جدل جديد حول «فيسبوك»

فيدجي سيمو مديرة الانتاج في (فيسبوك) ، تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيفرلي هيلتون هوتيل 25- يوليو 2018 - كاليفورنيا. (غيتي)

فيدجي سيمو مديرة الانتاج في (فيسبوك) ، تتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيفرلي هيلتون هوتيل 25- يوليو 2018 - كاليفورنيا. (غيتي)

القاهرة: خالد أبو الروس

* نسبة البحث عن حذف حساب «فيسبوك» داخل المملكة المتحدة تضاعفت خلال مارس الماضي، كما كانت هناك نتائج مرتفعة أيضاً في كندا، والولايات المتحدة، ونيوزيلندا.

* يتجه البرلمان المصري لسن تشريع جديد لوضع قيود صارمة على «فيسبوك» و«تويتر» للقضاء على منصات الشائعات الموجهة لزعزعة استقرار الشارع ونشر الفوضى والإحباط بين المواطنين.

* إدارات جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وأطراف أخرى، يمتلكون عنا من المعلومات أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.

يلوح في الأفق جدل جديد حول «فيسبوك»، بعد أن حوّله البعض إلى «وسيلة تناحر». لكن لا أحد يتصور أن يصحو العالم ذات يوم على اختفاء مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أزمة التسريبات الأخيرة من «فيسبوك»، ومطالبات النخب في الغرب بحذف صفحاتهم من عليه، وكيف سيكون شكل التواصل من غير هذا الموقع الذي قرّب المسافة عبر العالم، خاصة أن هناك سوابق مماثلة حيث تلاشت غرف الدردشة والماسنجر، وغيرها، في السنوات الأخيرة.

وتجددت الدعوة إلى مقاطعة «فيسبوك» في الغرب بعد أن أكدت تقارير إعلامية بريطانية وأميركية أن شركة كامبريدج أناليتيكا لتحليل البيانات، جمعت معلومات وبيانات خاصة بأكثر من 50 مليون مستخدم على «فيسبوك»، لاستخدامها دون علمهم في الدعاية للرئيس دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016. كما تم الكشف أيضا عن أن الشركة ساهمت في التأثير إعلاميا في استفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي في نفس العام، فيما أفاد التقرير بأن الأمر لا يقتصر على «فيسبوك» فقط ولكنه شمل أيضا تطبيقات تابعة له مثل «إنستغرام» و«واتساب».

ووفقا لموقع «ميرور» البريطاني كانت هناك انتفاضة رقمية ضد «فيسبوك» منذ بداية أزمة التسريبات الأخيرة. وأوضح الباحثون أنهم أجروا دراسات على عمليات البحث التي يتم إجراؤها في 255 موقعا مختلفا داخل 17 دولة حول العالم، ووجدوا أن نسبة البحث عن حذف حساب «فيسبوك» داخل المملكة المتحدة تضاعفت خلال مارس (آذار) الماضي، كما كانت هناك نتائج مرتفعة أيضا في كندا، والولايات المتحدة، ونيوزيلندا.

أشرف شهاب

أشرف شهاب

وأكد محمد شمروخ، الكاتب الصحافي والمهتم بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي، أنه لو اختفى موقع «فيسبوك» بأي وسيلة، فحتما ستحل محله مواقع أخرى للتواصل الاجتماعي الإلكتروني. وقد يحدث الأمر من دون تدخل من أي جهة. فقد يؤدي تطور وسائل الاتصال الإلكتروني إلى إهمال «فيسبوك»، والتعامل معه على أنه وسيلة عفى عليها الزمن، في خضم هذا التسارع المذهل في تقنية الاتصال والهواتف الذكية.

