مذكرات أبى فرات (1)..محمد مهدي الجواهري:أوازي المتنبي في شعره.. أو لعلني الثاني بعده

الجواهري في بيته

الجواهري في بيته

براغ: هدى المر

•الجواهري:لا أنتمي إلى أي تنظيم.. وهويتي الوحيدة.. الإسلام
•لا مركز أدبيًا في العالم يضاهي النجف..حيث ولدت[/blockquote]

سجلت «المجلة» عام 1982 ،ذكريات الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري نقلا عن لسانه من العاصمة التشيكية براغ التي أقام بها الراحل (أبو فرات) عدة سنوات، وتنشرها في حلقات،هنا الأولى منها.
وكي لا نستبقه سرد تفاصيل يومياته، نتركه يروي حياته، كل حياة محمد مهدي الجواهري، حرفيا دون أن تتخلل هذا السرد أسئلة تقتطع عليه سياق ذكرياته.

ويبدأ الجواهري هذا السياق فيقول:

«من الصعب أن يعرف الإنسان كيف كون نفسه. ولا يحصى عدد الأشخاص الذين سألوني: كيف كونت نفسك يا جواهري؟
وكان ردى الدائم: ماذا تقصدون بكيف كونت نفسي؟ أتريدون جوابا حول كيفية تعلمي القراءة والكتابة، ومتى تعلقت بالحروف العربية، وبدأت أصوغها كلمات وأشعارًا؟ هذه أسئلة بسيطة ومألوفة ولا تعطي فكرة عن تكويني النفسي. فكل الشعراء تعلموا وتتلمذوا عبر قراءة الشعر العربي القديم والحديث. وهذا سؤال لا يخضع للغة الأدب المتعارف عليها اليوم.
كيف كونت نفسك يا مهدي وأنت تعبر بوابة الثمانين؟ اليوم ابتدأت أعرف معنى هذه الجملة. اليوم فقط عرفت ماذا يعنى الفيلسوف أرسطوطاليس بكلمته الشهيرة «اعرف نفسك».
في الماضي، يوم قرأت هذه العبارة، قلت: ما هذا الغباء؟ وهل هناك إنسان لا يعرف نفسه؟ يومها لم أكن أدري إلى ماذا يرمي هذا الفيلسوف بعبارته تلك. أما الآن، وأنا أتخطى عتبة الثمانين، عرفت معنى هذه العبارة. وهي، أن تعرف الكائنات من حولك وتلم بطبيعة كل ما يدور في فلك الحياة. وكاذب كل من يدعي أنه يعرف نفسه. لأنني كنت واحدًا منهم. ولو عاد المتنبي – هذا الشاعر الكبير، الذي يقال إنني أوازيه مرتبة من حيث المستوى الشعري أو لعلني أكون ثانيا بعده – لو عاد وسئل: كيف كونت نفسك يا متنبي، لما استطاع الإجابة الصحيحة على ذلك. وعلى ما أظن لقال: «ولدت.. وعشت ثم ذبحت في الكوفة».
 

عبرة من أحمد أمين

وتحضرني الآن ذكرى حديث جرى بيني وبين الأستاذ أحمد أمين – رحمة الله عليه – وقد علق هذا الحديث بذهني لأنه ذو عمق وخلفية.
فقد حدثني الأستاذ أمين في الماضي البعيد قائلا: «يروى أن حاكم الصين قبل خمسة آلاف سنة – هذا الإمبراطور جمع مرة كل العلماء في بلاطه طالبا منهم تأريخ العالم. وكان جوابهم: سمعًا وطاعة. ومرت السنون، وكلما سأل الإمبراطور العلماء عما توصلوا إليه كان جوابهم: ما زلنا نبحث ونعمل. إلى أن قربت نهايته، فجمع العلماء ثانية وقال لهم: أنا الآن على فراش الموت، ورغبتي لم تتحقق حتى الآن، هل هناك من تفسير لتقاعسكم في تلبية طلبي؟ فأجابه أحدهم: يا إمبراطورنا العظيم، أنا أوجز لك ما طلبت: ولدوا.. فتعذبوا.. فماتوا. عندها قال الإمبراطور: هذا صحيح. وهذه فعلا هي الحياة».
ولو عاد اليوم المتنبي من قبره لقال: «ولدت.. فتعذبت وذبحت في الكوفة». وهذا ينطبق علي وعلى كل الناس.
أما إذا أردنا التحدث عن كيفية نشأتي وخوضي المعارك: كيف صعدت مرات وسقطت مرات؟ كيف حاربت وكيف حوربت؟ فهذه الأمور، سرد قصتها سهل للغاية. أما عملية تكوين النفس فهي شاقة ومتعبة. وكما شرحت، من الصعب سرد كيفية تكوين النفس.
تطلبين مني سرد سيرة حياتي منذ وعيت هذه الدنيا؟
أحيانا يعصاني الكلام. وأشرد. وهذا من حقي. ففي هذه الفترة، فترة بداياتي التي كانت هي الأساس – أي الأسطوانة الأولى أو بمعنى آخر حجر الأساس في بنائي – فما زلت حتى الآن أنوء بثقل تلك الفترة، فترة البدايات. أنوء تحت مجموعة انفعالات متناقضة: حلوة، مرة ومعقدة. وباختصار تحوي كل شيء. وأنا، إلى الآن، أعانى منها.
 

