورة من قبيل الصدفة، بل كانت نتيجة مزيج من السياسات العامة بعيدة النظر والمشاركة الواسعة من القطاع الخاص.

فسوق سنغافورة صغيرة نسبيا بالمقارنة بمراكز النقل الرئيسية الأخرى. ولكنها أقامت شبكات ربط كثيفة مع المئات من الموانئ في مختلف أنحاء العالم نتيجة سياسة توسعية استباقية.

فأبرمت هيئة الطيران المدني السنغافورية اتفاقيات للخدمات الجوية مع 130 دولة وإقليما لزيادة عدد رحلات الربط الجوي. وعمل الميناء عن كثب مع خطوط الشحن لبناء واحدة من أكثر شبكات النقل البحري كثافة في العالم.

وتمتلك سنغافورة شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع أكثر من 30 شريكا تجاريا لتعزيز سبل دخولها إلى الأسواق الرئيسية. وهذا يشجع الشركات في سائر سلسلة الخدمات اللوجستية على العمل من سنغافورة.

وأقام قطاع الخدمات اللوجستية في سنغافورة بنية أساسية ومنظومة إجراءات عالمية المستوى.

وعند استكمال ميناء الجيل القادم 2030، سيصبح ميناء سنغافورة قادرا على التعامل مع ما يعادل 65 مليون حاوية شحن، مما يجعله أكبر منشأة متكاملة في العالم.

يدرس الميناء استخدام المركبات الأوتوماتيكية التي تسير من دون سائق، وأجهزة الفحص الذكية لرصد مخالفات الشحن كالقرصنة، وأيضا استخدام أحدث الأدوات لتحليل البيانات للرصد المبكر لمواقع التكدس المروري.

في قطاع الطيران، يجري وضع خطط لمضاعفة سعة المطار. ويتم تشجيع شركات الشحن الجوي على استخدام سنغافورة من خلال بنية تحتية وإجراءات متخصصة. ومن ثم أقيم مجمع الخدمات اللوجستية بالمطار لاستقبال ومناولة الشحنات العاجلة، ومراكز التبريد لاستقبال البضائع المعرضة للتلف، والمرافق الإقليمية السريعة للتعامل مع أنشطة التجارة الإلكترونية المتزايدة. كما يتلقى العمال التدريب المنتظم الذي يمكنهم من مواكبة التقنيات الجديدة وامتلاك المهارات اللازمة للتعامل مع مختلف أنواع الشحنات.

ولتيسير التجارة، أطلقت سنغافورة عام 1989 أول نافذة وطنية موحدة في العالم ما لبثت فيما بعد أن وحدت إجراءات منح الأذون التجارية وحولتها إلى إجراءات رقمية. مع وجود أكثر من 35 جهة حكومية في هذا البرنامج، اقتضى هذا أن تغير الحكومة كلها نمطها الفكري من «التحكم في التجارة» إلى «تيسير التجارة». واليوم، يمكن التصديق على الأذون التجارية إلكترونيا خلال دقائق باستخدام استمارة إلكترونية واحدة.

طيار (يمين) يساعد أحد الحضور في تجربة محاكاة طائرة مقاتلة من طراز F - 15SG من شركة Boeing في معرض سنغافورة للطيران الذي أقيم في مركز شانغي للمعارض في سنغافورة (غيتي).

طيار (يمين) يساعد أحد الحضور في تجربة محاكاة طائرة مقاتلة من طراز F - 15SG من شركة Boeing في معرض سنغافورة للطيران الذي أقيم في مركز شانغي للمعارض في سنغافورة (غيتي).