واعتبر شمروخ «فيسبوك» موقعا ساءت سمعته بسبب أنه أصبح مرتعا لأي شخص ينشر أي مادة تحت أي زعم، فقد ضل من أنشد حقيقة أو شبه حقيقة على شبكة الإنترنت عامة وعلى «فيسبوك» خاصة، لأنها مواقع مستباحة يسهل التزوير فيها وتصلح للخطط الممنهجة وإن بدت العشوائية طابعها، فسوف يمل الناس «فيسبوك» لأنه مجتمع افتراضي قائم على الثرثرة ونشر الشائعات والمعلومات المغلوطة، ممن لديهم حسابات عليه، وهو رغم اتساعه فإنه في النهاية مجتمع مغلق، لاقتصار رواده على قوائم أصدقاء محددين أو الاشتراك في مجموعات مغلقة أو مفتوحة وبسبب سوء سمعته في نشر الشائعات وثقافة الابتذال والابتزاز والبذاءة، فسوف يهجره الناس وقد يعودون إلى الوسائط التقليدية لأن هناك جهات محددة مسؤولة عنها، فالمواقع الإلكترونية انتشرت انتشارا أفقدها ثقة المتابعين.

وأضاف شمروخ: «وقد يتغير شكل التواصل تبعا لطبيعة تقنية المواقع البديلة عن (فيسبوك)، فهناك مواقع منافسة له منافسة حادة وأصبح يفضلها الكثيرون لأنها تراعي الخصوصية أكثر وتتجنب العشوائية التي يعج بها. فقد تمضي سنوات قليلة نسمع بعدها من يسخر من ذكريات ارتبطت بموقع كان يمكن أن يقيم الدنيا ويقعدها اسمه (فيسبوك). ولعل أسوأ آثار ترتبت على انتشاره هو أنه وضع الناس أمام تجربة حقيقية للتعبير عن الرأي، من دون أي رقابة من أي جهة. فبمجرد كتابة (البوست) يمكن نشره بلا أدنى شكل من أشكال الرقابة الفورية من الموقع، إلا فيما ندر».

وعلى صعيد ذي صلة، وفي تطور سريع، يتجه البرلمان المصري لسن تشريع جديد من شأنه وضع قيود صارمة على «فيسبوك» و«تويتر» للقضاء على منصات الشائعات الموجهة لزعزعة استقرار الشارع ونشر الفوضى والإحباط بين المواطنين، وسط مخاوف من قوى سياسية، حيث أبدى بعض النشطاء مخاوفهم من تحول مثل هذا التشريع إلى أداة تعرقل الوصول الحر إلى مواقع التواصل.

علي مقلد

علي مقلد

ومن المتوقع أن يناقش البرلمان المصري مشروع القانون مع بداية دور الانعقاد المقبل، أواخر هذا العام، حسب المقترح المقدم من النائب بسام فليفل، عضو لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب، والذي أكد أن مشروع القانون الذي تقدم به حال إقراره سيساهم في الحفاظ على الأمن القومي، خاصة أن دخول مواقع التواصل الاجتماعي سيكون من خلال التسجيل برقم الهوية «الرقم القومي»، لافتا إلى استغلال قوى معادية لمواقع التواصل للتجسس على مصر وترويج الشائعات.

ويقول عادل حافظ، الكاتب، وأحد مستخدمي «فيسبوك»، إن العرب بصفه عامة، والمصريين بصفه خاصة، إذا تعودوا على شيء أدمنوه. ويضيف: «لا أعتقد أنه يمكن الشفاء من (فيسبوك) أو الاستغناء عنه بسهولة، لأنه أتاح متنفسا سهلا وميسورا لمستخدميه وهم جلوس في أي مكان، في المنزل أو المقهى أو حتى في المترو».

ويرى حافظ أنه من الصعوبة تصور غياب هذه النافذة التي توفر تواصلا غير مسبوق مع الأهل والأصدقاء والأقران في أي مكان. وكذلك التعبير عن الرأي، بل والتنفيس عن المكبوت النفسي الداخلي، والخوض حتى في أدق الأمور التي يراها الجيل الأكبر عمرا أسرارا.

ويشير أشرف شهاب رئيس شعبة محرري الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنقابة الصحافيين المصرية إلى أنه لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل أن وسائل التواصل الاجتماعي بين البشر، يمكن أن تتغير خلال أقل من ربع قرن، بشكل لم يسبق له مثيل على مدار التاريخ. فبالتحديد في فبراير (شباط) 2004 خرج أشهر موقع للتواصل الاجتماعي إلى النور، واليوم، بات عدد أعضاء هذا الموقع يزيد على مليار و234 مليون مشترك، كلهم تقريبا يستخدمون برنامج المحادثة الشهير التابع لـ«فيسبوك».

