كيف قدمت السينما المصرية العاملين في حقل الإعلان التجاري؟

مشهد من فيلم "واحدة بواحدة" للفنان عادل إمام والنجمة ميرفت أمين وفي الإطار الأفيش التجاري للفيلم

مشهد من فيلم "واحدة بواحدة" للفنان عادل إمام والنجمة ميرفت أمين وفي الإطار الأفيش التجاري للفيلم

جدة: معتصم الفلو

* في العصر الحديث، أصبح الإعلان التجاري صناعة قائمة بذاتها، لا يعلم الكثيرون عن خفاياها والأشخاص الذين يقفون خلفها، فهي أشبه بالأندية المغلقة.

* الإعلان التجاري هو ذراع التسويق الرئيسية لأي منتج، ووكالات الإعلان هي المصدر الرئيسي للمواد الترويجية، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة.

* نحن بانتظار يوم تخرج علينا فيه السينما المصرية بأفلام تنصف العاملين في الإعلان وتظهرهم أشخاصاً عاديين؛ دون مبالغة أو تصنيف.

«قل للمليحة في الخمار الأسود.. ماذا فعلتِ بناسك متعبد»...

قد تكون هذه القصيدة، التي تغنى بها كبار المطربين، أولى محاولات الإعلان التجاري لدى العرب! وتقول القصة التي أوردها المؤلف العربي ابن حجة الحموي في كتابه «ثمرات الأوراق» إن تاجرًا شكا إلى الشاعر الأموي الزاهد مسكين الدارمي أنه باع كل الخمر (جمع خمار) التي لديه؛ عدا السود منها، فأنشد الدارمي صاحب الشهرة الذائعة قصيدة «قل للمليحة»، فتسابقت النساء على شراء الخمار الأسود، ظنًا منهن أن الدارمي ترك الزهد وعشق ذات الخمار الأسود!

أما في العصر الحديث، فقد أصبح الإعلان التجاري صناعة قائمة بذاتها. صحيح أن العرب لم يسهموا بتطويرها حتى بعد قرون من التغني بـ«قل للمليحة» لتصل إلى المستوى الذي هي عليه الآن، إلا أنها صناعة ناهضة وضرورية لا يعلم الكثيرون عن خفاياها والأشخاص الذين يقفون خلفها، فهي أشبه بالأندية المغلقة، التي يصعب الدخول إليها إلا عن طريق عراب أو صديق!

مشهد من فيلم "واحدة بواحدة" للفنان عادل إمام والنجمة ميرفت أمين وفي الإطار الأفيش التجاري للفيلم

مشهد من فيلم "واحدة بواحدة" للفنان عادل إمام والنجمة ميرفت أمين وفي الإطار الأفيش التجاري للفيلم

ولحسن الحظ أو لسوئه، اختارت السينما المصرية الإعلان التجاري أو العاملين فيه موضوعًا لعدد محدود من أفلامها، سواء كان ذلك اقتباسًا أو تأليفًا خالصًا، جميعها صوّر هذا القطاع بجرعات كبيرة من السلبية، وخلق صورة نمطية بالغة السوء. وقد اخترنا هنا 3 أفلام أنتجت في حقب زمنية مختلفة، وهي «واحدة بواحدة» (عام 1984) و«خالي من الكولسترول» (2005) و«كدبة كل يوم» (2016). فكيف قدمت تلك الأفلام قطاع الإعلان التجاري والعاملين فيه؟

«الفنكوش»… سقوط أخلاقي وإغراء

يتناول فيلم «واحدة بواحدة» الشهير بـ«الفنكوش»، وهو مقتبس عن الفيلم الأميركي «Lover Come Back»، قصة تنافس بين وكالتي إعلانات هما «أوسكار» التي يديرها صلاح فؤاد (عادل إمام) و«حسن وحسني وحسنين» التي تديرها مايسة (ميرفت أمين).