مشاركة القطاع الخاص

تدرك الحكومة في سنغافورة أهمية إشراك القطاع الخاص في القرارات الخاصة بالسياسات. ومع مرور الوقت، شكل مشغلو الميناء والمطار مؤسسة واحدة لضمان استمرارهم في تلبية متطلبات هذه الصناعة. ومنذ تحولهما إلى مؤسسة، زاد حجم الشحن لدى هيئة ميناء سنغافورة PSA أضعافا مضاعفة، واستثمرت المؤسسة فيما يقرب من 40 محطة للشحن في مختلف أنحاء العالم. وقد شجعت منافسة القطاع الخاص أطراف الصناعة الفاعلين على أن يصبحوا أكثر مهارة من الناحية التجارية، وجعلت قطاع الخدمات اللوجستية في سنغافورة أكثر كفاءة.

كما جذبت الحكومة المستثمرين إلى سنغافورة من خلال توفير المناخ المواتي للاستثمار، وتقديم الحوافز الملائمة لإشراك القطاع الخاص. واليوم، أصبح هناك 20 من أكبر 25 شركة للخدمات اللوجستية في العالم تدير عملياتها العالمية أو الإقليمية من سنغافورة. وقد حفز وجود الكثير من الشركات ذات الثقل الكبير هنا الشركات المحلية على محاكاة المعايير الدولية.

كما يوصى بإجراء مشاورات مكثفة مع القطاع الخاص قبل التصديق على الاستثمارات العامة وذلك للتيقن من تلبية البنية التحتية التي يجري إنشاؤها للاحتياجات الفعلية للنشاط. كما تشجع الحكومة القطاع الخاص على الاستثمار في البنية التحتية التكميلية. على سبيل المثال، استثمرت شركة خدمات مطار سنغافورة المحدودة SATS وشركة فيديكس في مرافق الشحن الجوي، كمراكز الشحن البارد ومرافق الشحن الإقليمي السريع، مع مساعدة الحكومة في تشجيع الإقدام على مثل هذه الاستثمارات. ويتم التصدي الجماعي للتحديات حتى يكون للاستثمارات معنى وجدوى للقطاع الخاص. الشراكة القوية مع القطاع الخاص تضمن استدامة المبادرات من الناحية التجارية على المدى الطويل، وعدم تحولها إلى عبء على الأموال العامة.

حوض دبي الجاف في الإمارات العربية المتحدة (غيتي).

حوض دبي الجاف في الإمارات العربية المتحدة (غيتي).

السعودية... ورؤية 2030

وضعت المملكة العربية السعودية خطة لتحويل المملكة لمنصة لوجستية ضمن أهداف رؤية 2030. وقال خالد عبد الله البواردي الرئيس التنفيذي لشركة تاد للخدمات اللوجستية، إن أحد أهداف رؤية 2030 أن تكون المملكة منصة لوجستية، وأن تتقدم إلى المرتبة 25 عالمياً والأولى إقليمياً. وتابع: «إن أكبر المشكلات التي يعانيها هذا القطاع في المملكة، هي إجراءات التخليص الجمركي والتأخير الحاصل، وبحسب البنك الدولي فإن متوسط عدد أيام تخليص الحاوية في عام 2014 تسعة أيام، بينما في دبي يومان».

وتتمثل المشكلة الثانية في عدم توافر قطار لنقل البضائع بين ميناء جدة وميناء الدمام وميناء الجبيل والميناء الجاف في الرياض، أما المشكلة الثالثة فهي الحاجة إلى تطوير الموانئ وسرعة التنزيل والتحميل للسفن وزيادة عمق المياه لتتمكن الموانئ من استقبال السفن الكبيرة وتوفير مناطق حرة لإعادة التصدير.

فيما تتمثل المشكلة الرابعة في عدم توفر أراضي ومناطق لوجستية مخصصة للشركات اللوجستية وبأسعار منطقية في الموانئ أو مجاورة لها، والمشكلة الأخيرة هي أن النظام لا يسمح بإنشاء شركات خدمات لوجستية تقدم الخدمات اللوجستية كافة للعميل مثل باقي الدول المتقدمة لوجستيا، بمعنى أن الشركات في المملكة إما أن تكون ناقلا أو مخزنا أو مخلصا أو مستوردا ولا يحق لك الجمع بين بعض هذه النشاطات، مما يعني أنه من المستحيل تطوير هذا القطاع في السعودية من دون تغيير هذه الأنظمة القديمة التي مضى عليها عشرات السنين.