إنها دهشة عارمة تلك التي شعر بها الملايين من البشر بسبب امتلاكهم فرصا جديدة للتواصل الاجتماعي – الكوني - اللحظي، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، وبشكل يبدو مجانيا. كما يقول شهاب. ويضيف: «هذه الحرية في تشكيل المجموعات، وإنشاء الصفحات، ورفع الصور، وتحميل الفيديوهات، والمشاركة في الأحداث، وإجراء المحادثات، وغيرها من المميزات التي يتيحها موقع (فيسبوك)، وغيره من عشرات شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، رافقتها بعض السلوكيات، السلبية، غير المنضبطة، حيث يسيء البعض استغلال هذه الوسائل، لتتحول مع مرور الوقت، إلى وسائل للقطيعة، والتناحر، والتباغض، ولتصفية الحسابات، والصراعات السياسية، والفكرية».

ويتابع شهاب قائلا: «باختصار تم حرف الفكرة عن أهدافها الأساسية، وتم تحميل مواقع التواصل الاجتماعي ما لا تحتمل، والقليل فقط، هم من أدركوا الغرض الأساسي منها، وهي أنها مجرد أداة أو وسيلة للتواصل (أونلاين)، ولا ينبغي أن تلغي التواصل الحقيقي، حيث إن الإنسان كائن اجتماعي، بطبعه، ووسائل التواصل التكنولوجي حولته في واقع الأمر إلى كائن انعزالي منكفئ على الشاشة، منفصل عن الواقع المحيط به».

عادل حافظ

عادل حافظ

ويضيف أنه إذا كان البعض يعتقد أن الأضرار المعروفة والشائعة عن مواقع التواصل الاجتماعي قد فاقت منافعها، فإن ما خفي يتضمن وجود أضرار أشد خطورة، خصوصا بعدما اطلعنا على تفاصيل فضيحة «فيسبوك - كامبردج أناليتيكا»، واعتراف مارك زوكربرغ، مؤسس الموقع بتسريب بيانات نحو 87 مليون مشترك في أميركا وحدها، لاستغلالها في أغراض سياسية.

وأكد شهاب أن المعلومات التي يتم تجميعها عنا، والتي نكشف عنها بأنفسنا وبموافقتنا يفوق الخيال، فعلى وجه التقريب، لا يوجد تطبيق من تطبيقات الهواتف الذكية، إلا ويطلب تصريحات للوصول إلى جميع البيانات الشخصية، وبمجرد الموافقة، تبدأ جهات أخرى عملها، سواء لأغراض سياسية، أو إعلانية، وبمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدرات تصنيف وتحليل المعلومات، والتنبؤ بسلوكيات المستخدمين.

ويضيف أن إدارات جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وأطراف أخرى، يمتلكون عنا من المعلومات أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، فإذا كان البعض يفكر في التخلص من «فيسبوك»، وإلغاء حسابه بسبب تخوفه من قضايا الخصوصية، فإن عشرات المواقع والتطبيقات الأخرى تقوم بنفس الشيء، وأكثر، وهو ليس التطبيق الوحيد الذي يستولي على معلوماتك بإرادتك.

وكشف شهاب عن أن الحل الأمثل هو التركيز على قضايا الخصوصية، والحذر الشديد عند استخدام أي تطبيقات، أو منح أي أذونات أو تصريحات بالوصول لبياناتك الشخصية. ولا تستخدم إلا التطبيقات الموثوق فيها. وقم فورا بحذف أي تطبيق لا تستخدمه، فهذا بالتأكيد أفضل من التخلص من «فيسبوك».

أماني ألبرت، أستاذة العلاقات العامة بكلية الإعلام جامعة بني سويف، تؤكد تضاعف عدد مستخدمي الإنترنت خلال السنوات القليلة الماضية بشكل كبير على مستوى العالم، وأن النسبة الأكبر من المستخدمين تتجه نحو شبكات التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، فحدث تحول في قوة التأثير على الجمهور.