حيث ولدت

تتساءلين لماذا؟
الواقع أن البيئة التي ولدت فيها، أنا مهدي الجواهري، لها حسناتها ولها سيئاتها، ولها فعلها وردود فعلها. خاصة إذا ولد الإنسان في بيئة متخلفة، لا بل متخلفة جدا جدا.
لأعط مثلا: هناك اختلاف كبير وواضح بين إنسان ولد في لبنان في نهايات القرن العشرين، وآخر ولد في النجف مع بداية القرن العشرين. الفرق شاسع بين الاثنين. فالذي ولد في بيروت لا ينوء تحت الحمل الذي يرزح به كاهل مولود النجف قبل نحو قرن.
وإذا عدت إلى نفسي أقول: إلى الآن ما زلت أعانى من حملي الثقيل، كان الله في عوني. ولكن علي ألا أنسى حسنات بيئتي. وكما قلت في السابق، لكل بيئة حسنات وسيئات. وطبعا لا أريد أن أظلم بلدي النجف وأهدره حقه. فرغم كل تخلفها، فهي تعتبر المركز الأول لتعاطي الشعر والأدب. ونادرا ما يوجد مركز أدبي أو ما يسمى «بيوتات الأدب» يضاهي النجف. حتى الموصل التي كانت تتمتع بالمراكز الأدبية القديمة، فهي لا تضاهيها.
في مدينتي (النجف) ترين العجب العجاب. حتى القصاب أو العامل، إذا أراد الاستراحة من عناء العمل، قرأ بعض أبيات من الشعر الجاهلي أو العباسي أو للسيد الحبوبي الذي كان آنذاك شاعر النجف.

وبلدتي، من هذا المنطلق الأدبي، تتميز عن العراق. بل عن كل البلاد العربية. والأسباب؟ يطول شرحها. ولا أنسى أنها أيضا مركز ديني يحج إليه المسلمون. ولا فرق بين طائفة وأخرى. والكل يذكر كيف أن الخلفاء العثمانيين كانوا، ما إن يتولى أحدهم الخلافة، حتى يزحف إلى النجف. وكذلك ملوك إيران، فما زالت تيجانهم معلقة حتى الآن على ضريح الإمام على رضي الله عنه.
من هنا تكونت بيئة مميزة في النجف. بيئة قاعدتها ترتكز على نقطتين أساسيتين هما: الدين والأدب. وإذا أردنا التفصيل لقلنا الدين لكونها – كما أشرت – مركزا دينيا يؤمه المسلمون، وبعضهم يبقى مددا طويلة ليحاور الإمام علي رضي الله عنه. وقد كان للأئمة من رجال الدين الكلمة الفصل، حتى في السياسة. وليس في العراق فحسب، بل خارجه أيضًا. وكانت كلمة من السيد أبو الحسن أو الشيخ النايني تشعل ثورة إذا شاء ذلك.
وما زال التاريخ يذكر ثورة العشرين. فهؤلاء، رجال الدين، هم الذين أطلقوا الشرارة الأولى فيها. وفي الماضي كانت كلمة الدين والإسلام بالذات هي القاسم المشترك لكل الأمة العربية.