وأشار البواردي إلى أن الشركات التي تعمل في مجال خدمات لوجستية يجب أن تقدم الخدمات كافة تحت سقف واحد، بحيث لا يحتاج المستورد أو المصدر إلى التعامل مع أربع جهات للحصول على الخدمة، لذا يجب أن يسمح النظام للشركات اللوجستية بأن تكون مخلصا جمركيا وناقلا ومخزنا وموزعا ووكيل شحن جوي وبري ومستوردا، كما يجب تطوير خدمات التخليص الجمركي لتصبح إلكترونية لتسريع عملية التخليص.

كذلك تسهيل الحصول على ترخيص تخليص جمركي، حيث إن من شروطه أن يقوم مالك الشركة اللوجستية بالحصول على دورة مدتها أسبوعان في التخليص الجمركي ودورة في الحاسب الآلي ولا يسمح له الجمع بين التخليص والاستيراد أو التجارة، وحسب إفادة بعض المخلصين تحتاج من 6 إلى 8 أشهر للحصول على هذا الترخيص، لذا من شبه المستحيل أن تحصل عليه شركة لوجستية، بينما في دبي إذا كان لديك شركة لوجستية تقوم بتسجيلها لدى الجمارك وتفويض أحد الموظفين فخلال أسبوع تستطيع ممارسة التخليص الجمركي.

آلات لنقل الكبريت في نانتونغ بمقاطعة جيانغسو الصينية (غيتي).

آلات لنقل الكبريت في نانتونغ بمقاطعة جيانغسو الصينية (غيتي).

المساهمة في الاقتصاد

ونوه البواردي إلى أهمية قطاع الخدمات اللوجستية الكبيرة لأي اقتصاد، حيث إنه يساهم في تطور التجارة المحلية والدولية وزيادة تنافسية الدول، ويوظف ما نسبته 15 إلى 20 في المائة من القوى العاملة في بعض الدول المتقدمة، ففي دبي على سبيل المثال المدينة متقدمة لوجستيا، فيتوقع أن تبلغ مساهمة القطاع التجاري واللوجستي ما نسبته 50 في المائة من الناتج المحلي في عام 2025. كما أن نشاط النقل والتخزين والاتصالات ساهم بـ15.8 في المائة في الناتج المحلي، وكانت مساهمة القطاع البحري في الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي خلال العام 2015، تصل إلى 26.9 مليار درهم أي ما يعادل نسبة 7 في المائة.

وأشار إلى أن هناك خسائر كبيرة بسبب تأخر الخدمات اللوجستية في المملكة، وتطويرها يعني في المقام الأول إيقاف النزيف والخسارة الحالية للاقتصاد، وثانياً الاستفادة من الفرص الضائعة بسبب عدم استغلال موقع المملكة الاستراتيجي والبنية التحتية القائمة، ليس هذا فقط ولكن هناك أيضاً فائدة غير مباشرة لتطوير هذا القطاع ألا وهي تقليل عدد العمالة الوافدة في قطاع الصناعة والتجزئة. والسبب في ذلك، أن الشركات والمصانع في الوقت الحالي تضطر إلى بناء مستودعات خاصة بها وتوظيف ما لا يقل عن 20 إلى 100 موظف فقط للخدمات اللوجستية داخل الشركة، بينما لو تم تطوير القطاع فإن شركة لوجستية بـ50 موظفاً تستطيع أن تخدم 300 إلى 500 شركة ومصنع... «إذن هناك هدر مالي وبشري كبير»، ونوه البواردي إلى أن هناك ورشة عمل لتطوير هذا القطاع يقودها المجلس الاقتصادي الأعلى بدأنا نرى بوادرها رغم أنها لم تُخدم إعلامياً، ولكننا على أمل أن نرى نتائجها سريعاً وأن تكون بحجم التطلعات وأن تجعل المملكة الأول إقليمياً في هذا القطاع.


اشترك في النقاش