وتشير ألبرت إلى أنه لولا وسائل التواصل الاجتماعي ما كانت لتحدث أحداث سياسية ضخمة، وما كان ليتم حشد الآلاف من المواطنين وتحفيزهم خاصة في ثورات الربيع العربي، ومن دون «فيسبوك» ستخسر مؤسسات وشركات كثيرة قناة اتصالية ووسيلة تواصل سريعة وغير مكلفة تستخدمها في التسويق والدعاية لمنتجاتها أو أنشطتها.

وأردفت قائلة أنه اعتاد الأشخاص استخدام «فيسبوك». وتدل الإحصائيات والدراسات على أن متوسط استخدام كثير من الأفراد له يمتد إلى ساعات يدخل خلالها أكثر من مرة يوميًا على حساباته، للتعرف على الأحداث والقضايا ولمشاركة الأفكار والآراء وللتسلية وشغل أوقات الفراغ، والتواصل مع الآخرين.

وتضيف أن هذا الاعتياد قد يتحول إلى إدمان يجعله مرجعية في الحصول على المعلومات، والبحث عن الأشياء، والأشخاص، أو لمجرد التصفح بلا هدف. وهذا الاعتياد يخلق بينهم وبينه رابطا انفعاليا وميلا قويا للرجوع إليه مرة أخرى، كمركز للأمن النفسي والطمأنينة الداخلية، بأن الفرد متحكم في عالمه، ويستطيع الوصول لمن أو ما يريد من معلومات. وتضيف: يشعر أنه من دون «فيسبوك» سيلفه الخواء وفقدان شعور ما من الطمأنينة أو بفقدان حلقة التعلق الآمن التي كان يرتكن عليها في عالمه.

محمد شمروخ

محمد شمروخ

ومن جانبه أوضح علي مقلد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن مواقع التواصل الاجتماعي خاصة «فيسبوك» كان لها شقان، إيجابي وسلبي، كطبيعة كل الأشياء. فمن إيجابياته أنه زاد من حجم التواصل بين الناس عبر الحدود، وبات منصة مفتوحة للتعبير عن الرأي، دون رقابة أو قيود، كما ساهم في نشر الأحداث والوقائع عبر العالم، وصار كل شخص عبارة عن مخبر صحافي في محيطه، ومحلل سياسي أيضا، مما أدى إلى ثراء فكري وثقافي ومعلوماتي غير مسبوق، لكن بالطبع هناك جوانب سيئة مثل التشهير وتزييف الأخبار والوقائع والتحريض على العنف والإرهاب والابتزاز المادي والمعنوي.

ويضيف مقلد: كذلك الأمر عند اختفاء «فيسبوك» سيكون هناك شقان إيجابي وسلبي، فالإيجابي أنه يمثل ضربة قاصمة لحسابات التيارات المتطرفة والإرهابية وعصابات المافيا والجرائم العابرة للحدود، حيث يحول ذلك دون تواصل سلس بين القيادة والقواعد مما يسهل مهمة رجال الأمن، خاصة أن التنظيمات الإرهابية كانت من أكثر المستفيدين من مثل هذه المواقع.

ويرى مقلد أنه إذا كانت هناك إيجابيات في اختفاء مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، فله سلبيات مؤلمة أيضا، حيث ستختفي منصات إعلامية مهمة، اتخذت من «فيسبوك» نافذة لإيصال وجهات نظر غير تقليدية وغير نمطية، وسيكون أكثر المتضررين من ذلك الأحزاب السياسية خاصة تلك التي لا تمتلك نوافذ إعلامية تقليدية، كما سيتضرر السياسيون والمفكرون والحقوقيون الذين اتخذوا من «فيسبوك» منبرا لإبداء آرائهم في كل شاردة وواردة في الشأن المحلي أو الدولي.

كذلك سيشعر الشباب الذي تربى في غياهب الواقع الافتراضي بغربة غير مسبوقة ربما تدفع بعضهم للاكتئاب أو الانتحار فبعض الشباب لم يبن لنفسه محيطا اجتماعيا واقعيا وكل صداقاته وتعاملاته بل ومشاعره يبثها من خلف شاشات الهاتف المحمول والكومبيوتر، فإذا ضاع منه كل ذلك فجأة سيصبح كمن فقد ذاكرته.


اشترك في النقاش