يجسد صلاح فؤاد جميع ما في هذا العالم من الفسوق والانحلال ويستخدم أساليب الإغراء الجنسي الرخيص لكسب المزيد من العملاء. فهو يستغل خدمات الراقصة زيزي روكا (زيزي مصطفى) لكسب عقد إعلانات دسم من مرسي (علي الشريف) صاحب مصنع الورنيش. وتتوالى أحداث الفيلم عندما يتورط في إعلان وهمي لمنتج وهمي اسمه «الفنكوش» لمنع زيزي روكا من الشهادة ضده لأنه تلاعب بها ولم يف بوعده لها بجعلها نجمة إعلانات.

أما مايسة، فهي شخصية مهنية، وتحاول كسب عقود الإعلانات عبر تقديم الأفكار الإبداعية الحقيقية، إلا أنها تفشل في مساعيها؛ نظرًا لاتباعها قواعد المنافسة الشريفة. ومع ذلك، يظهر مالك وكالة الإعلانات التي تعمل فيها مايسة أقرب إلى تحبيذ استخدام الإغراء. كما تظهر مايسة بقدر هائل من السذاجة إلى درجة أن صلاح فؤاد نجح في خداعها وإغراقها في شباكه عندما انتحل شخصية الدكتور أيوب (محمود الزهيري)، المطلوب منه تقديم اختراع الفنكوش، بل إنها تظهر بعض الرخاوة «ضمن حدود» في سبيل كسب قلب الدكتور أيوب المزيف. كما أنها هي نفسها صارت في سباق مع صلاح فؤاد للحصول على «الفنكوش» الوهمي، وهي تعرف ذلك جيدًا.

إن تعرضها للخداع بسهولة وسعيها إلى «الفنكوش» يحمل 3 رسائل، أولها أنها لا تعرف العاملين في القطاع بشكل جيد، وهو نقيصة كبيرة، والثانية أن من لا يستخدم الأساليب الملتوية في عالم الإعلان، لن يحالفه النجاح، أما الثالثة فهي أنه حتى الأشخاص الأخلاقيون في هذه الصناعة لا يردعهم شيء إذا كان لديهم ثأر مع أحد.

يكتفي «واحدة بواحدة» بإظهار قادة صناعة الإعلان التجاري، ويستعرض أخلاقياتهم وطريقة تفكيرهم وأساليبهم في العمل، لكنه لا يتعرض لآليات العمل اليومية في وكالات الإعلان، فهو لا يظهر محرري الإعلانات ولا المخرجين الفنيين ولا أقسام خدمة العملاء المخولة بالتواصل مع العملاء وبيع الأفكار كما يفعل الفيلم الثاني.

إدمان وتضليل وكذب لا محدود

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

في سبيل إقناع المستهلكين، وبخاصة الطبقات المتوسطة والأقل حظًا، التي تشكل معظم فئات الجمهور المستهدف، لا يتورع مدير وكالة الإعلان يونس (حسن حسني) في فيلم «خالي من الكولسترول» عن استخدام وسائله الرخيصة وابتكار الحيل والخوض في حبائل الكذب ليرضي عملاءه من الشركات المنتجة للمواد الغذائية والاستهلاكية. فيقوم بتوظيف أيوب (أشرف عبد الباقي) الفنان الموهوب الذي تربى على يد والدته جميلة (إلهام شاهين) ذات الاحتياجات الذهنية الخاصة، التي جعلتها كالأطفال، وهو الأمر الذي استغله يونس في جعل جميلة مصدرًا للإلهام وتوليد أفكار شيقة وجديدة للمضمون الإعلاني الذي يقدمه أيوب لمنتجات الأطفال.

يكثر يونس من عبارات «لازم نبيع.. هي دي كل الحكاية»، وحتى لو كان المنتج سيئًا، فإن ذلك فرصة لكي «يصرف العميل المزيد من المال لتسويق منتجه الرديء»، فينقلب «العيب ميزة» ويطلب المستهلك المزيد منه.