من هنا أقول إن الظاهرتين الدينية والأدبية كانتا تلتقيان، وتصب كل منهما في مجرى الأخرى، وذلك بحكم فصاحة القرآن الكريم وبلاغته دينيا. أما أدبيا فمن منطلق الكتب الأدبية، مثل «نهج البلاغة» وكتب النحو وتصويب الكلمة وغيرها. كل هذه الكتب الأدبية كان يلتزم بها طالب الدين أيضا.
في هذه البيئة الدينية – الأدبية ولدت. كما أن المنزل الذي تربيت فيه كان يصب في المصب الديني بحكم أن والدي من عائلة دينية. قال الجواهري تكنوا باسم جدنا الكبير الشيخ محمد حسن صاحب الجواهري، وهو الذي ألف «الجواهر في الفقه الإسلامي» وهي موسوعة تضم مجلدات كثيرة ما زالت حتى يومنا هذا تعتبر السند العلمي لكل من أراد التبحر في الفقه والدين والعلم. ولنا في النجف مقبرة خاصة دونت عليها أبيات شعرية بالفسيفساء لصاحب الجواهري، وقد أصبحت الآن شبه مزار. وبحكم هذا الاتجاه في العائلة برز منا رجال عظام لهم مكانتهم في الفقه والدين، بعضهم: الشيخ باقر والشيخ حسن وقد كانا من مشاهير عصرهما، والشيخ حميد الذي كان عالما في الأصول، والشيخ عبد علي (جدي) والشيخ علي بن باقر الذي انتهت إليه الزعامة الدينية في العالم الإسلامي الشيعي، وخالي الشيخ عبد الرسول الذي كان عالما وأديبا وله مؤلفات كثيرة، فضلا عن تحقيقه «ديوان ابن الخياط» وطبعه في النجف.

ولا أنسى والدي الذي كان شاعرا رغم كونه رجل دين، وأخي عبد العزيز الذي كان هو أيضا شاعرًا وأديبا وقد توفاه الله قبل ست سنوات.
كما أنني تربيت مع علي الشرقي، الوزير السابق والشاعر المبدع. وهذا الأخير توفي والده وهو صغير، فعاش في منزلنا لكون والدي خاله. كنت أحب علي كثيرا، وكان هو يبادلني هذا الود، رغم فارق السن بيننا. إذ كنت أناديه «علي السخلة» لكونه قد رضع حليب الماعز وهو طفل، ولأن شعرة بيضاء عرفت الطريق إلى رأسه وهو ما زال في عهد الطفولة.
ما زلت أذكر أيام زمان. كنت كلما ناديته «علي السخلة» ضحك هو ونهرني والدي قائلا: تأدب يا مهدي. كان علي في العشرين من عمره بينما أنا في السادسة من عمري. ومقابل تسميتي له «علي السخلة» كان هو يناديني «أبو اللقمة الدسمة».. «أبو اللقمة الدسمة»
لماذا كان يلقبني هكذا؟
لتلك التسمية قصة لطيفة سأرويها بالتفصيل.
كان أبي أمره عجيب. فقد اصطفاني من بين كل إخوتي رغم أنني لم أكن البكر ولا خاتمة أولاده. ومع ذلك اختارني لأرافقه في حله وترحاله. وهذا التصرف كان يزعج أخي عبد العزيز (البكر) الذي كان يكبرني بسنوات. وكنا كلما اختلفنا انحاز والدي إلى صفي مؤنبا أخي وقائلا له: لماذا تزعج مهدي؟ ألأنه سيكون أحسن منك في المستقبل؟
والدي – رحمه الله – كان يصطحبني إلى كل مكان يذهب إليه رغم صغر سني.
كان يصطحبني حتى إلى مجالس الأدب والشعر. وكنت في أكثر الأحيان أنام وأصحو مرات كثيرة قبل أن ينفض المجلس الأدبي أو الديني. ولدى عودتنا إلى المنزل كنا نجد أمي وقد حضرت لسيد البيت المائدة التي تحوي ما لذ وطاب من مأكل. وبالطبع، أنا كنت الشريك الوحيد لوالدي بالتهام أشهى المأكولات وأطيبها. ومن هنا، من هذا المنطلق، كان علي الشرقي يناديني «أبو اللقمة الدسمة».
ورغم هذه السهرات المملة بالنسبة إلى صبي مثلي، فقد كانت مكافآتي، أحيانا، العودة إلى المنزل بعربة «الكارو» التي تجرها الخيول. فكانت فرحتي لا توصف.
ولم أكن أرضى الركوب داخل العربة بل إلى جانب السائق. ومنذ طفولتي وأنا أحب الحرية والانطلاق. فركوبي إلى جانب سائق الخيل في الهواء الطلق والليل المظلم كان يشعرني وكأنني أطير في المركبة الفضائية، متحررا من كل القيود.
وفي هذا الإطار، أو بالأحرى في هذا المنزل الصغير، نشأت. وهو يعتبر جزءا من المنزل الكبير، ألا وهو النجف. والأخير هو جزء من البيت الأكبر، العراق.
والبيئة التي تربيت فيها لا تعجبني حتى الآن، رغم مرور سبعين سنة على هذه الأحداث التي أرويها. السبب؟ أنها بيئة متخلفة. بل إنها ما زالت متخلفة جدا. وأحيانا تحضرني النكتة فأقول: إن هناك بلدانا قطعت مرحلة التخلف وصارت متحضرة وأخرى شبه متحضرة، وإن هناك بلدانا ما زالت مصرة على التخلف. والنجف مصرة على التخلف رغم كل المظاهر الدينية التي يجب أن تطهر وتنقي الإنسان. فقد كانت هناك أشياء تحدث لا يمكن أن يصدقها العقل. مثلا: المرأة عندنا ما زالت متخلفة، وبدل أن ترتدي عباءة واحدة. كما تقتضى الأصول والتقاليد. تلتف باثنتين: الواحدة فوق الأخرى.
ومن غرائب الأمور التي كانت تحدث في النجف أن الجرائد والمجلات كانت تصل خفية رغم أنها أدبية وإسلامية. ومع ذلك كانت لا تفتح أو تقرأ في صحن الإمام، وهو المكان الذي تعطى فيه الدروس الدينية والأدبية. كل المجلات كانت تقرأ خفية. وإذا ما أريد الاستهزاء بشخص ما قيل عنه: «الأخ مثقف.. متمدن». وإذا ما أرادوا تطوير هذه العبارة تصبح تهمة وليست فقط استهزاء. في هذه البيئة المليئة بالعقد والتناقضات، عشت نشأتي.
وكلمة حق تقال: إن رجال الدين كانوا منزهين، إنما الحاشية التي أحاطت بهم كانت من أسوأ ما في النجف.