تدور أحداث «خالي من الكولسترول» في وكالة إعلانات حقيقية، تتضمن كوادر العمل من كتاب ومخرجين فنيين وخدمة عملاء، يؤدون العمل بدقة، فضغط العمل ومتطلبات العملاء ومواعيد إنتاج وبث الإعلانات هي بالضبط ما يحصل على أرض الواقع.

وكلما كان يستشعر أيوب أن ما يقدمه من إعلانات على الشاشات واللوحات الإعلانية يحمل كمًا كبيرًا من التضليل، فيسهل له مديره يونس الحصول على المخدرات بنوعيها، الخفيف كحشيشة الكيف، وصولاً إلى النوع الثقيل المتمثل في «البودرة» كالكوكايين أو الهيروين من أجل أن ينسى ويموت ضميره ويواصل مهمته، وكأن صانع الإعلانات مشغول في مهمة تضليل المستهلكين والضحك على ذقونهم طوال اليوم ويحتاج إلى غياب العقل ليبتكر المزيد من الكذب ويتجنب تأنيب الضمير.

تقع الواقعة عندما تتوفى والدة فنان الإعلانات أيوب بعد استهلاكها أحد المنتجات التي يروجها، حيث إنه هو نفسه لم يعلم أن الزيت الذي يسوقه يتسبب في ارتفاع الكولسترول في الدم، مما يؤدي إلى فناء والدته. تدفعه الصدمة إلى الاستقالة، لكن يونس يطلب منه تسديد ثمن «البودرة»، لأنه مدمن وتكاليف الإدمان عالية، أجبرته على سحب رواتبه مقدمًا، فينتقم منه بتصوير مقاطع إعلانية مضادة للمنتجات التي يسوقها. وتقع الكارثة عندما يعرض تلك المقاطع على شاشة التلفزيون الرسمي بعد إشغال المسؤول عن العرض، فتظهر حقيقة السمن والزيوت على أنها تجعل المستهلك يموت بـ«سعادة» لدى تناولها!

يصور الفيلم عالم الإعلان التجاري على أنه «جريمة منظمة» متكاملة الأركان، يختلط فيها الإغراء الجنسي بالإدمان والترويج للمخدرات في أوساط العاملين، إلى جانب غسل الأدمغة بمنهجية منظمة عبر محاصرة المستهلكين ببضائع رديئة وإجبارهم على شرائها عبر اللعب على وتر العقل الواعي بالصور المثيرة وتحفيز اللاوعي عبر الترويج للفوائد الوهمية والسعادة الزائفة والراحة اللامتناهية التي يمنحها المنتج للمستهلكين، وكذلك تقليد حياة المشاهير أو الأثرياء في أسلوب حياتهم.

فائض من التراخي الأخلاقي

الفيلم الأخير الذي نعرض له هنا هو «كدبة كل يوم»، وهو من الأعمال السينمائية الحديثة ذات الطابع الكوميدي اللطيف. لا يشرح الفيلم حياة صانعي الإعلانات. فقط المشهد الأول من الفيلم يأخذ من إحدى الوكالات الإعلانية بداية لقصته. يمتاز الفيلم ببطولة جماعية لمختلف أجيال الممثلين المصريين، أما الموضوع الرئيسي فهو الفتور العاطفي بين الأزواج وفقدان الانجذاب النفسي والجنسي في قالب كوميدي، تدور أكثر من 90 في المائة من أحداثه في منتجع سياحي بحري. لكن تركيزنا هنا هو على هشام (عمرو يوسف) وهادية (درة التونسية) اللذين يعملان في حقل الإعلان.

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

يفتتح الفيلم مشهده الأول بمحاولة الخروج بمفهوم جديد عن أحد مشروبات الطاقة، ويظهر نزق هشام من تكرار الأفكار والجفاف الإبداعي، وهو أمر لا يمكن إنكاره، فيما تحاول صديقته المقربة جدًا والموظفة معه هادية، التهدئة من روعه. ثم يدور بينهما حوار حول أحد الموظفين في الوكالة ممن تزوجوا حديثًا، ولكنه خان شريكته، وتسرب له مقطعاً فاضحاً على موقع «يوتيوب»، لكنه حصل على المساعدة اللازمة لإخفاء جريمته عبر الطلب من «يوتيوب» حذف المقطع بشكل نهائي.