 

بعض السلبيات

ولعلها كانت حاشية من المتملقين باسم الدين. كانت تجبي الأموال الطائلة (زكاة) من مختلف أقطار العالم وتأخذ من الأموال التي أوصى بها أصحابها قبل مماتهم لتوزع على الفقراء والمحتاجين من أبناء المسلمين.
هذه الحاشية، بدل أن تعمل بوصايا الممولين المتبرعين كانت تتقاسم الأموال بين بعضها البعض مما نتج عن ذلك بيئة فاسدة. بحيث تجدين منزلا يحتوى على كل ما لذ وطاب من مأكل بينما حوله عشرات المنازل ترتع في فقر مدقع.
تصوري المفارقات: بيئة دينية صرفة، في كل منزل مصلى وفي كل شارع مسجد وفي كل حارة إمام. ماذا نتج عن هذه البيئة؟
بالنسبة إلي، ما زلت أعانى معاناة كبيرة من تلك البيئة. لكن حسنتها الوحيدة أنها خلقتني ثائرًا، رغم أنني لست منتميًا إلى أي تنظيم، ولا هوية لي سوى الإسلام. لكنني ألتقي مع كل ثائر باسم الإسلام: أمد له يدي وأصافحه.
وباسم الثورة على المجتمع الفاسد أنا معه لأحارب إلى جانبه. وربما هذا عائد لكوني حساسا منذ كنت طفلا. وقد كان يضرب بشفافيتي المثل.
ما زلت أذكر تلك الأيام، وكيف كانت تعامل البيوتات الكبيرة.
مثلا: ابن فلان كانت له الأفضلية على ابن العائلة الفقيرة المستورة، حتى ولو كان الأخير أكثر كفاءة وفهمًا من الأول.

 

كان معدمًا

في هذه البيئة تفتحت عيناي على الدنيا. هذه الفترة ما زالت تتفاعل في داخلي. إنها من أصعب فترات حياتي. وإلى الآن ما زلت أعانى منها. ما زلت أحمل أوزارها وثقلها على كتفي.
ومثال على ذلك أن والدي – رحمه الله – كان في أواخر حياته رجلا معدما باع كل ما غلا ثمنه في المنزل كي لا يمد يده إلى الآخرين. علما بأن من حقه أن يأخذ حصته من مال المسلمين، لكن كرامته وأخلاقه منعاه من ذلك. فكنا نستدين من بائع الحلوى القليل من الزبيب لنقتات به بدل العشاء. أي بدل الطعام، بينما بيوتات كثيرة كانت تذبح الخراف وترمي بقاياها رغم معرفتها مكانة والدي الدينية وحاجته. ومع ذلك كانت تستنكف أن تمد يدها إليه حتى في شهر رمضان.
وغيري مئات الأشخاص كانوا يعانون المعاناة نفسها. أطفال جياع ينامون بلا طعام ولا من يسأل عنهم. واحد يرتدي الحرير وفي مقابلة عشرة عراة!
وتكمن المشكلة في كوننا بيئة محافظة تحوي كل التناقضات والمفارقات. وكما أشرت سابقا، كابد والدي الكثير إلى أن توفي. كذلك أخي عبد العزيز عانى أكثر وتشرد. أما أنا، رغم أنني تركت تلك البيئة منذ ستين سنة، فما زلت أنوء بحملها وبتناقضاتها.
في العدد المقبل:
الحلقة الثانية
 


اشترك في النقاش