يذهب هشام وزوجته عائشة (دينا الشربيني) مع هادية وزوجها عادل (محمد ممدوح) في رحلة جماعية إلى الساحل الشمالي (أحد أبرز المناطق السياحية في مصر). ويتنبه هشام فجأة إلى الاقتراب من نقطة تفتيش للشرطة وأن عليه إخفاء قطعة حشيشة الكيف التي بحوزته، فتأخذها هادية وتخفيها في موضع حرج! ويدور حديث حاد قليلاً حول تعاطي حشيشة الكيف، تخرج منه أن هشام وهادية يعتبران الأمر طبيعيًا للغاية.

وفي مشهد آخر، تظهر هادية مع زوجها على فراش النوم، وهي تضحك أثناء قراءة نكتة، وعندما تشارك زوجها عادل الضحك، فيكتشف أن النكتة «قبيحة» ذات مضمون جنسي، وأن من أرسلها هو زميلها في الوكالة، مما يثير جوًا من الاستياء بينهما!

إذا جمعنا قصة موظف الإعلانات الخائن لزوجته مع التهاون الكبير في قبول تعاطي المخدرات الخفيفة وقبول تراسل النكات ذات الطابع الجنسي، تتكون صورة يكتنفها الكثير من السلبية حول أخلاقيات العاملين في حقل الإعلان التجاري. فهي تظهرهم بصورة أشخاص لديهم فائض كبير من التراخي الأخلاقي وسهولة تجاوز الأعراف والحدود.

هل تعكس الأفلام الواقع؟

لا يختلف اثنان على أن الإعلان التجاري هو ذراع التسويق الرئيسية لأي منتج، بغرض زيادة البيع وتعريف المستهلك وزيادة الولاء، إلى غير ذلك من الأهداف المشروعة. أما وكالات الإعلان، فهي المصدر الرئيسي للمواد الترويجية، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة، إلى جانب تصميم الأغلفة وبناء الهوية التجارية وهيكلتها وغير ذلك من الأعمال.

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

فنانون من الزمن الجميل قاموا باعلانات تجارية لمنتجات مصرية من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم وسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والراقصة تحية كاريوكا

ما تعكسه الأفلام الثلاثة حول شخصيات العاملين في هذا الحقل ليس بالضرورة أن يكون مختصًا بهم دون غيرهم، لكنها تصورهم على أنهم جميعاً كذلك. فجميع القطاعات تحتوي على أشخاص فاسدين أو مدمنين أو كاذبين، سواء في السياسة أو التعليم أو الصناعة أو غيرها من القطاعات.

أما بالنسبة لتعاطي المخدرات الخفيفة والثقيلة، فهو أمر شائع في كثير من الصناعات الإبداعية، لكن ليس الجميع على هذا النحو. وحتى بالنسبة لاستخدام الإغواء في كسب الصفقات، فهي ليست مختصة بالقطاع الإعلاني دون غيره. فتاريخ رجال السياسة حول العالم حافل بالخوض في علاقات نسائية متشعبة مع استخدام عنصر الإغراء لتحصيل المكاسب السياسية.

العالم العربي مغرم بـ«التنميط»، فلا بد من خلع صفات محددة على أي فئة مهنية أو عرقية أو جنسية أو دينية، مثل العاملين في قطاع الطيران والطب والتمريض والترفيه والتمثيل والغناء والإعلان والإعلام، إلى جانب الأقليات الدينية والمذهبية وغيرها.

ولا نزال بانتظار يوم تخرج علينا فيه السينما المصرية بأفلام تنصف العاملين في حقل الإعلان وتظهرهم كأشخاص عاديين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم؛ دون مبالغة أو تصنيف، فليس كل البيض فاسد أو صالح في سلة الإعلان التجاري!


اشترك في النقاش